← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6592–6631 · переход к 6597.

стр. 6592

قوله: وعن معاوية بن قرة [هو معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو إياس البصري، والد إياس بن معاوية قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي ﷺ أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكنى، ومعاوية وثقه يحيى بن معين وكذا العجلي والنسائي وأبو حاتم وقال بن سعد كان ثقة وله أحاديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال مطر الأعنق عن معاوية بن قرة: لقيت من الصحابة كثيرا منهم خمسة وعشرون من مزينة قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة وقال يحيى بن معين مات وهو بن ست وسبعين سنة (١)]. قوله: أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، تقدم الكلام على معنى الرحمة وأنها على العموم تتناول رحمة الأطفال وغيرهم.

стр. 6593

٣٤٢٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي ﷺ أتريد أن تميتها موتتين هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها رواه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم واللفظ له وقال صحيح على شرط البخاري (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، الحديث، الشفرة هي السكين. ٣٤٢٣ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا يسأل الله عنها يوم القيامة قيل يا رسول الله وما حقها قال حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي به رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد (٢).

стр. 6594

قوله: وعن عبد الله بن عمر [و]﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها" العصفور بفتح العين [وهو شاذ حكاه ابن رشيق في الغرائب والشذوذ والمعروف بضم العين وكنيته أبو الصعو وأبو محرز وأبو مزاحم وأبو يعقوب. قال حمزة: سمي عصفورا لأنه عصى وفر. وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه (١)]. ٣٤٢٤ - وعن الشريد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة. رواه النسائي وابن حبان في صحيحه (٢). قوله: وعن الشريد ﵁ هو: الشريد بن سويد الثقفي، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء كان اسمه مالكا فقتل رجلا من قومه ثم لحق بمكة فسماه رسول الله ﷺ الشريد.

стр. 6595

قوله: "من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة" الحديث، وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: "من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني"، وفي تاريخ ابن خلكان أن الزمخشري كان مقطوع الرجل فسئل عن ذلك فقال: دعاه الوالدة وذلك أنه في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله فأفلت من يدي وأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت والدتي لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي وعملت عملا أوجب قطعها (١). وروى الحاكم عن خالد بن معدان عن أبي عبيدة أن النبي ﷺ قال: "قلب ابن آدم مثل العصفور يقلب في اليوم سبع مرات" (٢).

стр. 6596

٣٤٢٥ - وعن الوضين بن عطاء قال إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت إلى النبي ﷺ فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها فقال لها النبي ﷺ اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا رواه عبد الرزاق في كتابه عن محمد بن راشد عنه وهو معضل (١). قوله: وعن الوضين بن عطاء [الخزاعي الدمشقي عن خالد بن معدان ومحفوظ بن علقمة وعنه الحمادان وثقه أحمد وابن معين ودحيم وقال مات سنة تسع وأربعين ومائة وقال ابن عدي لم أر بحديثه بأسا وضعفه ابن سعد والجوزجاني]. قوله: "وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا" السوق الرفيق هو [ضد العنف ويعرض عليها الماء قبل الذبح خوفًا من عطشها المعين على تلفها، وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف؛ لأنها لا تستمرئه إلى حين الذبح فيكثر به الفرث، وألا يحد [الشفرة] في وجهها، وإلا يذبح بعضها في وجه [بعض؛] لورود الأثر فيه (٢)]. ٣٤٢٦ - وعن ابن سيرين أن عمر ﵁ رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا رواه عبد الرزاق أيضًا موقوفًا (٣). قوله: وعن ابن سيرين، تقدم الكلام عليه.

стр. 6597

قوله: أن عمر ﵁ رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: "ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا"، هذه الكلمة "ويلك" أصلها لمن وقع في هلكة فقيل له ويلك، وقيل: هي كلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا بل تدعم به العرب كلامها كقولهم: لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله الله، ما أشجعه، عقرى حلقى، وما أشبه ذلك (١). وقال بعضهم: إن العرب إذا أعجبهم شيء دعوا عليه خوفا عليه من العين فيقولون قاتله الله وليس قصدهم حقيقة ذلك والله أعلم قاله ابن العماد. ٣٤٢٧ - وعن ابن عمر ﵄ أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا لعن الله من فعل هذا إن رسول الله ﷺ لعن من اتخد شيئا فيه الروح غرضا رواه البخاري ومسلم الغرض بفتح الغين المعجمة والراء هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس وغيره (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، الحديث، هكذا هو في النسخ طيرا والمراد به واحدٌ، والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له طائر والجمع طير وفي لغة قليلة

стр. 6598

إطلاق الطير على الواحد وهذا الحديث جار على تلك اللغة (١). قوله: وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، أي: كل واحدة لا تصيب، والخاطئة ها هنا بمعنى المخطئة وهو بهمز أي لم تصب المرمى، وخاطئة لغة والأفصح مخطئة يقال لمن قصد شيئا فأصاب غيره غلطا أخطأ فهو مخطئ وفي لغة قليلة خطأ فهو خاطئ، وهذا الحديث جار على اللغة الثانية حكاها أبو عبيد والجوهري وغيرهما (٢). قوله: "إن رسول الله ﷺ لعن من اتخد شيئا فيه الروح غرضا" وفي رواية: "لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضًا" أي لا تنصبوا ما فيه الروح لترموه والغرض هو ما تنصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس وغيره، قاله الحافظ المنذري، قال العلماء: معنى الحديث "لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا" أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهذا النهي للتحريم ولهذا قال النبي ﷺ في رواية ابن عمر: "لعن الله من فعل هذا" ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكاته إن كان مذكى ولمنفعته إن لم يكن مذكى (٣) وقد عده العلماء من الكبائر لأن النبي ﷺ لعن فاعله (٤).

стр. 6599

فائدة: خرج الإمام أحمد في مسنده من حديث رجل من الصحابة عن النبي ﷺ قال: "من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل الله به يوم القيامة" (١). ٣٤٢٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فجاء النبي ﷺ فقال من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال من حرق هذه قلنا نحن قال إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار رواه أبو داود قرية النمل هي موضع النمل مع النمل (٢). قوله: وعن ابن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 6600

قوله: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، الحديث، الحمرة بضم الحاء وتشديد الميم ضرب من الطير كالعصفور الواحدة حمرة يكون كدرا وقد تخفف الميم فيقال حمر وحمرات (١)، وحكم هذا الطائر الحل بالإجماع لأنها من نوع العصفور (٢). وقوله: فجاءت تعرش، بضم المثناة من فوق وفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة وبالشين المعجمة أي ترتفع وتظلل قاله في الصحاح، وقيل: تعرش أي ترفرف بالفاء مأخوذ من فرش الجناح وبسطه أي ترتفع فوقهما وتظلل عليهما ومنه أخذ العريش (٣). قوله: فقال: "من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها" والحكمة في الأمر برد الفرخ أنه يحتمل أنهم كانوا محرمين أو لأنها لما استجارت به أجارها وكان الإرسال في هذه الحالة واجبا (٤)، وروي أبو داود الطيالسي والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود قال: كنا عند رسول الله ﷺ في سفر فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيض حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "أيكم فجع هذه" فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها، وفي رواية الحاكم: "فرخها" فقال ﷺ : "ردوه رحمة لها".

стр. 6601

وروي أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ دخلوا غيضة فأخذوا فراخ طائر فجاء الطائر إلى رسول الله ﷺ قال ﵇: "من أخذ فراخ هذه؟ " فقال رجل: أنا، فأمره أن يرده فرده (١). وروي البزار عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون إذ أخذوا فرخ طير فأقبل أحد أبويه حتى سقط على أيدي الذين أخذوا الفرخ فقال رسول الله ﷺ : "ألا تعجبون لهذا الطائر أخذ فرخه فأقبل حتى سقط على أيديهم والله لله أرحم بعباده من هذا الطير بفرخه" (٢). وفي سنن أبي داود من حديث عامر [أخي] الخضر قال: بينما نحن عند رسول الله إذ أقبل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه، فقال: يا رسول الله إنما لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كساءي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن معهن فلففتهن بكساءي فهو أولاي معي، فقال: "ضعهن عنك فوضعهن وأبت أمهن إلا لزومهن" فقال

стр. 6602

رسول الله ﷺ : "أتعجبون لرحم أم الفراخ" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فوالذي بعثني بالحق لله أرحم من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن" (١). روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن لله مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فمن ثم يعطف الوحش على ولده والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق" (٢). وحكي قال: كان في بني إسرائيل رجل شاب وكان لأمه غنم فجاء إليه ضيفان فذبح شاة من غنم أمه ولم يستأذنها فدعت عليه فشلت يمينه ثم إنه مر ذات يوم بشجرة فرأى فرخا صغيرا قد سقط من عشه فجاءت أمه فصارت تبصبص والفرخ يبصبص إليها فرحمه الشاب فرد الفرخ إليها في العش فرد الله عليه يده في ساعتها ثم سمع هاتفا يقول: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء" وفي كتاب التحفة المكية للقاضي نصر الغماري عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: بلغني أنه كان رجل من بني إسرائيل ذبح عجلا بين يدي أمه فأيبس الله يده فبينما هو ذات يوم جالس وإذا بفرخ سقط من وكره وهو يتبصبص إلى أبويه وأبواه يبصبصان إليه فأخذه ورده إلى وكره رحمة لها فرد

стр. 6603

الله عليه يده بما صنع، أ. هـ، قاله الكمال الدميري في منافع الحيوان (١). قوله في حديث الحمرة: ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: "من حرق هذه؟ " قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" قال المهلب: ليس نهيه ﵇ عن التحريق بالنار على معنى التحريم وإنما هو على سبيل التواضع لله وأن لا يتشبه بغضبه في تعذيب الخلق إذ القتل يأتي على ما يأتي عليه الإحراق والدليل على أنه ليس بحرام [سمل] النبي ﷺ أعين العرنين بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة وتحريق علي بن أبي طالب الخوارج بالنار وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وهو قول مالك وأجازه علي بن أبي طالب، وحرق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يدخل عليهم في المطمورة إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة، ولو لقيناهم في البحر رميناهم بالنفط والقطران وأجاز ابن القاسم تحريق الحصون والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط (٢)، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٤٢٩ - وعن عبد الله بن جعفر ﵄. قال: "أرْدَفَنِي رسول الله ﷺ خلفه ذات يومٍ، فَأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أُحَدِّثُ به أحدًا من الناس، وكان أحبُّ ما اسْتَتَرَ به النبي ﷺ لحاجته هدفًا أو حَايِشَ نَخْلٍ، فدخل حائطًا لرجلٍ من الأنصار

стр. 6604

فإذا فيه جَمَلٌ فلما رأى النبي ﷺ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ ، فمسح ذِفْرَاهُ فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؛ فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ" رواه أحمد وأبو داود (١). قوله: وعن عبد الله بن جعفر، تقدم الكلام عليه. قوله: "وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل" والهدف: ما ارتفع على وجه الأرض من بناء ونحوه كذا فسره الحافظ، وقيل: الهدف كل بناء مرتفع مشرف وسمي قرطاس الرمي هدفا لانتصابه وارتفاعه (٢). والحائش هو جماعة النخل ولا واحد له من لفظه، وقيل: الحائش النخل كذا قاله المنذري.

стр. 6605

وقال غيره (١): والحائش جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه، وقيل (٢): الحائش النخل الملتف المجتمع كأنه لالتفافه يحوش بعضه بعضا وقيل (٣): أصل الحائش المجتمع من الشجر نخلا كان أو غيره، أ. هـ. والستر المأمور به في قضاء الحاجة ما يعد ساترا فلو جلس في وهدة أو نهر أو أناخ راحلته وتستر بها أو أرخى ذيله حصل الغرض (٤)، وفي الوسيط وجه (٥): أنه لا يكفي إرخاء الذيل، وفي البيان (٦): في الوهدة والشجرة وجهان، قال الرافعي (٧): وليكن الساتر قريبا من مؤخرة الرحل هذا إذا كان في الصحراء أو ما في معناها كالبستان والدار الفيحاء وجلس بعيدا فأما إذا جلس في بناء مسقف أو محوط يمكن تسقيفه فهو كاف في الستر المأمور به والله أعلم، وفي الحديث عن يعلي بن مرة عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأراد أن يقضي حاجته قال لي: إيت تلك الأشائتين، قال وكيع: يعني النخل الصغار، فقال لهما: إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا فاجتمعا فاستتر بهما فقضى حاجته قال لي أيتهما فقيل لهما لترجه كل واحدة منكما إلى مكانها

стр. 6606

فقلت لهما فرجعتا، رواه ابن ماجه ورواه ابن أبي [شيبة عن] وكيع ولم يقل عن أبيه وهو الصحيح (١). قوله: فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه فأتاها النبي ﷺ فسكت، الحديث، الحائط: قد فسره الحافظ فقال هو البستان، وذرفت عيناه: بفتح الذال المعجمة أي سال دمعهما، وذفرا البعير: قد فسره الحافظ فقال ذفرا البعير هو الموضع الذي يعرق في [قفا] البعير عند أذنه وهما ذفرتان، والذفري مؤنثه وألفها للتأنيث أو للإلحاق، قاله في النهاية (٢). وقوله: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ " رب بمعنى صاحب. وقوله: "فإنه شكى أنك تجيعه وتدئبه" أي تتعبه بكثرة العمل، كذا فسره الحافظ. ٣٤٣٠ - وروى أَحْمد أَيْضا فِي حَدِيث طَوِيل عَن يعلى (٣) بن مرّة قَالَ فِيهِ وَكنت مَعَه يَعْنِي مَعَ النَّبِي ﷺ جَالِسا ذَات يَوْم إِذْ جَاءَ جمل يخب حَتَّى ضرب بجرانه بَين يَدَيْهِ ثمَّ ذرفت عَيناهُ فَقَالَ وَيحك انْظُر لمن هَذَا الْجمل إِن لَهُ لشأنا قَالَ فَخرجت ألتمس صَاحبه فَوَجَدته لرجل من الْأَنْصَار فدعوته إِلَيْهِ فَقَالَ مَا

стр. 6607

شَأْن جملك هَذَا فَقَالَ وَمَا شَأْنه لا أَدْرِي وَالله مَا شَأْنه عَملنَا عَلَيْهِ ونضحنا عَلَيْهِ حَتَّى عجز عَن السِّقَايَة فائتمرنا البارحة أَن ننحره ونقسم لَحْمه قَالَ فَلَا تفعل هبه لي أَو بعنيه قَالَ بل هُوَ لَك يَا رَسُول الله قَالَ فَوَسمه بميسم الصَّدَقَة ثمَّ بعث بِهِ وَإِسْنَاده جيد وَفِي رِوَايَة لَهُ نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ إِنَّه قَالَ لصَاحب الْبَعِير مَا لبعيرك يشكوك زعم أَنَّك سنأته حَتَّى كبر تُرِيدُ أَن تنحره قَالَ صدقت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أفعل وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا قَالَ يعلى بن مرّة بَينا نَحن نسير مَعَه يَعْنِي مَعَ النَّبِي ﷺ إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِير يسنى عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِير جرجر وَوضع جرانه فَوقف عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَيْن صَاحب هَذَا الْبَعِير فجَاء فَقَالَ بعنيه قَالَ لَا بل أهبه لَك وَإنَّهُ لأهل بَيت مَا لَهُم معيشة غَيره فَقَالَ أما إِذْ ذكرت هَذَا من أمره فَإِنَّهُ شكا كَثْرَة الْعَمَل وَقلة الْعلف فَأحْسنُوا إِلَيْهِ الحَدِيث (١). قوله: في رواية الإمام أحمد "إذ جاء جمل يخب حتى ضرب بجرانه بين يديه" الخبب هو [ضرب من العدو وهو أول الإسراع مثل الرمل]، وجران

стр. 6608

البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره قاله ابن فارس كذا نقله عنه الحافظ المنذري (١)، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض فيقال: ألقى جرانه وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه واستراح، ذكره النووي (٢)، والجمع: جرن. قوله: قال بل هو لك يا رسول الله، فوسمه بميسم الصدقة، الميسم الشيء الذي يوسم به، وهو بكسر الميم وفتح السين وجمعه مياسم ومواسم وأصله كله من السمة وهي العلامة ومنه موسم الحج أي معلم لجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير أي علامته وتوسمت فيه كذا إذا رأيت فيه علامته، قاله المنذري في شرح مسلم (٣). وقوله: في الرواية الأخرى: بينا نحن نسير معه يعني مع النبي ﷺ إذ مررنا ببعير يسنى عليه، أي: يسعى عليه، قاله المنذري، وقال غيره: السانية الناقة التي يسقى عليها الأرضون أو البعير الذي يستقى به الماء من البئر يقال منه سنا يسنو وأسنوا إذا استنوا به، ويقال له الناضح سمي بذلك لأنه ينضح الماء أي يصبه والأنثى ناضحة وسانية والجمع نواضح، وفي الحديث ما يسقى بالسواني ففيه نصف العشر (٤).

стр. 6609

وقوله: فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه، بجيمين وراءين مهملتين، أي: صوت والجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته (١) والله أعلم، وروي أبو نعيم من طريق غيلان بن سلمه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فرأينا منه فجبا جاء رجل فقال يا رسول الله كان لي حائط فيه عيشي وعيش عيالي ولي فيه ناضحان فمنعاني أنفسهما وحائطي وما فيه فلا نقدر أن ندنو منهما فنهض نبي الله ﷺ وأصحابه حتى أتى الحائط فقال لصاحبه افتح فقال أمرهما عظيم قال: افتح فلما حرك الباب أقبلا لهما جلبة فلما انفرج الباب نظر إلى رسول الله ﷺ فبركا ثم سجدا فأخذ رسول الله ﷺ برءوسهما ثم دفعهما إلى صاحبهما وقال استعملهما وأحسن علفهما، فقال القوم: سجدت لك البهائم أفلا تأذن لنا في السجود لك، فقال إن السجود ليس إلا للحي القيوم الذي لا يموت، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها (٢). ٣٤٣١ - وروى ابن مَاجَه عَن تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ أقبل بعير يعدو حَتَّى وقف على هَامة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﷺ أَيهَا الْبَعِير اسكن فَإِن تَكُ صَادِقا فلك صدقك وَإِن تَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْك كَذبك مَعَ

стр. 6610

أَن الله تَعَالَى قد أَمن عائذنا وَلَيْسَ بخائب لائذنا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا يَقُول هَذَا الْبَعِير فَقَالَ هَذَا بعير قد هم أَهله بنحره وَأكل لَحْمه فهرب مِنْهُم واستغاث بنبيكم ﷺ فَبينا نَحن كَذَلِك إِذْ أقبل أَصْحَابه يتعادون فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم الْبَعِير عَاد إِلَى هَامة رَسُول الله ﷺ فلاذ بهَا فَقَالُوا يَا رَسُول الله هَذَا بعيرنا هرب مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَلم نلقه إِلَّا بَين يَديك فَقَالَ ﷺ أما إِنَّه يشكو إِلَيّ فبئست الشكاية فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا يَقُول قَالَ يَقُول إِنَّه رَبِّي فِي أمنكم أحوالا وكنتم تحملون عَلَيْهِ فِي الصَّيف إِلَى مَوضِع الكلإ فَإِذا كَانَ الشتَاء رحلتم إِلَى مَوضِع الدفاء فَلَمَّا كبر استفحلتموه فرزقكم الله مِنْهُ إبِلا سَائِمَة فَلَمَّا أَدْرَكته هَذِه السّنة الخصبة هممتم بنحره وَأكل لَحْمه فَقَالُوا قد وَالله كَانَ ذَلِك يَا رَسُول الله فَقَالَ ﵊ مَا هَذَا جَزَاء الْمَمْلُوك الصَّالح من موَالِيه فَقَالُوا يَا رَسُول الله فَإنَّا لا نبيعه وَلَا ننحره فَقَالَ ﵊ كَذبْتُمْ قد اسْتَغَاثَ بكم فَلم تغيثوه وَأَنا أولى بِالرَّحْمَةِ مِنْكُم فَإن الله نزع الرَّحْمَة من قُلُوب الْمُنَافِقين وأسكنها فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَاشْتراهُ ﵊ مِنْهُم بِمِائَة دِرْهَم وَقَالَ يَا أَيهَا الْبَعِير انْطلق فَأَنت حر لوجه الله تَعَالَى فرغى على هَامة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﵊ آمين ثم دَعَا فَقَالَ آمين ثم دَعَا فَقَالَ آمين ثم دَعَا الرَّابِعَة فَبكى ﵊ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا يَقُول هَذَا الْبَعِير قَالَ قَالَ جَزَاك الله أَيهَا النَّبِي عَن الْإِسْلَام وَالْقُرْآن خيرا فَقلت آمين ثمَّ قَالَ سكن الله رعب أمتك يَوْم الْقِيَامَة كمَا سكنت رعبي فَقلت آمين ثمَّ قَالَ حقن الله دِمَاء أمتك من أعدائها كمَا حقنت دمي فَقلت آمين ثمَّ قَالَ لَا جعل الله

стр. 6611

بأسها بَينهَا فَبَكَيْت فَإِن هَذِه الْخِصَال سَأَلت رَبِّي فَأَعْطَانِيهَا وَمَنَعَنِي هَذِه وَأَخْبرنِي جِبْرِيل عَن الله تَعَالَى أَن فنَاء أمتِي بِالسَّيْفِ جرى الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن الهدف بِفَتْح الْهَاء وَالدَّال الْمُهْملَة بعدهمَا فَاء هُوَ مَا ارْتَفع على وَجه الأَرْض من بِنَاء وَنَحْوه والحائش بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة ممدودا هُوَ جمَاعَة النّخل وَلا وَاحِد لَهُ من لَفظه والحائط هُوَ الْبُسْتَان وذفرا الْبَعِير بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة مَقْصُور هِيَ الْموضع الَّذِي يعرق فِي قفا الْبَعِير عِنْد أُذُنه وهما ذفريان وَقَوله تدئبه بِضَم التَّاء ودال مُهْملَة سَاكِنة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة وباء مُوَحدَة أَي تتعبه بِكَثْرَة الْعَمَل وجران الْبَعِير بِكَسْر الْجِيم مقدم عُنُقه من مذبحه إِلَى نَحره قَالَه ابْن فَارس يسنى عَلَيْهِ بِالسِّين الْمُهْملَة وَالنُّون أَي يسقى عَلَيْهِ (١).

стр. 6612

قوله: وروى ابن ماجه عن تميم الداري ﵁ تقدم الكلام على مناقب تميم الداري. قوله: إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ ، العدو: الإسراع في المشي. وقوله: على هامة رسول الله ﷺ ، الهامة: الرأس. قوله: فبينما نحن كذلك إذ أقبل أصحابه أو قال أصحابه يتعادون، تقدم معنى العدو. قوله: وكنتم تحملون عليه في الصف إلى موضع الكلأ، والكلأ العشب رطبة يابسة قاله النووي في ترك الجمعة. قوله: "فرزقكم الله منهن إبلا ساعة" الحديث السائمة الواعية وأسمتها أخرجتها للرعي وسامت تسوم سوما وجمع السائمة وسوائم ذكره النووي في التحرير وتقدم في ترك الجمعة (١). قوله: فلما أدركته الخصبة هممتم بذبحه وأكل لحمه، وفي رواية أنه قال:

стр. 6613

تدرون ما يقول زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، وفي رواية عشرين سنة حتى كبر نقصوا علفه وزادوا في عمله حتى إذا كان لهم غرض أرادوا أن ينحروه غدا، وفي رواية أنه قال لأصحابه لا تنحروه وأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله، الخصب ضد الجدب. قوله: "لا جعل الله بأس أمتك بينها، فبكيت" فإن هذه الخصال سألت ربي فأعطانيها ومعني هذه" الحديث، البأس الحروب والفتن. قال الإمام السهيلي (١): أما دعاء النبي ﷺ لأمته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها فقد أعطى عوضا له من ذلك الشفاعة لهم في الآخرة، وقد قال النبي ﷺ : "أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذابٌ عذابها في الدنيا الزلزال والفتن" خرجه أبو داود، فإذا كانت الفتن سببا لصرف عذاب الآخرة عن الأمة فما خاب دعاؤه ﷺ لهم على أنني تأملت هذا الحديث وتأملت حديثه الآخر حين نزلت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (٢) فقال: "أعوذ بوجهك" فلما سمع: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (٣) قال: أعوذها بوجهك فلما سمع: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٤) قال: هذه أهون فمن ها هنا والله أعلم، أعيذت أمته من الأولى والثانية ومنع الثالثة حين سألها بعد، وقد عرضت هذا الكلام

стр. 6614

على رجل من فقهاء زماننا فقال: هذا حسن جدًا غير أن لا ندري أكانت مسألة بعد نزول الآية أم لا فإن كانت بعد نزول الآية فاخلق بهذا النظر أن يكون صحيحا قلت له أليس في الموطأ أنه دعا بها في مسجد بني معاوية وهو في المدينة ولا خلاف أن سورة الأنعام مكية فقال نعم وسلم وأذعن للحق وأقر به والله أعلم، أ. هـ. قوله: وأخبرني جبريل عن الله تعالى أن فناء أمتي بالسيف". قوله: "جرى القلم بما هو كائن" وفي الرواية الأخرى: "جف القلم" يعني انقطعت كتابته يريد ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير والكائنات والفراغ منها تمثيلا بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه قاله في النهاية (١) والمراد به إما القلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله تعالى كل كائن من أول وجود العالم إلى قيام الساعة أو القلم الذي يكتب له الملكان الحافظان أعمال العبد فإنه يجب بموت العبد أي تنقطع كتابته عن إيقاع الكتابة لأنه من لوازمها والله أعلم، قاله شارح الأربعين الودعانية وهو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصفهاني (٢). ٣٤٣٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ دخلت امْرَأَة النَّار فِي هرة ربطتها فَلم تطعمها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض وَفِي رِوَايَة عذبت امْرَأَة فِي هرة سجنتها حَتَّى مَاتَت لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ هِيَ حبستها وَلَا هِيَ

стр. 6615

تركتهَا تَأْكُل من خشَاش الأَرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَابر فَزَاد فِي آخِره فَوَجَبت لَهَا النَّار بذلك خشَاش الأَرْض مُثَلّثَة الْخَاء الْمُعْجَمَة وبشينين معجمتين هُوَ حشرات الأَرْض والعصافير وَنَحْوهَا (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض"، وفي رواية الإمام أحمد فزاد في آخره "فوجبت لها النار بذلك" خشاش الأرض مثلثة الخاء المعجمة قاله الحافظ المنذري وحكاه القاضي عياض في المشارق كذلك (٢)، وقال في الفتح هو المشهور: وروي بالحاء المهملة وهو يابس النبات وهو وهم والصواب المعجمة وخشاش الأرض هو حشراتها والعصافير ونحوها، أ. هـ قاله المنذري. وقيل: المراد به نبات الأرض قال النووي وهو ضعيف أو غلط (٣). قوله ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة" وفي الرواية الأخرى: "عذبت امرأة في هرة سجنتها" الحديث معناه: عذبت بسبب هرة، دل الحديث على أنها لو

стр. 6616

حبستها وأطعمتها لم تدخل النار فهذا الحديث صحيح في أن هذه المرأة إنما عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس وترك الطعام أو الشراب وقال القاضي عياض (١): يحتمل أن يكون هذا العذاب بالنار أو يكون بالحساب على ذلك فمن نوقش الحساب عذب أو تكون هذه المرأة كافرة عذبت بكفرها وزيدت عذابا بسيئ أعمالها وكان منها هذا إذ لم تكن مؤمنة فتغفر صغائرها باجتناب الكبائر، أ. هـ. ويؤيد هذا القول ما رواه البزار في مسنده والحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان ورواه البيهقي في البعث والنشور عن عائشة ﵂ أن المرأة المعذبة كانت كافرة فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها، وفي مسند أبي داود الطيالسي من حديث الشعبي عن علقمة قال: كنا عند عائشة ﵂ ومعنا أبو هريرة فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ أن امرأة عذبت بالنار من أجل هرة قال أبو هريرة: نعم سمعته من رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة ﵂: المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة إنما كانت المرأة مع ذلك كافرة يا أبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث (٢).

стр. 6617

ونفي النووي هذا الاحتمال وكأنه لم يطلع على نقل ذلك، وقال الصواب أنها كانت مسلمة وأنها دخلت النار بسبب الهرة كما هو ظاهر الحديث وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة من الكبائر كما هو مقرر في كتب الفقه وغيره وليس في هذا الحديث أنها تخلد في النار (١). وفي هذا الحديث من الفقه أن الهر لا يتملك وأنه لا يحب إطعامه إلا على من حبسه (٢). فرع: حبس الهرة عمدًا حتى تموت جوعًا أو عطشًا وما في معناها من الطير وغيره من الحيوان، وقد عد جماعة من الكبائر تعذيب الحيوان بغير موجب ولم يقيدوه بموت وهو ظاهر والله أعلم (٣). فوائد تتعلق بحكم الهرة: يحرم أكل الهرة على الصحيح والثاني وبه قال الليث بن سعد: يحل أكله وهو حيوان طاهر لما روى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ دعي إلى

стр. 6618

دار قوم فأجاب ودعي إلى دار آخر فلم يجب فقيل له في ذلك فقال: إن في دار فلان كلبا فقيل له وإن في دار فلان هرة فقال: "الهرة من الطوافين عليكم والطوافات" قال في شرح المهذب (١): وبيع الهرة الأهلية عندنا جائز بلا خلاف إلا ما حكاه البغوي في كتاب شرح مختصر المزني عن ابن القاضي أنه قال: لا يجوز وهذا شاذ باطل مردود والمشهور جوازه وبه قال جماهير العلماء، وقال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها ورخص في بيعها ابن عباس وعطاء في راوية والسحن وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي وأحمد في المشهور عنه، وعن الحسن أنه كره بيعها ورخص شرائها للانتفاع بها وكرهت بيعها منهم طائفة أبو هريرة وطاووس وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وقال هو أهون من جلود السباع وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها لأنها دناءه وقلة مروءة لأنها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية فالشح بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة فلذلك زجر عن أخذ ثمنها قاله ابن رجب الحنبلي (٢). قال ابن المنذر: إن ثبت عن النبي النهي عن بيعه فبيعه باطل وإلا فجائز واحتج من منعه بحديث ابن الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن

стр. 6619

الكلب والسنور فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك، رواه مسلم وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الهرة واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به وجد فيه جميع شروط المبيع فجاز بيعه كالبغل والحمار، والجواب: عن حديث مسلم وحديث آخر من وجهين، أحدهما: جواب أبي العباس بن العاصي والخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها، والثاني: أن المراد نهي تنزيه فهذا أن الجوابان هما المعتمدان (١). وفي حديث في السنن الأربعة من حديث حبشة بنت كعب بن مالك فذكره إلى أن قال: إن النبي ﷺ قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات، والطوافون الخدم والطوافات الخادمات، جعلها بمنزلة المماليك في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (٢) ومنه قول إبراهيم النخعي: إنما الهرة كبعض أهل البيت كذا نقله الزمخشري (٣). فائدة: وإذا كان للإنسان هرة تأخذ الطيور وتقلب القدور فأتلفت فهل على صاحبها ضمان ما أتلفت، وجهان أصحهما نعم سواء انفلتت ليلا أو نهارا لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا الحكم في كل

стр. 6620

حيوان يولع بالتعدي أما إذا لم يعهد منها ذلك فالأصح لا ضمان لأن العادة حفظ الطعام عنها لا بطها وأطلق إمام الحرمين في ضمان ما تتلفه الهرة أربعة أوجه، أحدها: يضمن، والثاني: لا، والثالث: يضمن ليلا ونهارا، والرابع: عكسه، لأن الأشياء تحفظ عنها ليلا، وإذا أخذت الهرة حمامة وهي حية جاز فتل أذنها وضرب فمها لترسلها وإذا قصدت الحمام فأهلكت في الدفع فلا ضمان وإذا كانت الهرة ضارية بالفساد فقتلها إنسان في حال إفسادها دفعا جاز ولا ضمان عليه كقتل الصائد دفعا، وينبغي تقييد ذلك بما إذا لم تكن حاملا لأن في قتل الحامل قتل أولادها ولم تتحقق منهم جناية، وأما قتلها في غير حال الإفساد ففيه وجهان أصحهما عدم الجواز ويضمنها، قال القاضي حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها ولا يختص بحال ظهور الشر (١). فرع: وسؤرها طاهر لطهارة عينها ولا يكره فلو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل فثلاثة أوجه الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها ثم ولغت لم تنجسه، الثاني: تنجسه مطلقا، والثالث: عكسه وغير الماء من المائعات كالماء والله أعلم (٢). حكاية في بشرى تتعلق بالهرة: روى ابن عساكر في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي قال: رأيت الشبلي في النوم بعد موته فقلت له ما فعل الله

стр. 6621

بك، فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت له، فقلت: بصالح أعمالي، قال: لا، فقلت: بإخلاصي في عبوديتي، قال: لا فقلت: بحجي وصومي وصلاتي، قال: لم أغفر لك بذلك فقلت: بهجرتي إلى الصالحين بإدامة أسفاري في طلب العلم، فقال: لا فقلت يا هذه المنجيات التي أعتمد عليها حسن ظني إنك بها تعفو عني، فقال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلا هي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد وهي تتواري إلى جدار من شدة الثلج والبرد فأخذتها رحمة بها فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من أليم البرد، فقلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك (١)، أ. هـ. وحكي ابن خلكان وغيره في ترجمة الإمام أبي الحسن طاهر بن أحمد بن بَاب شَاذ النحوي أنه كان يوما في سطح جامع مصر يأكل شيئا وعنده بعض أصحابه فحضره قط فرموا له قطعة قط فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم فرموا له شيئا فأخذه وذهب ثم عاد ففعل ذلك مرارا كثيرة وهم يرمون به وهو يأخذ ويغيب ثم يعود من فوره حتى تعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ ذلك الطعام ويدخل به إلى حزبه فيها شبه البيت الخراب في سطح ذلك البيت قط أعجمي فإذا هو يضع الطعام بين يديه فتعجبوا من ذلك فقال الشيخ ابن بابشاذ إذا كان حيوان أخرس قد سخر له هذا القط وهو يقوم بكفايته ولم يحرم الرزق فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه وترك

стр. 6622

خدمة السلطان ولزوم بيته واشتغاله توكلا على الله إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وستين وأربعمائة وبابشاذ كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور والله أعلم (١). ٣٤٣٣ - وَعَن سهل بن الحنظلية ﵁ قَالَ مر رَسُول الله ﷺ بِبَعِير قد لصق ظَهره ببطنه فَقَالَ اتَّقوا الله فِي هَذِه الْبَهَائِم الْمُعْجَمَة فاركبوها صَالِحَة وكلوها صَالِحَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ قد لحق ظَهره (٢). قوله: وعن سهل بن الحنظلية ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة" الحديث، المعجمة بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الجيم خصها بهذه الصفة لأنها لا تتكلم فتشكوا ذكره المنذري في حواشي مختصر السنن لأبي داود (٣). ٣٤٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذبُونَ امْرَأَة من حمير طوالة ربطت هرة لَهَا لم تطعمها وَلم تسقها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض فَهِيَ تنهش قبلهَا ودبرها وَرَأَيْت فِيهَا أَخا

стр. 6623

بني دعدع الَّذِي كَانَ يسرق الْحَاج بِمِحْجَنِهِ فَإِذا فطن لَهُ قَالَ إِنَّمَا تعلق بمحجني وَالَّذِي سرق بدنتي رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لَهُ ذكر فِيهَا الْكُسُوف قَالَ وَعرضت عَليّ النَّار فلولا أَنِّي دفعتها عَنْكُم لغشيتكم وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذبُونَ امْرَأَة حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة تعذب فِي هرة لَهَا أوثقتها فَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض وَلم تطعمها حَتَّى مَاتَت فَهِيَ إِذا أَقبلت تنهشها وَإِذا أَدْبَرت تنهشها الحَدِيث المحجن بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعدهمَا جِيم مَفْتُوحَة هِيَ عَصا محنية الرَّأْس (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء". قوله: "واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" لما كان الفقير فاقدا للمال الذي يتسبب به المعاصي ويحصل به البطر والشبع بهد عما يقرب إلى النار، ولما كان الأغلب على النساء الشبع والبطر والجهل واللهو لازمهن ما يحمل إلى النار، فإن قيل: إذا كان هذا فضل الفقير فلم استعاذ منه رسول الله ﷺ ؟ فالجواب: إن قوما يقولون إنما استعاذ من فقر النفس والصواب أن يقال إن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعمى من نعمها فوازنهما

стр. 6624

المرض والعافية فيكون المرض فيه ثواب لا يمنع سؤال الله العافية (١)، أ. هـ. قوله: "ورأيت فيها ثلاثة يعذبون امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لها لم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" ففيه دليل على أن بعض الناس يعذب فيها الآن "ورأيت فيها أخا بني دعدع الذي كان يسرق الحاج بمحجنه، والذي سرق بدنتي رسول الله ﷺ " الحديث، أخا بني دعدع: قال في النهاية: اسمه عمرو بن لحي الذي يجر قصبه في النار أي أمعاءه وهو أبو رغال الذي كان يسرق الحاج (٢) بمحجنه، والمحجن عصا معوجة الرأس، أ. هـ قاله المنذري، وقال غيره: عصى معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفيها بعيره للمشي (٣)، أ. هـ. وقوله: "امرأة من حمير طوالة" وفي الرواية: "رأيت امرأة حميرية سوداء طويلة تعذب" حمير قبيلة من العرب معروفة في هذا الحديث إظهار تمكينه وشرفه ﷺ بإطلاعه على الجنة والنار وفي ذلك من الحكمة إعلام الأمة بما أعد لهم من النعيم وما توعدوا به من الجحيم عن مشاهدة فإنه ليس الخبر كالعيان وهذا الذي اتفق لرسول الله ﷺ كان أمرا محسوسا له على سبيل الحقيقة ومن ادعى أن ذلك على وجه التمثيل له فقد خرج عن ظاهر اللفظ وأي مانع من حمل ذلك على حقيقته فقد اتفق مثل ذلك للخليل صلوات الله

стр. 6625

عله وسلامه لما قام على صخرة بيت المقدس فكشف له إلى العرش وكشف له ما بين المشرق والمغرب حتى رأى رجلا على معصية فدعا عليه فهلك في الوقت ثم رأى آخر على معصية فدعا عليه فعلك أيضًا ثم رأى آخر على معصية فأراد أن يدعو عليه فقال الله له: "مهلا يا إبراهيم فإني مع عبدي إذا عصاني على أحد خصلتين إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج من صلبه من يوحدني فأغفر له بذلك" ذكره العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) (٢). فائدة: قوله: "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" إن قيل كيف الجمع بينه وبين الحديث الآخر: "إن لكل مؤمن زوجة في الجنة" قال العلماء: والجمع بينهما أن من النساء المؤمنات من يعذب بذنوبها ثم تخرج إلى الجنة (٣)، أ. هـ ذكره والذي قبله ابن عقيل الحنبلي. ٣٤٣٥ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة الْكُسُوف فَقَالَ دنت مني النَّار حَتَّى قلت أَي رب وَأَنا مَعَهم فَإِذا امْرَأَة حسبت أَنه قَالَ تخدشها هرة قَالَ مَا شَأْن هَذِه قَالُوا حبستها حَتَّى مَاتَت جوعا رَوَاهُ البُخَارِيّ (٤).

стр. 6626

قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄، تقدم الكلام عليها. قوله: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف فقال "دنت مني النار" حتى قلت "أي رب وأنا معهم" يقال: كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف، وكسفا بضم الكاف على البناء للمفعول وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى، وقيل: كسفت الشمس بالكاف وخسف القمر بالخاء وقال جمهور أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله ويكون لذهاب بعضه، وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع والكسوف في البعض، وقيل: ذهاب لونهما والكسوف تغيره (١). واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة وأجمع العلماء على أنها سنة مؤكدة بالإجماع لمشروعية الجماعة فيها ومن ادعى أنها فرض كفاية فقد شذ ووقت صلاتها من حين الكسوف إلى حين التجلى لقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي" فإن فاتت أي بالانجلاء لم تقض لأن المعنى الذي شرعت له الصلاة لأجله قد زال وزالت يعني الصلاة بزوال سببها والسنة أن يغتسل لها كالجمعة وأن تصلى في جماعة حيث تصلى الجمعة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقال العراقيون: تصلي فرادي والمشهور من مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان وسواء تمادى الكسوف أم لا وبهذا قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم، وقال

стр. 6627

الكوفيون: صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة (١). ولها قراءة وأدعية مذكورة في كتب الفقه فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مواضعه وأصل الباب قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (٢) أي عند كسوفهما لأنه أرجح احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضًا فلا معنى لتخصيصهما بالنهي (٣). وروي مسلم عن جابر ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسف لموت إبراهيم فقام النبي ﷺ فصلى بالناس فساق الحديث إلى أن قال: "إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته من الناس فإذا رأيتم شيئا فصلوا حتى تنجلي" (٤) وقد جاء أيضًا في حديث مشتمل على سبب الكسوف، روى النسائي عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، والله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له فإذا رأيتم ذلك فصلوا كاحدى صلاة

стр. 6628

صليتموها من المكتوبة" (١) قال عبد الحق: لكن اختلف في إسناده فهذه الأحاديث وردت على سبب وهو أن الشمس خسفت يوم مات إبراهيم ولد النبي ﷺ كما تقدم فقال قائلون: كسفت الشمس لموته فقال النبي ﷺ هذا الكلام ردا عليهم، قال العلماء: والحكم في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فقال النبي ﷺ إنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرها وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين النبي ﷺ أن هذا باطل لئلا يفتر بأقوالهم لاسيما فقد صادف موت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ (٢). وفي رواية ذكرت في أحاديث الكسوف أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد أغير من الله أن يرى عبده أو يرى أمته" الحديث قال العلماء: معناه ليس أحد أمنع من المعاصي من الله ولا أشد كراهية لها منه (٣). وقيل: إشارة إلى أن الزنا والإصرار عليه يكون سببا لتعجيل العقوبة كما أن الغيور من الرجال يعجل بالعقوبة على من يجده يزني بامرأته أو أمته (٤).

стр. 6629

وفيه إشارة إلى أن التوبة من الزنا تكون سببًا لزوال الكسوف كما أن فعله والإصرار عليه يكون سببا لحدوث النقمة وحبس النعمة وزوالها فإن الشمس نعمة عامة على الخلق فإن بها يحصل نماء الزرع ونضج الثمار فكل زرع أو شجر لا تصيبه الشمس لا يثمر وفيه إشارة إلى أن وبال الزاني يعود على غيره بسبب حبس هذه النعمة وقدم هنا ذكر العبد على الأمة وإن كان الله تعالى قد بدأ بالزانية قبل الزاني لأجل الخطاب فإنه كان يخاطب الرجال فبدأ بذكر العبيد قبل الإماء والعبد ها هنا يشمل الحر والعبد وكذلك الأمة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قال ابن بطال (١): اختلف العلماء في الكسوف هل فيه خطبة أم لا، فقال الشافعي: يخطب بعد الصلاة في الكسوف كالعيدين والاستسقاء، وقال مالك والكوفيون: لا خطبة في كسوف الشمس، واحتجوا في ذلك بأن رسول الله ﷺ إنما خطب الناس؛ لأنهم قالوا: إن الشمس والقمر كسفت لموت أحدهم، وهو ابن النبي ﷺ فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وأمرهم بالصلاة ونحوه، وسبب الانكساف قدرة الله تعالى فقط فقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يعني علامتان لقرب القيامة أو العذاب أو لكونهما مسخرين لقدرة الله تعالى وتحت حكمه. قال الخطابي (٢): كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيير في العالم من موت وضرر ونحوه على ما يذهب إليه المنجم من إعطائه

стр. 6630

الأحكام وزعمه أن السفليات مربوطة بالنجوم وأن لها تأثيرا فيها فأعلم النبي ﷺ أنه باطل وأنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما خلقه ليعلموا أنهما خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما وأنهما لا يستحقان أن يعبدوا قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (١) فلهذا أمر عند كسوفهما أن يفزع إلى الصلاة والسجود لله تعالى دونهما إبطالا لقول الجهال الذين يعبدونهما، ويحتمل أن يكون الأمر بالصلاة عنده التضرع إلى الله في دفع الآفات التي يتوهمها الأنفس تحقيقا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى ونفيا لها عن الشمس والقمر وإبطالا لأحكامهما وفيه وجه ثالث: وهو أنهما من آيات الله الدالة على قرب القيامة وأمارتان من أماراتها وقد يكون لك أيضًا أنه يخوف بهما الناس ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٢) أ. هـ قاله الكرماني (٣). تنبيه: إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية سريته، ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة ومات في ذي الحجة سنة عشر ودفن بالبقيع ويقال: عن وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأولط سنة عشر قاله الكرماني (٤).

стр. 6631

٣٤٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ دنا رجل إِلَى بِئْر فَنزل فَشرب مِنْهَا وعَلى الْبِئْر كلب يَلْهَث فرحمه فَنزع أحد خفيه فَسَقَاهُ فَشكر الله لَهُ فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد أطول من هَذَا وَتقدم فِي إطْعَام الطَّعَام (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "دنا رجل إلى بئر فنزل فشرب منها وعلى البئر كلب يلهث فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه فشكر الله له فأدخله الجنة" الحديث، وفي رواية: "فإذا كلب يأكل الثرى من العطش" أما الثرى فهو التراب الندي (٢). قوله: يلهث ويقال لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها لا غير لهثا بإسكانها والاسم اللهث بفتحها واللهاث بضم اللام ورجل لهثان وامرأة لهثى كعطشان وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش والحر (٣). قوله: فسقاه فشكر الله له فأدخله الله الجنة، وفي الرواية الأخرى فغفر له معناه قبل عمله وأثابه وغفر له، وروى أن رجلا من بني إسرائيل كان فاجرا مسرفا على نفسه لما ارتكب من الفواحش أتى في مسير له على بئر فإذا كلب يلهث من العطش فرق له ورثى له فنزل في البئر ونزع خفه وسقى الكلب وأرواه فشكر الله له وغفر له، وروي أن رجلا من بني إسرائيل كان بذلك وأوحى الله
следующие страницы →