← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6697–6736 · переход к 6702.

стр. 6697

في شاهد الزور أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه (١). وفي رواية أخرى عن [ابن] (٢) عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته في عنقه ويطاف به في القبائل ويقال هذا شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا (٣). وروي ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف به ويشنع به، وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت توبته اتباعا لقول عمر بن الخطاب، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: يعزر، وقال الشافعي: يعزره ويشهر به، وقال [أحمد وإسحاق و] أبو ثور كذلك وقال شريح: يشهر ولا يعزر وهو قول أبي حنيفة، وقال الطحاوي (٤): شهادة الزور فسق ومن فسق (رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلفون أن من فسق بغير شهادة الزور؛ أن توبته مقبولة) وشهادته بعد التوبة مقبولة (٥) والله أعلم قاله في شرح الإلمام. ٣٤٧٥ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من كتم شَهَادَة إِذا دعِي إِلَيْهَا كَانَ كمن شهد بالزور حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط

стр. 6698

من رِوَايَة عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ (١). قوله: وعن أبي موسى ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور" الحديث، وأما كتمان الشهادة بلا عذر فالذي يظهر أن مفسدته لا تنتهي إلى مفسدة شهادة الزور ولتمكن المدعي من تحليف المدعي عليه ولأنه قد يشهد بعد ذلك والله أعلم. * * *

стр. 6699

[كتاب الحدود وغيرها] [الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما] ٣٤٧٦ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فَغَيره بِيَدِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَغَيره بِلِسَانِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِلِسَانِهِ فَغَيره بِقَلْبِه فقد برئ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان (١). قوله: عن أبي سعيد الخدري ﵁ واسمه: سعد بن مالك تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" الحديث. فقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" المنكر ما لا يجوز في الشرع، والمنكر ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر والمعروف خلافه (٢).

стр. 6700

وقال بعضهم أيضًا: المنكر ما كان مستقبحًا عقلًا أو شرعًا، والمعروف ما كان مستحسنًا عقلًا أو شرعًا (١). وقوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره" هو خطاب للأمة جميعا حاضرها حينئذ بمشافهته بالأمر وغائبها ممن يأتي لقوله ﵊ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو لأن الحاضر يضمن الغائب (٢). وقوله: "رأى" يحتمل أنه من رؤية العين ثم يقاس عليه ما علمه وما لم يره فيجب تغيره مع القدرة لأن المقصود دفع مفسدة المنكر ولا فرق بين ما ابصره أو علمه ولم يره ويحتمل أن رأى من رؤية القلب أي من عمل منكم منكرا فليغيره فهو أعم مما أبصره أو علمه وهو أشبه في النظر وإن كانت لفظ رأى ظاهرا في الإبصار، أ. هـ قاله الطوفي (٣). وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغير منه للمنكر لكنه هو الذي في وسعه فالإنكار بالقلب هو كراهة تلك المعصية وبغضها فإن كان المنكر مما يغير باليد بادر إلى تغييره كإخراجه من المسجد إذا كان جنبًا أو قد أكل بصلا أو ثوما أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة يتأذي بها الإنسان، ففي صحيح

стр. 6701

مسلم أن النبي ﷺ كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل أو الثوم أمر به فأخرج إلى البقيع (١) وان لم يخرج إلا بجره فليجره بيده ونحوها دون ذقنه وشعر رأسه وإن أمكنه أن لا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويوليه غيره فليفعل وقال بعض أهل العلم: إنكار باليد للأمراء وباللسان للعلماء وبالقلب للفقراء، أ. هـ رواه النسائي ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برء" الحديث، أي فقد برئ من الإثم بإنكاره، وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير برئ من الإثم بل هو شريك فيه وفيه التصريح الشافي بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع الإنكار باليد وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعف إيمانه سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا أنه عند عدم الاستطاعة يسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان قاله ابن النحاس في تنبيهه (٢). قوله ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان" معناه والله أعلم أي أضعف أفعال أهل الإيمان وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان فدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان كان أفضل ممن تركها عجزا عنها ويدل على ذلك أيضًا قوله ﷺ في حق النساء: "أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي شيئًا إلى أيام الحيض" مع أنها

стр. 6702

ممنوعة عن الصلاة حينئذ وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم قاله ابن رجب الحنبلي (١). فائدة: روي عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمر بمعروف أو نهى عن منكر فهو خليفة الله وخليفة رسول الله ﷺ وخليفة كتابه" ذكره القرطبي في تفسيره (٢). قوله: في الحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره" وهذا أمر إيجاب بإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة الواجبة التي هي الدين وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة ولم يعتد بخلافهم (٣)، فالأمر بالمعروف والنهي

стр. 6703

عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من يمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما إذا كان بموضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته سواه وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ، ومثل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمام أو غيره مكشوف العورة أو بعضها أو نحو ذلك، قال العلماء: ولا يشترط في الأمر ولا في الثاني أن يكون كامل الحال ممتثلا لما أمر به مجتنبا لما نهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخللا بأن يأمر به أو كان متلبسا بما ينهي عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لأحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين لهم وترك توبيخهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية ثم إنه لا يأمر ولا ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهي عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وإن كان دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء ولا ينكر إلا ما أجمع عليه لا ما

стр. 6704

اختلف فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق به ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سار فقد نصحه ومن وعظه علانية فقد فضحه، وكأنه مما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه وأنهم لا ينكرون ذلك ولا يعلمون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يحب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم المشتري وأما صفة النهي ومراتبه قد قال النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "فليغيره بيده" الحديث، فهذه صفة النهي ومراتبه والإنكار بالقلب هو كراهته لأنه الذي في وسعه وكان أضعف الإيمان لقلة ثمرته فحق عليه أن يغير بكل ما يمكنه قولا كان أو فعلا (١)، أ. هـ قال القاضي: هذا الحد [يث أصل في صفة] التغيير فحق على أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المكسر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه [ويرفق] في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذاك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى [ويغلظ] على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته وليس من الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون،

стр. 6705

بل إن عثر على منكر غيره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات (١)، أ. هـ. وقال الماوردي (٢) في الروضة: ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه أن يغير بيده ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان، وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣) فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به وأمرتم بالمعروف ثم عجزتم عن إزالة المنكر فلا يضركم ضلالهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤) (٥). وقوله ﷺ : "فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم" أي من أنكر بقدر استطاعته سلم من الإثم ومن لم يستطع إنكارًا أو كره تلك المعصية بقلبه فقد برئ من الإثم، قاله الحافظ الدمياطي. ٣٤٧٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ بَايعنَا رَسُول الله ﷺ على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره وعَلى أَثَرَة علينا وَأَن لَا ننازع الْأَمر أَهله إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان وعَلى أَن نقُول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٦).

стр. 6706

قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" الحديث، المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) الآية (٢). قوله: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، يعني: المحبوب والمكروه وهما مصدران (٣)، وفي لفظ: "في الحزن والسهل" (٤) والحزن هو الذي فيه عنف وغلظ، والسهل هو الذي فيه رفق ولين والله أعلم (٥)، وقيل (٦): المنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذين ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله وهو مصدر معنى النشاط.

стр. 6707

قوله: "وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله" الأثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة على مثال شجرة، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء على مثال غرفة وعلى مثال مرية ثلاث لغات حكاهن في المشارق وغيره (١) وهو استيثار الأمراء بأموال بيت المال (٢)، وقال النووي: وهو الاستيثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم (٣)، قال الأزهري: وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم نفسه ولا يجعل لكم في الأمر نصيب (٤). اهـ. ومعنى الحديث: أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (٥). قوله ﷺ : "إلا أن تروا كفرا بواحا" هكذا هو في معظم الروايات وفي معظم النسخ بواحا بالواو، وفي بعضها براحا بالراء والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفرا ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصي (٦).

стр. 6708

رواية أكثر الشيوخ هنا بالواو وعند أبي جعفر وبعضهم براحا بالراء وهو بمعنى الأول أي بينا ظاهر مشتهرًا والمعنى جهارًا، وقال عياض: أي بيانًا لا تأويل فيه ولا خفاء به ومن رواه بواحا بالواو فهو من باح بالشيء إذا أظهره أي ظاهرا معناه لا عن ظن ولا إلزام (١)، أ. هـ والمراد بالكفر هنا المعصية لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وكقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا" (٣) أي عصاة وقيل لابسي السلاح، وقيل: من الكفر على الحقيقة أي لا يكفر بعضهم بعضًا (٤)، وفي الحديث أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم على بعض بالسيوف فأنزل الله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (٥) وليس المراد به الكفر بالله، وفي الحديث أيضًا: "من أيضًا: "من أتى حائضا فقد كفر ومن أتى امرأة في دبرها فقد كفر" (٦). وفيه أيضًا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٧)، ومعنى: "عندكم من الله

стр. 6709

الله فيه برهان" أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم (١). قوله: "اسمعوا وأطيعوا" قال العلماء: يجب طاعة الأمراء فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة (٢). قوله ﷺ : "وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" معناه: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدا ولا نخافه ولا نلتفت إلى لائميه، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجب كراهته بقلبه وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير وحكى القاضي عياض عنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقا في هذه الحالة وغيرها قاله النووي في شرح مسلم (٣). ٣٤٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ على كل ميسم من الْإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أنبأتنا بِهِ قَالَ أَمرك

стр. 6710

بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلاة وحملك عَن الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذى عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم" الحديث، الميسم العلامة وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق. ٣٤٧٩ - وَعَن أبي ذَر ﵁ أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم قَالَ أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة وَبِكُل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة وَبِكُل تَهْلِيلَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة رَوَاهُ مسلم وَغَيره (٢).

стр. 6711

٣٤٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير جَائِر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" الحديث، ففي هذا الحديث والأحاديث بعده دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد المفترض على المسلمين وأنه في الأئمة الجائرين والأمراء الظالمين أفضل أنواعه لأنه يعرض نفسه فيه للقتل ويجود بها لله تعالى (٢)، ولهذا جاء في المستدرك من حديث جابر عن النبي قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (٣) وخرج البزار

стр. 6712

عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله قال: "رجل قام إلى وال جار فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله" (١). قال الشيخ شهاب الدين بن النحاس، قلت: وإنما كان أكرم الشهداء لأن الشرط في الشهيد في سبيل الله أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا قد بذل نفسه لذلك غير أن الأول قد شفي نفسه ببسط يده إلى العدو فقتل عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجازاه الله تعالى على ذله فيه بإكرامه له هذا ما يظهر والله أعلم أ. هـ (٢). وقال الخطابي (٣): إنما صار هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان مترددا بين رجاء وخوف لا يدرني هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف [وأهدف] نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. لطيفة: اتفق الشيخ نور الدين البكري على بن يعقوب [بن جبريل] وكان ورعا علامة صالحا نظارا متصوفا نظارا أوصي إليه ابن الرفعة أن يكمل ما

стр. 6713

بقي من شرحه على الوسيط وهو من صلاة الجمعة إلى البيع لما علمه من أهليته لذلك دون غيره فلم يتفق له ذلك لما غلب عليه من التخلي والانقطاع غالبا بالأعمال الجيزية بسبب ما اتفق له مع الملك الناصر محمد بن قلاوون أنه دخل عليه فقال له قال رسول الله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وأنت جائر ظالم لم تفعل كذا وكذا، فأمر السلطان بقطع رأسه فحصل للشيخ جزع، فشفع فيه الحاضرون، فقال السلطان: والله ما أردت بهذا القول إلا تجربته هل هو مخلص في أمره ثم رسم أن لا يقيم بالقاهرة ولا بمصر فأقام بالجيزة إلى أن مات سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ومن شعره: كن يا علي على الطريق الأقوم ... وأذعن بخلاف الأنام وسلم ودع النفس والعوى عنك بمعزل ... والوجه منك أقم لدين قيم (١) ٣٤٨١ - وَعَن أبي عبد الله طَارق بن شهَاب البَجلِيّ الأحمسي أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ وَقد وضع رجله فِي الغرز أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (٢) الغرز بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة

стр. 6714

وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا زَاي هُوَ ركاب كور الْجمل إِذا كَانَ من جلد أَو خشب وَقيل لَا يخْتَص بهما. قوله: وعن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي (١)، هو: أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية وصحب النبي ﷺ وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين وتقدم الكلام عليه مبسوطًا. قوله: أن رجلًا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز، فذكر الحديث، الغرز ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بهما وقيل هما للكور مطلقا مثل الركاب للسرج (٢). ٣٤٨٢ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: "عَرَضَ لرسول الله ﷺ رجلٌ عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سألهُ، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلهُ في الغَرْزِ ليركب. قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق تُقالُ عند ذي سُلطان جائرٍ" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (٣).

стр. 6715

قوله: وعن أبي أمامة يعني الباهلي، تقدم الكلام عليه. قوله: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فذكر الحديث إلى أن قال فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، الحديث، جمرة العقبة هي حد منى من الغرب وليست من منى وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الإسلام والهجرة، قال الشافعي ﵀: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن رمى في المجتمع اجزأه أو رمى في السائل فلا ذكره النووي في تحريره (١). ٣٤٨٣ - وَعَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سيد الشُّهَدَاء حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَرجل قَامَ إلَى إِمَام جَائِر فَأمره وَنَهَاهُ فَقتله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢). قوله: وعن حذيفة، تقدم الكلام عليه.

стр. 6716

قوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه" فيه الترغيب في الإقدام على القتل والتعرض له وهو أمر مندوب إليه كما تقدم لكنه إذا خاف شيئًا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه الوجوب ونقل الاستحباب وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلا من جاد بنفسه لله الكريم وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد خوفا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة (١). وقد روى عن أبي بكر الصديق حديث غريب وهو أنه قال: يا رسول هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله ﷺ : "نعم يا أبا بكر إن لله مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة" فقال أبو بكر ﵁: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمتحابون في الله والمبغضون في الله" ثم قال: "والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث مائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليتزوج ثلاثمائة حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن لينظر إليها فتقول له أتذكر يوم كذا أمرت بمعروف ونهيت عن منكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بالمعروف أو نهي فيه عن المنكر" (٢)، أ. هـ فدلت الآيات والأخبار على فضل الأمر

стр. 6717

بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى محله وعلى الترغيب في القيام به وعلى شرف أهله وعلى أنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان الآمر رجلًا أو امرأة أو عبدا كما عليه إجماع الأمة ولذلك كان السلف ﵃ لا تأخذهم في الله لومة لائم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (١). ٣٤٨٤ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنا خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (٢). قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها" الحديث. قوله: "القائم في حدود الله" هو القائم في إزالتها ودفعها وإنكارها (٣). قوله: "مثل قوم استهموا" أي: اتخذ كل واحد منهم سهما، أي: نصيبا من السفينة بالقرعة (٤).

стр. 6718

قوله: "فكان الذين في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها" يمر بالماء أي بالبول والغائط في أعلاها ليطرحها على البحر فيؤذيهم به (١). قوله: "وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عنهما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده قاله ابن الأثير (٢). أي منعوهم من الخرق نجي الآخذون ونجى المأخوذون وهكذا إن أقيم الحدود فتحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد منه قاله الكرماني (٣). ومعنى الحديث: أن القوم إذا كان فيهم من يأتي المنكر فتركوه مع ما أراد هلك وهلكوا جميعا وإذا أقاموا العدل ونهوا عن الفساد خلصوا وخلص المفسدون فالهلاك هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم ومنعهم ما أراده سببًا لنجاتهم أجمعين وقس على هذا فإنما ضرب الله ورسوله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون (٤).

стр. 6719

واعلم أن في تمثيل النبي ﷺ هذا في الحديث جملة من الفوائد منها أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي آلة النجاة في الدنيا وكما أن سكوت شركاء السفينة عن السفينة الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا كما في الأحاديث. ومنها أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجنى على ديني لا على دينكم وعليكم أنفسكم ولي عملي ولكم عملكم ونحو هذا الكلام فيما يجري على ألسنة الجاهلين لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فساده يشملهم أجمعين. ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببا لنجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم وكان سببا لنجاة المسلمين جميعا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. ومنها: أنه إذا أنكر منكر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره فذلك كذلك لا يعترض على منكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله وجهل عواقب المعصية وشؤمها إذا المنكر قائم

стр. 6720

بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وهو ساع لسبب نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج. ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك للسفينة مع استطاعته حتى غرقت أثم فيما نزل به ومات عاصيا بإهلاك نفسه. ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره ولا الصالح منهم من الطالح كذا إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يتميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم وغيره. ومنها: أنه لا يقدم أحد من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العقاب إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة فيها لما قدم على المعصية أبدا. ومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة إلا من آمن يقينا ما في خرقها من هلاكه إذ لا يقدم على هلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعيد الله له وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها والله أعلم (١)، أ. هـ.

стр. 6721

٣٤٨٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل رَوَاهُ مُسلم الْحوَاري هُوَ النَّاصِر للرجل والمختص بِهِ والمعين والمصافي (١). قوله: وعن ابن مسعود ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة ويعني بذلك غالب الرسل لا كلهم بدليل الحديث الآخر "يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد" فهذا العموم وإن كان مؤكدا بمن بعد النفي فهذا مخصص بما ذكرناه (٢)، أ. هـ. الحواري: هو الناصر للرجل والمختص به والمعين والمصافي، أ. هـ قاله المنذري. وقال الأزهري وغيره: الحواريون هم أصفياء الأنبياء وقيل هم أنصارهم وقيل هم المجاهدون وقيل الحواري المخلص في حب نبيه الخالص من كل عيب وحواري الدقيق النقي الذي تنخل، وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون وقيل غير ذلك (٣).

стр. 6722

قوله: "يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" والسنة هي الطريقة والسيرة. قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون" الحديث. قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف" الرواية "إنها" بهاء التأنيث وهي عائدة إلى الأمة أو الطائفة، ويحتمل الضمير في أنها هو الذي تسميه النحويون ضمير الشأن والقصة ومعنى تخلف تحدث وهي بضم اللام وأما الخلوف بضم الخاء فهو جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد الأسبق وقيل هو الخالف بشر ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (١) وأما الخلف بفتح اللام فهو الخالف بخير وهذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهم الفتح والإسكان (٢)، أ. هـ. يقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وأخلفه أي جاء بعده ومنه سمي الخليفة لأنه يخلف غيره ويقوم مقامه قاله عياض (٣)، والمراد به ها هنا الخلف بعد السلف والخلوف الحضور والمتخلفون وذكر في النهاية الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر كما تقدم ومن السكون حديث ابن مسعود ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف انتهى (٤).

стр. 6723

فاختر يا هذا لنفسك إما أن تكون خلف الحواريين والأنبياء فتكون رفيقهم في دار القرار أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار شريك في الاسم يرد مع شريكه النار، قاله ابن النحاس في تنبيهه (١). قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" الحديث، معناه: أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر ويكون منه (في جهد) وعناء حتى لا يستقر ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمة المؤمنين فسمتهم أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية عرية عن الصفات النورانية (٢). ففي هذا الحديث الحث البالغ على اتباع السنة والتمسك بها والنهي العظيم عن مخالفة القول العمل لما فيه من الجرأة على المخالفة مع العلم، وقد جاء "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (٣).

стр. 6724

وقوله: "ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" محمول على المبالغة الشديدة في ترك جهادهم وفي ذلك دليل على تفاوت درجات الإيمان وهو الذي اختاره النووي والمحققون. أ. هـ. ٣٤٨٦ - وَعَن زَيْنَب بنت جحش ﵂ أَن النَّبِي ﷺ دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول لا إِلَه إِلَّا الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه وَحلق بَين أصبعيه الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت يَا رَسُول الله أنهلك وَفينَا الصالحون قَالَ نعم إِذا كثر الْخبث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: وعن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله" وروى الجماعة إلا أبا ذر من حديث زينب أيضًا قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"، زينب بنت حجش بن [رئاب الأسدية (٢)، تكنى أم الحكم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكانت زينب قديمة الإسلام، ومن المهاجرات مع رسول الله ﷺ ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، قاله قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة وقال ابن

стр. 6725

المسيب، وأبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث. وروى ابن سعد أنه تزوجه لهلال ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، ثم طلقها فاعتدت، ثم زوجها إليه رسول الله ﷺ ، فأنزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١)، وكانت تفتخر على نساء رسول الله ﷺ وتقول: زوجنى الله من السماء. وكانت امرأة صناعا تعمل بيدها وتتصدق به في سبيل الله ، وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، أن الله زوجها نبيه ﷺ في الدنيا، ونطق به القرآن، إن رسول الله ﷺ قال لنا ونحن حوله: "أسرعكن بى لحوقا أطولكن باعا"، فبشرها رسول الله ﷺ بسرعة لحوقها به ﷺ ، وهى زوجته في الجنة. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، رحمها الله تعالى، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله. ومناقبها كثيرة. توفيت سنة عشرين وهى بنت ثلاث وخمسين سنة، ذكره ابن سعد، وأجمع أهل السير أنها أول نساء رسول الله ﷺ موتًا بعده، ودفنت بالبقيع فيما بين دار عقيل ودار ابن الحنفية، قاله ابن سعد، وصلى عليها عمر بن

стр. 6726

الخطاب، رضى الله عنهما، ونزل في قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبد الله، وهو ابن أختها حمنة، فكلهم محارم لها، رضى الله عنها، وهى أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته في الحبشة، وكان عمر، رضى الله عنه، يطلع إلى شيء يسترها، فأشارت به أسماء. روى لها عن رسول الله ﷺ أحد عشر حديثًا، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها توفيت سنة عشرين. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين]. قوله ﷺ : "ويل للعرب من شر قد اقترب" المراد بالويل هنا الحزن قاله ابن عرفة (١)، وقال أبو هريرة: ويل لهم من إمارة الصبيان يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب" (٢) وإنما خصص العرب بالذكر لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم وقد وقع ما أخبر به حيثما يقال إن يأجوج هم الترك وقد أهلكوا الخليفة المعتصم وجرى ما جرى ببغداد (٣). فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة

стр. 6727

والسلام وما جاء به من الدين والإسلام فيما لم يشكروا والنعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (١) (٢). قوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين أصبعيه الإبهام والتي تليها" الحديث، والردم السد الذي بناه ذو القرنين يقال ردمت الثلمة ردما إذا سددته (٣). قول: "مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها" هذا إخبار وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبي، ثم إن الرواة بعدهم عبروا بإصطلاح الحساب فقال سفيان: وعقد بيده عشرة أي جعل إصبعيه كالحلقة وعقد وهيب بيده تسعين وعقد التسعين أو العشرة من موضوعات الحساب وهو أن يجعل رأس الإصبع السبابة في وسط رأس الإبهام وبضمها حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير وهذا تقريب في العبارة (٤). والحاصل أن الذي فتحوه قليل وهم مع ذلك لا يلهمهم الله تعالى أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى فإذا قالوا خرجوا، روى البزار من حديث يوسف بن مريم الحنفي قال: بينا أنا قاعد مع أبي بكرة ﵁ إذ جاء رجل فسلم عليه فقال: أما تعرفني فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى

стр. 6728

النبي فأخبره أنه رأى الردم فقال له أبو بكرة: أنت هو! قال: نعم، فقال: اجلس حدثنا قال: انطلقت إلى ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت فيه على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمت صوتا لم أسمع مثله، فرعت فقال لي رب البيت لا تذعرن فإن هذا لا يضرك شيء، هذا صوت قوم منصرفون هذه الاسعة عند هذا السد، قال: فيرك ان تراهم، قلت: نعم قال: فغدوت إليه قال: فإذا لبنة من حديد كل واحد مثل الصخرة وإذا كانه البرد المحبر وإذا مسامير مثل الجذوع فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال لي: "صف لي" فقلت: كأنه البرد المحبر فقال رسول الله ﷺ : "من سره أن ينظر على رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا" قال أبو بكرة صدق (١). أ. هـ. وروى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله ﷺ أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله ﷺ ، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال ﷺ : "ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا

стр. 6729

علم لي إلا ما علمني ربي " ثم قال ﷺ : "ابغني وضوءا" فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال ﷺ : "اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم" قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا إلى رسول الله ﷺ قال: "إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم". فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال ﷺ ، قال: "جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق

стр. 6730

يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض" فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا (١)، أ. هـ. قوله: "يأجوج ومأجوج" الحديث يأجوج ومأجوج فيهما لغتان الهمز والبدل قرئ في السبع بالوجهين الجمهور بترك الهمز فمن همزها جعلهما من أجيج النار وهو ضوءها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين (٢)، قال مقاتل هم ولد يافث بن نوح وقال الضحاك من الترك وقال أيضًا وهب بن منبه هم جيل من الترك وقيل هم من ولد آدم من غير حواء (٣) وعن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت ابن منبه يقول: إن سام بن نوح [أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك] (٤)، وقال كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه

стр. 6731

بالتراب فأسف فخلق الله منها يأجوج ومأجوج وفيه نظر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون (١) وقال في شرح مشارق الأنوار: يأجوج ومأجوج من أولاد يافث وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم (٢)، قيل: كانوا يأكلون الناس ويخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئًا أخضر إلا أكلوه ويمرون بالدجلة فيشربونها حتى تصير يابسة فيمر بها الذين من بعدهم فيقولون لقد كان بهذا المكان ماء مرة وهم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر، وروي يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويظهرون على الأرض ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم أي دودا فيدخل في آذنهم فيموتون (٣) انتهى. واختلف في يأجوج ومأجوج هل أرسل إليهم أم لا وهل هم من ذرية آدم أم لا الصحيح أنه لم يرسل إليهم وأنهم من ذرية آدم بدليل الحديث الذي ورد أن الله تعالى يوم القيامة يا آدم أخرج بعث النار فيقول يا رب ومن بعث النار فيقول من ذريتك يأجوج ومأجوج من كل ألف من الآدميين واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعين، فهذا بعث النار، ولو لم يكونوا من ذريته لما أمر بإخراجهم إذ لا ولاية له على غير ذريته والله أعلم، روى الطبراني من حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك يأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى فارس من ولده

стр. 6732

[صنف منهم كالأرز] طولهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخارسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" وقال علي ﵁: صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود الذي يكون في أنوف الإبل، وفي رواية: إن يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشبر والشبران وفيهم من هو أطول من ذلك ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة ومنهم من مشيته وتب ويأكلون سائر اللحوم نية بغير شيء ولا صلق ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع خشاش الأرض وكانوا بل ذلك يغيرون على الحصون والمدن حتى إذا أخربوها حتى سد عليهم ذو القرنين وسيفتحونه آخر الزمان كما أخبر الله ويأكل بعضهم بعضا والزلازل عندهم كثير، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (١)، وسئل شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء ﵍، وكم ثبت أنه يعيش كل واحد

стр. 6733

منهم؟ فأجاب: هم ولد حواء ﵉ عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم غير حواء فيكونون إخواننا من الأب ولم يثبت في قدرهما شيء، أ. هـ، وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البر مكن الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح وأن النبي ﷺ سئل عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك يا رسول الله فقال: "جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا فهم جل أهل النار" روى الشيخان والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: "يقول الله تعالى يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك" قال: "يقول: أخرج بعث النار" قال: "وما بعث النار؟ " قال: "من ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، فذلك حين يشب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى" الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل، فقال: "أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل" (١) الحديث، قال العلماء: إنما خص آدم بالذكر دون غيره لأنه أب للجميع (٢)، أ. هـ. فائدة: روى أبو نعيم (٣) عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى أن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون

стр. 6734

على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا قبضت روحه ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج حتى يأتي أمر الله والساعة وهم على ذلك وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر أي يتسافدون والهرج كثرة النكاح يقال: بات يهرجها ليله جميعًا (١). قولها: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال: "نعم إذا كثر الخبث" أنهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد ذكره النووي في شرح مسلم (٢). قوله ﷺ : "قال: نعم إذا كثر الخبث" الحديث، والخبث بفتح الخاء والباء وبالثاء المثلثة، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، والفجور الميل إلى الفساد وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (٣) وقيل: المراد الزنا خاصة وقيل المراد أولاد الزنا (٤) وبهذا القول جزم ابن بطال في شرح البخاري في أول كتاب الفتن فقال: وفسر العلماء الخبث بأولاد الزنا (٥)، ثم قال: فإذا ظهر ظهرت المعاصي ولم [تغير] وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك إلا [أن] الهلاك

стр. 6735

طهاة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروي ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بفعل أبي الدرداء في خروجه من أرض معاوية حين أعلن [بالربا] وهو من الكبائر وأجاز بيع سقاته الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض [أنت بها] (١)، قال النووي: وقولها: "أنهلك وفينا الصالحون" تقدم ذكره ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون (٢). قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣) وقال القرطبي: في هذا الحديث تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب وأول ذلك قتل عثمان ولذلك أخبر عنه بالقرب ثم لم يزل ذلك كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمة كالقصعة بين الأكلة كما في الحديث الآخر: "أوشك أن يتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها" (٤) قال: ذلك مخاطبا للعرب.

стр. 6736

وقال لهم أيضًا: "إني لأرى مواقع الفتن في بيوتكم كمواقع القطر" (١). والظاهر والله أعلم أن المراد بالخبث المعاصى مطلقا، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون، قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز ولهذا أمر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع لاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى، ولذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ لما مر بالحِجْر (ديار ثمود) قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٢)، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم أو أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا وشمالا لئلا يقع بصره عليها وقيل قنع رأسه أي سترها بقناع كالطيلسان والله أعلم (٣). في قوله "أنهلك وفينا الصالحون" الحديث دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون
следующие страницы →