← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6557–6596 · переход к 6562.

стр. 6557

وقال الخطابي (١): الردغة الوحل الشديد وجاء في تفسيرها أنها صديد أهل النار، وفي النهاية (٢): قريب من ذلك، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، أ. هـ. ٣٣٩٨ - وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵄ عن رسول الله ﷺ قال مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه قال الحافظ ومعنى الحديث أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على الخلاص (٣). قوله: وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵄[عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي روى عن أبيه وعلي بن أبي طالب والأشعث بن قيس وأبي بردة بن نيار إن كان محفوظا ومسروق بن الأجدع

стр. 6558

وعنه أبناه القاسم ومعن وسماك بن حرب والحسن بن سعد وعبد الملك بن عمير وأبو إسحاق السبيعي وأبو بكر بن عمرو بن عتبة الكوفي ومحمد بن ذكوان قال يعقوب بن شيبة كان ثقة قليل الحديث وقد تكلموا في روايته عن أبيه وكان صغيرا فأما علي بن المديني فقال قد لقي أباه وقال في العلل سمع من أبيه حديثين حديث الضب وحديث تأخير الوليد للصلاة وقال ابن معين عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد مات عبد الله وعبد الرحمن بن ست سنين أو نحوها وقال أحمد أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقول لان سمع وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب سمعت (١)]. قوله ﷺ : "مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر" أي سقط، يقال: ردى وتردى لغتان. قوله: "فهو ينزع منها بذنبه" أي ينزع الناس ذنبه ليخرجوه من البئر ولا يقدر على الخلاص (٢)، أ. هـ. والمعنى: أنه أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة (٣)، المعنى أيضًا: من أراد أن يرفع نفسه بنصرة قومه على الباطل فهو كالبعير الذي سقط في بئر (٤). فائدة فقهية تتعلق بذبح البعير المتردي: قال الفقهاء لو تردي بعير أو غيره في بئر

стр. 6559

ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه فهو كالبعير الناد الشارد الذي يند ويعجز عن ذبحه ونحره وإن جميع أجزائه وأعضائه مذبح كالصيد ما دام متوحشا فإذا رماه إنسان بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا منها ومات به حل بالإجماع فالمتردي كالبعير الناد في حله بالرمي بلا خلاف عندنا، وفي حله بإرسال الكلب وجهان أصحهما لا يحل (١)، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. ٣٣٩٩ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله لم يزل في غضب الله حتى ينزع وأيما رجل شد غضبا على مسلم في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة وأيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء سبه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال رواه الطبراني ولا يحضرني الآن حال إسناده وروى بعضه بإسناد جيد قال من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه (٢).

стр. 6560

قوله: وعن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله" الحديث، حالت تقدم معناه. قوله ﷺ : "حتى ينزع" معناه [ينتهي عن مخاصمته، يقال: نزع عن الأمر نزوعا إذا انتهى عنه]. ٣٤٠٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في ملكه ومن أعان على خصومة لا يعلم أحق أو باطل فهو في سخط الله حتى ينزع ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور ومن تحلم كاذبا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر رواه الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله" الحديث، حالت تقدم معناه.

стр. 6561

قوله ﷺ : "حتى ينزع" معناه [ينتهي عن مخاصمته، يقال: نزع عن الأمر نزوعا إذا انتهى عنه]. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله" تقدم معناه. قوله ﷺ : "ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور ومن تحلم كاذبا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة وليس بعاقد" تحلم أي قال أنه رأى في منامه كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا لأنه كذب على الله تعالى فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام. قوله: "وسباب المسلم فسوق" ومنه حديث عائشة (١) فقد أعظم الفرية على الله تعالى أي الكذب والفرية هي الكذبة. قال العلماء: لأن الرؤيا جزء من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا والكاذب في الرؤيا يدعى أن الله أراه ما لم يره وأعطاه جزءا من النبوة لم يعطه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على غيره والله أعلم (٢). قوله: "وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، أي: ساب المسلم فاسق، وفي الحديث أيضًا: "ولا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت

стр. 6562

عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" (١) أي: ارتدت تلك الكلمة إلى قائلها أي إن كانت تلك الكلمة فسقا صار قائلها فاسقا وإن كانت كفرا صار قائلها كافرًا وإن لم يكن المقول [له فاسقا وكافرا] (٢). قوله: رواه الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي. ٣٤٠١ - وروي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا برئ من ذمة الله وذمة رسوله رواه الطبراني والأصبهاني (٣). قوله: وروي عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقًا".

стр. 6563

وقوله: "فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله" وفي الحديث الآخر: "فقد برئت منهم الذمة" أي: بانت وتخلصت منه البراءة في الطلاق، وأنت بريئة أي منفصلة عني، قاله عياض (١)، والذمة هنا المراد بها [العهد، أي عهد الإيمان]. ٣٤٠٢ - وروي عن أوس بن شرحبيل أحد بني أشجع ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام رواه الطبراني في الكبير وهو حديث غريب (٢). قوله: وعن أوس بن شرحبيل أحد بني المجمع ﵁[له صحبة، حديثه عند أهل الشام، ويقال شرحبيل بن أوس (٣)]. قوله ﷺ : "من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام" أي: من دين الإسلام حتى يتوب ويرجع.

стр. 6564

[ترهيب الحاكم وغيره من إرضاء الناس بما يسخط الله ] ٣٤٠٣ - عن رجل من أهل المدينة قال كتب معاوية إلى عائشة ﵂ أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي فكتبت عائشة إلى معاوية سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام عليك رواه الترمذي ولم يسم الرجل ثم روى بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية قال فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعوه وروى ابن حبان في صحيحه المرفوع منه فقط ولفظه قالت قال رسول الله ﷺ من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس (١).

стр. 6565

قوله: كتب معاوية إلى عائشة ﵂ أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري عليّ، الحديث، معاوية (١): هو معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي رئيس قريش (٢)، أسلم يوم الفتح روى عنه ابنه معاوية وابن عباس وغيرهما، توفي سنة اثنين وثلاثين أو إحدى وثلاثين وله ثمان وثمانون سنة، وأما عائشة فهي أم المؤمنين زوج النبي ﷺ ، تقدم ذكر فضائلها، ومن فضائلها أيضًا ما قيل في الحديث "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣) وهذا الحديث متفق عليه، وإنما ضرب المثل لوجوه، أحدها: لأنه أفخر طعام العرب، والثاني: لأنه يأخذ جوهر الطعام كله بالمرق، والثالث: لأنه أسهل تناولا من غيره (٤).

стр. 6566

وروى ابن سعد عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: لقد رأيت جبريل ﵇ واقفا في حجرتي هذه على فرس ورسول الله ﷺ يناجيه فلما دخلت، قلت: من هذا الذي رأيتك تناجيه، قال: "وهل رأيتيه؟ " قلت: نعم، قال: "فمن شبهتيه" قلت: بدحية، قال: ذاك جبريل ﵇ (١). وقال ابن سعد بإسناده عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي ﷺ بعشرة؟ قيل: وما هن يا أم المؤمنين، قالت: لم ينكح بكرا قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة، وقال: تزوجها فإنها امرأتك وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وانما معترضة بين يديه كالجنازة ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري وكان ينزل عليه الوحي وهو معي في فراشي ولم ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور علي فيها، ودفن في بيتي. وفي رواية ابن سعد: وبني بي لتسع سنين ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري وكنت أحب نسائه (٢) إليه، وكان أبي أحب أصحابه إليه ذكره في مرآة الزمان. قوله: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس" الحديث، الالتماس الطلب، والسخط: بفتحتين وضم الطاء ضد الرضى، والمراد

стр. 6567

بإرضاء الناس بسخط الله أن يتقرب إليهم بما يكون معصية عند الله تعالى كالظلم والكذب والغيبة والنميمة والنفاق ومدحهم بما ليس فيهم ومعاونتهم على الإثم والعدوان قاله شارح الأربعين الودعانية للأصبهاني (١). قوله: "ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس" ومعنى "وكله الله إلى الناس" يقال: وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت عليه، وقال بعضهم: وكله الله إلى الناس أي فوض أمره إليهم وسلطهم عليه فيؤذوه. ٣٤٠٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطة ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله عمله في عينه رواه الطبراني بإسناد جيد قوي (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه" الحديث، أيها المريد ائتزر رضا الله على غيره وإن كانت فيه المعاطب والمهالك ولو أغضبت الخلق فلا تبالي بما هنالك وهذه درجة

стр. 6568

الأنبياء وأعلاها للرسل قال العلماء: الرضا والسخط من الله تعالى، المراد بها أمره ونهيه أو ثوابه وعقابه أو إرادة الثواب لبعض العبادات أو العقاب لبعضهم - والله أعلم - الأصفياء وأعلاها لأولي العزم الأغلياء وأعلاها لنبينا سيد الأحباء الأخفياء فمن آثر رضا الله على رضا الخلق كفاه الله، ومن آثر رضاهم على رضاه خذله مولاه، قال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها، وقال الإمام الشافعي ﵁: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه، ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا بارئها ومولاها على غيره كما قال أبو فراس ﵀ ولقد أحسن فيما قال: فليتك تحلو والأيام مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب ومعلوم أن المؤثر لرضى ذي الجلال والإكرام متعرض لسخط الأنام هذه سنة الله في عباده وإلا فما ذنب الرسل والأنبياء والعباد والذين يأمرون بالقسط من الناس الدابين على كتاب الله وسنة رسوله والإجماع والقياس فمن آثر رضى الله تعالى فلا بد أن تعاديه رذالة العالم وسفلة بني آدم وأهل البدع منهم والفجور وأهل الرياسات الباطلة فمن ليس عندهم نور (١)، أ. هـ. قاله صاحب تهذيب النفوس.

стр. 6569

قوله ﷺ : "ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله عمله في عينه" الحديث، وفي هذا المعنى جملة من الأحاديث وهي تدل على أن من خلصت نيته وصفت من شوائب الرياء طويته يقلب الله له قلوب الخلق بالمودة ويزينه في أعينهم ليحبوه وإن كان قد أتى بما يكرهونه ولقد شاهدنا من عادى في الله وأبغض في الله فأعقبت المعاداة موالاة وانقلب البغض محبة ومصافاة ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين خلقه، ولله عاقبة الأمور (١). أ. هـ. ٣٤٠٥ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله رواه الحاكم وقال تفرد به علاق بن أبي مسلم عن جابر والرواة إليه كلهم ثقات (٢). قوله: وعن جابر بن عبد الله ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله" الحديث، ودين الله هو الإسلام، وفي الحديث أن هذا دين ارتضيته لنفسي يعني وتقدم معنى الرضى والسخط في الأحاديث قبله. ٣٤٠٦ - وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما رواه البزار وابن حبان في صحيحه

стр. 6570

ولفظه قال رسول الله ﷺ من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس ورواه البيهقي بنحوه في كتاب الزهد الكبير وفي رواية له قال رسول الله ﷺ من أراد سخط الله ورضا الناس عاد حامده من الناس ذاما (١). قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما" الحديث، المحامد جمع محمدة وهي الحمد. وقوله: "عاد حامده من الناس ذاما" عاد بمعنى صار، فلذلك احتاج إلى خبر وهو ذاما، فإن كان بمعنى رجع تم بفاعله ولم يحتج إلى خبر، مثال

стр. 6571

الأول: عاد الماء ملحا والرطب تمرا، أي صار، ومثال الثاني: عاد زيد من سفره، أي رجع والله أعلم، قاله الأصبهاني في شرح الودعانية (١). ٣٤٠٧ - وروي عن عبد الله بن عصمة بن مالك قال قال رسول الله ﷺ من تحبب إلى الناس بما يحبونه وبارز الله تعالى لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان رواه الطبراني (٢). قوله: وروي عن عبد الله بن عصمة بن [فاتك] مالك. قوله: "من تحبب إلى الناس بما يحبونه وبارز الله تعالى [بما يكرهون] لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان" المبارزة المحاربة والغضب في حق الله تعالى هو انتقامه ممن عصى وهو ضد الرضى والله تعالى أعلم.

стр. 6572

[الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى من الرعية والأولاد والعبيد وغيرهم ورحمتهم والرفق بهم والترهيب من ضد ذلك ومن تعذيب العبد والدابة وغيرهما بغير سبب شرعي وما جاء في النهي عن وسم الدواب في وجوهها] ٣٤٠٨ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله رواه البخاري ومسلم والترمذي ورواه أحمد وزاد ومن لا يغفر لا يغفر له وهو في المسند أيضًا من حديث أبي سعيد بإسناد صحيح (١). قوله: عن جرير بن عبد الله ﵁ تقدم الكلام على جرير. قوله: "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد وزاد فيه: "ومن لا يغفر لا يغفر" قال العلماء: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم (٢).

стр. 6573

فالرحمة في اللغة رقة قلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان على من رق فمبدؤها الرقة التي هي انفعال ومنتهاها العطف والتفضل الذي هو فعل فالإنسان إذا وصف بالرحمة فتارة يراد بذلك المبدأ الذي هو الرقة وتارة يراد به المنتهى الذي هو التفضل والعطف وتارة يرادان معا وإذا وصف بها الباري فليس يراد بذلك إلا المنتهى الذي هو الفعل دون المبدأ الذي هو الانفعال إذ هو منزه عن الانفعالات وعن كل نقص تعالى الله عن ذلك وهذا ما روي عن التابعين حيث قالوا: الرحمة من الله تعالى إنعام وإفضال ومن الآدميين رقة وتعطف (١)، أ. هـ.

стр. 6574

فائدة فيها بشرى: روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها وحتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (١) وإنما خص الوحش بالذكر لنفورها وعدم استيناسها (٢). فهذا الحديث من أحاديث الرضى والبشارة للمسلمين، قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء (٣). قال السختياني: إن رحمة قسمها في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام إني لأرجوا من تسعة وتسعين رحمة ما هو أكثر من ذلك (٤). قال العلماء: وأما تخصيص رحمته بالمائة فالظاهر كون ذلك للتكثير كما ثبت في غيرها من الأعداد فإن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الحصر والله أعلم، وقال بعضهم أيضًا: فإن قلت رحمة الله غير متناهية لا مائة ولا مائتان؟ قلت: الرحمة عبارة عن القدرة المتعلقة [بإرسال] الخير والقدر صفة واحدة، والتعلق هو غير متناه فحصره على مائة

стр. 6575

على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عندنا وتكثيرا لما عنده فالرحمة من العباد الرقة والتعطف ومن الله تعالى إيصال الخير (١). انتهى. ٣٤٠٩ - وعن أبي موسى ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول لن تؤمنوا حتى تراحموا قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح (٢). قوله: وعن أبي موسى ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لن تؤمنوا حتى تراحموا" قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: "إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة" الحديث، تقدم أن العلماء قالوا: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم. ٣٤١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من لم يرحم الناس لم يرحمه الله رواه الطبراني بإسناد حسن (٣).

стр. 6576

قوله: وعن ابن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من لم يرحم الناس لم يرحمه الله" اعلم أن المقصود من هذا الحديث الحث على الرحمة لعباد الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنها من أسباب رحمة الله تعالى وأفضل القربات إلى الله تعالى وبيان أن العقوبة لمن لم تكن الرحمة في طباعه وامتناعها لسبب امتناعها، وأي وعيد أبلغ في التشديد وأعظم في النقمة من فوات الرحمة من الله وفقنا الله لطاعته وأعاننا وأعاذنا من مخالفته، أ. هـ قال الشيخ زين الدين العراقي في بعض أماليه في هذا المعنى (١): إنْ كنتَ لا ترحم المسكين إن عَدِما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العَدما فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنَّما يرحم الرحمنُ من رَحِما ٣٤١١ - وعن جرير ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء رواه الطبراني بإسناد جيد قوي (٢). قوله: وعن جرير ﵁ تقدم الكلام على جرير. قوله: "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء" الحديث، الذي في السماء هو الله تعالى وذلك على معنى أن أمره ونهيه جاء من السماء

стр. 6577

فوقعت الإشارة إلى مثل ما نطق به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (١) ولا شك في ذلك أنه يريد به نفسه تعالى كذا في الميسر (٢) وتقدم في النكاح. ٣٤١٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء رواه أبو داود والترمذي بزيادة وقال حديث حسن صحيح (٣). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" تقدم الكلام عليه في الحديث قبله. ٣٤١٣ - وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون رواه أحمد بإسناد جيد (٤).

стр. 6578

قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم" تقدم معنى ذلك في الأحاديث قبله. قوله ﷺ : "ويل لأقماع القول" ويل: اسم واد في جهنم، وقيل: اسم حجر فيها، وتقدم الكلام على تفسيرها مبسوطا في تخليل الأصابع في الوضوء، وأقماع القول فسر بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة فإذا دخل شي من ذلك في أذنه خرج من الأخرى ولم ينتفع بشيء مما سمع (١)، أ. هـ. وقال العراقي في بعض أماليه: أقماع القول: هو بفتح الهمزة وسكون القاف وآخره عين مهملة واحدها قمع بكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنِطَع ونِطْع، وحكي الجوهري عن يعقوب: فتح القاف وإسكان الميم وهو الذي يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات شبه سماع الذين يسمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها فكأنه يمر عليها مجازا كما يمر الشراب في أقماع اجتيازا،

стр. 6579

وذكره الهروي بلفظ ويل لأقماع الأذان، قال الهروي: وقيل الأقماع الآذان والأسماع (١)، أ. هـ. ٣٤١٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه (٢) وقد روي هذا اللفظ من حديث جماعة من الصحابة وتقدم بعض ذلك في إكرام العلماء. [قوله: وعن ابن عباس ﵄]. قوله ﷺ "ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير" ليس منا: تقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.

стр. 6580

٣٤١٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قام رسول الله ﷺ على بيت فيه نفر من قريش فأخذ بعضادتي الباب فقال هل في البيت إلا قرشي فقالوا لا إلا ابن أخت لنا قال ابن أخت القوم منهم ثم قال إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا أقسموا أقسطوا ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورواته ثقات (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: قام رسول الله ﷺ على بيت فيه نفر من قريش، تقدم الكلام على النفر في عدة مواضع من هذا التعليق أيضًا. قوله: فأخذ بعضادتي الباب، عضادتا الباب هما خشبتاه. قوله: فقال: "هل في البيت إلا قرشي" فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا، فقال: " ابن أخت القوم منهم" الحديث، استدل به من يورث ذوي الأرحام وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وآخرين، ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يورثون وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه بينهم

стр. 6581

وبينه ارتباط وقرابة ولم يتعرض للإرث وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته ونحو ذلك والله أعلم (١)، وتقدم الكلام على ذلك في كتاب القضاء. ٣٤١٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال كنا في بيت فيه نفر من المهاجرين والأنصار فأقبل علينا رسول الله ﷺ فجعل كل رجل يوسع رجاء أن يجلس إلى جنبه ثم قام إلى الباب فأخذ بعضادتيه فقال الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثا إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا عاهدوا وفوا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن واللفظ له وأحمد بإسناد جيد وتقدم بلفظه وأبو يعلى ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة وتقدم حديث بنحوه لأبي برزة وحديث لأبي موسى في العدل والجور (٢).

стр. 6582

قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: كنا في بيت فيه نفر من المهاجرين والأنصار، المهاجرون: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، والأنصار: هم أهل المدينة الذين نصروا رسول الله ﷺ وأووه. قوله: ثم قام إلى الباب فأخذ بعضادتيه فقال: "الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.

стр. 6583

٣٤١٧ - وعن نصيح العنسي عن ركب المصري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل في نفسه من غير مسألة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة الحديث رواه الطبراني ورواته إلى نصيح ثقات (١). قوله: وعن نصيح العنسي عن ركب المصري ﵁ تقدم الكلام على ركب المصري. ٣٤١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول لا تنزع الرحمة إلا من شقي رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح (٢).

стр. 6584

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: سمعت الصادق المصدوق، وفي حديث آخر: حدثنا الصادق المصدوق وهو أصل فيما يستعمله المحدثون من قولهم حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، ومعنى حدثنا أنشأ لنا خبرا حادثا والصادق المصدوق معناه: الصادق في قوله المصدوق فغيما يأتيه من الوحي الكريم، فالصادق: الآتي بالصدق وهو الخبر المطابق والمصدوق الذي يأتيه غيره بالصدق وعلى هذا القياس الكاذب والمكذوب، ومنه قول علي ﵁ يوم النهر: وإن والله ما كذبت، أي ما كذب من أخبرني والنبي صادق فيما أخبر مصدوق فيما أخبر لأن مخبره جبريل ﵇ وعكسه ابن صياد قال: يأتيني صادق وكاذب وأرى عرشا على الماء فقال: خلط عليه الأمر فهو إذا كاذب مكذوب، أ. هـ، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (١). قوله: صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ ، تقدم الكلام على التكني بأبي القاسم في مواضع. ٣٤١٩ - وعنه ﵁ قال قبل رسول الله ﷺ الحسن أو الحسين بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت

стр. 6585

منهم أحدا قط فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال من لا يرحم لا يرحم رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي (١). قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن أو الحسين ابني علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي، الحديث، كان النبي ﷺ يحب الحسن والحسين، في سنن أبي داود عن علي ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيد حسن وحسين وقال: "من أحبني وأحب هذين وأمهما وأباهما كان معي في الجنة اللهم اشهد عليَّ أني أحبهما" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان حاملا الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام فقال رسول الله ﷺ : "ونعم الراكب هو" (٣) وسيأتي الكلام عليهما في مناقبهما، قال ابن العماد في شرح العمدة: وروينا في صحيح البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ ابنه

стр. 6586

إبراهيم فقبله وشمه (١)، وروينا في سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: دخلت على أبي بكر الصديق أول ما قدم المدينة فإذا عائشة ابنته ﵂ مضطجعة قد أصابتها حمى فاتاها فقال أبو بكر كيف أنت يا بنية وقبل خدها (٢)، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إياس بن دغفل قال: رأيت أبا نضرة قبل خد الحسين بن علي (٣)، أبو نضرة بالضاد المعجمة اسمه المنذر بن مالك بن قطعة تابعي ثقة، قال النووي وكان عبد الله بن عمر يقبل [وأبوه] سالما ويقول: اعجبوا من شيخ يقبل شيخا، وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهاد هذه الأمة وعبادها أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: اخرج لسانك الذي تحدث به حديث رسول الله لأقبله فيقبله وأفعال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصى (٤)، أ. هـ قال العلماء: ويستحب حمل الصغير وتقبيله، وقد ورد في الحديث أن من قبل صغيرا فله عشر حسنات وإنما استحب تقبيل الصغير للرحمة والشفقة ولأنه هبة من الله تعالى والإنسان إذا وهبه غيره شيئا قبله لاسيما الهبة من الملك فأما تقبيل الرجل خد ولده الصغير وأخيه وقبلة غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة فسنة والأحاديث في ذلك

стр. 6587

كثيرة صحيحة مشهورة وسواء الولد الذكر والأنثى وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه، وأما التقبيل بشهوة فحرام بالاتفاق وسواء في ذلك الوالد وغيره بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي (١)، أ. هـ، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال: قبلنا يد النبي ﷺ ، رواه أبو داود بإسناد حسن (٢). قال النووي في الأذكار: إذا أراد أن يقبل يد غيره إذا كان ذلك لزهده وصلاحه أو لعلمه وشرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لم يكره بل يستحب وإن كان لغناه وتروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا أو نحو ذلك فهو مكروه شديد الكراهة (٣)، أ. هـ قال أبو الليث السمرقندي: ويقال القبلة على خمسة أوجه قبلة المودة وقبلة الرحمة وقبلة الشفقة وقبلة الشهوة وقبلة التحية، فأما قبلة المودة فهي قبلة الوالدين للولد على الخد وأما قبلة الرحمة فهي قبلة الولد للوالدين على رأسهما وأما قبلة التحية فهي قبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد وعلى الوجه، وأما قبلة الشهوة فهي قبلة الزوج لزوجته على الفم (٤)، أ. هـ.

стр. 6588

فائدة: يستحب حمل الصغار إلى العلماء والصالحين ليقع بصرهم عليهم وتحصل بركة الدعاء والتبرك بهم والله أعلم. فائدة أيضًا: لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه، روينا في صحيح البخاري عن عائشة في الحديث الطويل في وفاة رسول الله قالت: دخل أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أكب عليه فقبله وبكى (١)، قاله ابن العماد في شرح العمدة. قوله: عن الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا قط فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال "من لا يرحم لا يرحم" بالرفع والجزم من اللفظين، وروي عن عمر أنه استعمل رجلا على بعض الأعمال فدخل الرجل على عمر فرآه قد أخذ ولدا له وهو يقبله فقال إن لي أولادا فما قبلت منهم أحدا قاله له عمر لا رحمة لك على الصغار فرحمتك على الكبار أقل رد علينا عهدنا فعزله (٢). ٣٤٢٠ - وعن عائشة ﵂ قالت جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال إنكم تقبلون الصبيان وما نقبلهم فقال رسول الله ﷺ أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك رواه البخاري ومسلم (٣).

стр. 6589

وفي حديث عائشة بعده: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تقبلون الصبيان ولا نقبلهم" فقال رسول الله ﷺ : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك" الحديث، أي لا أملك لك رد الرحمة التي نزعها الله من قلبك (١)، أ. هـ، والرحمة في حقنا رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو صغير تحمله على الإحسان إليه واللطف به والرفق والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله تعالى هذه الرحمة في الحيوان كله عاقله وغير عاقله فيها تعطف الحيوانات على نوعها وأولادها فتحنوا عليها وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوى للضعيف والكبير للصغير حتى ينحفظ وتتم مصلحته وذلك بتدبير اللطيف الخبير وهذه الرحمة التي جعلها في القلوب في هذه الدار وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادخرها الله تعالى ليوم القيامة فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها حتى يخلصهم منها ويدخلهم في جنته وكرامته ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف ألحق بها نفسه هي رقة وحنو كما هي في حقنا لأن ذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تعالى منزه ومقدس عن ذلك وعن نقيضه وهو القسوة والغلظ وإنما ذلك راجع في حقه إلى ثمرة تلك الرقة وفائدتها وهو اللطف بالمبتلي والضعيف والإحسان إليه وكشف ما هو فيه من البلاء فأذن هي في حقه من صفات الفعل لا من صفات الذات وهذا كما تقرر في غضبه

стр. 6590

تعالى ورضاه وإذا تقرر هذا فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق وكشف ضر المبتلى فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المنال ومن سلب الله تعالى ذلك المعنى عنه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ فلم يلطف بضعيف ولا أشفق على مبتلى في الحال وجعل ذلك علما على شقوته في المثال نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال ﵇: "الراحمون يرحمهم الرحمن" وقال: "لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" وقال: "لا ينزع الرحمة إلا من شقي" وقال: "لا يرحم من لا يرحم" وفي هذه الأحاديث ما يدل على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة والشفقة وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة وهذه القبلة على الفم ويكره مثل ذلك في الكبار إذ لم يكن معروفا في الصدر الأول ولا يدل على شفقته فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم، وأما تقبيل اليد فكرهه مالك ورآه من باب الكبر، وإذا كان مكروها في اليد كان أحرى وأولى في الرجل وقد أجاز تقبيل اليد والرجل بعض الناس مستدلا بأن اليهود قبلوا يد رسول الله ورجله حين سألوه عن مسائل فأخبرهم بها ولا حجة في ذلك لأنه ﷺ قد نزهه الله تعالى عن الكبر وليس كذلك غيره ولأن ذلك أظهره من اليهود اعتقادهم صدقه فأقرهم على ذلك ليتبين للحاضرين باذلا لهم أنفسهم له ما عندهم من معرفتهم بصدقه وأن كفرهم بذلك عناد وجحد ولو فهمت الصحابة جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أول سابق إلى ذلك فيفعلون ذلك به دائما في كل وقت كما كانوا يتبركون ببزاقه

стр. 6591

ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم ويتطيبون بعرقه ويقتتلون على وضوئه ولم يرو قط عنه واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدا ولا رجلا فصح ما قلناه والله ولي التوفيق، أ. هـ قاله القرطبي (١). قوله: "إن نزع" قال العراقي في أماليه: يجوز في أن فتح الهمزة على أنها مصدرية أي لا أملك لك نزع الله من قلبك الرحمة، وفيه: حذف مضاف أي لا أملك لك دفع نزع الله من قلبك الرحمة لا أملك لك دفعه ومعنى الكلام منع قدرته ﵇ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة وقد روى الحديث بهما والله أعلم (٢). ٣٤٢١ - وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁: أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها فقال إن رحمتها رحمك الله رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد والأصبهاني ولفظه قال يا رسول الله إني آخذ شاة وأريد أن أذبحها فأرحمها قال والشاة إن رحمتها رحمك الله (٣).

стр. 6592

قوله: وعن معاوية بن قرة [هو معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو إياس البصري، والد إياس بن معاوية قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي ﷺ أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكنى، ومعاوية وثقه يحيى بن معين وكذا العجلي والنسائي وأبو حاتم وقال بن سعد كان ثقة وله أحاديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال مطر الأعنق عن معاوية بن قرة: لقيت من الصحابة كثيرا منهم خمسة وعشرون من مزينة قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة وقال يحيى بن معين مات وهو بن ست وسبعين سنة (١)]. قوله: أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، تقدم الكلام على معنى الرحمة وأنها على العموم تتناول رحمة الأطفال وغيرهم.

стр. 6593

٣٤٢٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي ﷺ أتريد أن تميتها موتتين هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها رواه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم واللفظ له وقال صحيح على شرط البخاري (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، الحديث، الشفرة هي السكين. ٣٤٢٣ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا يسأل الله عنها يوم القيامة قيل يا رسول الله وما حقها قال حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي به رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد (٢).

стр. 6594

قوله: وعن عبد الله بن عمر [و]﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها" العصفور بفتح العين [وهو شاذ حكاه ابن رشيق في الغرائب والشذوذ والمعروف بضم العين وكنيته أبو الصعو وأبو محرز وأبو مزاحم وأبو يعقوب. قال حمزة: سمي عصفورا لأنه عصى وفر. وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه (١)]. ٣٤٢٤ - وعن الشريد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة. رواه النسائي وابن حبان في صحيحه (٢). قوله: وعن الشريد ﵁ هو: الشريد بن سويد الثقفي، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء كان اسمه مالكا فقتل رجلا من قومه ثم لحق بمكة فسماه رسول الله ﷺ الشريد.

стр. 6595

قوله: "من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة" الحديث، وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: "من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني"، وفي تاريخ ابن خلكان أن الزمخشري كان مقطوع الرجل فسئل عن ذلك فقال: دعاه الوالدة وذلك أنه في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله فأفلت من يدي وأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت والدتي لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي وعملت عملا أوجب قطعها (١). وروى الحاكم عن خالد بن معدان عن أبي عبيدة أن النبي ﷺ قال: "قلب ابن آدم مثل العصفور يقلب في اليوم سبع مرات" (٢).

стр. 6596

٣٤٢٥ - وعن الوضين بن عطاء قال إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت إلى النبي ﷺ فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها فقال لها النبي ﷺ اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا رواه عبد الرزاق في كتابه عن محمد بن راشد عنه وهو معضل (١). قوله: وعن الوضين بن عطاء [الخزاعي الدمشقي عن خالد بن معدان ومحفوظ بن علقمة وعنه الحمادان وثقه أحمد وابن معين ودحيم وقال مات سنة تسع وأربعين ومائة وقال ابن عدي لم أر بحديثه بأسا وضعفه ابن سعد والجوزجاني]. قوله: "وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا" السوق الرفيق هو [ضد العنف ويعرض عليها الماء قبل الذبح خوفًا من عطشها المعين على تلفها، وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف؛ لأنها لا تستمرئه إلى حين الذبح فيكثر به الفرث، وألا يحد [الشفرة] في وجهها، وإلا يذبح بعضها في وجه [بعض؛] لورود الأثر فيه (٢)]. ٣٤٢٦ - وعن ابن سيرين أن عمر ﵁ رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا رواه عبد الرزاق أيضًا موقوفًا (٣). قوله: وعن ابن سيرين، تقدم الكلام عليه.
следующие страницы →