← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 712–751 · переход к 717.

стр. 712

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما عبد الله بشيء أفضل من فقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" الحديث، تقدم الكلام على ذلك، وبسنده عن أبي هريرة أيضًا أن النبي ﷺ قال: "لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الفقه في الدين، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد" (١) وفي تاريخ أصبهان في ترجمة محمد بن أبان عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "التفقه في الدين حق على كل مسلم" (٢). ١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَنه مر بسوق الْمَدِينَة فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا أهل السُّوق مَا أعجزكم قَالُوا وَمَا ذَاك يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: ذَاك مِيرَاث رَسُول الله

стр. 713

- ﷺ يقسم وَأَنْتُم هَا هُنَا أَلا تذهبون فتأخذون نصيبكم مِنْهُ قَالُوا وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي الْمَسْجِد فَخَرجُوا سرَاعًا ووقف أَبُو هُرَيْرَة لَهُم حَتَّى رجعُوا فَقَالَ لَهُم مَا لكم فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة قد أَتَيْنَا الْمَسْجِد فَدَخَلْنَا فِيهِ فَلم نر فِيهِ شَيْئا يقسم فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيْرَة وَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِد أحدا قَالُوا بلَى رَأينَا قوما يصلونَ وقوما يقرؤون الْقُرْآن وقوما يتذاكرون الْحَلَال وَالْحرَام فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيرَة وَيحكم فَذَاك مِيرَاث مُحَمَّد ﷺ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (١).

стр. 714

فصل ١٣٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ العلم علمَان علم فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم على اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب الْعلم عَن الْحسن مُرْسلا بِاِسْنَاد صَحِيح (١). قوله: فصل، عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ "العلم علمان: علم في القلب، فذلك العلم النافع؛ وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب ﵀ في شرح الأربعين النواوية: العلم قسمان، أحدهما: ما كان ثمرته في القلب وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخشوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه

стр. 715

ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع؛ والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (١)، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع وهو: العلم الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته، ثم لا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ولا أحكامه، ثم يسري في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة (٢)، انتهى. ١٤٠ - وَرُوِيَ عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم علمَان فَعلم ثَابت فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم فِي اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على عباده رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس والأصبهاني فِي كِتَابه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الفضيل بن عِيَاض من قَوْله غير مَرْفُوع (٣).

стр. 716

قوله: عن أنس، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "العلم علمان، فعلم ثابت في القلب" فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله على عباده، الحديث؛ ومنه قول أبي هريرة ﵁: حفظت من رسول الله ﷺ وعائين (١)، أي: نوعين من العلوم، فبثثت أحدهما، أي: نشرته، يقال: بث الخير وأبثه بمعنى، أي: نشرته (٢)، والآخر: لو بثثته لقطع هذا البلعوم، البلعوم بضم الموحدة مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ (٣). وقال ابن بطال (٤): المراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة وما عرف به النبي ﷺ من فساد الدين وتغيير الأحوال والتضييع لحقوق الله تعالى، ولو كانت الأحاديث التي يحدث بها من الحلال والحرام لما وسعه كتمها بحكم الآية. قال الكرماني (٥): وأقول هذا الحديث هو قطب مدار استدلالات المتصوفة في الطامات والشطحات، قالوا: والمراد بالأول،

стр. 717

يعني: الوعاء الأول علم الأحكام والأخلاق، وبالوعاء الثاني: علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، قال قائلهم: تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ يا رُب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا وقال بعضهم: العلم المكنون والسر المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة لا يظفر به إلا الغواصون في بحار المجاهدات ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المجاهدات، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر إلا بالرياضة وأنوار ملمعة في الغيوب لا تنكشف إلا للمرتاضة، وأقول: نعم ما قال، ولكن بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية، إذ ما بعد الحق إلا الضلال، انتهى، قاله الكرماني في شرح البخاري (١). وقال سهل بن عبد الله التستري: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله عالم بأيام الله وهم الصديقون (٢). قوله: بأيام الله، يعني: بنعمه الباطنة وبعقوباته الغامضة، ثم قال: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا

стр. 718

المحبين والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال (١). وقال مرة أخرى: الدنيا كلها أموات إلا أهل العلم، والعلم حجة على صاحبه إلا العمال والعاملون على سنن الهلاك إلا المخلصين، والمخلصون على خطر حتى ينظر بم يختم لهم (٢). قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: صدق سهل في كلامه هذا قال ﷺ في صحيح مسلم: "إنما الأعمال بالخواتيم"، انتهى. وقال الثوري: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل، وعالم بالله غير عالم بأمر الله، فذلك التقي الخائف، وعالم بأمر الله غير عالم بالله فذلك العالم الفاجر (٣). قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا حملة العلم، اعملوا فإنما العالم من علم ثم عمل ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم يقعدون خلفا فيباهي بعضهم بعضًا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إن جلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه " (٤) انتهى.

стр. 719

وقال في النهاية (١): الناس ثلاثة: عالم رباني، هو منسوب إلى الرب، العالم الرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى، وقيل: العالم العابد المعلم ومنه حديث ابن الحنفية قال حين توفي ابن عباس: مات رباني هذه الأمة. ويروى أن سفيان الثوري كان ينشد متمثلًا، وهو لسابق البربري: إذ العلم لم تعمل به كان حجة ... عليك ولم تعذر بما انت جاهله فإن كنت قد أوتيت علما فإنما ... يصدق قول المرء ما هو فاعله (٢) تتمة: العلم علمان: علم ظاهر، وهو حجة الله على خلقه، وعلم باطن وهو العلم النافع (٣). وكان للنبي ﷺ علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل، فإن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، وكلم محمدًا ﷺ ورآه كفاحا، وأن حلم الأنبياء وحي، وأن كلام الصديقين والأولياء بالإلهام، وفوائده من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكم ونفع بهم الأمة (٤).

стр. 720

قال أبو الفرج بن الجوزي (١): قلت: الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه، وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة العلم والتقوى فيوفق صاحبها للخير، ويلهم الرشد، واعلم أن العلم الإلهامي الملقي في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية، فإن العقلية كالأغذية، والنقلية كالأدوية، ولا ينوب هذا عن هذا. تتمة أيضا في علم الشريعة والحقيقة: أنبأنا عبد الكريم فذكره إلى أن قال: سمعت أبا بكر الدقاق يقول: كنت مارًا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر، قال أبو الفرج بن الجوزي: قلت: وقد بينه الفقيه أبو حامد الغزالي في بعض كتب الإحياء، فقال: من قال الحنفية تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وقال ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة أسماء وقالوا: المراد منها الحقيقة بعد هذا سواء واقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمعذور مخدوع، انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢). ١٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن من الْعلم كهَيئَةِ الْمكنون لا يُعلمهُ إِلَّا الْعلمَاء بِالله تَعَالَى فَإِذا نطقوا بِهِ لَا يُنكره إِلَّا أهل

стр. 721

الْغرَّة بِالله رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي الْمسند وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي لَهُ فِي التصوف (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله " الحديث، قال القرشي: هي أسرار الله تعالى يبديها إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراية وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص (٢). وقال أبو سعيد الخراز: للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة وأنباء عجيبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية ويخبرون عنها بعبارة الأزلية وهو من العلم المجهول (٣). فقوله بلسان الأبدية، وعبارة الأزلية: إشارة إلى أنهم بالله ينطقون، وقد قال اللّه تعالى على لسان نبيه ﷺ : "وبي ينطق" وهو العلم اللدني الذي قال الله تعالى في حق الخضر ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٤) (٥)، وأسند من

стр. 722

طريق أبي نعيم الأصفهاني عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن معادن التقوى تعلمك إلى ما قد عملت علم ما لم تعلم". وقوله: فإذا نطقوا به، لا ينكره إلا أهل الغِرة بالله ، الحديث (١)، الغرة: الغفلة، والجمع: غِرَّات، ومنه قول الشاعر: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... في بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا (٢) وقال سعيد بن جبير: الغِرة بالله: أن يتمادى الرجل بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة، قاله القرطبي في التذكرة (٣).

стр. 723

الترغيب في الرحلة في طلب العلم الرحلة: الارتحال، وأما الرُّحلة بالضم فهو: المرحول إليه، قاله الكرماني (١)، ومما أنشده الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمي (٢): رَحَلْتُ أَطْلُبُ أَصْلَ الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا ... وَزِينَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا الْأَحَادِيثُ لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلَّا بَازِلٌ ذَكَرٌ ... وَلَيْسَ يُبْغِضُهُ إِلَّا الْمَخَانِيثُ لا تَعْجَبَنَّ بِمَالٍ سَوْفَ تَتْرُكهُ ... فَإنَّمَا هَذه الدُّنْيَا مَوَارِيثُ ومما أنشده الإمام الشافعي ﵀ (٣): كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ، حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ وقيل: أهل المدارس والحواني غالبا ... يتحاسبون على حطام فان مالوا إلى الدنيا فمالت عنهم ... وخلوا من المعروف والعوفان ١٤٢ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة. رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب قبله (٤).

стр. 724

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" الحديث، وتقدم بتمامه في الباب قبله، وقد يراد بذلك أن الله تعالى ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببًا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله تعالى لطالب العلم علوما أخرى ينتفع بها وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: "من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم" (١) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا. ١٤٣ - وَعَن زر بن حُبَيْش قَالَ أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ مَا جَاءَ بك قلت أنبط الْعلم قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من خَارج من بَيته فِي طلب الْعلم إِلَّا وضعت لَهُ الْمَلائِكَة أَجْنِحَتهَا رضَا بِمَا يصنع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد. (٢) قَوْله: أنبط الْعلم أَي أطلبه وأستخرجه. قوله: عن زر بن حبيش ﵁ هو: زر بن حبيش بن حباشة بن أوس بن بلال، روى عن أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وصفوان بن عسال وغيرهم،

стр. 725

ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، قال عاصم: وكان زر بن حبيش علويًا، وكان أبو وائل معظما لزر بن حبيش، وكان زر أكبر من أبي وائل، وكان أبو وائل عثمانيا وكان مصلاهما في مسجد واحد، فما رأيت واحدًا منهما قط يكلم صاحبه في شيء مما هو عليه حتى ماتا [بلغ زر من العمر مائة سنة واثنتين وعشرين سنة، وتوفي سنة إحدى وثمانين، وقيل سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وثمانين، وقال أبو نعيم: مات وهو ابن سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة (١)، قاله في الديباجة. قوله: أتيت صفوان بن عسال المرادي، صفوان بن عسال غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وسكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ ، ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روى عنه (٢). قوله: ما جاء بك؟ قال: أنبط العلم، الحديث؛ قال الحافظ: أنبط العلم، أي: أطلبه وأستخرجه، انتهى، وقد ضبطه الجوهري فقال: أُنْبِط بضم الهمزة وسكون النون وكسر الباء وبالطاء المهملة في آخره مأخوذ من أنبط الحفار إذا بلغ الماء، ومنه: استنباط العلم، وهو: استخراجه شيئا فشيئا، وأما فعله اللازم فيقال: نبط الماء ينبط بفتح أوله وضم ثالثه وكسره نبوطا، أي: نبع (٣)،

стр. 726

وقال ابن الأثير في النهاية (١): وأصله من نبط الماء ينبط إذا نبع وانبط الحفار بلغ الماء في البئر، والاستنباط الاستخراج، ومنه الحديث: "ورجل ارتبط فرسا ليستنبطها" أي يطلب نسلها ونتاجها، وفي رواية: "يستبطنها" أي يطلب ما في بطنها، ومعنى قوله: "ينبط علمًا" أي: يظهره ويفشيه. انتهى. قوله ﷺ : "ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع" الحديث، أي: فرشت لتكون تحت أقدامه إذا مشى، قاله في النهاية (٢)، وقال في موضع آخر: أي: تضعها لتكون وطاءً له إذا مشى (٣)، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران، وقيل: أراد به إظلالهم بها، ومنه الحديث الآخر: "تظلهم الطير بأجنحتها" وجناح الطير يده، انتهى. وقال أبو نصر عن معنى قوله ﷺ : "وضعت له الملائكة أجنحتها" قال: يحتمل أن المراد بذلك إسراع الملائكة في صحبته، لأن ذا الجناح يسرع في طيرانه، وهكذا كما قالت امرأة أعرابية: فلو أن ذا ود يطير لوده ... لطرت إليه حيث كان من الأرض ولكن جناحي قص عن إثر وده ... فما لي من بسط إليه ولا قبض أرادت بذلك الإسراع في مرضات لغاية، وشبهت بذلك فعل الطائر من

стр. 727

بسط جناحه، وقد قيل: هو كناية عن التواضع، يعني: الملائكة يتواضعون له كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١)، أراد بذكر الجناح: التواضع، وكذلك هاهنا ذكره أبو الليث السمرقندي في كتابه النوازل (٢). وقيل: يكنو بها عن الطيران إليه لتسمع العلم على ما جاء في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ : "وحفتهم الملائكة" أي: أطافوا حولهم، وقيل: تكف عن الطيران توقيرًا لطالب العلم وتعظيما له، وقيل: تبسط أجنحتها له (تبسطها بالدعاء) كما قيل في الحديث: "وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض" والاستغفار من الملائكة بمعنى الدعاء، وقال: في أجنحتهم الخبر على ظاهره أنهم يبسطون أجنحتهم حتى يمرون عليها إلا أن جناحهم لا يحول بين قدميه وبين الأرض لأنهم خلقوا من الثور فليس لهم جسم كثيف وإنما لهم جسم لطيف (٣). تتمة: قال الشيخ محي الدين النووي في كتابه بستان العارفين (٤): أخبرنا الحافظ عبد القادر الرهاوي فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا يحيى السَّاجي ﵀ قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة

стр. 728

الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ في قوله: فما زال في موضعه حتى جفت رجلاه وسقط، قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: إسناد هذا الحديث أو قال هذه الحكاية كالأخذ باليدين أو كرأى العين لأن رواتها أعلام أئمة، وذكر النووي أيضًا في الكتاب المذكور فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع بحديث النبي ﷺ : "أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع" فجعل في نعليه مسامير حديد وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الأكلة في رجليه (١)، وذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي في كتابه شرح صحيح مسلم هذه الحكاية فقال فيها: وشلت يداه ورجلاه وسائر أعضائه، ورأيت في بعض الروايات أنه تفسخت بنيته؟ قوله: وشلت رجلاه ويداه، أي: يبست ووقفت حركتها، وهو: بفتح الشين على اللغة الفصيحة، وفيها لغة أخرى بضمها، والله أعلم، وقال النووي: وفي هذا المعنى ما وجد في زماننا هذا وتواترت الأخبار به وثبت عند القضاة أن رجلا ببلاد بصرى في أوائل سنة خمس وستين وستمائة كان سيئ الاعتقاد في أهل الخير، وله ابن يعتقد فيهم، فجاء ابنه من عند شيخ صاله ومعه مسواك، فقال لابنه: ما الذي أعطاك شيخك؟ قال: هذا المسواك، قال: فأخذ المسواك وأدخله في دبره احتقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد ذلك الرجل الذي استدخل المسواك جروا قريب الشبه بالسمكة فقتله ثم مات

стр. 729

الرجل في الحال أو بعد يومين؛ قال النووي: وذكر الإمام أبو عبد الله التيمي المذكور وقال: قرأت في بعض الحكايات أن بعض المبتدعة حين سمع قول النبي ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده" الحديث، فقال ذلك المبتدع على سبيل التهكم: أنا أدري أين باتت يدي في الفراش، فأصبح وقد أدخل يده في دبره إلى ذراعه، عافانا الله الكريم من بلائه، ووفقنا لتنزيه السنن وتعظيم شفائه، قال التيمي: فليتق المرء الاستخفاف بالسنن ومواضع التوقيف، فانظر كيف وصل إليهما شؤم فعلهما. تتمة: ومعنى الحديث ما قاله الإمام الشافعي وغيره من العلماء: أن النائم تطوف يده في نومه على درنه فلا يأمن أنها مرت على نجاسة من دم بثرة أو قملة أو برغوث أو مرت على محل الاستنجاء وما أشبه ذلك (١). انتهى. وقال النووي (٢): قال الشافعي أيضًا معنى: "لا يدري أين باتت يده": أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تمر يده على ذلك الموضع النجس أو على بترة أو على قملة أو قذر غير ذلك، والله أعلم؛ وفي هذا الحديث دلائل كثيرة لمذهبنا ومذهب الجمهور، ومنها: أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن قلت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدًا، وكانت

стр. 730

عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تنقص عن قلتين بل لا تقاربهما، ومنها: الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها، ومنها: [أن الغسل سبعا] ليس عاما في جميع النجاسات، وإنما ورد به الشرع في ولوغ الكلب خاصة، ومنها: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة، ومنها: استحباب غسل النجاسة بالماء لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي الحقيقة أولى، ومنها: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش، ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط إلى حد الوسوسة والنهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها نهي تنزيه لا تحريم، فلو خالف وغمس لم يفسد الماء (ولم يأثم الغامس)، وعن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل، وهو ضعيف، فإن الفضل في الماء من اليد الظاهر فلا ينجس بالشك، والحديث محمول على [التنزيه ثم مذهبنا]، ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل. أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم؛ وعن الإمام أحمد رواية: إن كان قام من نوم الليل كره له كراهة تحريم أو نوم النهار فكراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري اعتمادًا على لفظ المبيت في الحديث، وهذا مذهب ضعيف جدًا، فإن النبي ﷺ نبه على العلة بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، وهذا

стр. 731

عام لوجود احتمال النجاسة من نوم الليل والنهار، وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب، هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها وأراد غسلها قبل غمسها، فقد قال جماعة من أصحابنا حكمه حكم الشك لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف، والأصح الذي ذهب إليه الجمهور أنه لا كراهة، والله أعلم. ١٤٤ - وَعَن قبيصَة بن الْمخَارِق ﵁ قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا قبيصَة مَا جَاءَ بك قلت كَبرت سني ورق عظمي فأتيتك لتعلمني مَا يَنْفَعنِي الله تَعَالَى بِهِ فَقَالَ يَا قبيصَة مَا مَرَرْت بِحجر وَلا شجر وَلا مدر إِلَّا اسْتغْفر لَك يَا قبيصَة إِذا صليت الصُّبْح فَقل ثَلَاثًا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَبِحَمْد تعاف من الْعَمى والجذام والفلج يَا قبيصَة قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مِمَّا عنْدك وأفض عَليّ من فضلك وانشر عَليّ من بركاتك رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم (١).

стр. 732

قوله: عن قبيصة بن المخارق، هو: قبيصة بن المخارق بن (عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة العامري الهلالي عداده في أهل البصرة، وفد على النبي ﷺ يكنى أبا بشر، قال أبو العباس محمد بن يزيد: لقبيصة صحبة، روى عنه: أبو عثمان النهدي، وأبو قلابة، وابنه قطن بن قبيصة) (١). قوله: أتيت النبي ﷺ فقال: "يا قبيصة، ما جاء بك؟ " قلت: قد كبرت سني ورق عظمي، أي: ضعف. قوله: فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به، فقال: "يا قبيصة، إذا صليت الصبح فقل ثلاثًا: سبحان الله العظيم وبحمده، تعافى من العمى والجذام والفلج" إلى آخره، وروى الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة عنه أنه قال للنبي ﷺ : علمني كلمات ينفعني الله بهن، فقال ﷺ : "أما لدينك، فإذا صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنك إذا قلتهن أمنت من العمى والجذام والبرص والفالج؛ وأما لآخرتك فقل: اللهم اهدني من عندك وأفض علي من فضلك

стр. 733

وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك" ثم قال ﷺ : "أما إنه من وافى بهن يوم القيامة ولم يتركهن فتح الله لقارئها أبواب الجنة" انتهى، قوله: "والفالج" داء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو داء معروف يرخي نصف البدن في الغالب، واشتقاقه من الفلج وهو النصف من كل شيء، قاله صاحب كتاب المغيث في غريب القرآن والحديث (١). [قوله: الجذام: بالذال المعجمة، علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم ينقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو لكن في الوجه أغلب (٢)، وأما البرص فهو بياض يكون في الجلد يذهب دمويته وعلامته: أن يعصر المكان فلا يحمر؛ لأنه ميت، ولا يلتحق به البهق؛ لأنه بياض على غير هذا الوجه (٣). ١٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من غَدا إِلَى الْمَسْجِد لا يُرِيد إِلَّا أَن يتَعَلَّم خيرا أَو يُعلمهُ كَانَ لَهُ كَأَجر حَاج تَاما حجَّته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٤). قوله: عن أبي أمامة، تقدم.

стр. 734

قوله: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه" الحديث، الغدو: وهو الذهاب أول النهار. ١٤٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من جَاءَ مَسْجِدي هَذَا لم يَأْته إِلَّا لخير يتعلمة أَو يُعلمهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله وَمن جَاءَ بِغَيْر ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة الرجل ينظر إِلَى مَتَاع غَيره رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك وَلا أجمع على ضعفه (١). قوله: عن أبي هريرة، اختلف في اسمه اختلافا كثيرًا جدًا، وتقدم ذلك، واختلف العلماء في الأصح منها، والأصح عند المحققين، والأكثر ما صححه البخاري وغيره من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وروى البيهقي وغيره عن الشافعي أنه قال: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال النووي: روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله: ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، فقال النبي

стр. 735

- ﷺ : "اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني" (١) انتهى. قوله ﷺ : "من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين" الحديث، والمراد هنا: العلم، وورد عنه ﷺ أنه قال: "ما أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر" (٢) فتبين من هذا الحديث أن أعظم أعمال الآخرة إنما هو طلب العلم، قال الله العظيم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (٣) فجعل العلماء في ثاني درجة من ملائكته وفي ثالث درجة منه ، أعني في الشهادة. ١٤٧ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا انتعل عبد قطّ وَلا تخفف وَلَا لبس ثوبا فِي طلب علم إِلَّا غفر الله لَهُ ذنُوبه حَيْثُ يخطو عتبَة دَاره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط (٤). قَوْله: تخفف أَي لبس خفه.

стр. 736

قوله: عن علي، واسمه: حيدرة، قال الإمام السهيليُّ: ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال، الأول: أن اسمه في الكتب القديمة أسد، والأسد هو حيدرة، والثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد، ولدته وكان أبوه غائبا فسمته باسم أبيها، فقدم أبوه فسماه عليا، والثالث: أنه كان يلقب في صغره بحيدرة، ولأن الحيدرة الممتلئ لحما العظيم البطن، وكذلك كان ﵁، وسيأتي الكلام على مناقبه، وسبب قتله ومن قتله في أول باب النكاح مبسوطًا إن شاء الله تعالى (١). قوله ﷺ : "ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبًا في طلب علم" الحديث، أي: لبس نعله وخفه ولبس ثوبه، هكذا فسره الحافظ: لبس النعل مستحب لما روى عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر (٢)، وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ في غزوة غزاها: "استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل" (٣) وقال: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع" (٤)، وعن جابر أيضًا قال: "نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا" (٥)، وفي رواية: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدة" (٦)، وفي رواية:

стр. 737

"ولا يمشي في خف واحد ولينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعًا" (١). قوله: "ولينعلهما" فبضم الياء؛ وأما فقه هذه الروايات ففيه ثلاثة مسائل، أحدها: تستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والتشريف والزينة والنظافة ونحو ذلك كلبس النعل والخف والمداس والسراويل والكم وحلق الرأس وترجيله وقص الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد والخروج من الخلاء ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة وتناول الأشياء الحسنة ونحو ذلك مما هو في معناه، فيستحب التيامن فيه؛ الثانية: يستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق في المسألة الأولى، من ذلك: خلع النعل والخف والمداس والسراويل والكم والخروج من المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول أحجار الاستنجاء ومس الذكر والامتخاط والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها؛ وأجمع العلماء على تقديم اليمين على اليسار في اليدين والرجلين في الوضوء، وأنه لو خالف ذلك في الوضوء وغيره فاته الفضل وكان مكروهًا لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد جيدة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم" (٢) فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين فمخالفته

стр. 738

مكروهة أو محرمة، وقد انعقد الإجماع على أنها ليست محرمة ولم يخالف فيه إلا الشيعة. ثم من أعضاء لوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان والخدان، ثم يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين (١)، انتهى، قاله في الديباجة. والثالثة: فيكره المشي في نعل واحدة أو خف واحد أو مداس واحد إلا لعذر، وقال العلماء: وسببه أن ذلك تشويهٌ ومُثْلَةٌ ومخالفٌ للوقار؛ ولأن الرجل المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيعسر عليه مشيه، وربما كان مشيا للعثار (٢)، وكما لو لبس خفا أبيض وآخر أسود أو خضب نصف لحية أو حلق بعض رأسه وخرج على الناس كذلك حاسرًا لرجل، وقال بعضهم: إن إحدى الرجلين تكتسب الحرارة والبرودة دون الأخرى فيتأذى البدن بذلك، وإذا انقطعت إحدى نعليه أو خفيه وهو طريق المسجد أو غيره استحب أن ينزع الأخرى لنهيه ﷺ أن يمشي الرجل في نعل واحدة، وقال: "ليحفيهما جميعا أو لينعلهما جميعا"، وهذه الآداب الثلاثة مجمع على استحبابها، وأنها ليست واجبة (٣)، والله أعلم. تتمة: أفاد ابن الجوزي أن من واظب على البداءة في لبس النعل باليمين والخلع باليسار أمن من وجع الطحال، وأفاد غيره أن سورة الممتحنة إذا كتبت وسُقي المطحول ماءها يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى، قاله في حياة الحيوان (٤).

стр. 739

١٤٨ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (١). قوله: عن أنس، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" يعني: أن رجوعه طاعة مكتوبة، ومن كان هذا حاله فهو مرضي عنه. ١٤٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من غَدا يُرِيد الْعلم يتعلمه لله فتح الله لَهُ بَابا إِلَى الْجنَّة وفرشت لَهُ الْمَلَائِكَة أكنافها وصلت عَلَيْهِ مَلَائِكَة السَّمَوَات وحيتان الْبَحْر وللعالم من الْفضل على العابد كالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر على أَصْغَر كَوْكَب فِي السَّمَاء وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَلَكنهُمْ ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظه وَمَوْت الْعَالم مُصِيبَة لَا تجبر وثلمة لَا تسد وَهُوَ نجم طمس موت قَبيلَة أيسر من موت عَالم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَيْسَ عِنْدهم موت الْعَالم إِلَى آخِره (٢) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (٣) من رِوَايَة الْوَليد

стр. 740

ابن مُسلم حَدثنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك عَن عُثْمَان بن أَيمن عَنهُ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب بعده حَدِيث أبي الردين إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن أبي الدرداء، واسمه: عويمر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابًا إلى الجنة" الغدو: الذهاب. قوله: "وفرشت له الملائكة أكنافها" أي: أجنحتها، قال الجوهري في صحاحه (١): والكنف الجانب، وكنفا الطائر: جناحاه، قيل: إنما فرشتها لتكون وطئًا له إذا مشى. وقيل: إنه بمعنى التواضع تعظيما لحقه فتضم أجنحتها له تواضعًا، ويحتمل أن يكون المراد به: وضع الأجنحة بعضها بجنب بعض إظلالًا له كما يحكي عن فعل الطير بداود النبي ﷺ وكما في الحديث الآخر: "تظلهم الطير بأجنحتها"، وفي رواية أخرى: "يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء لمحبتهم لما يطلب"، وقيل: غير ذلك. قوله: "وصلت عليه ملائكة السموات" وتقدم معنى صلاة الملائكة أنه الاستغفار والدعاء له. قوله ﷺ : "وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء" الحديث، ومعلوم أن القمر إذا تكامل ضوءه ونوره كان ضوء النجوم معه في حكم المطموس ولا يظهر لها مع القمر أثر، فالعابد شبه بالنجم لأنه في ضياء ونور في الجملة وعمل صالح، والعالم شبه بالقمر ليلة

стр. 741

البدر، ونور القدر ليلة البدر ينسي عنده نور البدر مع ما يعم به من المنفعة وانتشار نوره وبث أشعته في الأرض برا وبحر ليستضاء بنوره، ويكادُ يُلحِقُ الليلةَ المقمرة بالنهار ضياء إلا أن نور الشمس إذا جاء تلافي معه نور القمر. قوله ﷺ : "والعلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم" الحديث، فهذا غاية في التفضيل، وأن من خلف الشيء قام مقامه فيشمله من فضل أصله كالتيمم لما خلف الوضوء لحقه من فضل الوضوء، ومعلوم أن العلماء يخلفون الأنبياء فيما أوحي إلى الأنبياء؛ لأن النبي ﷺ إنما أرسل لتبين التنزيل قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) الآية، والعلماء يقومون هذا المقام بعد النبي ﷺ فإنهم يحفظون الشريعة وما أنزل إلى الرسول فيبلغونه للناس، ويبينون لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم الذي بيانه على الرسول ﷺ ، فسدَّ العلماء في ذلك مسد الأنبياء وقاموا مقامهم فكانوا في المعنى أنبياء لأنهم يكلمون الناس بما أوحى الله تعالى، والوحي أتى إليهم بواسطة الرسول ﷺ كما أتى الوحي إلى النبي ﷺ بواسطة الملك إلا أنهم ليسوا أنبياء في الحقيقة ولكنهم نابوا عن الأنبياء، وقد جعل رتبتهم تلي رتبة الأنبياء إلا أن قوله: "وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم"، تنبيه: على أن جمع الحطام ليس من شيم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحق الوارث لهم والنازل منزلتهم أن يكون فيما ورثه عنهم لا يتخذ العلم سوقا ويجعله

стр. 742

لكسب الدنيا طريقًا، قال الخطابي ﵀ كلامًا معناه: أن العلماء كانوا ورثة الأنبياء، وما ورثوا عن الأنبياء تعليم الناس كيفية الإحسان إلى كل شيء، ألهم الله تعالى الأشياء الاستغفار للعلماء مكافأة لهم على ذلك، فمن ثم قال النبي ﷺ : "إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف البحر" (١). لطيفة: قال القشيري: يقال إن سليمان ﵊ سأل الله تعالى أن يأذن له أن يضيف يوما جميع الحيوانات فأذن له فأخذ سليمان في جمع الطعام مدة طويلة فأرسل الله تعالى حوتًا واحدًا من البحر فأكل كل ما جمعه سليمان ﵊ في تلك المدة، ثم استزاده فقال سليمان ﵇: لم يبق لي شيء، وقال له: أنت تأكل كل يوم مثل هذا، فقال: رزقي كل يوم ثلاثة أضعاف هذا، ولكن الله لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت، فليتك لم تضفني فإني بقيت اليوم جائعًا حين كنت ضيفك (٢). أعجوبة: روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في "كتاب المتفق والمفترق" (٣) في ترجمة أسامة بن زيد التنوخي أنه ولي خراج مصر للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان وهو الذي بني مقياس النيل العتيق الذي بجزيرة فسطاط مصر، ذكره ابن يونس في تاريخه، ثم روى الخطيب في

стр. 743

ترجمته عن زيد بن أسلم أن صنما كان بالإسكندرية يقال له: شراحيل على حشفة من حشف البحر مستقبلا بأصبع من أصابع كفه القسطنطينية لا يدري أكان مما عمله سليمان النبي ﷺ أو عمله الإسكندر تصاد عنده الحيتان وكانت تدور حوله وحول الإسكندرية، وكان قدم الصنم طول قامة الرجل إذا انبطح ومد يده، فكتب أسامة بن زيد هذا وهو عامل مصر للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل من نحاس وقد غلت علينا الفلوس، فإن رأى الأمير أن ننزله ونجعله فلوسا فعلنا، وإن رأى غير ذلك فليكتب إلينا في أمره فكتب إليه لا تنزله حتى أبعث إليك أمناء يحضرونه فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزله عن الحشفة فوجد عينيه. ياقوتتين حمراوتين ليس لهما قيمة وضربه فلوسًا فانطلقت الحيتان ولم ترجع إلى ذلك المكان، انتهى، قاله في حياة الحيوان (١). فائدة في قوله ﷺ : "العُلماء ورثة الأنبياء" الحديث، أي: العُلماء باللّه؛ لأن العلم باللّه يورث الخشية قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، قال ابن عطاء اللّه السكندري في كتابه لطائف المنن (٣): اعلم أن قول رسول اللّه ﷺ : "العُلماء ورثة الأنبياء، علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إلا إن الدنيا ملعونة ملعون

стр. 744

ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم" ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر العلم، وحيثما وقع العلم في كتاب اللّه تعالى وكلام رسوله ﷺ ، فإنما المراد به العلم النافع التي تكتنفه الخشية وتكون معه الإنابة، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، الآية، فلم يجعل علم من لم يخشه من العُلماء علما، فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه الخشية للّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها وصرف الهمة إلى اكتسابها والجمع الادخار والمباهاة وطول الأمل ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء، فعلماء الباطن ﵃ أحق بالإرث وأولى وأقرب نسبة وأغلى لأن علمهم تلزمه الخشية وتكتنفه العظمة، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه، فكل صاحب علم لا خشية له فليس بأهل أن يكون وارثًا، ومثل من هذه الأوصاف أوصافه كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها، جعل اللّه علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه، وذكر أمثلة كثيرة فيها ذكر اللام على من هذه صفته اختصرتها بطولها، واللّه أعلم؛ قال ابن عطاء اللّه في لطائف المنن.

стр. 745

وهاهنا نكتة: وهو أنه ﷺ لم يقل علماء أمتي كرسل بني إسرائيل، فمن الناس من ظن أن النبي ﷺ نبئ في نفسه والرسول هو الذي أرسل لغيره، وليس الأمر كما ظن هذا القائل، ولو كان كذلك فلم ذا خص الأنبياء دون الرسل بالذكر في قوله: "علماء أمتي كرسل بني إسرائل" فدل على أن حكم الأنبياء يعمها، وإنما الفرق ما قال بعض أهل العلم أن النبي لا يأتي بشريعة وإنما يجيء مقررًا لشرع من كان قبله كيوشع بن نون فإنه إنما أتي مقررًا لشريعة موسى ﷺ وآمرًا بالعمل بما في التوراة، ولم يأت بشرع عندئذ، والرسول كموسى ﵇، فقد أتى بشرع جديد وهو ما تضمنته التوراة، فقال ﷺ : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" أي: يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا أنهم يأتون بشرع جديد (١). انتهى. تنبيه: ما اشتهر من قوله ﷺ : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فلم يعرف له مخرج بعد البحث عنه ولم يوجد في كتاب معبتر، قاله الكمال الدميري (٢). قوله ﷺ : "وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد" الحديث، الثلمة: بضم الثاء المثلثة وبسكون اللام الخلل في الحائط وغيره، ويقال في السيف ثلم بالفتح، وفي الإناء ثلم إذا انكسر من شفته شيء، قاله الجوهري في

стр. 746

صحاحه (١)؛ وعن علي ﵁ قال: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه (٢)، واللّه أعلم. خاتمة: وما أحسن ما قاله بعض الفضلاء، ويقال: إنه الشافعي، قدس اللّه سره: إِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْمِ وَفَهْم ... فَقَدْ ثَلمَتْ مِنَ الإِسْلامِ ثُلْمَهْ وَمَوْتُ الصالح الْمَرْضِيِّ نَقْضٌ ... فَفِي مَرْآهُ لِلأسْرَارِ نَسْمَهْ وَمَوْتُ الْعَادِلِ الْمَلِكِ الْمُوَلَّى ... بِحُكْمِ الْحَقِّ مَنْقَصَةً وَقَصْمَهْ وَمَوْتُ فَتَى كثِيرِ الْجُودِ مَحْلٌ ... فَفِي إِبَقَاءِهِ خَصْبٌ وَنِعْمَهْ وَمَوْتُ الْفَارِسِ الكَرَّارِ ذُلّ ... فَكَمْ شَهَدَتْ لَهُ بِالنَّصْرِ عَزْمَهْ فَحَسْبُكَ خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهمْ ... وَمَوْتُ الْغَيْرِ تَخْفِيفٌ وَرَحْمَهْ

стр. 747

الترغيب بها سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول اللّه ﷺ - ١٥٠ - عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه فَرب مبلغ أوعى من سامع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ رحم اللّه امْرأ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (١) قَوْله نضر هُوَ بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وتخفيفها حَكَاهُ الْخطابِيّ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاء لَهُ بالنضارة وَهِي النِّعْمَة والبهجة وَالْحسن فَيكون تَقْدِيره جمله اللّه وزينه وَقيل غير ذَلِك. قوله: عن ابن مسعود، تقدم. قوله ﷺ : "نضر اللّه امرأ سمع منا حديثًا" الحديث، نضر: هو بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها، حكاه الخطابي، انتهى، قاله الحافظ. وقال بعضهم: رواه أبو عبيدة بالتخفيف، ورواه الأصمعي بالتشديد، ورجح التخفيف الخطابي وابن خلاد، ولم يذكر العسكري سواه، وكلاهما يقال، وإنما الكلام في الرِّواية يقال: نضَّر اللّه وجهه ونَضَر وجهه وأنضر اللّه وجهه ثلاث لغات (٢)، قيل معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة

стр. 748

والحسن، فيكون تقديره: زينه اللّه وجمله، قاله المنذري؛ وقيل: أوصله اللّه إلى نضرة النعيم وهي نعميها (١)، قال اللّه تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٣) وقيل (٤): ليس هذا من الحسن، إنما معناه: حسن اللّه وجهه في الناس أي: جاهه وقدره، وكان بعض أهل العلم يقول: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله ﷺ : "نضر اللّه امرأً" يعني: أنها دعوة أجيبت (٥)، ومما أنشده هبة اللّه بن الحسن الشيرازي (٦): عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ ... عَلَى مَنْهَج لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا وَمَا النُّورُ إِلا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا وَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَغْبَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى وَمَنْ تَرَكَ الآثَارَ ضُلِّلَ سَعْيُهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا؟ قوله: "فبلغه كما سمعه" وتأدية الحديث كما سمع لا تكاد تحصل إلا من الكتاب لأن الحفظ خوان، وروى أبو هريرة أن رجلًا شكى إلى رسولى اللّه ﷺ الحفظ، فقالى: "استعن على حفظك بيمينك " يعني: الكتاب (٧)، وروى

стр. 749

عن رافع بن خديج قال: قلنا يا رسول اللّه إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟ قال: "اكتبوا ولا حرج" (١)، وقال في النهاية (٢): وفي الحديث: "لا تكتبوا عني غير القرآن" وجه الجمع بين هذا. الحديث وبين إذنه في كتابة الحديث، فإنه قد ثبت إذنه فيها، أن الإذن في الكتابة ناسخ للمنع منها بالحديث الثابت وبإجماع الأمة على جوازها، وقيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، والأولى الوجه، انتهى. قالى أبو الفرج بن الجوزي (٣): ولتعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول اللّه ﷺ وحركاته وأفعاله فاجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا، وقد

стр. 750

قال رسول اللّه ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" انتهى. قوله ﷺ : "فرب مبلغ" هو: بفتح لام مبلغ، أي: مبلغ إليه. قوله: "أوعى من سامع" أوعى: أفعل التفضيل من الوعي وهو: الحفظ وقع صفة لمبلغ، وسامع: أي سامع مني، ولابد من هذا التقدير لأن المقصود ذلك، انتهى، قاله الكرماني (١). ففي هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره، وقد ثبت في صحيح البخاري: "بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، ومعناه: لينزل منزلة من النار، يقال: بوأه اللّه منزلا، أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلا: اتخذته، والمباءة: المنزل، قاله في النهاية (٣). ١٥١ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ غَيره فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه ثَلاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل للّه ومناصحة وُلَاة الأمر وَلُزُوم الْجَمَاعَة فَإِن دعوتهم تحيط من وَرَاءَهُمْ وَمن كَانَت الدُّنْيَا نِيَّته فرق اللّه عَلَيْهِ أمره وَجعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يَأْته من الدُّنْيَا إِلَا مَا كتب لَهُ وَمن كَانَت الآخِرَة نِيَّته جمع اللّه أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي

стр. 751

راغمة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وروى صَدره إِلَى قَوْله لَيْسَ بفقيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه بِزِيَادَة عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن زيد بن ثابت، هو: زيد بن ثابت، الصحابي الأنصاري النجاري المدني القرطبي، كاتب الوحي والمصحف، كان عمره حين قدم رسول اللّه المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول اللّه ﷺ المدينة مهاجرا ست عشرة سورة، وقتل أبوه و لزيد بن ثابت ست سنين، واستصغره النبي ﷺ يوم بدر فرده، وكان يكتب الوحي لرسول اللّه ﷺ ويكتب له المراسلات أيضًا إلى الناس، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا (٢). قوله ﷺ : "فرب حاول فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث، فرق النبي ﷺ بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله ﷺ : "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه"، ولوجوب الفضل لأحدهما أثبت الفضل للآخر. قوله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم" تقدم الكلام مبسوطا على الثلاث في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه
следующие страницы →