← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 677–716 · переход к 682.

стр. 677

عَن الْمَحْسُود وَهَذَا حرَام وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا لَهُ وَهَذَا لا بَأْس بِهِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا. قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" الحديث، قال الحافظ: الحسد يطلق ويراد به: تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذا حرام؛ ويطلق ويراد به الغبطة وهو: تمني مثل حاله، وهذا لا بأس به وهو المراد هنا، انتهى. وفسره غيره مبسوطًا فقال: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة، وأما الحسد المجازي: فهو الغبطة وهو: أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهو مستحب، والمراد في الحديث: لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، قاله النووي (١). فهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها التشبيه بأهل الخير والفضل، وحق لمن نال من النفائس العالية ما يحق لمثله أن يحسد ويغبط بمثله، فمن اتصف بذلك فهو محسود إذ حصل على النعمة التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها فيا طرباه دنيا وأخرى (٢).

стр. 678

تنبيه في الفرق بين الغبطة والحسد: والغبطة والنفاسة وإن كانا من الحسد فقد يكون لهما وجه يبيحهما الشرع، والفرق بين الغبطة والحسد: أن الغابط يود أن يكون له مثل نعمة المغبوط من غير أن تنقص من نعمته شيء وهو الذي يبيحه الشرع المطهر، والحاسد الذي يود أن تزول نعمة المحسود ومن غير أن يناله منها شيء هو الذي يحرمه الشرع (١)، انتهى. قوله ﷺ : "ورجل آتاه الله مالا فسلكه على هلكته في الحق" أي: إنفاقه في الطاعات، والحق هنا واحد الحقوق وهو يستعمل في المندوب كما يستعمل في الواجب، ومنه الحديث وهو قوله ﷺ : "إن في المال حقا سوى الزكاة" (٢) وقال ابن بطال: إنفاق المال في حقه على ثلاثة أقسام: الأول: أن ينفق على نفسه وأهله ومن يلزمه النفقة عليه غير مقتر يجب لهم ولا مسرف في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٣) وهذه النفقة أفضل من الصدقة ومن جميع النفقة. والقسم الثاني: أداء الزكاة وإخراج حق الله تعالى لمن وجب عليه النفقة. والقسم الثالث: صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق وإطعام الجائع وصدقة التطوع كلها، فهذه صدقة مندوب إليها مأجور عليها لقوله ﷺ :

стр. 679

"الساعي على الأرملة واليتيم والمجاهد في سبيل الله" (١)، ولا يخفى أن الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالمرأة كذلك (٢)، والله أعلم. قوله ﷺ : "ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" الحديث، اعلم أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) قال الإمام مالك ﵀ (٤): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه والإتباع له، وروى ابن وهب عن مالك أيضًا قال (٥): الحكمة نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد، وتقدم ذلك في أوائل هذا التعليق، وقال الإمام أبو حنيفة: الحكمة هي العلم بأحكام الدين. بدلائلها، وقال الإمام الشافعي: الفقيه العالم بالأحكام الشرعية والحكيم العالم بأدلتها (٦)، قال الغزالي: الفقيه العالم بظواهر الأحكام والحكيم العالم بأسرارها أيضًا، فكل حكيم فقيه وليس كل فقيه حكيم، مثاله: أن الفقيه يعلم وجوب الصوم بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨) والحكيم يعلم مع ذلك أن سر الصوم قهر النفس وكسر

стр. 680

الشهوات والتخلق بأخلاق الله وأخلاق الملائكة وغير ذلك من الأسرار المذكورة في مواضعها وغير أهل الحكمة هو الذي لا يفهمها ولا يعقلها (١). وقال ابن دريد (٢): الحكمة كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣) أي: الحكمة، وقيل: الحكمة العلم الديني، وقيل: هي [سداد] القول وإحكام الفعل، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٤) قال يعنى المعرفة بالقرآن (٥)، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٦) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول (٧). وقال في حدائق الأولياء (٨): والمراد بالحكمة هنا الفقه (في الدين) كما فسرها به والقضاء والتعليم هو فائدة الحكمة (واليقين) والفقه في الدين، وقيل: الحكمة السنة. قوله ﷺ : "فهو يقضي بها ويعلمها احتسابًا" ومعناه: يعمل بها ويعلمها

стр. 681

احتسابا أي: يقضي بذلك على نفسه وغيره ويعلمها لإخوانه (١)، انتهى. تنبيه: فإن قلت: لم ذكر مالا في قوله: "ورجل آتاه الله مالًا" والحكمة في قوله: "ورجل آتاه الله الحكمة"؟ قلت: لأن الحكمة المراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، أي: الشريعة فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال، ولهذا يدخل فيه أي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم، قال ابن بطال: وفيه من الفقه، أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل حاله، انتهى، قاله الكرماني في شرح البخاري (٢). ١٢٢ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل مَا بَعَثَني الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء وأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير فَكَانَ مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأصَاب طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا إِنَّمَا هِيَ قيعان لا تمسك مَاء وَلا تنْبت كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى ونفعه مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسًا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٣). قوله: عن أبي موسى، اسمه: عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 682

قوله ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم"، فالهدى هو الدلالة المؤدية إلى البعيد، والعلم هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل معناه النقيض، وقيل: الهدى والعلم هو الطريقة، انتهى، قاله الكرماني (١). قوله: "كمثل غيث"، مثل: بفتح المثلثة، المراد منه هاهنا: الصفة العجيبة الشأن لا القول السائد، فالمثل في الأصل بمعنى المثل الذي هو النظير ثم استعير لكل ما فيه غرابة من قصة وحال وصفة، أي: إن صفة ما بعثني الله به كصفة غيثا أصاب أرضًا، وإنما ضرب المثل بالغيث وهو المطر للمشابهة بينه وبين العلم إذ الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت، انتهى، وقيل: إنما اختير الغيث من بين سائر المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (٢) قاله الكرماني (٣). وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلوب ونضوب العلم أي: ذهابه حتى أصابهم الله برحمة من عنده فأفاض عليهم بحال الوحي السماوي فأشبهت حالتهم حال من توالت عليهم السنون حتى تداركهم الله بلطفه (٤) قوله ﷺ : "أصاب أرضًا

стр. 683

فكانت منها طائفة طيبة" الحديث، الطائفة من الشيء قطعة منه، هكذا في جميع نسخ مسلم طائفة، ووقع في البخاري: "وكان منها نقية قبلت الماء" بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة وهو بمعنى: طيبة، وهذا هو المشهور في روايات البخاري (١)، وقبلت: من القبول، وفي بعضها بالياء أخت الواو مشددة، قالوا معناه: أمسكت، قاله الكرماني (٢). قوله: "وأنبتت الكلأ والعشب الكثير" أما العشب والكلأ والحشيش فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب (٣). قوله: "وكان منها أجادب أمسكت الماء"، أما الأجادب: فبالجيم والدال المهملة جمع جديب، وقال بعض العلماء (٤): أجادب جمع أجدب، وأجدب جمع جدب مثل كلب وأكلب وأكالب، وهي: الأرض التي لا تنبت كلأ، قال الأصمعي: أي جرداء بارزة لا يسترها النبات، وقال القاضي عياض في الشرح: لم يُروَ هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو: ضد الخصب، قال: وعليه شرح الشارحون، والمراد هاهنا: الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت سماها أجادب لأنها

стр. 684

لصلابتها لا تنبت (١). قوله: "فشربوا منها وسقوا" قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا، قاله الكرماني (٢). قوله: "وزرعوا" هكذا وقع في البخاري "وزرعوا"، ووقع في غير كما في صحيح مسلم: "ورعوا" بالراء من الرعي وكلاهما صحيح (٣). قوله: "وأصاب طائفة أخرى" بالنصب، أي: وأصاب الغيث طائفة، أي: قطعة أخرى من الأرض (٤). قوله: "منها"، أي: من الأرض. قوله: "إنما هي قيعان" بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها أي: التي لا يقف على وجهها ماء يدخل فيها ولا تنبت شيئا، وهذا هو المراد في الحديث كما صرح به النبي ﷺ في الحديث: "لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ" (٥). قوله ﷺ : "فذلك مثل من فقه في دين الله" والفقه في اللغة هو الفهم كما تقدم يقال منه: فقه بكسر القاف يفقه كفرح يفرح إذا فهم، وأما الفقه الشرعي فقال صاحب العين (٦) والهروي وغيرهما: يقال منه فقه بضم القاف إذا صار

стр. 685

الفقه سجية له، وقال ابن دريد بكسرها كالأول (١)، والمراد بقوله ﷺ : "فقه في دين الله" هذا الثاني فيكون مضموم القاف على المشهور، وفقه بفتح القاف قال ابن عطية (٢): إذا غلب غيره في الفقه، وقد روى الحديث بالوجهين يعني بضم القاف وكسرها، المشهور الضم، قاله النووي في شرح مسلم (٣). قوله ﷺ : "ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" الحديث، ذلك إشارة إلى المثل المذكور كناية عن عدم الالتفات، أي: لم يلتفت إلى التعلم والتعليم ولم يشتغل في ذلك، والله أعلم (٤). ومعنى الحديث التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتًا وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب بالشرب والرعي والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيى به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع؛ والنوع الثاني من الأرض: ما لا يقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليس لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة

стр. 686

والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم والنوع الثالث من الأرض هي: السباخ التي لا تنبت ونحوها فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لينفع غيرهم، فهؤلاء لا خير فيهم (١). انتهى. (أي: الأول للمنتفع النافع، والثاني للنافع غير المنتفع، والثالث لغيرهما، أو الأول إشارة إلى العلماء والثاني إلى النقلة والثالث إلى من لا ينقل، وقال في حدائق الأولياء (٢): فالأول العالم علم دراية والثاني رواية كالأجادب والثالث من لا علم له، وهذا مثال ضرب لمن حل انتفاعه بالعلم والهدى فعلم وعمل، ولمن علم ولم يعمل، ولمن لا يعلم ولا يعمل (٣)، انتهى). وقال الشيخ الإمام محيى السنة (٤): فالنبي ﷺ جعل مثل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس كمثل الأرض في قبول العلم، فشبه من تحمل العلم وتفقه فيه بالأرض الطيبة أصابها المطر فنبتت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمل العلم ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت ولكنها تمسك الماء

стр. 687

فيأخذه الناس وينتفعون به، وشبه من لهم يفهم ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء فهو الذي لا خير فيه، انتهى. وقال بعض العلماء: أشار النبي ﷺ في ضرب المثل إلى الأعلى والأسفل، فشبه ما جاء به النبي ﷺ بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة فمنهم العالم العامل المعلم فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم: من بلغه الشرع فلم يؤمن ولم يقبل فشبهه النبي ﷺ بالقيعان السبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها فلا يكون منها ولا يحصل بما حصل فيها نفع، وسكت عن الوسط إما لأنه داخل في الأول بوجه النفع الحاصل منهم في الدين فيؤخذ عنهم ألفاظ الحديث حسبما روي في كتابه ويتفقه فيه على غيره، وهو معنى قوله ﷺ : "رب حامل فقه ليس بفقيه"، وإما لأنه أخبرنا بالأهم فالأهم وهما الطائفتان المتقابلتان العليا والسفلى (١). انتهى. ففي هذا الحديث أنواع من العلم، منها: ضرب الأمثال، ومنها: فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما وذم الإعراض عن العلم، والله أعلم (٢). ١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﵁ إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره وَولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا

стр. 688

وَرثهُ أَو مَسْجِدًا بناه أَو بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا أجراه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مثله إِلَّا أَنه قَالَ أَو نَهرًا كراه وَقَالَ يَعْنِي حفره وَلم يذكر الْمُصحف (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره" الحديث، في باب سماع الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علمن ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم وغيره (٢)، قال القاضي بن العربي: الذي لا ينقطع عمله بعد موته وهم ستة، هؤلاء الثلاثة، وقال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له حسنات إلى يوم القيامة" (٣)، وقال ﷺ : "من سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم

стр. 689

القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" (١) وقال ﷺ : "كل عامل يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر" (٢) قال القرطبي في كتاب منهج العباد (٣): فعلى هذا يكونون تسعة لا ستة، قلنا: هذه راجعة إلى المذكورات في الحديث، لأن الغرس داخل في الصدقة وكذلك المسجد والبيت والنهر، وأما المصحف فداخل في العلم، وأما السنة الحسنة فتشمل الجميع فعم الرباط (٤). قال العلماء (٥): معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع مجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء المذكورة في الحديث لكونه سببها لأنها أصول الخير وأغلب ما يقصده أهل الفضل أن تبقى بعدهم لأن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلف من تعليم وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية. قال العلماء: الصدقة الجارية بعد الموت أي: الدارة المتصلة كالوقوف الموصدة لأبواب البر، ومنه الحديث: "الأرزاق جارية" أي: دارة متصلة قاله

стр. 690

في النهاية (١). فمعنى الصدقة الجارية أي: يجري نفعها ويدوم أجرها (٢) وهي محمولة عند العلماء على الوقف (٣). والوقف مصدر وقف يقف وقفًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ (٤) ويراد به التحبيس والتسبيل، والفصيح: وقف، ولا يقال: أوقف إلا في لغة تميمة، وعليها العامة وهو من القرب المندوب إليها بأدلة خاصة، قال الشافعي ﵀: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام، يعني: هذا التحبيس المعروف وهو إشارة منه إلى حقيقة شرعية، ويدلا على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٥) ولذلك لما سمعها أبو طلحة رغب في وقف بيرحاء، وكانت أحب أمواله إليه (٦)، وسيأتي الكلام عليها مبسوطًا، فتدخل الصدقة في الوقف فكان حجة على من أنكره من الحنفية، ويدخل فيها بناء القناطر والمطاهر والغراس، كما تقدم، وسبل الخيرات بالوصايا ونحوها. وفيه: بيان أن فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه بالتعليم والتصنيف

стр. 691

والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع (١)، فيدخل فيه علوم الشرع، ويخرج غيرها لأنها وإن انتفع بها في الدنيا فالسياق يخصصه بالانتفاع الأخروي، وهل المراد الذي من شأنه أن ينتفع به وإن لم يتيسر الانتفاع أو لابد من الانتفاع ليدوم سبب الثواب، الظاهر الثاني: ولو وقف على المشتغلين بالعلم كان فيه أجران أجر الصدقة وأجر الانتفاع بالعلم. وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت من الولد وغيره (٢). وفيه: أن الصدقة عن الميت تنفعه ويصل ثوابها من الولد وغيره أيضا، وقد أجمع العلماء عليها وعلى الدعاء وهو نافع من الصالح وغيره، غير أن الوصف بالصلاح خرج مخرج الغالب لأنه ترجى إجابته أكثر من غيره، ولذلك ذكر الولد في الحديث بقوله: "أو ولد صالح يدعو له" لأنه من كسبه. وفيه: أنه يصح قضاء الدين عن الميت من كل أحد (٣). وفيه: أن الحج يجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه ممن أدى فرضه وهو داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبًا، وكذلك إن أوصى بحج التطوع عندنا، وهو من باب الوصايا، وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح، أن الولي يصوم عنه، وله أن يطعم عنه، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق

стр. 692

الميت، وفي ذلك خلاف بين العلماء، والله أعلم (١). ١٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢). ١٢٥ - وَعَن أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (٣). ١٢٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عُلَمَاء هذِه الْأم رجلَانِ رجل آتَاهُ الله علما فبذله للنَّاس وَلم يَأْخُذ عَلَيْهِ طَمَعا وَلم يشتر بِهِ ثمنا فَذَلِك تستغفر لَهُ حيتان الْبَحْر ودواب الْبر وَالطير فِي جو السَّمَاء وَرجل آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وَاشْترى بِهِ ثمنا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي

стр. 693

الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن خِدَاش وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَحده فِيمَا أعلم (١). ١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : عَلَيْكُم بِهَذَا الْعلم قبل أَن يقبض وَقَبضه أَن يرفع وَجمع بَين إصبعيه الْوُسْطَى وَالَّتِي تلِي الْإِبْهَام هَكَذَا ثمَّ قَالَ الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْخَيْر وَلا خير فِي سَائِر النَّاس رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (٢). قَوْله: وَلَا خير فِي سَائِر النَّاس أَي فِي بَقِيَّة النَّاس بعد الْعَالم والمتعلم وَهُوَ قريب الْمَعْنى من قَوْله الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وَمَا وَالَاهُ وعالما ومتعلما. وَتقدم.

стр. 694

قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع" الحديث، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (١). قال ابن بطال (٢): معنى الحديث أن الله لا يهب العلم لخلقه ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم، والله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون قبض العلم بتضييع التعلم فلا يوجد فيمن تبقى من يخلف من مضى، وقد أنذر ﵊ بقبض الخير كله ولا ينطق عن الهوى، انتهى. قوله ﷺ : "العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس" الحديث، أي: في بقية الناس بعد العالم والمتعلم، قاله المنذري. قال القرطبي: هذا الحديث ليس على ظاهره فإن المستمع والمحب ليسا مما لا خير فيه، وقد ذكر أبو عمر من حديث أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: "اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًّا، ولا تكن من الخامسة فتهلك" (٣)

стр. 695

قال عطاء: قال لي مسعر بن كدام: يا عطاء، وردتنا في هذا الحديث زيادة لم تكن في أيدينا، وإنما كان في أيدينا: "اغد عالمًا أو متعلمًا" يا عطاء: ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه (١). قال أبو عمر: الخامسة التي فيها الهلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك، وفيه الهلاك. وقال معاوية بن قرة: قال أبو الدرداء: اطلبوا العلم فإن عجزتم فأحبوا اهله فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم (٢)، وكان يقول: اغد عالمًا أو متعلمًا أو محبًّا (٣)، كما تقدم في حديث أبي بكرة، وكان ﵁: يقول: تفكر ساعة خير من عبادة ليلة (٤)، ومن شعره ﵁: يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللهُ إِلَا مَا أَرَادَ

стр. 696

يَقُولُ الْمَرْءُ: فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا (١) وكان أبو الدرداء ﵁ في آخر عمره يقول (٢): أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا بلا ورق، قاله في الديباجة. ١٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن مثل الْعلمَاء فِي الأرْض كَمثل النُّجُوم يهتدى بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر فَإِذا انطمست النُّجُوم أوشك أَن تضل الهداة رَوَاهُ أَحْمد عَن أبي حَفْص صَاحب أنس عَنهُ وَلم أعرفهُ وَفِيه رشدين أَيْضًا (٣). قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة"، قوله في هذا الحديث: "أوشك" معناها أسارع، مثل النبي ﷺ حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات فما دام العلم باقيًا فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال كما في

стр. 697

الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن بقبض العلماء" (١) وتقدم هذا الحديث. ١٢٩ - وَعَن سهل بن معَاذ بن أنس عَن أَبِيه ﵃ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من علم علما فَلهُ أجر من عمل بهِ لَا ينقص من أجر الْعَامِل شَيْء رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَسَهل يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ (٢). قوله ﷺ : عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه؛ وسهل سيأتي الكلام عليه، كما ذكره الحافظ ﵀. قوله ﷺ : "من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيئًا" تقدم معناه في قوله: "من سن سنة حسنة". ١٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ ذكر لرَسُول الله ﷺ رجلَانِ أَحدهمَا عَابِد وَالْآخر عَالم فَقَالَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فضل الْعَالم على العابد كفضلي على أدناكم ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله وَمَلَائِكَته وَأهل السَّمَوَات وَالأرْض حَتَّى النملة فِي جحرها وَحَتَّى الْحُوت ليصلون على معلم النَّاس الْخَيْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيت عَائِشَة مُخْتَصرا قَالَ معلم الْخَيْر يسْتَغْفر لَهُ كل شَيْء حَتَّى الْحيتَان فِي الْبَحْر (٣).

стр. 698

قوله: عن أبي أمامة؛ اسمه: صُدَيّ، بضم الصاد وفتح الدال وتشديد الياء، بن عجلان الباهلي نزيل حمص بعد أن سكن مصر، وكان من علماء الصحابة وأعيانهم، وكان عمره في حجة الوداع ثلاثين سنة، مات سنة إحدى وثمانين، وقيل: ست وثمانين بقرية دنود على عشرة أميال من حمص، وكان مكثر أو أكثر رواياته عند الشاميين، عاش إحدى وتسعين سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل: عبد الله بن بسر آخرهم. والله أعلم (١). قوله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض ليصلون على معلمي الناس الخير" أي: العلم، فالجليل ﷻ وملائكته يعظم طالب العلم، فكيف العالم، ونور العلم يزيد على نور العبادة كما مثله في الحديث الآخر، فالقمر بالنسبة إلى باقي الكواكب. قوله: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" الصلاة في اللغة: الدعاء،

стр. 699

وهي من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى: الاستغفار، ومن الآدمي: تضرع ودعاء، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا؛ وجحر النملة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة هو الخرق في الأرض، وجحر النملة: مسكنها، والله أعلم. قوله: في رواية البزار: "معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" والمراد بالخير هنا: العلم، وتقدم الكلام على الحكمة في استغفار الحيتان للعالم وأهل السموات والأرض قريبًا مبسوطًا. ١٣١ - وَعَن ثَعْلَبَة بن الحكم الصَّحَابِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله للْعُلَمَاء يَوْم الْقِيَامَة إِذا قعد على كرسيه لفصل عباده إِنِّي لم أجعَل علمي وحلمي فِيكُم إِلَّا وَأَنا أُرِيد أَن أَغفر لكم على مَا كَانَ فِيكُم وَلا أُبَالِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (١). قَالَ الْحَافِظ ﵀ وَانْظُر إِلَى قَوْله علمي وحلمي وأمعن النّظر فِيهِ يَتَّضِح لَك بإضافته إِلَيْهِ أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ علم أَكثر أهل الزَّمَان الْمُجَرّد عَن الْعَمَل بِهِ وَالْإِخْلَاص. قوله: عن ثعلبة بن الحكم الصحابي، هو: ثعلبة بن الحكم بن (عرفطة بن الحارث بن لقيط بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن

стр. 700

بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني، ثم الليثي، قال: كنت غلامًا على عهد رسول الله ﷺ روى عنه: سماك بن حرب، ويزيد بن أبي زياد، شهد خيبر، نزل البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة (١). قوله: "يقول الله للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم". قال الحافظ ﵀: وانظر إلى قوله : "علمي وحلمي" وأمعن النظر فيه يتضح لك بإضافته إليه أنه ليس المراد به علم أكثر أهل الزمان المجرد عن العمل به والإخلاص، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي: وهذ الحديث وأشباهه وجميع أحاديث هذا الباب إنما هي في حق العالم العامل المبتغي بعلمه وجه الله ؛ وأما العامل غير العامل فهو من أشد الناس عذابا يوم القيامة، وكذا العالم الذي لم يبتغ بعلمه وجه الله تعالى لا يشم رائحة الجنة وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل الخلائق كلهم (٢). فصل: في ذكر نبذة تتعلق بفضل العلم والعلماء من كلام القوم، فالعالم يغفر له ما لا يغفر للجاهل كما روى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا إلى النبي ﷺ : "إن الله إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، قال للعلماء: إني كنت أعبد بفتواكم، وقد علمت أنكم تخلطون كلما يخلط الناس، وإني لم

стр. 701

أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم" (١)، قال صاحب الأنوار ﵀: خص اللّه العلماء بفضيلة بخلاف غيرهم أن الله يعبد بفتواهم ويعرف جلاله بهم غير أنهم مطالبون بشكر النعمة فيدفعون لوجود كل فتنة ومحنة وحادثة وبدعة، وهذا مقام عظيم، إذ به يعبد الله. وبه ينتهي عن معاصيه وتترك، فكل من ترك معصية أو بدعة ففي صحيفته، وكل من أطاع الله وعبده فكذلك في صحيفته أيضًا (٢). قال في المدخل (٣): وقد ورد أن الله تعالى يأمر يوم القيامة بأهل البلاء إلى الجنة والعلماء وقوف في المحشر فيقولون: يا ربنا بفضل علمنا دخلوا الجنة، أي: إنهم علموهم ما يلزمهم من الأحكام في بلائهم وما لهم على ذلك من الأجور وكيفية الصبر وما للصابرين فامتثلوا ذلك منهم، فكان سببا لما جرى، ثم يأمر الله تعالى بالمجاهدين والصابرين إلى غير ذلك من الطوائف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والعلماء وقوف يقولون: يا ربنا بفضل

стр. 702

علمنا بفضل علمنا، فيقول الله : "أنتم عندي كأنبيائي، اذهبوا فاخترقوا الصفوف فاشفعوا تشفعوا"، وإذا كان كذلك فينبغي الاعتناء بأمر العالم وتقدمة رتبته بالذكر على غيره من الرتب الباقية، انتهى. وقال يحيى بن معاذ: رأى رجل منصور بن عمار في المنام فقال: ما صنع الله بك؟ فقال: قال لى يا منصور جئتنى بتخليط كثير ولكن قد عفوت عنك، كنت تحببني إلى الناس أو إلى خلقي ثم أمر لي بكرسي فوضع، فقال: مجدني بين ملائكتي كما مجدتني في الأرض بين خلقي (١). وقال ابن عباس ﵄: ليوم واحد من العالم الذي يتعلم الناس منه الخير أفضل عند الله وأعظم أجرا من عبادة الناس مائة سنة. وقال عيسى بن مريم ﵊: "من تعلم وعلم وعمل فذلك يدعى عظيما في ملكوت السموات" (٢). وقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم، وإنما أراد بذلك أن الناس يخرجون بالتعليم عن حد البهيمية إلى حد الإنسانية (٣). وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأنبياء قادة والفقهاء سادة ومجالستهم زيادة" (٤)، وجاء في الحديث: "من صلى الفريضة ثم قعد يعلم

стр. 703

الناس الخير نودي في السموات عظيمًا" (١) وبهذا تواطأت الأخبار ونقلت الأمة خلفا عن خلف، أعني: تعظيم العالم ورفع منزلته على غيره إذ أنه ليس بعد درجة الأنبياء إلا درجتهم ثم بعد درجتهم درجة الشهداء، وقد جاء في الحديث الذي خرجه الحافظ أبو نعيم في كتاب رياضة المتعلمين بإسناده عن رسول الله ﷺ قال: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء" (٢) زاد غير أبي نعيم: "فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء" (٣) وقد روي هذا عن الحسن البصري من قوله وهو أشبه، وهذا بيّنٌ؛ لأن دم الشهداء إنما هو في ساعة من نهار أو ساعات ثم انفصل الأمر فيه إلى إحدى الحسنين، ومداد

стр. 704

العلماء هو وظيفة العمر ليلًا ونهارًا (١)، ومما أنشده الأديب أبو الحسن علي بن أحمد الفنجكردي لنفسه (٢): مِدَادُ الْفَقِيهِ عَلَى ثَوْبِهِ ... أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْغَالِيهْ وَمَنْ طَلَبَ الْفِقْهَ ثُمَّ الْحَدِيثَ ... فَإِنَّ لَهُ هِمًّةً عَالِيَهْ وَلَوْ تَشْتَرِي النَّاسُ هَذِي الْعُلُومَ ... بِأَرْوَاحِهِمْ لَمْ تَكُنْ غَالِيَهْ وقال علي ﵁: العالم أعظم أجرًا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم انثلمت ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء إلى يوم القيامة (٣). وقال الفضيل بن عياض: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعًا وعز الإسلام وأهله ولكنهم ذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم

стр. 705

وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس فذلوا وهانوا على الناس (١). وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسرية وأبوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية وموائدكم جاهلية ومذاهبكم سلطانية، فأين المحمدية (٢)؟ قاله في حياة الحيوان. وقال يحيى بن معين: من عاجل الرياسة فاته كثير من العلم، وقيل: إن السيادة تحصل بالعلم وكلما زاد العلم زادت السيادة. قوله: تسودوا بفتح الواو المشدد مشتقا من السويد الذي من السياد، قاله الكرماني (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: عليكم بالعلم فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم (٤). وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك (٥).

стр. 706

وسُئل عبد الله بن المبارك: من الناسُ؟ قال العلماء قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفهاء؟ قال: الذي يأكل الدنيا بدينه (١). قال يحيى بن معاذ ﵁: العلماء الصادقون أشفق على العباد من الآباء والأولاد، لأن الآباء يحفظونهم من عاهات الدنيا والعلماء يحفظونهم من عاهات الدنيا والآخرة. وقال بعضهم (٢): الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثانية: ولادة القلب والروح، قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب لهم، وقد قرأ: (وهو أب لهم)، ومعنى هذه القراءة في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣) إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع على ثبوت أبوته، قالى: فالشيخ والمعلم والمؤدب أبو الروح والوالد أبو الجسم (٤). وعن الشيخ نور الدين الهاشمي: من علم العلم كان خير أب ذاك أبو الروح لا أبو الجسد (٥)، قيل للإسكندر: لم تكرم معلمك فوق إكرام أبيك؟ فقالى: إن معلمي سبب حياتي الباقية وأبي سبب حياتي الفانية (٦)، وسئل بعض العلماء: العلم أفضل أم المال؟ قال: العلم، قيل: فما بالى الناس ترى أهل العلم على أبواب أصحاب

стр. 707

الأموال أكثر مما ترى أصحاب الأموال على أبواب العلماء، قال: لأن العلماء عرفوا منفعة الأموال والحاجة إليها، وجهل أصحاب الأموال منفعة العلم وفضله (١)، ذكره صاحب كتاب النوازل للحنفية، والله أعلم. ١٣٢ - وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يبْعَث الله الْعباد يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يُمَيّز الْعلمَاء فَيَقُول يَا معشر الْعلمَاء إِنِّي لم أَضَع علمي فِيكُم لأعذبكم اذْهَبُوا فقد غفرت لكم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢). ١٣٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بجاء بالعالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره (٣).

стр. 708

١٣٤ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يبْعَث الْعَالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم اثْبتْ حَتَّى تشفع بِمَا أَحْسَنت أدبهم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره (١). ١٣٥ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فضل الْعَالم على العابد سَبْعُونَ دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس سبعين عَاما وَذَلِكَ لَان الشَّيْطَان يبدع الْبِدْعَة للنَّاس فيبصرها الْعَالم فينهى عَنْهَا وَالْعَابِد مقبل على عبَادَة ربه لا يتَوَجَّه لهَا وَلا يعرفهَا رَوَاهُ الْأصْبَهَانِيّ (٢) وَعجز الحَدِيث يشبه المدرج. حضر الْفرس يَعْنِي عدوه. قوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم. قوله ﷺ : "فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كل درجتين، حضر الفرس سبعون عامًا" الحديث، حضر الفرس: هو بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة بعدها راء مهملة، وأحضر فحضر فهو محضر إذا عدا، ومنه الحديث: أنه أقطع الزبير حُضرَ فرسه بأرض المدينة (٣)، وقد فسره الحافظ ﵀ بغير ضبط لحروفه، فقال: هو عدوه أي: جريه.

стр. 709

١٣٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَقِيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة روح بن جنَاح تفرد بِهِ عَن مُجَاهِد عَنهُ (١). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" الحديث، يقول: وجود فقيه واحد بين الناس أشد على الشيطان من ألف عابد لأن الفقيه يأمر الناس بالدين والسنة ويصلحهم بالإرشاد والنصيحة، والشيطان يأمرهم بالمنكر والفحشاء والمعاصي والبغضاء (٢). قال الغزالي في أوائل الإحياء: قد سأل فرقد السبخي الحسن البصري عن شيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك يا فريقد، وهل رأيت فقيهًا بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه والمداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل [يعني الحسن البصري]:

стр. 710

الحافظ لفروع الفتاوى، فهذا هو الفقيه الذي أشد على الشيطان من ألف عابد، وأما غيره من فقهاء زماننا فلا (١). تتمة: فرقد السبخي، كنيته: أبو يعقوب، فرقد بن يعقوب السبخي، بفتح السين والباء الموحدة، وفي آخره معجمة نسبته إلى السبخة وهي مكان بالبصرة، كان يأوى إليها فنسب إليها، وأصله من عباد أهل أرمينية، وانتقل إلى البصرة، وروى عن الحسن البصري، وروى عن أنس بن مالك، وروى عنه: العراقيون، قال أحمد: رجل صالح، لم يكن صاحب حديث. وقال ابن عدي: كان يعد من صالحي أهل البصرة، وليس له كثير حديث، كان يقول: إن ملوك بني إسرائيل كانوا يقتلون قراءهم على الدين، وإن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا (٢)، وقال: قرأت في التوراة، من أصبح حزينًا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه، ومن جالس غنيًا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكاها إلى الناس كأنما يشكو ربه (٣)؛ وقال: قرأت في التوراة، أمهات الخطايا ثلاث: الكبر والحسد والحرص، فاستل من هؤلاء الثلاث ست فصارت تسعًا: الشبع والنوم والراحة وحب المال وحب الجماع وحب الرياسة (٤)، وتوفي ﵀، قيل: سنة إحدى

стр. 711

وثلاثين ومائة، ولم يكن بالحافظ للحديث، انتهى، قاله ابن الأثير في الأنساب (١)، والله أعلم. ١٣٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من فقه فِي دين ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَلكُل شَيْء عماد وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لِأن أَجْلِس سَاعَة فأفقه أحب إِلَيّ من أَن أحيي لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَا أَنه قَالَ أحب إِلَيّ من أَن أحيي لَيْلَة إِلَى الصَّباح وَقَالَ الْمَحْفُوظ هَذَا اللَّفْظ من قَول الزُّهْرِيّ (٢).

стр. 712

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما عبد الله بشيء أفضل من فقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" الحديث، تقدم الكلام على ذلك، وبسنده عن أبي هريرة أيضًا أن النبي ﷺ قال: "لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الفقه في الدين، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد" (١) وفي تاريخ أصبهان في ترجمة محمد بن أبان عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "التفقه في الدين حق على كل مسلم" (٢). ١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَنه مر بسوق الْمَدِينَة فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا أهل السُّوق مَا أعجزكم قَالُوا وَمَا ذَاك يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: ذَاك مِيرَاث رَسُول الله

стр. 713

- ﷺ يقسم وَأَنْتُم هَا هُنَا أَلا تذهبون فتأخذون نصيبكم مِنْهُ قَالُوا وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي الْمَسْجِد فَخَرجُوا سرَاعًا ووقف أَبُو هُرَيْرَة لَهُم حَتَّى رجعُوا فَقَالَ لَهُم مَا لكم فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة قد أَتَيْنَا الْمَسْجِد فَدَخَلْنَا فِيهِ فَلم نر فِيهِ شَيْئا يقسم فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيْرَة وَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِد أحدا قَالُوا بلَى رَأينَا قوما يصلونَ وقوما يقرؤون الْقُرْآن وقوما يتذاكرون الْحَلَال وَالْحرَام فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيرَة وَيحكم فَذَاك مِيرَاث مُحَمَّد ﷺ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (١).

стр. 714

فصل ١٣٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ العلم علمَان علم فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم على اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب الْعلم عَن الْحسن مُرْسلا بِاِسْنَاد صَحِيح (١). قوله: فصل، عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "العلم علمان: علم في القلب، فذلك العلم النافع؛ وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب ﵀ في شرح الأربعين النواوية: العلم قسمان، أحدهما: ما كان ثمرته في القلب وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخشوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه

стр. 715

ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع؛ والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (١)، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع وهو: العلم الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته، ثم لا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ولا أحكامه، ثم يسري في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة (٢)، انتهى. ١٤٠ - وَرُوِيَ عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم علمَان فَعلم ثَابت فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم فِي اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على عباده رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس والأصبهاني فِي كِتَابه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الفضيل بن عِيَاض من قَوْله غير مَرْفُوع (٣).

стр. 716

قوله: عن أنس، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "العلم علمان، فعلم ثابت في القلب" فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله على عباده، الحديث؛ ومنه قول أبي هريرة ﵁: حفظت من رسول الله ﷺ وعائين (١)، أي: نوعين من العلوم، فبثثت أحدهما، أي: نشرته، يقال: بث الخير وأبثه بمعنى، أي: نشرته (٢)، والآخر: لو بثثته لقطع هذا البلعوم، البلعوم بضم الموحدة مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ (٣). وقال ابن بطال (٤): المراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة وما عرف به النبي ﷺ من فساد الدين وتغيير الأحوال والتضييع لحقوق الله تعالى، ولو كانت الأحاديث التي يحدث بها من الحلال والحرام لما وسعه كتمها بحكم الآية. قال الكرماني (٥): وأقول هذا الحديث هو قطب مدار استدلالات المتصوفة في الطامات والشطحات، قالوا: والمراد بالأول،
следующие страницы →