← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6627–6666 · переход к 6632.

стр. 6627

الكوفيون: صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة (١). ولها قراءة وأدعية مذكورة في كتب الفقه فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مواضعه وأصل الباب قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (٢) أي عند كسوفهما لأنه أرجح احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضًا فلا معنى لتخصيصهما بالنهي (٣). وروي مسلم عن جابر ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسف لموت إبراهيم فقام النبي ﷺ فصلى بالناس فساق الحديث إلى أن قال: "إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته من الناس فإذا رأيتم شيئا فصلوا حتى تنجلي" (٤) وقد جاء أيضًا في حديث مشتمل على سبب الكسوف، روى النسائي عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، والله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له فإذا رأيتم ذلك فصلوا كاحدى صلاة

стр. 6628

صليتموها من المكتوبة" (١) قال عبد الحق: لكن اختلف في إسناده فهذه الأحاديث وردت على سبب وهو أن الشمس خسفت يوم مات إبراهيم ولد النبي ﷺ كما تقدم فقال قائلون: كسفت الشمس لموته فقال النبي ﷺ هذا الكلام ردا عليهم، قال العلماء: والحكم في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فقال النبي ﷺ إنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرها وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين النبي ﷺ أن هذا باطل لئلا يفتر بأقوالهم لاسيما فقد صادف موت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ (٢). وفي رواية ذكرت في أحاديث الكسوف أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد أغير من الله أن يرى عبده أو يرى أمته" الحديث قال العلماء: معناه ليس أحد أمنع من المعاصي من الله ولا أشد كراهية لها منه (٣). وقيل: إشارة إلى أن الزنا والإصرار عليه يكون سببا لتعجيل العقوبة كما أن الغيور من الرجال يعجل بالعقوبة على من يجده يزني بامرأته أو أمته (٤).

стр. 6629

وفيه إشارة إلى أن التوبة من الزنا تكون سببًا لزوال الكسوف كما أن فعله والإصرار عليه يكون سببا لحدوث النقمة وحبس النعمة وزوالها فإن الشمس نعمة عامة على الخلق فإن بها يحصل نماء الزرع ونضج الثمار فكل زرع أو شجر لا تصيبه الشمس لا يثمر وفيه إشارة إلى أن وبال الزاني يعود على غيره بسبب حبس هذه النعمة وقدم هنا ذكر العبد على الأمة وإن كان الله تعالى قد بدأ بالزانية قبل الزاني لأجل الخطاب فإنه كان يخاطب الرجال فبدأ بذكر العبيد قبل الإماء والعبد ها هنا يشمل الحر والعبد وكذلك الأمة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قال ابن بطال (١): اختلف العلماء في الكسوف هل فيه خطبة أم لا، فقال الشافعي: يخطب بعد الصلاة في الكسوف كالعيدين والاستسقاء، وقال مالك والكوفيون: لا خطبة في كسوف الشمس، واحتجوا في ذلك بأن رسول الله ﷺ إنما خطب الناس؛ لأنهم قالوا: إن الشمس والقمر كسفت لموت أحدهم، وهو ابن النبي ﷺ فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وأمرهم بالصلاة ونحوه، وسبب الانكساف قدرة الله تعالى فقط فقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يعني علامتان لقرب القيامة أو العذاب أو لكونهما مسخرين لقدرة الله تعالى وتحت حكمه. قال الخطابي (٢): كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيير في العالم من موت وضرر ونحوه على ما يذهب إليه المنجم من إعطائه

стр. 6630

الأحكام وزعمه أن السفليات مربوطة بالنجوم وأن لها تأثيرا فيها فأعلم النبي ﷺ أنه باطل وأنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما خلقه ليعلموا أنهما خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما وأنهما لا يستحقان أن يعبدوا قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (١) فلهذا أمر عند كسوفهما أن يفزع إلى الصلاة والسجود لله تعالى دونهما إبطالا لقول الجهال الذين يعبدونهما، ويحتمل أن يكون الأمر بالصلاة عنده التضرع إلى الله في دفع الآفات التي يتوهمها الأنفس تحقيقا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى ونفيا لها عن الشمس والقمر وإبطالا لأحكامهما وفيه وجه ثالث: وهو أنهما من آيات الله الدالة على قرب القيامة وأمارتان من أماراتها وقد يكون لك أيضًا أنه يخوف بهما الناس ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٢) أ. هـ قاله الكرماني (٣). تنبيه: إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية سريته، ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة ومات في ذي الحجة سنة عشر ودفن بالبقيع ويقال: عن وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأولط سنة عشر قاله الكرماني (٤).

стр. 6631

٣٤٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ دنا رجل إِلَى بِئْر فَنزل فَشرب مِنْهَا وعَلى الْبِئْر كلب يَلْهَث فرحمه فَنزع أحد خفيه فَسَقَاهُ فَشكر الله لَهُ فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد أطول من هَذَا وَتقدم فِي إطْعَام الطَّعَام (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "دنا رجل إلى بئر فنزل فشرب منها وعلى البئر كلب يلهث فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه فشكر الله له فأدخله الجنة" الحديث، وفي رواية: "فإذا كلب يأكل الثرى من العطش" أما الثرى فهو التراب الندي (٢). قوله: يلهث ويقال لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها لا غير لهثا بإسكانها والاسم اللهث بفتحها واللهاث بضم اللام ورجل لهثان وامرأة لهثى كعطشان وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش والحر (٣). قوله: فسقاه فشكر الله له فأدخله الله الجنة، وفي الرواية الأخرى فغفر له معناه قبل عمله وأثابه وغفر له، وروى أن رجلا من بني إسرائيل كان فاجرا مسرفا على نفسه لما ارتكب من الفواحش أتى في مسير له على بئر فإذا كلب يلهث من العطش فرق له ورثى له فنزل في البئر ونزع خفه وسقى الكلب وأرواه فشكر الله له وغفر له، وروي أن رجلا من بني إسرائيل كان بذلك وأوحى الله

стр. 6632

تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لذلك المسرف بأني قد غفرت لك جميع ما اقترفت برحمتك على خلقي فسئل النبي عن ذلك فقيل يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا، فقال: "في كل كبد رطبة أجر" ومعنى رطبة حية لأن الميت إذا مات جفت جوارحه والحي يحتاج إلى ترطيب كبده من العطش إذ فيها الحرارة الموجبة له (١). وقيل كنى بالرطبة عن الحياة فإن الميت يابس الكبد (٢). ومعنى في كل كبد رطبة أجر معناه في الإحسان إلى كل حيوان حتى سقيه ونحوه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده كما تقدم، ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو مما لا يؤمر بقتله فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضًا وسواء كان مملوكًا أو مباحًا وسواء كان مملوكا له أو لغيره والله أعلم (٣). ٣٤٣٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن التحريش بَين الْبَهَائِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مُتَّصِلا ومرسلا عَن مُجَاهِد وَقَالَ فِي الْمُرْسل هُوَ أصح (٤).

стр. 6633

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه وعلى أبيه العباس ﵄. قوله: نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم، الحديث، وروى أبو يعلى من حديث ابن عباس أيضًا إلا أنه قال: "لا تحرشوا بين البهائم" الحديث، وروى أبو يعلى من حديث ابن عباس أيضًا إلا أنه قال: "لا تحرشوا بين البهائم فإن أمة من الأمم هلكت في ذلك" (١) وفي الكامل في ترجمته غالب بن عبد الله الجزي من حديث ابن عمر أن النبي قال: "إن الله لعن من يحرش بين البهائم" (٢) ومنه الحديث: "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" (٣) أي في حملهم على الفتن والحروب المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الداعي إليها والمراد بالمصلين المؤمنين المؤمنون كما قاله ﵇ نهيتكم عن قتل المصلين، سمي المؤمن بالمصلي لأن الصلاة أظهر أعمال

стр. 6634

الإيمان وأشرفها ومشتملة على الشهادتين (١). وجزيرة العرب اسم لبلاد العرب سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار بها بحر فارس وبحر الحبشة والروم ودجلة والفرات، وقيل: لانقطاعها عن معظم البر وقد اكتنفها البحار والأنهار من أكثر الجهات كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله تعالى فرعون بها وبحر الاشم والنيل وما اتصل بالبر منقطع بالقفار والرمال عن العمرانات، وقال مالك: جزيرة العرب هي الحجاز واليمن واليمامة وما لم يبلغه مالك فارس والروم، ومعنى الحديث: أن الشيطان قد يئس من عبادة المؤمنين في جزيرة العرب الصنم أي من ارتدادهم وقد أيس من جمعهم فيها بين الصلاة وعبادة الصنم كما فعلت اليهود والنصارى ولا يرد على هذا ارتداد من ارتد بعده ﵇ من أصحاب مسيلمة وغيره لأنهم ليسوا جميع المصلين في جزيرة العرب واللام في المصلين للاستغراق وخصت جزيرة العرب بالذكر لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بها (٢). والتحريش الخديعة وفيه النهي عن التحريش بين البهائم وهو الإغراء بين القوم والبهائم وتهيج بعضهم على بعض، قلت: وما يفعله السفهاء من منافرة الديوك ومناطحة الكباش والبقر ونحو ذلك كذلك، قال الحليمي (٣): وهو حرام ممنوع لا يؤذن لأحد فيه لأن كل واحد من المتحارشين يؤلم صاحبه

стр. 6635

ويجرحه ولو أراد المحرش أن يفعل ذلك بيده ما حل له، وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان التحريم والكراهة ومما قيل في ليالي صفين: الليل داج الكباش تنتطح ... نطاح أسد ما أراها تصطلح فمن يقاتل في وغاها ما نجا ... ومن نجا برأسه فقد ربح أ. هـ قاله في منافع حياة الحيوان (١). ٣٤٣٨ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري ﵁ قَالَ كنت أضْرب غُلَاما لي بِالسَّوْطِ فَسمِعت صَوتا من خَلْفي اعْلَم أَبَا مَسْعُود فَلم أفهم الصَّوْت من الْغَضَب فَلَمَّا دنا مني إِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا هُوَ يَقُول اعْلَم أَبَا مَسْعُود أَن الله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام فَقلت لَا أضْرب مَمْلُوكا بعده أبدا وَفِي رِوَايَة فَقلت يَا رَسُول الله هُوَ حر لوجه الله تَعَالَى فَقَالَ أما لَو لم تفعل لَلَفَحَتْك النَّار أَو لمستك النَّار رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (٢). قوله: وعن أبي مسعود البدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، الحديث، فيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتثنية على استعمال العفو وكظم الغيظ والحلم كما يحلم الله على عباده (٣). وقوله: عن أبي مسعود أنه كان يضرب غلامه فجعل يقول: أعوذ بالله

стр. 6636

فجعل يضربه فقال أعوذ يا رسول الله فتركه، قال العلماء: لعله لم يسمع استعاذته الأولى لشدة غضبه كما لم يسمع نداء النبي ﷺ أو يكون لما استعاذ برسول الله تنبه لمكانه (١). وقوله في الرواية الأخرى: "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار" لفح النار حرها ووهجها يقال لفحتك السموم بحرها وكذلك النار أي ضربتك بلهبها وأحرقتك قاله عياض (٢). وقوله: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدًا، وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبة رسول الله ﷺ فقلت هو حر لوجه الله تعالى. ٣٤٣٩ - وَعَن زَاذَان وَهُوَ الْكِنْدِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي قَالَ أتيت ابْن عمر وَقد أعتق مَمْلُوكا لَهُ فَأخذ من الأرْض عودا أَو شَيْئا فَقَالَ مَا لي فِيهِ من الْأجر مَا يُسَاوِي هَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من لطم مَمْلُوكا لَهُ أَو ضربه فكفارته أَن يعتقهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ مسلم وَلَفظه قَالَ من ضرب غُلاما لَهُ حدا لم يَأْته أَو لطمه فَإِن كَفَّارَته أَن يعتقهُ (٣). قوله: وعن زاذان وهو الكندي مولاهم الكوفي (٤) [أبو عمر ويقال: أبو عبد الله البزاز الضرير، يقال: أنه شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية وروى

стр. 6637

عنه وعن علي وابن مسعود وسلمان وحذيفة وعائشة وابن عمر والبراء وجماعة. وعنه أبو صالح السمان وعمرو بن مرة وأبو اليقظان عثمان بن عمير والمنهال بن عمرو وأبو هاشم الرمانى ومحمد بن جحادة وطائفة، عن شعبة: سألت الحكم وسلمة بن كهيل، عن زاذان فقال الحكم: أكثر، يعني: من الرواية. وقال سلمة: أبو البختري أحب إلي منه. وفي رواية قال: قلت للحكم: مالك لم تحمل عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، قال يحيى: ثقة وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يبيع الكرابيس، وإنما رماه من رماه لكثرة كلامه، مات سنة اثنتين وثمانين]. قوله: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله يقول "من لطم مملوكا له أو ضربه فكفارته أن يعتقه" الحديث، هكذا وقع في معظم النسخ ما يسوي هذا، وفي بعضها ما يساوي هذا بالألف، وهذه هي اللغة الفصيحة المعروفة والأولى عدها أهل اللغة في لحن العوام، وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تغيير من بعض الرواة لا أن ابن عمر نطق بها ومعنى كلام ابن عمر أنه ليس لي في إعتاقه أجر المعتق تبرعا، وإنما أعتقه كفارة لضربه (١). قال العلماء: في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه فيه وإزالة إثم لطمه ومما استدلوا به لعدم وجوب

стр. 6638

إعتاقه حديث سويد بن مقرن الذي يأتي بعده أن النبي ﷺ أمرهم حين يلطم أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها قال: "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" قال القاضي عياض ﵀: وأجمع العلماء على أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء مما يفعله به مولاه من مثل هذا من الأمر الخفيف، قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح من غير موجب لذلك أو حره بنار أو قطع عضو له أو أفسده أو نحو ذلك مما فيه مثلة فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك ويكون ولاءه له ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه، واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأسه أو لحية العبد واحتج مالك بحديث عمرو بن العاص الذي جب عبده فأعتقه النبي (١). وقوله في رواية مسلم: "من ضرب غلاما له حدا لم يأته" هذه الرواية مبينة على أن المراد بالأولى من ضربه بلا ذنب ولا على سبيل التعليم والأدب. ٣٤٤٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بن مقرن قَالَ لطمت مولى لنا فَدَعَاهُ أبي وَدَعَانِي فَقَالَ اقْتصّ مِنْهُ فَإنَّا معشر بني مقرن كُنَّا سَبْعَة على عهد النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ لنا إِلَّا خَادِم فلطمها رجل منا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أعتقوها قَالُوا إِنَّه لَيْسَ لنا خَادِم غَيرهَا قَالَ فلتخدمهم حَتَّى يستغنوا فَإِذا استغنوا فليعتقوها رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٢).

стр. 6639

قوله: وعن معاوية بن سويد بن مقرن (١) [المزني أبو سويد الكوفي، ابن أخي النعمان بن مقرن روى عن أبيه والبراء وعنه الشعبي وسلمة بن كهيل وأشعث بن أبي الشعثاء وغيرهم، له في الكتب حديثان، ذكره بن حبان في الثقات وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم يصب من زعم أن له صحبة]. قوله: لطمت مولى لنا فدعاه أبي ودعاني، فذكره إلى أن قال: وليس لنا إلا خادم فلطمها رجل منا، الحديث، هكذا هو في جميع النسخ خادم والخادم بلا هاء يطلق على الجارية كما يطلق على الرجل، ولا يقال خادمة بالهاء إلا في لغة شاذة قليلة أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات (٢). قال في النهاية: وفي حديث ابن مقرن أما علمت أن الصورة محرمة أراد بالصورة الوجه وتحريمها المنع من الضرب واللطم على الوجه (٣). أ. هـ. قوله: فقال رسول الله ﷺ "أعتقوها"، وهذا محمول على تطييب نفس المولى المضروب وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها وإنما واجبه

стр. 6640

التعزير لكنه تبرع فأمكنه من القصاص فيها، وفي هذا الحديث الرفق بالموالي واستعمال التواضع والله أعلم، وهذا أيضًا محمول على أنهم كلهم رضوا بعتقها وتبرعوا به وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد منهم فسمحوا له بعتقها تكفيرا لذنبه (١). ٣٤٤١ - وَعَن عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ من ضرب مَمْلُوكه ظلما أقيد مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (٢). قوله: وعن عمار بن ياسر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "من ضرب مملوكه ظلمًا أقيد منه يوم القيامة" معناه: اقتص منه يوم القيامة. ٣٤٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ نَبِي التَّوْبَة من قذف مَمْلُوكه بَرِيئًا مِمَّا قَالَ أقيم عَلَيْهِ الْحَد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أَن يكون كَمَا قَالَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حسن صَحِيح (٣). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 6641

قوله: قال أبو القاسم نبي التوبة، قال القاضي عياض (١) رحمه الله تعالى سمى بنبي التوبة لأنه بعث ﷺ بقبول التوبة بالقول والاعتقاد وكان توبة من قبلنا بقتل أنفسهم، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالتوبة الإيمان والرجوع من الكفر إلى الإسلام وأصل التوبة الرجوع. قوله: "من قذف مملوكه بريئا مما قال أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" الحديث، وروي في مسند أبي داود الطيالسي أنه ﵇ قال: "من قذف عبده وكان بريئا جلده الله يوم القيامة بسوط من نار" (٢) الحديث، القذف الرمي بالزنا. وقوله: "إلا أن يكون" أي المملوك، "كما قال" أي القاذف فيجلد حينئذ، فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه لكن يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية والمدبر والمكاتب وأم الولد ومن بعضه حر هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة فيستوفي له الحد من قاذفه لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة (٣).

стр. 6642

٣٤٤٣ - وَعَن رَافع بن مكيث وَكَانَ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ حسن الملكة نَمَاء وَسُوء الْخلق شُؤْم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن بعض بني رَافع بن مكيث وَلم يسمعهُ عَنهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن الْحَارِث بن رَافع بن مكيث عَن رَسُول الله ﷺ مُرْسلا (١). قوله: وعن رافع بن مكيث ﵁. قوله: وكان ممن شهد الحديبية، الحديبية فيها لغتان تخفيف الياء وتشديدها والتخفيف هو الصحيح المختار وهو قول الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين والتشديد قول الكسائي وابن وهب وجماهير المحدثين واختلافهم في الجعرانة كذلك في تشديد الراء وتخفيفها والمختار فيها أيضًا التخفيف والله أعلم (٢). قوله: "حسن الملكة نماء" أي: الإحسان مع العبيد والإماء إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه نما ماله وكثر خير بيته والنماء الزيادة يقال فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنعة إلى مماليكه، ويقال: ما لفلان مليكة وملكة دون الله أي لم يملكه إلا هو كان الملكة بمعنى الملك والتمليك قاله صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث (٣).

стр. 6643

قوله: "وسوء الخلق شؤم" فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى فجعل سوء الملكة شؤمًا (١)، أ. هـ. ٣٤٤٤ - وَعَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة سيئ الملكة قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ أخبرتنا أَن هَذِه الْأمة أَكثر الْأُمَم مملوكين ويتامى قَالَ نعم فأكرموهم ككرامة أَوْلَادكُم وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ قَالُوا فَمَا ينفعنا من الدُّنْيَا قَالَ فرس تربطه تقَاتل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مملوكك يَكْفِيك فَإِذا صلى فَهُوَ أَحَق رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ مُقْتَصرا على قَوْله لَا يدْخل الْجنَّة سيئ الملكة وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَقد تكلم أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي فرقد السبخي من قبل حفظه وَرَوَاهُ أَبُو يعلى والأصبهاني أَيْضا مُخْتَصرا وَقَالَ قَالَ أهل اللُّغَة سيئ الملكة إِذا كانَ سيئ الصنيعة إِلَى مماليكه (٢). قوله: وعن أبي بكر الصديق ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة" فيه التأويلان السابقان في نظائره لا يدخل الجنة وهو تهديد وتخويف وسيء الملكة هو الذي يسيء إلى مماليكه

стр. 6644

الذين أمره الله بالإحسان إليهم ويظلمهم ويؤذيهم، أ. هـ، أي سيء الصنعة إلى من يملكه من الرقيق والبهائم وكذا فسره الحافظ المنذري أيضًا نقلا عن أهل اللغة. قوله: وقد تكلم أيوب السختياني في فرقد السبخي من قبل حفظه، أيوب السختياني (١) هو الإمام التابعي أبو بكر أيوب بن أبي تميمة واسم أبي تميمة كيسان العنزي ويقال الجهني السختياني بكسر التاء، قال ابن عبد البر وغيره: كان يبيع السختيان بالبصرة، فقيل له السختياني، رأى أنس بن مالك وسمع عمرو بن سليمة بكسر اللام الجرمي وأبا رجاء العطاردي وأبا عثمان النهدي وأبا الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وابن يرين وسالم بن عبد الله ونافعا وابن أبي اليكة وغيره واتفقوا على جلالته وإمامته وحفظه وتوثيقه ووفور علمه وفقهه وسيادته، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، ومناقبه كثيرة مشهورة، وفرقد السبخي بفتح الفاء وإسكان الراء وفتح القاف وهو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين والموحدة وبالخاء المعجمة منسوب إلى سبخة البصرة. ٣٤٤٥ - وَعَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد ﵁ قَالَ: رَأَيْت أَبَا ذَر بالربذة وَعَلِيهِ برد غليظ وعَلى غُلَامه مثله قَالَ فَقَالَ الْقَوْم يَا أَبَا ذَر لَو كنت أخذت الَّذِي على غلامك فَجَعَلته مَعَ هَذَا فَكَانَت حلَّة وكسوت غلامك ثوبا غَيره قَالَ فَقَالَ أَبُو ذَر إِنِّي كنت ساببت رجلا وَكَانَت أمه أَعْجَمِيَّة فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ فَشَكَانِي إِلَى رَسُول

стр. 6645

الله ﷺ فَقَالَ يَا أَبَا ذَر إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَضلكُمْ الله عَلَيْهِم فَمن لم يلائمكم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنهم قَالُوا فِيهِ هم إخْوَانكُمْ جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن جعل الله أَخَاهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل وليلبسه مِمَّا يلبس وَلَا يكلفه من الْعَمَل مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه عَلَيْهِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ (١). ٣٤٤٦ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي قَالَ إخْوَانكُمْ جعلهم الله فتية تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه من طَعَامه وليلبسه من لِبَاسه وَلا يكلفه مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه عَلَيْهِ (٢). ٣٤٤٧ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَنهُ قَالَ دَخَلنَا على أبي ذَر بالربذة فَإِذا عَلَيْهِ برد وعَلى غُلَامه مثله فَقُلْنَا يَا أَبَا ذَر لَو أخذت برد غلامك إِلَى بردك فَكَانَت حلَّة وَكسوته ثوبا غَيره قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إخْوَانكُمْ جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل وليكسه مِمَّا يكتسي وَلَا يكلفه مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه (٣).

стр. 6646

٣٤٤٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لاءمكم من مملوكيكم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ وَمن لم يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله قَالَ الْحَافِظ الرجل الَّذِي عيره أَبُو ذَر هُوَ بِلَال بن رَبَاح مُؤذن رَسُول الله ﷺ (١). قوله: وعن المعرور بن سويد ﵁ المعرور هو بالعين المهملة ثم راءين مهملتين بينهما واو، وهو ابن سويد أسدي عاش مائة وعشرين سنة، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ وعلى غلامه مثله، الحديث، تقدم الكلام على أبي ذر ﵁، والربذة هي براء ثم باء موحدة ثم ذال معجمة مفتوحتان ثم هاء وهي موضع قريب من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وهي منزل من منازل حاج العراق وبها قبر، وأبي ذر الغفاري صاحب رسول الله ﷺ ، وقال صاحب مطالع الأنوار على ثلاث مراحل من المدينة (٢) وقال غيره منها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق (٣). قوله: فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبا غيره، الحديث، الحلة بضم الحاء المهملة وتشديد اللام اسم لثوبين أحدهما إزار والآخر رداء، وقال في المشارق ثوبان

стр. 6647

غير لفيقين رداء وإزار وقال أهل اللغة: الحلة لا تكون إلا لثوبين سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر وقال في النهاية تبعا للهروي: الحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين ومن جنس واحد (١)، أ. هـ. فقيدها بقيدين أن تكون من برود اليمن وأن يكون الثوبان من جنس واحد، وقال في الصحاح: قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن والحلة إزار ورداء من أي جنس كانا، وحكى المنذري في حواشي السنن قولا أن أصل تسميتها بذلك إذا كان الثوبان جديد كما حل طييهما فقيل لهما حلة لهذا ثم استقر عليها الاسم والله أعلم (٢). قوله: فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء" فألقى أبو ذر نفسه بالأرض ثم وضع خده على التراب وقال: والله لا أرفع خدي على التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه فوطئ بلال خده بقدمه، قال ابن بطال (٣): وفيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بأبائهم، والحض على الإحسان إليه وإلى كل من يوافقهم في المعنى ممن جعله الله تحت يدي ابن آدم وأجرى عليه حكمه فلا يجوز لأحد أن يغير عبده بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة

стр. 6648

نفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (١) فلا فضل لأحد على غيره من جهة الأبوة وإنما الفضل بالإسلام والتقوى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢) الآية أ. هـ. وذلك إشارة إلى تساويهما في لبس الحلة وإنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون ثياب سيده والله أعلم (٣). قوله: فقال أبو ذر: إني كنت سببت رجلًا وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية". الحديث، هذا الرجل الذي عيره أبو ذر، قال النووي: وقد قيل إن هذا الرجل المنسوب هو بلال ابن رباح مؤذن رسول الله ﷺ قاله المنذري. قوله: وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، كان بين بلال وبين أبي ذر ﵄ محاورة فعيره بسواد أمه واسمها حمامة ذكرها ابن عبد البر كانت ممن تعذب في الله تعالى فاشتراها الصديق ﵁ فأعتقها (٤). قوله: "فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية" أي: هذا التعبير من أخلاق الجاهلية فقيل ما خلق أخلاقهم، قال ابن بطال: يريد أنه في تعييره بأمر على خلق من أخلاق الجاهلية لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب

стр. 6649

فكأنه قال له جهلت وعصيت الله تعالى بذلك ولم يستحق بهذا أن تكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله تعالى (١)، أ. هـ. وقال الكرماني (٢): معناه أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية أي أهلها ولست جاهلا محضا والجاهلية هي زمان الفترة التي قبل الإسلام وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك، ويحتمل أن يراد بالجاهلية الجهل أي أن فيك جهلا، قال ابن بطال: وقد روي أن بلالا كان الذي عيره أبو ذر بسواد أمه، فانطلق بلال إلى رسول الله ﷺ فشكى إليه تعييره بذلك فأمره رسول الله ﷺ ، فلما جاء أبو ذر قال له رسول الله ﷺ : "شتمت بلالا وعيرته بسواد أمه" قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء" فألقى أبو ذر نفسه بالأرض ثم وضع خده على التراب وقال: والله لا أرفع خدي على التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه فوطيء بلال خده بقدمه، قال ابن بطال: وفيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم والحض على الإحسان إليهم وإلى كل من يوافقهم في المعنى ممن جعله الله تحت يد ابن آدم وأجرى عليه حكمه، فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة نفسه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٣) فلا فضل

стр. 6650

لأحد على غيره من جهة الأبوة وإنما الفضل بالإسلام والتقوى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم، ففيه النهي عن التعيير وتنقص الآباء والأمهات ولأنه من أخلاق الجاهلية وفخرهم بالأنساب (١) وقد ورد في ذلك أحاديث فمنها لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، ومنها: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب (٢). قوله ﷺ : "فمن لم يلائمكم فبيعوه" أي: يوافقكم هكذا يروي بالياء منقلبة عن الهمزة والأصل لاءمكم. قوله في رواية البخاري والترمذي: "إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم" الحديث، وفي رواية: "هم إخوانكم وخولكم" بفتح الواو وخول الرجل حشمه وأتباعه واحدهم خائل وقد يكون الخول واحدا وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء: هو جمع خائل وهو الراعى وقال غيره: مأخوذ من التخويل وهو التمليك وقيل الخول [الخدم] وسموا [به] لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها ومنه حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كانوا عباد الله خولا أي خدما وعبيدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم (٣)، أ. هـ.

стр. 6651

وقيل: إخوانكم خولكم أي خدمكم وعبيدكم الذين يتخولون أمركم أي يصلحونها والضمير في هم إخوانكم يعود إلى المماليك أو الخدم أعم من أن يكون مملوكا أو أجيرا (١). قوله: "جعلهم الله تحت أيديكم" مجاز عن القدرة وعن الملك والإخوة ها هنا مجاز عن القدرة أو عن الملك ومجاز عن مطلق القرابة لأن الكل أولاد آدم وعن إخوة الإسلام والمماليك الكفرة أما أن في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة أو يخصص هذا الحكم بالمؤمنة قاله الكرماني (٢). قوله ﷺ : "فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق" الحديث، والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد وإلباسهم مما يلبس هذا محمول على الاستحباب لا على الإيجاب وهذا بإجماع المسلمين وأما فعل أبي ذر في كسوة غلامه مثل كسوته فعمل بالمستحب وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو فتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله إما زهدا وإما شحا لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه فإن كلفه لزمه إعانته بنفسه أو بغيره (٣).

стр. 6652

وقوله: "فإن كلفه مما يغلبه فليبعه" وفي هذه الرواية فليلعنه عليه، وهذه الرواية هي الصواب الموافقة لباقي الروايات (١). قوله: "وليكسه" في رواية أبي دواد الكسوة بكسر الكاف وضمها لغتان والكسر أفصح وبه جاء القرآن ونبه بالإطعام والكسوة على سائر المؤن التي تحتاج إليها العبد (٢). قوله: "فليطعمه من طعامه" بضم الياء وكذا وليلبسه من لباسه وأما يلبس فهو بالفتح، قال النووي: وفيه أن الدواب ينبغي أن يحسن إليها ولا تكلف من العمل ما لا تطيق وفيه النهي عن الترفع على المسلم وإن كان عبدا وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك والله أعلم (٣). ٣٤٤٩ - وَعَن زيد بن حَارِثَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع أَرِقَّاءَكُم أَرِقَّاءَكُم أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ فَإِن جاؤوا بذنب لَا تُرِيدُونَ أَن تغفروه فبيعوا عباد الله وَلَا تعذبوهم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عَاصِم بن عبيد الله وَقد مَشاهُ بَعضهم وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَلَا يضر فِي المتابعات (٤).

стр. 6653

قوله: وعن زيد بن حارثة ﵁[هو أبو أسامة زيد بن حارثة، بالحاء، ابن شراحيل، بفتح الشين، ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف بن قضاعة الكلبى نسبا، القريشى الهاشمى بالولاء، الحجازى، رضى الله عنه، ويقع في نسبه اختلاف وتغيير وزيادة ونقص، وهو مولى رسول الله ﷺ أشهر مواليه، ويقال له: حب رسول الله ﷺ وأبو حبه. كان أصابه سباء في الجاهلية؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين بن جسر، فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، رضى الله عنها، فوهبته للنبي ﷺ قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وقيل: رآه النبي ﷺ ينادى عليه بالبطحاء،

стр. 6654

فذكره لخديجة، فقالت له يشتريه، فاشتراه من مالها لها، ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر، رضى الله عنهما: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ (١) الآية. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين جعفر بن أبي طالب، رضى الله عنهما، وكان من أول من أسلم، حتى أن الزهري قال في رواية عنه: أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلاما خديجة، ثم أبو بكر، ثم على، ثم زيد، رضى الله عنهم، وفى المسألة خلاف مشهور، ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف. وهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر، وكان من الرماة المذكورين، وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، رضى الله عنها، ثم طلقها، ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، وقصته في القرآن العزيز. قال العلماء: ولم يذكر الله في القرآن باسم العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، إلا زيدا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٢)، ولا يرد على هذا قول من قال السجيل في قول الله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (٣) اسم كاتب، فإنه

стр. 6655

ضعيف أو غلط. ولما جهز رسول الله ﷺ الجيش إلى غزوة مؤتة، جعل أميرهم زيد بن حارثة، وقال: "فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة"، فاستشهدوا ثلاثتهم بها، رضى الله عنهم، في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وحزن النبي ﷺ والمسلمون عليهم. روى لزيد عن النبي ﷺ حديثان، روى عنه ابنه أسامة، رضى الله عنهما. ومناقبه كثيرة، رضى الله عنه، وذكرنا تمام كلام الراوى في فوائده أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب زيد، ثم ذهب إلى قومه مسلما]. قوله: أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، أي من جنس ذلك ولا يشترط التساوي في النفاسة، وقال البغوي (١): هذا خطاب مع العرب الذين لبوس عامتهم وأطعمتهم متقاربة يأكلون الجشب، ويلبسون الخش فأما من خالف معاش السلف والعرب فأكل رقيق الطعام ولبس جديد الثياب فلو واسى رقيقه كان أحسن فإن لم يفعل فليس عليه لرقيقه إلا ما يشبعه من الطعام وأن يستره بما يقيه الحر في الصيف والبرد في الشتاء. فائدة: روى عنه ﷺ أنه قال: "لا تستخدموا أرقاءكم بالليل فإن الليل لهم والنهار لكم" (٢) خرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وروي أنه

стр. 6656

- ﷺ قال: "لا تضربوا إماءكم على كسر إناءكم فإن لها أجلا كآجالكم" (١) خرجه أبو منصور الديلمي أيضًا في مسند الفردوس. ٣٤٥٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي العبيد إِن أَحْسنُوا فاقبلوا وَإِن أساؤوا فاعفوا وَإِن غلبوكم فبيعوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه عَاصِم أَيْضا (٢). قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: "في العبيد إن أحسنوا فاقبلوا وإن أساؤوا فاعفوا وإن غلبوكم فبيعوا" الحديث. ٣٤٥١ - وَرُوِيَ عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْغنم بركَة على أَهلهَا وَالْإِبِل عز لأَهْلهَا وَالْخَيْل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر وَالْعَبْد أَخُوك فَأحْسن إِلَيْهِ وَإِن رَأَيْته مَغْلُوبًا فأعنه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (٣).

стр. 6657

قوله: وعن حذيفة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "والعبد أخوك فأحسن إليه وإن رأيته مغلوبا فأعنه" المراد بذلك إخوة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) الآية، وتقدم الكلام على قوله "مغلوبا فأعنه". ٣٤٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للمملوك طَعَامه وَشَرَابه وَكسوته وَلَا يُكَلف إِلَّا مَا يُطيق فَإِن كلفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ وَلَا تعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي مُسلم بِاخْتِصَار (٢). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "والعبد أخوك فأحسن إليه، وإن رأيته مغلوبا فأعنه" المراد بذلك إخوة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) الآية، للمملوك طعامه وشرابه وكسوته ولا يكلف إلا ما يطيق، الحديث، يعني والله أعلم إلا ما يطيق الدوام عليه لا ما يطيق يوما أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك، ثم يعجز وجملة ذلك

стр. 6658

ما لا يضر الضرر والبين فإن عمى أو زمن أنفق عليه مولاه (١). هذا الحديث موافق لحديث أبي ذر [وقد تقدم الكلام عليه، ونبه بالطعام والكسوة على سائر المؤن التي يحتاج العبد إليها والله أعلم]، وفي حديث أبي ذر الذي تقدم الحض على كسوة المملوك وإطعامه بالسواء مثل طعام المالك وكسوته وليس ذلك على الإيجاب عند العلماء وإنما على المالك أن يكسوها ما يستر العورة ويدفع الحر والبرد ويطعم ما يسد الجوعة ما لم يكن فيه ضرر على المملوك فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلا متطوعا، وقال ربيعة شيخ مالك: لو أن رجلا عمل لنفسه خبيصا فأكله ما كان بذلك بأس (٢). قوله: "ولا يكلف إلا ما يطيق" هو كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣) فلما لم يكلفنا فوق طاقتنا ونحن عبيده واجب علينا أن نمتثل حكمه وطريقه في عبيدنا. قوله: "فإن كلفتموهم فأعينوهم" فيه: جواز تكليف ما فيه المشقة فإن كانت غالبة وجب العون عليها روى عشام بن عروة عن أبي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا تستخدموا رقيقكم بالليل فإن النهار لكم والليل لهم" (٤) أ. هـ.

стр. 6659

قوله: عهدي بنبيكم ﷺ قبل وفاته بخمس ليال في حديث كعب بن مالك، العهد الوصية ومنه عهد إلى أخيه و ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ (١) وماذا عهد إليك ربك، وقوله: على عهد رسول الله ﷺ أي على زمانه ومدته. ٣٤٥٣ - وَعَن عَمْرو بن حُرَيْث ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا خففت على خادمك من عمله كانَ لَك أجرا فِي موازينك رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ الْحَافِظ وَعَمْرو بن حُرَيْث قَالَ ابْن معِين لم ير النَّبِي ﷺ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن لَهُ صُحْبَة وَقيل قبض النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن اثْنَتَي عشرَة سنة وروى عَن أبي بكر وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم من الصَّحَابَة (٢). قوله: وعن عمرو بن حريث ﵄، قال الحافظ: عمرو بن حريث قال ابن معين لم ير النبي والذي عليه الجمهور أن له صحبة وقيل قبض النبي ﷺ وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وروي عن أبي بكر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أ. هـ قاله المنذري [وقال في شرح الإلمام: عمرو بن حريث هو ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سعيد الكوفي له صحبة

стр. 6660

ورواية توفي النبي وله اثنا عشرة سنة، وعن ابن سيرين أن عمرو تزوج بنت عدي بن حاتم على حكم عدي فندمه الناس وقالوا: [لعله يحكم فيكثر،] فحكم عدي باثنى عشر أوقية فأرسل إليه عمرو ببدرة فيها عشرة آلاف درهم (١)، قال البخاري (٢): توفي سنة خمس وثمانين أ. هـ]. قوله ﷺ : "ما خففت عن خادمك من عمله كان لك أجرا في موازينك" ففي هذا الحديث الرفق بالخادم وتخفيف العمل عنه ونحوه كتخفيف الخراج ويقاس عليه طيب الكلام وحسن الصحبة والاقتصار على دون الحق وأن ذلك يؤجر عليه بالنية كما جاء في الحديث "اسمح يسمح لك" (٣)، وفيه: أن الأعمال من المماليك راجعة إلى السادات ما لم تخرج عن العادات فقد جاءت الأحاديث بالنهي عن أن يكلفوا من العمل فوق الطاقات، والمراد

стр. 6661

ما يطيق الدوام عليه ليس ما يطيقه في يومين أو ثلاثة ثم يعجز فيما بقي قاله الشافعي (١) ومما أمر به السادات عدم تعييرهم بأصولهم وإطعامهم مما يأكلون إلباس ما يلبسون أي من جنسه [ولزومهم] اللقمة لهم مما تعبوا فيه وغير ذلك. فإن قيل: لم جمع الموازين؟ قلنا: تعظيما لقدر الأجر والله أعلم. ٣٤٥٤ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ كَانَ آخر كَلَام النَّبِي ﷺ الصَّلَاة الصَّلَاة اتَّقوا الله فِيمَا ملكت أَيْمَانكُم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم (٢). ٣٤٥٥ - وروى ابْن مَاجَه وَغَيره عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى مَا يفِيض لِسَانه (٣).

стр. 6662

قوله: وعن علي بن أبي طالب، أبو طالب اسمه عبد مناف، مات على أربعة أولاد علي وجعفر وعقيل وطالب، فلم يرثه علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين، والمسلم لا يرث الكافر، وورثه عقيل وطالب لأنهما كانا كافرين والكافر يرث الكافر. قوله: أن النبي كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" يريد الإحسان إلى الرقيق والتخفيف عنهم وقيل أراد حقوق الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي كأنه علم بما يكون من أهل الردة وإنكارهم وجوب الزكاة وامتناعهم من أدائها إلى القائم بعده [فقطع] حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة فعقل أبو بكر هذا المعنى حتى قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، أ. هـ قاله في النهاية (١). وقال الخطابي: في قوله ﷺ : "وما ملكت أيمانكم" قولان، قيل: المراد الرفق بالمماليك، والثاني: قيل: المراد الزكاة لأنها في القرآن العظيم مقرونة بالصلاة وهي من ملك اليمين وقد أوصى عند الموت بأمور منها الصلاة وما ملكت أيمانكم وأوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وقال: "أجيزوا الوفد بما ما كنت أجيزهم" قال: وقول عائشة ما ترك رسول الله دينارا ولا درهما إلى أن قالت: ولا أوصي ما تريد وصية المال خاصة لأن الإنسان إنما يوصي في مال سبيله أن يكون موروثا وهو لم يترك شيئا يورث فيوصي به، أ. هـ.

стр. 6663

فائدة: والسبب في مرض رسول الله أنه لما قفل من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وابتدأ ﷺ بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر وكان أول ما ابتدئ به أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك (١)، قال الحافظ عبد الغني وغيره: كانت مدة مرضه ﷺ اثنى عشر يوما، وقيل: أربعة عشر (٢)، وقال أبو عمر بن عبد البر: كان ابتداء مرضه ﷺ الذي مات فيه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة (٣). وقال الواقدي: حدثني أبو معشر عن محمد بن قيس أن رسول الله ﷺ اشتكى يوم الأربعاء لإحدى ليلة من صفر فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، وتوفي لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول (٤). وقيل: كان مرضه ثلاث عشر يوما وذكر الحاكم في الإكليل بسنده أن النبي ﷺ مرض لاثنين وعشرين ليلة من صفر وكان ابتداء وجعه عند وليدة يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود وكانت وفاته في يوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلت منه شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة (٥).

стр. 6664

قال السهيلي في مراسيل الحسن البصري أن النبي ﷺ مرض عشرة أيام صلى أبو بكر بالناس تسعة أيام ثم خرج النبي ﷺ في اليوم العاشر وقد رواه الدارقطني ثم قال: وفي هذا الحديث أنه مرض عشرة أيام وهو غريب (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. قوله: فما زال يقولها حتى ما يفيض لسانه، الحديث، أي: ما يبين وفلان ذو إفاضة إذا تكلم [أي: ذو بيان] (٢)، وقال في النهاية (٣): وما يفيض بها لسانه أي ما يقدر على الإفصاح بها وفلان ذو إفاضة إذا تكلم أي ذو بيان، قاله في باب الفاء مع الياء. ٣٤٥٦ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ وجاءه قهرمان لَهُ فَقَالَ لَهُ أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم قَالَ لَا قَالَ فَانْطَلق فأعطهم قَالَ رَسُول الله ﷺ كَفَى بالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ، عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ رَوَاهُ مُسلم (٤). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: وجاءه قهرمان له فقال له أعطيت الرقيق قوتهم قال لا، الحديث. قوله: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" يقال قاته يقوته إذا أعطاه قوته يريد من يلزمه قوته (٥)، وفيه: بيان أن ليس للرجل أن يتصدق بمالا يفضل عن

стр. 6665

عن أهله يلتمس الثواب فإنه ينقلب إثما عليه (١)، أ. هـ. القهرمان: بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء هو خادم الشخص القائم بقضاء حوائجه وهو بمعنى الخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده وهو بلسان الفرس يسمي قهرمان (٢). ٣٤٥٧ - وَعَن كَعْب بن مَالك ﵁ قَالَ عهدي بنبيكم ﷺ قبل وَفَاته بِخمْس لَيَال فَسَمعته يَقُول لم يكن نَبِي إِلَّا وَله خَلِيل من أمته وَإِن خليلي أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة وَإِن الله اتخذ صَاحبكُم خَلِيلًا أَلا وَإِن اْلأُمَم من قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاث مَرَّات وأغمي عَلَيْهِ هنيهة ثمَّ قَالَ الله الله فِيمَا ملكت أَيْمَانكُم أشبعوا بطونهم واكسوا ظُهُورهمْ وألينوا القَوْل لَهُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد وَقد وثقا وَلَا بَأْس بهما فِي المتابعات (٣).

стр. 6666

قوله: وعن كعب بن مالك ﵁ تقدم قريبا كم روى عن النبي ﷺ حديث. قوله: عهد إلي نبيكم ﷺ قبل وفاته بخمس ليال، في حديث كعب العهد الوصية، ومنه عهد إلى أخيه وألم أعهد إليكم وماذا عهد إليك ربك، وقوله: "على عهد رسول الله ﷺ " أي على زمانه ومدته. قوله: "إنه لم يكن نبي إلا وله خليل من أمته وإن خليلي أبو بكر بن أبي قحافة وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا" الحديث، والخلة هي المودة سميت بذلك مشتقة من التخلل فكأنها تخللت الباطن وولجت القلب حتى وصلت إلى أقصاه قاله ابن عسكر. فالخليل هو الحبيب الخاص الذي كأنه يتخلل قلب صاحبه لشدة محبته له، والنبي ﷺ خليل الله باعتبار المحبة الخاصة، وقد قال النبي ﷺ : "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله" (١). واعلم أن الخلة لما كانت أخص من المحبة وأعلا رتبه، فالخلة المودة والصداقة على الاختصاص دون مشاركة، ومعنى هذا لو كنت متخذا من الخلق خليلا انقطع إلى محبته وصداقته على التعيين والخصوص لكان أبا بكر ولكن له خلة الإسلام وأخوته السابقة في أهله بحق شمول الدين ومن جعل الخليل مشتقا من الخلة وهي الفاقة والفقر فيكون المعنى [لو كنت
следующие страницы →