← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6312–6351 · переход к 6317.

стр. 6312

قوله عن أبي برزة (١) [هو بفتح الباء الموحدة، وإسكان الراء وبعدها زاي، وهى كنية مفردة لا يُعرف في الصحابة أحد يكنى أبو برزة غيره، واسم أبي برزة: نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة. رُوى له عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد،

стр. 6313

وقيل: توفى سثة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، رضى الله عنه]. قوله: "إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى". الهوى هو ميل النفس إليه. ٣٢٤٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال لقيني عمر بن الخطاب ﵁ وقد ابتعت لحما بدرهم فقال ما هذا يا جابر قلت قرم أهلي فابتعت لهم لحما بدرهم فجعل عمر يردد قرم أهلي حتى تمنيت أن الدرهم سقط مني ولم ألق عمر (١). قوله وعن جابر تقدم الكلام على جابر. قوله: "قال لقيني عمر بن الخطاب ﵁ وقد ابتعت لحما بدرهم" الحديث. أى اشتريت لحما بدرهم. قوله: "فقال ما هذا يا جابر قلت قرم أهلي إليه" أي اشتدت شهوتهم للحم قاله المنذري. ٣٢٥٠ - وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك جابر بن عبد الله ومعه حامل لحم فقال عمر أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه فأين تذهب عنكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. قال البيهقي وروي عن عبد الله بن دينار مرسلا

стр. 6314

وموصولا قوله قرم أهلي أي اشتدت شهوتهم للحم قال الحليمي ﵀ وهذا الوعيد من الله تعالى وإن كان للكفار الذين يقدمون على الطيبات المحظورة ولذلك قال ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة لأن من يعودها مالت نفسه إلى الدنيا فلم يؤمن أن يرتبك في الشهوات والملاذ كلما أجاب نفسه إلى واحد منها دعته إلى غيرها فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه في هوى قط وينسد باب العبادة دونه فإذا آل به الأمر إلى هذا لم يبعد أن يقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون فلا ينبغي أن تعود النفس ربما تميل به إلى الشره ثم يصعب تداركها ولترض من أول الأمر على السداد فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح والله أعلم قال البيهقي وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى من اللحم المهزول وجعل عليه سمنا فرفع عمر يده وقال والله ما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قط إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر فقال ابن عمر اطعم يا أمير المؤمنين فوالله لا يجتمعان عندي أبدا إلا فعلت ذلك (١). قوله: "وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك جابر بن عبد الله ومعه حامل لحم فقال أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه".

стр. 6315

قوله قرم أهلي أي اشتدت شهوتهم للحم. قوله: "وأين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (١) " قال الحليمي: وهذا الوعيد من الله تعالى وإن كان للكفار إلى آخر ما ذكره الحافظ. قوله: وروي عن عبد الله بن دينار مرسلا وموقوفا. تنبيه: الحديث المرسل قول التابعي مثلا قال النبي ﷺ كذا، وعبارة بعضهم ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين وأي راوٍ كان عند الأصوليين، وإذا جاء الحديث مرسلا من وجه ومسندا من آخر فمذهب أهل الحديث ترجيح المرسل بمعنى أن المسند غير معمول به، ومذهب الأصوليين والفقهاء ترجيح المسند، واعتبر بعض أهل الحديث في ذلك بكثرة الرواة ورجح بها والله أعلم، ذكره ابن عقيل. ٣٢٥١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة رواه النسائي وابن ماجه ورواته إلى عمر ثقات يحتج بهم في الصحيح (٢).

стр. 6316

قوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة" السرف التبذير في النفقة لغير حاجة أو في غير طاعة الله وهو ضد التقتير، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ " (١) والمخيلة الكبر والعجب، يقال اختال فهو مختال ومنه الخيلاء قال عبد اللطيف البغدادي (٢): هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه وفيه تدبير مصالح النفس والجسد والدنيا والآخرة فإن الإسراف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالمعيشة إذ فيه الإتلاف ويضر بالنفس حيث كانت النفس تابعة للجسد في كثير من الأحوال ولها أمراض تخصها، فالمخيلة من الخيلاء وهي تضر بالنفس حيث تكسبها العجب وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم وتضر بالدنيا حيث تكسب المقت من الناس، فمن برئ من الإسراف والخيلاء في تصرفاته وتدبيره وسياسته فقد برئ من العيوب كلها أو جلها والله أعلم، وتقدم الكلام على المخيلة أيضا في كتاب اللباس. ٣٢٥٢ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعث به إلى اليمن قال له إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين رواه أحمد والبيهقي ورواة أحمد ثقات (٣).

стр. 6317

قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: أن رسول الله ﷺ لما بعث به إلى اليمن قال له "إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"، بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن معلما وقاضيا، واليمن: إقليم معروف. ٣٢٥٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن أشرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم رواه البزار ورواته ثقات إلا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن أشرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم". قوله: ورواته ثقات إلا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم [قال أحمد: ليس

стр. 6318

بشيء نحن لا نروي عنه شيئًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب، وفيما قاله نظر ولم يذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وكان يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن سعيد، وروى عباس عن يحيى بن معين ليس به بأس وقد ضعف، هو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح أتحتج به يعني بعبد الرحمن بن زياد قال: نعم]. ٣٢٥٤ - وروي عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام فأولئك شرار أمتي رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط (١). قوله: وروي عن أبي أمامة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام" الحديث، سيأتي الكلام

стр. 6319

على المتشدق في الكلام في باب [الترغيب في الخلق الحسن وفضله، والترهيب من الخلق السيئ وذمه]. ٣٢٥٥ - وروي عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به يأكلون من الطعام ألوانا ويتشدقون في الكلام رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في حديث (١). قوله: وروي عن عبد الله بن جعفر ﵁ تقدم الكلام عليه في الدين، وتقدم أيضا الكلام على ألفاظ هذا الحديث. ٣٢٥٦ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد جيد قوي وابن حبان في صحيحه والبيهقي وزاد في بعض طرقه ثم يقول الحسن أو ما رأيتهم يطبخونه بالأفواه والطيب ثم يرمون كما رأيتم قوله قزحه بتشديد الزاي أي وضع فيه القزح وهو التابل وملحه بتخفيف اللام معروف (٢).

стр. 6320

قوله: وعن أبي بن كعب ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير" الحديث، قزحه وملحه، قد ضبطه الحافظ وفسره وبعده حديث الضحاك بمعناه. ٣٢٥٧ - وعن الضحاك بن سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لى يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن قال ثم يصير إلى ماذا قال إلى ما قد علمت قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا رواه أحمد ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان قال الحافظ ويأتي في الزهد ذكر عيش النبي ﷺ وأصحابه إن شاء الله تعالى (١).

стр. 6321

هو: الضحاك بن سفيان (١)، وسيأتي الكلام على بعض هذه الأحاديث في الزهد إن شاء الله تعالى. خاتمة: عن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط إن رضيه أكله وإلا تركه، رواه الجماعة إلا النسائي (٢). قال النووي (٣): من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب الطعام كقوله مالح أو قليل حامض رقيق غليظ غير ناضج ونحو ذلك، قال: وأما حديث ترك النبي ﷺ أكل الضب فليس هو من عيب الطعام إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهيه. وأفاد الحليمي (٤) أن عيب الطعام إن كان لصناعة فلا كراهة فيه لأن صنعة

стр. 6322

الآدمي تعاب وتمدح وإن كان لغير صناعته كقوله هذا الرمان حامض وهذا البطيخ مدود ونحو ذلك فهذا هو الذي يكره عليه لأن صنعة رب العالمين لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. وقال مجاهد (١): كان النبي ﷺ يكره من الشاة سبعا الدم والمرارة والذكر والأنثيين [والحيا] والمعدة والمثانة، وكان أعجب الشاة إليه مقدمها رواه البيهقي هكذا مرسلا وهو ضعيف، قال: وروى موصولا بذكر ابن عباس قال: وهو حديث لا يصح وصله، قال الخطابي (٢): الدم حرام بالإجماع وعامة المذكورات معه مكروهة غير محرمة، أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 6323

[الترهيب من أن يدعى الإنسان إلى الطعام فيمتنع من غير عذر والأمر بإجابة الداعي وما جاء في طعام المتباريين] ٣٢٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ يَقُول شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يدعى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْمَسَاكين وَمن لم يَأْتِ الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَرَوَا مُسلم أَيْضًا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يمْنَعهَا من يَأْتِيهَا ويدعى إِلَيْهَا من يأباها وَمن لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا (٢)، قال أهل اللغة والفقهاء وغيرهم ﵃: الوليمة عبارة عن كل

стр. 6324

طعام اتخذ عند حادث سرور إلا أن استعمالها في طعام العرس أظهر وهي مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره، وقيل: يقع على الإملاك والعرس خاصة، وقيل: على كل دعوة إملاك أو ختان أو حادث سرور يدعى إليه الناس، قال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أولم (١). قال أصحابنا: والضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس، والخُرس بضم الخاء المعجمة، ويقال الخرص أيضا بالصاد المهملة للولادة، والإعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان، والوتيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذ من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، والعقيقة يوم سابع الولادة، والوضيمة لفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام المتخذ لمصيبة، والمأدبة بضم الدال وفتحها الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب (٢). أ. هـ. وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: "طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث رياء وسمعة، ومن سمَّع سمَّع الله به" وإسناده حسن (٣)، هذا إذا كانت الدعوى ثلاثة أيام [فالأول تجب الإجابة فيه والثاني

стр. 6325

تستحب والثالث تكره]. وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الإجابة إلى وليمة العرس فذهب بعضهم إلى أنها واجبة يأثم النكاح. إذا تخلف عنها لغير عذر وهو قول الظاهرية وهو أحد قولي الشافعية وخالف الجمهور فقالوا باستحبابها والأصح عندهم أنها مستحبة وبه قال مالك وغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب وكراهة الترك. واعلم أن الرافعي والنووي مالا إلى ترجيح وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، واختلف العلماء في وقت فعلها فحكي القاضي أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول وفي سنن البيهقي ما يقتضي أنها [بعد الدخول]، وفي دلائل النبوة له أن النجاشي لما زوج [أم حبيبة من] رسول الله ﷺ [قال: اجلسوا، فإن من

стр. 6326

سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرقوا] ونقل [الغافقي] الإجماع على أنه لا حد لقدرها بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة لكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج، أ. هـ قاله في الديباجة. وقال القاضي عياض (١): لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة إلى وليمة العرس واختلفوا فيما عداها، ثم إنها تجب أو تسن بشروط، أولها: أن يعينه بالدعوة، ثانيها: أن لا يخص الأغنياء، ثالثها: أن تكون لمسلم، رابعها: أن لا يكون هناك عذر مرخص في ترك الجماعة، خامسها: أن لا يكون دعا معه السفلة والأراذل، سادسها: أن يكون جميع ماله حلالا فإجابة من أكثر ماله حرام مكروهة كمعاملته، سابعها: أن لا يكون مدعو إلى بيت أجنبية، ثامنها: أن لا يكون هناك منكر، تاسعها: أن لا يكون ذلك الطعام لمباهاة أو رياء، عاشرها: أن لا يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه أو لتعاونه على باطل، فهذه المسائل أعذار في ترك الإجابة والحضور، وأما الأكل فغير واجب بل مستحب إن لم يكن صائما، وأما الصائم فسيأتي الكلام عليه، قال الإمام محيى السنة: قوله: "شر الطعام طعام الوليمة" فسماه شر الطعام على الغالب من أحوال الناس فيها فإنهم يدعون الأغنياء ويدعون الفقراء ولا جائز أن يقال إنه شر الطعام على الإطلاق فإن نبي الله ﷺ أمر بالوليمة وأمر بإجابة

стр. 6327

من يدعى إليها ومعاذ الله أن يأمر بما فيه شر أو دعو إلى ما يقرب من شر فكيف بما هو الشر المحض كذا في الميسر (١) انتهى. قال النووي (٢): فمعنى الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده ﷺ من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم، وكان بعض العلماء ﵃ لا يجيب في الوليمة أيضًا فقيل له: كان السلف يدعون فيجيبون فقال: كانوا يدعون للمواخاة والمواساة وأنتم اليوم تدعون للمباهاة والمكافأة. تنبيه: المقصود من الدعوة ابتغاء الألفة والمودة والنفوس جبلت على حب من أكرمها وقد حثهم النبي ﷺ على الإجابة لتتأكد الألفة وتصفو المودة فالإطعام بر للنفس يطفئ حرارة الحقد وينفى مكامن الغل، فالألفة إذا صلحت من ثلاثة وجوه تأكدت فالقلب يألف بالإيمان والروح تألف بطاعته والنفس من شأنها الشهوة واللذة فإذا برها صفت وصارت طوعا فندبه ﷺ إلى أن يقبل ذلك من أخيه كيلا يضيع كرامته ولا يجد الشيطان سبيلا إلى وسوسته بالشر وترك الإجابة مما يدل على الجفاء والاستهانة فهناك يجد العدو سبيلا (٣)، أ. هـ.

стр. 6328

٣٢٥٩ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من دعِي فَلم يجب فقد عصى الله وَرَسُوله وَمن دخل على غير دَعْوَة دخل سَارِقا وَخرج مغيرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ عَن درست بن زِيَاد وَالْجُمْهُور على تَضْعِيفه ووهاه أَبُو زرْعَة عَن أبان بن طَارق وَهُوَ مَجْهُول قَالَه أَبُو زرْعَة وَغَيره (١). قوله: وعن عبد الله بن عمر ﵄، تقدم. قوله ﷺ : "ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا" الحديث، المغير اسم فاعل من غار يغير إذا نهب، شبه دخولهم عليهم بدخول السارق وخروجه بمن أغار على قوم ونهبهم (٢)، قاله في النهاية. [ذكر] الحافظ المزي عن الحافظ أبي [بكر بن ثابت] بإسناده إلى نصر بن علي الجهضمي قال: كان جار طفيلي وكان من أحسن الناس منظرًا وأهذبهم منطقًا وأطيبهم رائحةً وأجملهم لباسًا فكان من شأنه أني إذا دعيت إلى مدعاة تبعني فيكرمه الناس من أجلي ويظنون أنه صاحب، فاتفق يوما أن

стр. 6329

جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده فقلت في نفسي كأبي برسول الأمير قد جاء وكأني بهذا الرجل قد تبعني، ووالله لئن تبعني لأفضحنه فأنا على ذلك إذا جاء رسوله يدعوني فما زدت على أن لبست ثيابي وخرجت فإذا أنا بالطفيلي واقف على باب داره قد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة ودعي بالطعام وحضرت الموائد وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس فقدمت إلى مائدة والطفيلي معي فلما مد يده ليتناول الطعام قلت: حدثني درست بن زياد عن إبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل دار قوم بغير إذنهم دخل سارقًا وخرج مغيرًا" فلما سمع ذلك الطفيلي قال: أنفت لك والله يا أبا عمرو من هذا الكلام فإنه ما من أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه أو تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام وتبخل بطعام غيرك على سواك ثم لا تستحي أن تحدث عن درست وهو ضعيف عن إبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي ﷺ والمسلمون على خلافه لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعذب على ما يراه الإمام وأين أنت من حديث حدثناه أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية" وهو إسناد صحيح، قال نصر بن علي: فأفحمني فلم يحضرني جواب فما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي وراءي وسمعته يقول:

стр. 6330

ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن ... لا يصاب فقد ظن عجزا (١) فائدة فقهية: التطفل حرام وهو الحضور من غير دعوة إلا إذا كان المتطفل بينه وبين صاحب الدار انبساط، والتطفل نسبة إلى طفيل رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يدعا إليها فكان يقال له طفيل الأعراس، ويسمي عند العرب الوارش بالشين المعجمة، ذكره في هادي التنبيه. ٣٢٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (٢). قوله: وعن عبد الله بن عمر ﵄، أيضًا اللوحة تقدم. قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها". تنبيه: سئل الفقيه أبو جعفر عن معنى قول النبي ﷺ "من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم" قال: قد فسره سفيان بن عيينة قال: كان بين القوم عداوة في الجاهلية في أول الإسلام يعني بين الأوس والخزرج فإذا لم يجب أحدهما الدعوة كان ذلك زيادة عداوة وفي الإجابة دفع العداوة وأما اليوم فإذا لم يكن هذا المعنى فإن أجاب فحسن وإن لم يجب فلا شيء عليه (٣)، أ. هـ.

стр. 6331

٣٢٦١ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دَعَا أحدكُم أَخَاهُ فليجب عرسا كَانَ أَو نَحوه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِذا دعيتم إِلَى كرَاع فأجيبوه (١). قوله: وعنه ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه" فإن دعي إلى وليمة عرس وجبت الإجابة وإن دعي إلى غيرها استحبت الإجابة. قوله ﷺ في رواية مسلم: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوه" وفي رواية: "لو دعيت إلى كراع لأجبت" أي: لأجبت الدعوة، والمراد بالكراع عند جماهير العلماء كراع الشاة والكراع ما دون الركبة من الشاة، وغلطوا من حمله على كراع الغميم بفتح الغين المعجمة وهو موضع بين مكة والمدينة على مراحل من المدينة من جهة مكة (٢). وتقدم الكلام في الصيام فدل الحديث على حسن خلقه ﷺ وعلى تواضعه.

стр. 6332

٣٢٦٢ - وَعَن جَابر هُوَ ابْن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى طَعَام فليجب فَإِن شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله: وعن جابر ﵁، تقدم. قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" وفي الرواية الأخرى "فليجب، فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" (٢) الحديث، فليطعم بفتح الياء آخر الحروف وسكون الطاء المهملة وفتح الغين المهملة، يقال طعم يطعم طعاما فهو طاعم إذا أكل أو ذاق، ومثال غنم يغنم فهو غانم، تقدم الكلام على الإجابة وعلى الأكل في أول الباب. واختلفوا في معنى "فليصل"، فقال الجمهور معنا: فليدع لأهل الطعام أو لأهل المنزل بالمغفرة والبركة والخير ونحو ذلك، ومنه الحديث: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة" (٣) الحديث، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ (٤) أي: ادع لهم، وقيل:

стр. 6333

المراد الصلاة الشرعية بالركوع والسجود أي يشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، وأما المفطر ففي الرواية الثانية الأمر بالأكل فهو مخير، واختلف العلماء في ذلك والأصح من مذهبنا أنه لا يجب الأكل لا في وليمة العرس ولا في غيرها، فمن أوجبه اعتمد على قوله في الرواية: "فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في الراوية الأولى وحمل الأمر على الندب، وفي راوية: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة وهو صائم فليقل إني صائم" (١). ففيه (٢): أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادات من الصلاة والصوم وغيرهما إذا دعت الحاجة إليه، ولا يستحب إخفاؤها، وفيه إشارة إلى حسن المعاشرة وتقديم حق الإخوة وحسن الاعتذار وقبول العذر، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام. وإذا قيل بوجوب الأكل في الوليمة فأقله لقمة ولا يلزمه الزيادة لأنه يسمي أكلا ولهذا لو حلق لا يأكل نحث بلقمة ولأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها في الطعام فإذا أكل لقمة زال ذلك التخيل هكذا صرح باللقمة جماعة من أصحابنا، وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل لكن إن كان صومه فرضا لم يجز له الأكل لأن الفرض لا

стр. 6334

يجوز الخروج منه وإن كان نفلا جاز الفطر وتركه وغن كان يشق عليه على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم (١). وفي هذا الحديث أن الصوم ليس بعذر في حال الإجابة، وفي الحديث أيضًا عن سعيد مولي أبي هند أن مطرفا من بني عامر بن صعصعة حدثه أن عثمان بن أبي العاص الثقفي دعا له بلبن يسقيه فقال مطرف: إني صائم، الحديث رواه النسائي (٢)، كذلك يسن للإنسان إذا كان صائما أن يقول ذلك ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم" فيقول ذلك اعتذارا للداعي وإعلاما بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور (٣). وليس الصوم عذرا في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لم يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإن يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا، قال الأصحاب: والأفضل إن كان يشق على صاحب الطعام

стр. 6335

صومه يستحب الفطر وإلا فلا هذا إذا كان صوما تطوعا فإن كان صوما واجبا حرم الفطر (١)، أ. هـ. فإن قيل: ما فائدة حضور الصائم؟ قلت: قد يريد صاحب الوليمة حضوره وإن لم يأكل فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به وينتفعون بدعائه أو بإشارته أو ينصانون عما لا ينصانون عنه في غيبته والله أعلم ذكره النووي (٢). ٣٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٣). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس"، أما رد السلام فهو فرض بالإجماع، فإن كان السلام على واحد كان الرد فرض عين عليه، وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا رد أحدهم سقط الحرج عن الباقين، وأما إفشاء السلام فهو سنة، وإفشاؤه: هو إشاعته وإكثاره وأن يبذله

стр. 6336

لكل مسلم كما قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (١)، وأما عيادة المريض فسيأتي ذلك في بابه، وأما إتباع الجنائز فسيأتي ذلك في كتاب الجنائز، وأما إجابة الدعوة فهو المذكور في هذا الباب، والمراد به: الداعي إلى وليمة ونحوها من الطعام وتقدم التفصيل في ذلك في الأحاديث المتقدمة في الباب، وأما تشميت العاطس فعن أنس بن مالك قال: عطس رجلان عن النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال: "إن هذا حمد الله تعالى وإن هذا لم يحمد الله تعالى" رواه الجماعة إلا النسائي (٢)، وأجمعت الأمة على أن التشميت وهو قوله للعاطس يرحمك الله مشروع، ثم اختلفوا في إيجابه فأوجبه أهل الظاهر وابن مريم من المالكية على كل من سمعه لظاهر قوله في الحديث الآخر: "فحق على من سمعه أن يشمته" (٣) قال القاضي عياض: والمشهور من مذهبه أنه فرض كفاية وبه قال جماعة من العلماء كرد السلام، ومذهب الشافعي وآخرين وأصحابه أنه سنة وأدب وليس بواجب، وحملوا الحديث على الندب والأدب كقوله ﵇: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام" (٤)، واختلفوا في رد العاطس

стр. 6337

فقيل يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيلَ: يقول يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين هذا هو الصواب فقد صحت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس فقال مالك يشمته ثلاثا ثم يسكت (١) وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه، والله تعالى أعلم. ٣٢٦٤ - وَعَن عِكْرِمَة ﵁ قَالَ كانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول إِن النَّبِي ﷺ نهى عَن طَعَام المتباريين أَن يُؤْكَل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَكثر من رَوَاهُ عَن جرير لَا يذكر فِيهِ وَابْن عَبَّاس يُرِيد أَن أَكثر الروَاة أَرْسلُوهُ قَالَ الْحَافِظ الصَّحِيح أَنه عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي ﷺ مُرْسل المتباريان هما المتماريان المتباهيان (٢). قوله: وعن عكرمة ﵁ عكرمة (٣): هو مولى ابن عباس، هو: أبو عبد الله فكرمة مولى ابن عباس الهاشمي المدني، أصله بربري من بلاد المغرب وهو من كبار التابعين، سمع الحسن بن علي وأبا قتادة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، قال ابن معين: فكرمة ثقة، قال: وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة

стр. 6338

فاتهمه على الإسلام، وقال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بكلمة فيفتح لي خمسون بابا من العلم، وقال أبو حاتم: أعلا موالى ابن عباس عكرمة، وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم، وقال البيهقي: روى له البخاري ومسلم، توفي سنة أربع ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح. قوله: كان ابن عباس ﵄ يقول إن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، الحديث، المتباريان هما المتماريان المتباهيان قاله الحافظ، وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فهل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، قال ابن مسعود: نهينا أن نجي دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة، قاله في الديباجة، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل، أ. هـ، ذكره صاحب المغيث، وفي حديث ابن عباس: "لا تأكلوا من معاقر الأعراب فإني لا آمن أن يكون مما أهل به لغير الله" هو عقرهم الإبل كان يتباري الرجلان في الجود والسخاء فيعقر هذا إبلا ويعقر هذا إبلا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه بما ذبح لغير الله تعالى. فائدة: الفرزدق الشاعر اسمه همام بن غالب، كان أبو غالب رئيس قومه فأصاب أهل الكوفة مجاعة فعقر غالب لأهل ناقة وصنع منها طعاما وأهدى

стр. 6339

قومه من بني تميم جفانا من ثريد ووجه جفنة منها إلى سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه فكفأها سحيم وضرب الذي أتى بها، فقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب إذ نحر ناقة نحرت أنا أخرى فوقعت [المعاقرة] بينهما وعقر سحيم لأهله ناقتلة فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين فعقر سحيم أهله ناقتين فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثا فعقر سحيم لأهله ثلاثا فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئا وأسرها في نفسه فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هل نحرت مثل ما نحر وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين فاعتذر بأن إبله كانت غائبة وعقر ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم والأكل وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب فاستفتى في حل الأكل منها فقضي بحرمتها وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة ولم يكن المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (١).

стр. 6340

[الترغيب في لعق الأصابع قبل مسحها لإحراز البركة] ٣٢٦٥ - عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بلعق الْأَصَابعِ والصحفة وَقَالَ إِنَّكُم لَا تَدْرُونَ فِي أَي طَعَامكُمْ الْبركَة رَوَاهُ مُسلم (١). قوله: عن جابر ﵁ تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، تقدم أن الصحفة دون القصعة وهي ما تسع ما يشبع الخمسة ونحوهم، وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها صحاف. قوله: وقال "إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" الحديث معناه والله أعلم أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل له البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به، والمراد هنا والله أعلم ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك (٢). فائدة: وقد عابه قوم أفسد عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي

стр. 6341

علق بالأصابع أو بالصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي قد أكلوه وازدردوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذرا لذلك، وإذا ثبت هذا فليس [بعده شئ] أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه وهو مما لا يعلم عاقل فيه بأسًا إذا كان الماس والممسوس جميعا طاهرين نظيفين، وقد يتمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر [حس] أو مخبر عقل (١) انتهي، قاله في الديباجة. ٣٢٦٦ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا وَقعت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليمط مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان وَلَا يمسح يَده بالمنديل حَتَّى يلعق أَصَابعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركة رَوَاهُ مُسلم (٢). قوله: وعنه ﵁ تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعت لقمة أحدكم" الحديث، أما "يميط" فبضم الياء وكسر الميم ومعناه: يزيل وينحي، فيستحب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، والمراد بالأذى هنا المستقذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك، هذا إذا لم تقع على موضع نجس فإن وقعت على

стр. 6342

موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر تطهيرها أطعمها حيوانا أي هرة أو كلبا، ولا يدعها للشيطان والله أعلم (١). تنبيه: وإنما قال: "ولا يدعها للشيطان" لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس ثم إنه من خلاق المتكبرين وذلك من عمل الشيطان (٢). قوله ﷺ : "ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه" سيأتي الكلام على لعق الأصابع، وأما المنديل فمعروف وهو بكسر الميم. قوله: "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" وتقدم الكلام على معنى البركة في الحديث قبله والله أعلم. تنبيه: روى عنه ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا المنديل الذي تمسحون به أيديكم من الغمر في بيوتكم الذي تبيتون فيه ولا القمامة التي تقم من النهار فإنهما مقعد الشيطان" (٣) ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده، والمراد بالغمر ما يكون في اليد من ريح الطعام والزفر، والمراد بالقمامة الكناسة.

стр. 6343

٣٢٦٧ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان ليحضر أحدكُم عِنْد كل شَيْء من شَأْنه حَتَّى يحضرهُ عِنْد طَعَامه فَإِذا سَقَطت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليمط مَا كانَ بهَا من أَذَى ثمَّ ليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان فَإِذا فرغ فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة رَوَاهُ مسلم وَابْن حبَان في صَحِيحه وَقَالَ فَإِن الشَّيْطَان يرصد النَّاس أَو الْإِنْسَان على كل شَيْء حَتَّى عِنْد مطعمه أَو طَعَامه وَلَا يرفع الصحفة حَتَّى يلعقها أَو يلعقها فَإِن آخر الطَّعَام الْبركَة (١). قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الشيطان ليحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه" الحديث، فيه: التحذر منه والتنبيه على ملازمته للإنسان في تصرفاته فينبغي أن يتأهب ويتحرز منه ولا يغتر بما يزينه له، ففي هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل منها: استحباب لعق اليد محافظة على البركة وتنظيفها لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر بأن يكون مرقا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الأعذار (٢). ومما يدل على ذلك قال النووي: روينا من حديث كعب بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها، رواه مسلم (٣).

стр. 6344

واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها وتقدم الكلام على ذلك، ومنها: إثبات الشياطين وأنهم يأكلون حقيقة وتقدم الكلام على ذلك أيضًا، ومنها: جواز مسح اليد بالمنديل لكن السنة أن يكون بعد لعقها (١). قوله: في رواية ابن حبان "ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها" الحديث. فائدة: وعن أم [عاصم] قالت: [دخل علينا] نبيشة مولى رسول الله ﷺ ونحن نأكل في قصعة فقال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة" رواه الترمذي (٢). وفي مسند البزار في هذا الحديث زيادة حسنة وهي "استغفرت له القصعة فيقول: اللهم أجره من النار كما أجارني من لعق الشيطان" (٣).

стр. 6345

ونبيشة هذا يقال له نبيشة الخير (١) وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث وأن له أربعة أحاديث هذا أحدها والله أعلم. ٣٢٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أكل أحدكُم فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أيتهن الْبركَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (٢). قوله: وعن [أبي هريرة] أنس ﵁ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة" هكذا هو في معظم الأصول وفي بعضها: "فإنه لا يدري أيتهما البركة" وكلاهما صحيح، أما رواية: "في أيتهما" فظاهر وأما رواية "لا يدري أيتهن البركة" فمعناه أيتهن صاحبة البركة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والله أعلم (٣).

стр. 6346

٣٢٦٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أكل أحدكُم طَعَاما فَلَا يمسح أَصَابِعه حَتَّى يلعقها أَو يلعقها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها" يلعقها: بفتح حرف المضارعة أي يلحسها، ففيه استحباب لعق اليد محافظة على ترك الطعام وتنظيفا واستنبط من استحباب لحس الإناء ولقط اللباب الذي يتساقط حول المائدة، وقد ورد في استحباب ذلك أحاديث والله أعلم (٢). وقوله: "أو يلعقها" بضم حرف المضارعة ومعنى الحديث والله أعلم: لا يمسح يده حتى يلعقها يعني الأكل فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره مما لا يتقذر ذلك كزوجة وجارية وولد وخادم يحبونه ويلتذون بذلك ولا يتقذرونه وكذا من في معناهم كتلميذ يعتقد بركة شيخه ويود التبرك بلعقها وكذا لو ألعقها شاة ونحوها والله أعلم، والحديث تعليم لأمته أدب الأكل وأخلاقه الشريفة، فإن من فعل ذلك برئ من الكبر والله أعلم. تتمة: قال في الإحياء في القسم الثالث (٣): يستحب أن يلتقط فتات الطعام قال ﵇ "من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده" رواه

стр. 6347

أبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر بلفظ: "أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق" وله من حديث الحجاج بن علاط: "اعطي سعة ورقي الحمق في ولده وولد ولده"، والتقاط الفتات مهر الحور العين، وليشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (١) ومهما أكل حلالا قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك، ويقرأ بعد الطعام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولًا، فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته وشر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين، وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء [بدموعه] ندمه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله ﷺ : "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به" رواه البيهقي في الشعب من حديث كعب بن عجرة بلفظ: "سحت" وهو عند الترمذي وحسنه قاله في الديباجة. خاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (٢): أربع خصال في الطعام فريضة وأربع سنة وأربع أدب واثنان دواء واثنان مكروه، فأما الأربع

стр. 6348

التي هي فريضة، فالأولى: أن لا يأكل إلا من الحلال، الثانية: أن يعلم أنه من الله، الثالثة: أن يكون راضيا به، الرابعة: أن لا يعصي الله تعالى ما دام قوة الطعام فيه، وأما الأربع التي هي سنة، الأولى: أن يسمي الله تعالى في الابتداء، الثانية: أن يحمده في الانتهاء، الثالثة: أن يغسل يده قبل الأكل وبعده، والرابع يثني رجله اليسرى وينصب اليمنى عند الجلوس للأكل، وأما الأربعة التي هي أدب أولها أن يأكل مما يليه، الثاني: أن يصغر اللقمة، الثالث: أن يمضغ مضغا ناعما، الرابع: أن لا ينظر إلى لقمة غيره، وأما اللذان فيهما دواء أحدهما أن يأكل ما يسقط من المائدة، الثاني أن يلعق القصعة، وأما اللذان هما مكروه ونهي عنهما أن لا يشم الطعام ولا ينفخ فيه فيتركه حتى يبرد، أهـ.

стр. 6349

[الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل] ٣٢٧٠ - عَن معَاذ بن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أكل طَعَاما ثمَّ قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحِيم أبي مَرْحُوم عَن سهل بن معَاذ وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن معاذ بن أنس ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه" المراد بذلك دون الكبائر، فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله سبحانه وتعالي، وتقدم له نظائر في الصلاة، وفي الوضوء والله أعلم. وتقدم في باب من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه

стр. 6350

من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو كذلك في كتاب سلاح المؤمن (١) أيضًا أتى في لفظ: "وما تأخر" في اللبس، ولم يأت في الأكل، وكأنه والله أعلم لدوام نفع اللبس بخلاف الطعام فإنه سريع الاستخلاف لكن ظاهر هذا الحديث أنه كلما لبس ثوبا قاله سواء كان الثوب جديدا أو معتاد اللبس، وهذا فيه بشرى عظيمة لقائل ذلك، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٢٧١ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه الْأكلَة بِفَتْح الْهمزَة الْمرة الْوَاحِدَة من الْأكل وَقيل بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" قال الحافظ: الأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وقيل: بضم الهمزة وهي اللقمة، أ. هـ، وقال غيره هي الغدوة أو العشي، ويحتمل هنا الوجهان الفتح الضم ورجح بعضهم هنا الفتح وقال

стр. 6351

عياض (١): بعد حكاية الوجهين الضم اللقمة وبالفتح الأكل [والأوجه] هنا الضم، قال أبو عبيد: والأكلة بال [ضم] وبالكسر [الغيبة] والأكلة بالهمز وبالكسر الهيئة، أ. هـ، يقال: إنه [أكل] أكلة وإكلة، قال العلماء: من السنة أن يحمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام ولا يرفع صوته بالجهر إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل فيشرع ذكر الله تعالى على الأكل والشرب في الطعام فإن المشروع في الأكمل والشرب أن يسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره لهذا الحديث المذكور وهو حديث أنس، وقد روى أن من سمى الله على أول طعامه وحمد الله على آخره فقد أدى ثمنه ولم يسأل بعد عن شكره ذكره ابن رجب (٢). تنبيه: فإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه عبادة، قال أبو العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه، قال: فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي ذكره ابن رجب أيضًا (٣). ٣٢٧٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ خرج أَبُو بكر بالهاجرة إِلَى الْمَسْجِد فَسمع عمر فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة قَالَ مَا أخرجني إِلَّا مَا أجد من
следующие страницы →