← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6872–6911 · переход к 6877.

стр. 6872

٣٥٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: أَربع حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ فِيهِ إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَهُوَ مَتْرُوك. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها مدمن الخمر" هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول والله أعلم. ٣٥٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يلج حَائِط الْقُدس مدمن خمر وَلَا الْعَاق وَلَا المنان عَطاء رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن زيد وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ لَا يلج جنان الفردوس (١). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "لا يلج حائط القدس مدمن خمر" وفي رواية "حظيرة القدس" الحديث، الولوج: هو الدخول أراد بحظيرة القدس الجنة لأنها محل الطهارة

стр. 6873

من أدناس الدنيا والحظيرة في الأرض الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والإبل يقيها البرد والريح ومنه الحديث: "لا حمى في الأراك" فقال له رجل: أراكة في حظارى، أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة وتفتح حاؤه وتكسر وكانت تلك الأراكة التي ذكرها في الأرض التي أحياها قبل أن يجيئها فلم يملكها بالإحياء وملك الأرض دونها إذا كانت مرعى للسارحة، أ. هـ قاله في النهاية (١). ٣٥٦٣ - وَعَن ابْن الْمُنْكَدر قَالَ حدثت عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مدمن الْخمر إِن مَاتَ لَقِي الله كعابد وثن رَوَاهُ أَحْمد هَكَذَا وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن سعيد بن جُبَير (٢).

стр. 6874

٣٥٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لَقِي الله مدمن خمر لقِيه كعابد وثن (١). قوله: وعن ابن المنكدر، محمد بن المنكدر، تقدم الكلام على ترجمته في الحج في شرب ماء زمزم. قوله: حدثت عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن" الحديث، فإنه يتعلق قلبه بها لا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته، وهذا مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه فما حال بين العبد وبين ذلك ولم يكن بالعبد إليه ضرورة بل كان ضررا محضا عليه كان محرما والله أعلم قاله ابن رجب في شرح النواوية أو في اللطائف على الشك (٢).

стр. 6875

٣٥٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ أَنه كَانَ يَقُول مَا أُبَالِي شربت الْخمر أَو عَبَدْتُ هَذِه السَّارِيَةَ مِنْ دُونِ اللّهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ (١). قوله: وعن أبي موسى ﵁ اسمه: عبد الله بن قيس، تقدم الكلام عليه. قوله ﵁: أنه كان يقول ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية دون الله تعالى، السارية [هي الأسطوانة]. ٣٥٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا عَاق وَلَا منان قَالَ: ابْن عَبَّاس فشق ذَلِك عَليَّ لِأَن الْمُؤمنِينَ يصيبون ذنوبًا حَتَّى وجدت ذَلِك فِي كتاب الله فِي الْعَاق: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (٢) وَفِي المنان: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٣) الْآيَة وَفِي الْخمر ﴿إِنَّمَا

стр. 6876

الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) الْآيَة. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن عتاب بن بشير لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣) الحديث، تقدم الكلام على الخمر والميسر وهو القمار، والأنصاب والنصب حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية فيعبدونه والجمع أنصاب. وقوله: والأزلام، هي القداح واحدها زلم بالتحريم واحد الأزلام وهي القداح التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي افعل ولا تفعل فالاستقسام بالأزلام معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام وكان في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا أو نكاحًا أو تجارة أو أمر من معاظم الأمور

стр. 6877

ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي وعلى بضعها أمرني ربي تعالى الله عن ذلك وأنه من عمل الشيطان وبعضها غفل فإذا خرج الأمر مضى لشأنه وإذا خرج الناهي أمسك أي كف عنه ولم يفعله وإذا خرج الغفل ضرب أخرى إلا أن يخرج الآمر أو الناهي (١)، أ. هـ. قال في النهاية (٢): الفرق بين الصنم والوثن أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد والصنم الصورة بلا جثة ومنهم من لم يفرِّق بينهما وأطلقهما على المعنيين وقد يطلق الوثن على غير الصورة ومنه حديث عدي بن حاتم الطائي: قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي الق هذا الوثن عنك. وجه التشبيه أن الخمر لما كانت أم الخبائث وأنها من عمل الشيطان أن شبه شربها بعبادة الأوثان ومدمن الخمر ملازمها الذي لا ينفك عن شربها وذلك يخشى عليه من سوء الخاتمة فلا يدخل الجنة بسبب ذلك أو أنه لا يدخلها مع أول داخل حتى يطهر بعفو الله تعالى عنه. قوله: رجس، الرجس النجس. قوله: في آخر الحديث: إلا أن عتاب بن بشير [لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد].

стр. 6878

٣٥٦٧ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ثَلَاثَة حرَّم الله ﵎ عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق والديوث الَّذِي يقر فِي أَهله الْخبث رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (١). قوله: وعن عبد الله بن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "ثلاثة حرم الله ﵎ عليهم الجنة مدمن الخمر" الحديث، هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول. ٣٥٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يراح ريح الْجنَّة من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَلَا يجد رِيحهَا منان بِعَمَلِهِ وَلَا عَاق وَلَا مدمن خمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير.

стр. 6879

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام" أي: يشم [رائحتها من مسيرة خمسمائة عام]. ٣٥٦٩ - وَعَن عمار بن يَاسر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاَثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا الديوث والرجلة من النِّسَاء ومدمن الْخمر قَالُوا يَا رَسُول الله أما مدمن الْخمر فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الديوث قَالَ الَّذِي لَا يُبَالِي من دخل على أَهله قُلْنَا فَمَا الرجلة من النِّسَاء قَالَ الَّتِي تشبه بِالرِّجَالِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته لَا أعلم فيهم مجروحا وشواهده كَثِيرَة (١). قوله: وعن عمار بن ياسر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا الديوث والرجلة من النساء" تقدم الكلام عليه في اللباس. ٣٥٧٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : اجتنبوا الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢).

стр. 6880

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر" والخمر مأخوذ من خمر إذا ستر ومنه قول النبي ﷺ : "خمروا الإناء" ومنه خمار المرأة فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وهي اسم لعصير العنب وإن لم يقذف بزبدة واشترط أبو حنيفة في التسمية أن يقذف بزبدة فحينئذ يكون مجمعا عليه (١). وأما عصير الرطب النيء إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد فقال المزني والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: هو خمر حقيقة لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم وهو قياس في اللغة وهو جائز عند الأكثرين وهو ظاهر الأحاديث، ونسب الرافعي إلى الأكثرين أنه لا يقع عليها إلا مجازا أما في التحريم والحد فهي كالخمر لا يكفر مستحلها للخلاف فيها وشربها من أكبر المحرمات بالإجماع وكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام واختلف أصحابنا في أن ذلك كان استصحابا منهم لحكم الجاهلية أو لشرع في إباحتها ورجح الماوردي الأول والنووي الثاني وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد، ورد في تحريمها أربع آيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٢) الآية، وما كبر إثمه لا يكون مباحا، وقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْر

стр. 6881

وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (٢) والمراد بالإثم الخمر عند الأكثرين كقول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول قيل: وبهذه الآية استقر التحريم لما فيها من صريح التحريم وفي غيرها محتمل لكن وقع التحريم بالأولى عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين لقول عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الأول فأعاد دعاءه فنزلت الثانية فأعاد الدعاء فنزلت الثالثة فحين سمعها قال: انتهينا انتيهنا رواه عنه أبو داود والترمذي (٣). تتمة: قال أبو العباس القرطبي في حديث الإسراء أن النبي ﷺ لما عرض عليه الخمر واللبن اختار اللبن فقال له جبريل ﵇: "الحمد لله الذي هداك للفطرة" يعني فطرة دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤) فجعل الله تعالى ذلك لجبريل علامة على هداية هذه [الأن اللبن] أول ما يتغذ به الإنسان وهو [قوت خال] عن المفاسد وبه قوام الأجسام ودين الإسلام هو أول ما

стр. 6882

أخذ على ابن آدم وهم كالذر وهو قوت الأرواح به قوامها وحياتها الأبدية وصار اللبن عبادة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها إذ هي مفتاح كل شر (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٥٧١ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْخمر جماع الْإِثْم وَالنِّسَاء حبائل الشَّيْطَان وَحب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئه ذكره رزين وَلم أره فِي شَيْء من أُصُوله (٢). قوله: وعن حذيفة ﵁ هو ابن اليمان تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الخمر جماع الإثم" أي مجمعه ومظنته ومنه حديث الحسن: اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة، قاله ابن الأثير (٣). قوله: "والنساء حبائل الشيطان" الحبائل المصائد. قوله: "وحب الدنيا رأس كل خطيئة" قال الشافعي رحمه الله تعالى: حب الدنيا رأس كل خطيئة ... فاحذر تحب من الخطيئة رأسها كم جاهل قد جاء يقبل ثغرها ... لو كان يعلم بأسها ما باسها

стр. 6883

حب الدنيا رأس كل خطيئة [ ... ] (١) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، وإن الدنيا لهو ولعب والله لا يحب اللهو [ولا] اللعب ولأن القلب [بيت الرب] [لا شريك له] فلا يجب أن يشركه [في بيته حب ا] لدنيا ولا غيره، وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله فالزاهد فيها الرغب عنها محبوب له ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها [لقضاء] شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة بها عند الله ونحو ذلك فهي عبادة كقوله ﷺ : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" [يصل به] رحما ويصنع فيه معروفًا [أو كما قال وفي الإثر إذا] كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سعد [به قوم] وشقى به قوم آخرون وإنما كان الزهد سببا لمحبة اناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم إذ الدنيا جيعة والناس كلابها فمن زاحمهم عليها أبغضوه ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبوه وعدوه المؤمن من يعمل عمله ومما يروي من شعر الشافعي في المعنى قوله: وَمَا هِيَ إلاجِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلَابٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا فَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها ... وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا (٢) أ. هـ وسيأتي الكلام على حب الدنيا في الزهد إن شاء الله تعالى.

стр. 6884

٣٥٧٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خليلي ﷺ أَن لَا تشرك بِالله شَيْئا وَإِن قطعت وَإِن حرقت وَلَا تتْرك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وَلَا تشرب الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن شهر بن حَوْشَب عَن أم الدَّرْدَاء عَنهُ (١). قوله: وعن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: أوصاني خليلي ﷺ أن لا تشرك بالله شيئا، الحديث، تقدم الكلام على معنى الخليل في صلاة الضحى أو الوتر. قوله ﷺ : "ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة" الصلاة المكتوبة المفروضة. وقوله: "فقد برئت منه الذمة" المراد بالذمة هنا [الأمان والحفظ]. ٣٥٧٣ - وَعَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر وَعمر وناسا جَلَسُوا بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ فَذكرُوا أعظم الْكَبَائِر فَلم يكن عِنْدهم فِيهَا علم فأرسلوني إِلَى عبد الله بن عَمْرو أسأله فَأَخْبرنِي أَن أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر فأتيتهم فَأَخْبَرتهمْ فَأَكْثرُوا ذَلِك ووثبوا إِلَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَاره فَأخْبرهُم أَن

стр. 6885

رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن ملكا من مُلُوك بني إِسْرَائِيل أَخذ رجلا فخيره بَين أَن يشرب الْخمر أَو يقتل نفسا أَو يَزْنِي أَو يَأْكل لحم خِنْزِير أَو يقتلوه فَاخْتَارَ الْخمر وَإنَّهُ لما شرب الْخمر لم يمْتَنع من شَيْء أرادوه مِنْهُ وَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أحد يشْربهَا فَتقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَا يَمُوت وَفِي مثانته مِنْهُ شَيْء إِلَّا حرمت بهَا عَلَيْهِ الْجنَّة فَإِن مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وعن سالم بن عبد الله عن أبيه. قوله ﷺ : "ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة" الحديث، قيل: لأن الخمر إذا شربها الإنسان تبقى في عظمه ولحمه أربعين يومًا وبعد الأربعين تقبل منه صلاته لأن بعد الأربعين تذهب عنه آثار الخمر، أ. هـ. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله: إذا سكر فاجلدوه، إلى أن قال: فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، وعند النسائي وابن ماجه: "فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه" يتأول الحديث على رأي الحسن على غير معنى الإيجاب ويراه نوعا من الزجر ليرتدع ولا يقدم عليه (٢).

стр. 6886

وقال بعضهم ولم يجمعوا على قتل شارب الخمر في الرابعة وهو مذهب لبعض السلف معروف (١). وقال بعضهم أيضا: هذا على وجه الوعيد وقد توعد بما لا يفعل كما قال في شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه وهو مذهب ابن قتيبة ولذلك جاء في حديث جابر في السارق وأنه قطع في الأولى والثانية والثالثة إلى أن جيء به في الخامسة فقال اقتلوه فقتلناه [وفي إسناده مقال] ولم يذهب أحد من العلماء إلى قتل السارق وإن تكررت منه السرقة، قال الحافظ: قد جاء قتل شارب الخمر في المرة الرابعة وهو منسوخ (٢)، أ. هـ. والنسخ عبارة عن رفع الشارع حكما متقدما بحكم متأخر كذا قال بعض العلماء والله تعالى أعلم (٣). وقال في الديباجة: ظهر لي والله أعلم أن الأربعين لها أثر في الخمر لأن أطوار الإنسان في بطن أمه التي يطورها أربعين يوما علقة وأربعين مضغة ثم بعد الأربعين الثالث يصور، فأربعيناته الثلاثة تشبه عوده ثلاث مرات ثم بعد ذلك يصور ويشكل فصار غير ما كان عليها في تلك الأطوار وأيضا فلما تتنجس باطنه أربعين يوما طهر ما في الإنسان فمنع بذلك قبول أفضل عبادات البدن وأشرفها وهي الصلاة وإنما لم يكثر حده لأن العقل الزائل بالخمر لا

стр. 6887

يمكن إقامة الحد عليه فرجعنا إلى الجسد لأنه وعاء العقل فلذلك خف حده بخلاف القتل فإنه إعدام نفس فأعدمت فيه النفس لا مكان المساواة والزنا جناية على الأنساب فغلظ فيه الحد بحسبه. تنبيه: وروي هذا الحديث النسائي من حديث عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وليس لعبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي سوى هذا الحديث وحديث أن سليمان لما بنى بيت المقدس. قوله: في رواية النسائي: "من شرب الخمر فلم ينتش" الحديث، "لم تقبل له صلاة وإن انتشى" الإنتشاء أول السكر، وقيل: هو السكر نفسه ورجل نشوان بين النشوة قاله في النهاية (١). قوله: سقاه الله من طينة الخبال" وفي الحديث "ردغة الخبال"جاء تفسيرها في الحديث: "أنها عصارة أهل النار" والردغة بسكون الدال. اللوحة وفتحها طين ووحل كثير، ويجمع على ردغ ورداغ، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، ومنه الحديث: "وبطانة لا تألوه خبالا" أي لا تقصر في إفساد أمره ومنه حديث ابن مسعود: إن قوما بنوا مسجدا بظهر الكوفة فأتاهم فقال: جئت لأكسر مسجد الخبال، أي: الفساد قاله في النهاية (٢).

стр. 6888

قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين صباحا أو ليلة" انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة منها صلاة شارب الخمر في هذا الحديث، ومنها: صلاة العبد الآبق، ومنها: صلاة من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول وغير ذلك من الأحاديث والذي ينبغي أن يقال أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة فصلاة هؤلاء صحيحة في نفس الأمر لاجتماع الشروط والأركان فيها لكن لا ثواب فيها فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم قبول رضي للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم والله أعلم (١). قوله: "ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة" المثانة [مستقر البول من الرجل والمرأة]. قوله ﷺ : "فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية" الميتة الجاهلية بكسر الميم الحالة التي يموت عليها أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفرقة. ٣٥٧٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اجتنبوا أم الْخَبَائِث فَإِنَّهُ كَانَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يتعبد ويعتزل النَّاس فعلقته امْرَأَة فَأرْسلت إِلَيْهِ خَادِمًا إِنَّا ندعوك لشهادة فَدخل فطفقت كلما يدْخل بَابا أغلقته دونه حَتَّى إِذا أفْضى إِلَى امْرَأَة وضيئة جالسة وَعِنْدهَا غُلَام وباطية فِيهَا خمر فَقَالَت إِنَّا لم نَدعك لشهادة وَلَكِن دعوتك لقتل هَذَا الْغُلَام أَو تقع عَليّ أَو تشرب كأسا من الْخمر فَإِن أَبيت صحت بك وفضحتك قَالَ فَلَمَّا رأى أَنه لَا بُد لَهُ من

стр. 6889

ذَلِك قَالَ اسقيني كأسا من الْخمر فسقته كأسا من الْخمر فَقَالَ زيديني فَلم تزل حَتَّى وَقع عَلَيْهَا وَقتل النَّفس فَاجْتَنبُوا الْخمر فَإِنَّهُ وَالله لَا يجْتَمع إِيمَان وإدمان الْخمر فِي صدر رجل أبدا وليوشكن أَحدهمَا يخرج صَاحبه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا مثله وموقوفا وَذكر أَنه الْمَحْفُوظ (١). قوله: وعن عثمان بن عفان ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "فإنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة" بفتح العين وكسر اللام المخففة ويجوز ضم العين وتشديد اللام ومعناه تعلق حبه بقلبها. قوله: "فطفقت كلما يدخل بابا أغلقته دونه" طفق معناه جعل. قوله: "أو تشرب كأسا من الخمر" الكأس في اللغة الإناء فيه الشراب ولا يقال لها كأس إلا إذا كان فيها شراب وقيل هو إناء الشراب ونفس الشراب

стр. 6890

هو اسم لهما على الانفراد والاجتماع والجمع أكئوس ثم كؤوس واللفظة مهموزة وقد تترك الهمز تخفيفا قاله في النهاية (١). ٣٥٧٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن آدم لما أهبط إِلَى الأَرْض قَالَت الْمَلَائِكَة أَي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] قَالُوا رَبنَا نَحن أطوع لَك من بني آدم قَالَ الله لملائكته هلموا ملكَيْنِ من الْمَلَائِكَة فَنَنْظُر كَيفَ يعملان قَالُوا رَبنَا هاروت وماروت قَالَ فاهبطا إِلَى الأَرْض فتمثلت لَهما الزهرة امْرَأَة من أحسن الْبشر فجاءاها فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تتكلما بِهَذِهِ الْكَلِمَة من الْإِشْرَاك قَالَا وَالله لَا نشْرك بِالله أبدا فَذَهَبت عَنْهُمَا ثمَّ رجعت إِلَيْهِمَا وَمَعَهَا صبي تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تقتلا هَذَا الصَّبِي فَقَالَا وَالله لَا نَقْتُلهُ أبدا فَذَهَبت ثمَّ رجعت بقدح من خمر تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تشربا هَذِه الْخمر فشربا فسكرا فوقعا عَلَيْهَا وقتلا الصَّبِي فَلَمَّا أفاقا قَالَت الْمَرْأَة وَالله مَا تركتما من شَيْء أبيتماه عَليّ إِلَّا فعلتماه حِين سكرتما فخيرا عِنْد ذَلِك بَين عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فاختارا عَذَاب الدُّنْيَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق زُهَيْر بن مُحَمَّد وَقد قيل إِن الصَّحِيح وَقفه على كَعْب وَالله أعلم (٢).

стр. 6891

قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "هاروت وماروت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (١) اسما ملكين من الملائكة وبابل اسم موضع بالعراق قريبا من الكوفة ينسب إليها السهر وهو غير منصرف. قوله: "فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر" الزهرة بفتح الهاء بإسكانها. قوله: رواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد [هو: التميمى ثقة يغرب

стр. 6892

وثقه أحمد وابن معين واحتج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال النسائي: ليس بالقوي وضعفه ابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق]. ٣٥٧٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما حرمت الْخمر مَشى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا حرمت الْخمر وَجعلت عدلا للشرك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري. ٣٥٧٧ - وَعَن أبي تَمِيم الجيشاني أَنه سمع قيس بن سعيد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَهُوَ على مصر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من كذب عَليّ كذبة مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مضجعًا من النَّار أَو بَيْتا فِي جَهَنَّم وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شرب الْخمر أَتَى عطشان يَوْم الْقِيَامَة أَلا فَكل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَإِيَّاكُم والغبيراء وَسمعت عبد الله بن عَمْرو بعد ذَلِك يَقُول مثله

стр. 6893

لم يخْتَلف إِلَّا فِي بَيت أَو مَضْجَع رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى كِلَاهُمَا عَن شيخ من حمير لم يُسَمِّيَاهُ عَن أبي تَمِيم (١). قوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك. قوله: أنه سمع قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر [ ... ] (٢). قوله: "من كذب علي كذبة متعمدا فليتبوأ مضجعا من النار" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق. قوله: "وإياكم والغبيراء" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح (٣).

стр. 6894

٣٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من شرب الْخمر خرج نور الْإيمَان من جَوْفه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه" المراد بالجوف البطن [قال جدع بن سنان:] إنّ إبليس من خلق الجن من مارج من نار وكان عظيم الخلق حسنه وكان يسكن الأرض وسبب اتصاله بمحل الملائكة أنه كان خادما للزهرة وكانت الزهرة خلقا حسنا في الأرض من جملة مخلوقات الله تعالى وكانت أنثى ذات جمال فائق [ونور] ساطع وبهاء وافر وكانت الحروب يومئذ بين قبائل الجن متصلة فلما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) وقرئت (خليقة): ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (٣) لما فعلوا الجن والبر والطم والدم والجن، قال جدع بن سنان: فقال الله تعالى -وهو أعلم بما يكون وبما هو كائن وبما كان وما هو كائن-: فاختاروا أيتها الملائكة من بينكم من ينزل إلى الأرض فيحكم بين مخلوقاتي ويأخذ القصاص فمن بغي لمن بغي عليه فإني لا أحب الظلم وأنا القوي العزيز،

стр. 6895

قال: واختاروا من بينهم الملكين هارون وماروت وكانا أشد أهل السماوات عبادة وأكثرهم تسبيحا وتقديسا فكانا ينزلان إلى الأرض فيحكمان فيها بين مخلوقات الله على اختلاف أنواعهم وتغاير أجناسهم وتباين خلقهم من عدة لا تحصى وخلائق لا تدرك في البر والبحر حتى أن الذر لتأتي إليهما وتقول أن الذرة مثلى عدت على قوت لي كنت قد ادخرته لمشتاي فيحكمان بينهما بما ألهمهما الله تعالى من فصل الخطاب وحتى أن السمكة الصغير تستغيث بهما من أذى الكبيرة فيغيثانها ويمنعاها من أذاها ولا يزال كذلك ولا يزالا كذلك طول نهارهما إلى آخره فإذا جنحت الشمس للغروب نهضا وقالا: سبحانك اللهم وبحمدك فيكون ذلك منتهى حكمهما ذلك اليوم ثم يتليان أسماء الصعود فيصعدان إلى محل عبادتهما قال: فركب الله فيهما حب الشهوة وأتت الزهرة تستعينهما من حادث حدث عليها فامتحنا بها لما عايناها وعادا يرددانها في حكومتها ذلك اليوم أجمع وقد اشتغلا بها على سائر الحكم بين الخلائق ولم يحكما ذلك اليوم بين أحد من خلق الله تعالى حتى نصراها على غريمها وحكما عليه بغير الحق، قال جدع بن سنان: فلما كان وقت صعودهما قالت لهما الزهرة وقد تحققت ميلهما لو علمتماني الأسماء حتى كنت أصعد معكما ولا أفارقكما، قالت: قد علمت مرادكما قال: فعلماها الأسماء وكان إبليس قائما معها فاسترق الأسماء وسبقها صعودا ثم تبعته فمسخت كوكبا في السماء الثالثة وذلك محل عبادة هاروت وماروت، وصعد إبليس إلى محل عبادة هاروت في السماء الدنيا وتقرب

стр. 6896

بالعبادة والتسبيح والتقديس حتى تعجب منه ملائكة السماء فاشتاق إليه أهل السماء الثالثة فصعد إليهم وفعل. كذلك فلم يزل يتقرب بالعبادة وكثرة التسبيح والتقديس حتى سمي طاووس الملائكة وعاد قريبا القدوة ونديم الحضرة وعلم بإرادة الله وبما سبق له في غامض علمه الذي لا يعلمه سواه جميع المخلوقات في السماوات السبع والأرضين السبع وأما الزهرة فمسخت كوكبا وأما هاروت وماروت فإنهما لما علما الزهرة وإبليس الأسماء سلباها وعلما أنهما قد عصيا فسألا الله عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة فهما يعذبان بأرض بابل [ويعلمان] الناس السحر كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١) الآية، وقد عنوهما الشعراء وكذروهما في أشعارهم ونسبوا إليهما السحر ولذلك عرفت بابل بالسحر، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر وهو تاريخ مطول تسع مجلدات (٢). تنبيه: قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) روى يحيى بن أبي كثير قال: الذين قالوا

стр. 6897

هذا كانوا عشرة آلاف ملك فأرسل الله تعالى نارا فأحرقتهم، فإن قيل: فهلا احترق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١) وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون لبيك اللهم لبيك اعتذارا إليك فتاب عليهم فذلك بدوا التلبية ثم في مرادهم بذلك أقوال، أحدها: أنه استفهموا وجه الحكمة فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد استخلفتهم وإنما ينبغي أن يسبحوا كما نسبح، والثاني: أنه قالوه تعجبا من استخلاف من يفسدوا، الثالث: أنهم استفهموا عن حال أنفسهم وتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبه أم لا، ذكره ابن الأنباري والحسين بن الفضل. فإن قيل: فكيف نطقوا على بني آدم بالفساد وما رأوهم وذكر الغائب غيبة، وهل علموا الغيب حتى قالوا ذلك؟ فالجواب: من وجوه، أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) قالوا: وما يكون من ذلك، قال: ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٣)، الثاني: أنهم قاسوا على فعل من من تقدمهم من الجن الذين أفسدوا في الأرض فقاسوا بالشاهد الغائب، الثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظن فتحقق ظنهم، والرابع: أنهم لما أخبروه بوجود

стр. 6898

هذا الخليفة وأنه مخلوق من الطبائع الأربع المختلفة والهوى والغضب إنما يثوران من الحرارة والهوى يفسد والغضب يفسد فحكموا بذلك والمراد بالفساد العمل بالمعاصي وسفك الدم صبه وإراقته والتسبيح التنزيه لله من كل سوء والتقديس التطهير والمعنى ننزهك ونعظمك، أ. هـ قاله في التاريخ المذكور (١). قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) اختلف فيه على أقوال أحدها: أنه علم أنه سيكون من ذريته أنبياء وعلماء وصالحون، قاله ابن عباس، الثاني: أنه علم أنه سيكون من ذريته من يذنب فيتوب فاغفر له، قاله مقاتل، والثالث: إني أعلم بوجوه المصالح في استخلافي إياهم فلا تعترضوا على حكمي وتدبيري قاله الحسين بن الفضل، الرابع: إني أعلم أنهم سيسفكون الدماء ولكن بجور [رئيسكم] أ. هـ قاله في التاريخ (٣). تتمة: تكلم الناس أي العلماء [في أمر] الزهرة وزهير وهما نجمان قال بعضهم ممسوخان وقد روى ذلك عن ابن عباس وروي عطاء عن ابن عمر أنه كان إذا رأى سهيلا شتمه وإذا رأى الزهرة شتمها روى أن سهيلا كان عشارا باليمن فظلم الناس وأن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت فمسخها الله شهابا قال مجاهد كان ابن عمر إذا قيل له طلعت

стр. 6899

الزهرة قال: لا مرحبا ولا أهلا يعني الزهرة وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن هذه النجوم خلقت حين خلقت السماء لأنه روي في الخبر أنه لما خلقت السماء خلق سبعة داورة: زحل ومشترى وبهرام وعطارد والشمس والقمر والزهرة، وجعل مصلحة الدنيا بهذه السبعة الدوراة وجعل لكل واحد منها سلطان في سبح من المصلحة فثبت بهذا أن من قال أنهما ممسوخان لا يصح، والزهرة وسهيل قد كانا قبل خلق آدم والذي روي عن ابن عمر وغيره أن سهيلا كان عشارا باليمن وأن الزهرة فتنت هاروت وماروت فمسخهما الله شهابا ولكنهما لم يبقيا وقد هلكا وصارا إلى النار وأما الذي روي أنه كان يشتمه فاحتمل أنه لم يشتم الكوكب وإنما شتم سهيلا الذي كان عشارا وكذلك في الزهرة إنما شتم المرأة التي كان اسمها زهرة ولم يشتم الكوكب، أ. هـ قاله أبو الليث السمرقندي (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري. قوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.

стр. 6900

قوله: أنه سمع قيس بن سعيد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر (١) [هو أبو الفضل، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الملك قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، وسبق باقى نسبه في ترجمة أبيه. وهو أنصارى، ساعدى، مدنى، صحابى ابن صحابى، جواد ابن جواد، وهم أربعة مشهورون بالكرم، روى عن رسول الله ﷺ ستة عشر حديثا. روى عنه الشعبي، وابن أبى ليلى، وعمرو بن شرحبيل، وغيرهم. وكان من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب وذوى الرأى الصائب والمكيدة في الحرب والنجدة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سيادتهم، قال الزهري: كان قيس يحمل راية الأنصار مع النبى ﷺ ، وله في جوده أخبار كثيرة مشهورة، ورووا أنه كان في سرية فيها أبو بكر، وعمر، رضى الله عنهما، فكان يستدين ويطعم الناس، فقالا: إن تركناه أهلك مال أبيه، فهما يمنعه، فسمع سعد، فقال للنبى ﷺ : من يعذرنى منهما، يبخلان على ابنى، وصحب قيس بعد ذلك عليا في خلافته، وكان معه في حروبه، واستعمله على مصر. توفى سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين، ولم يكن في وجهه لحية ولا شعر، وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشترى لقيس لحية بأموالنا. وكان جميلا. قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له. روينا في صحيح البخاري، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد بين يدى رسول الله ﷺ بمنزلة الشرطى من الأمير. قال الأنصاري: يعنى يلى أموره. وفي كتاب الترمذي، عن قيس، أن أباه دفعه إلى النبى ﷺ ليخدمه].

стр. 6901

قوله: "من كذب علي كذبة متعمدًا فليتبوأ مضجعًا من النار" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق. قوله: "وإياكم والغبيراء" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه" المراد بالجوف البطن [وقيل أراد بالجوف القلب]. ٣٥٧٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من شرب الْخمر أسقاه الله من حميم جَهَنَّم رَوَاهُ الْبَزَّار (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: "من شرب الخمر أسقاه الله من حميم جهنم" الحميم هو المذكور في القرآن: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٢).

стр. 6902

٣٥٨٠ - وَعَن جَابر ﵁ أَن رجلال قدم مش جيشان وجيشان من الْيمن فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يُقَال لَهُ المزر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَو مُسكر هُوَ قَالَ نعم قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مُسكر حرَام وَإِن عِنْد الله عهدا لمن يشرب الْمُسكر أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار أَو عصارة أهل النَّار رَوَا مسلم وَالنَّسَائِيّ. قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: سئل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، هو بكسر الميم وهو يتخذ من نبيذ الشعير والحنطة ويكون أيضا من الذرة. ٣٥٨١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ ثَلَاثَة لَا تقربهم الْمَلائِكَة الْجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح. قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة الجنب والسكران" المراد بالملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الحفظة فإنه لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في باب تأخير الغسل. ٣٥٨٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ -ثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة وَلَا تصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنه العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيّ.

стр. 6903

قوله: وعن جابر بن عبد الله ﵄، تقدم. قوله: "ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة" الحديث، تقدم الكلام على معنى قبول الطاعة في أماكن من هذا التعليق. ٣٥٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله بَعَثَنِي رَحْمَة وَهدى للْعَالمين وَأَمرَنِي أَن أمحق المزامير والكبارات يَعْني البرابط وَالْمَعَازِف والأوثان الَّتِي كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة وَأقسم رَبِّي بعزته لَا يشرب عبد من عَبِيدِي جرعة من خمر إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يسقيها صَبيا صَغِيرا إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يَدعهَا عبد من عَبِيدِي من مخافتي إِلَّا سقيتها إِيَّاه من حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن زيد البرابط جمع بربط بِفَتْح الباءين الموحدتين وَهُوَ الْعود (١). قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين" والعالمون جمع عالم وهو في الأصل ما سوى الله والمراد بالعالمين ها هنا أصناف

стр. 6904

المخلوقات، سمى كل صنف عالما كما يقال عالم الغيب وعالم الشهادة وعالم العقل وعالم الطبيعة وعالم الحس وعالم الخيال وعالم العلوي وعالم السفلي ونحو ذلك، وروي عن قتادة أو غيره من أهل العلم: أن لله ثمانين ألف عالم كل عالم كالدنيا وما فيها (١). وقوله : ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٢)، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقوله ﵊: "فاطمة سيدة نساء العالمين" أراد به خصوص العقلاء (٤). وقوله : ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) أراد به عموم هذه الموجودات بدليل قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) وكذلك و ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (٧) لأن بركته ﵊ عمت الموجودات لأنه عرف الناس أحكامها وما ينبغي فيها وما لا ينبغي قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٨).

стр. 6905

قوله: "وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات [يعني البرابط] والمعازف والأوثان" الحديث، المحق إذهاب الشيء والمزامير جمع مزمار، والكبارات يعني البرابط جمع بربط وهو العود، قاله المنذري، والمعازف هي آلات اللهو كلها، وتقدم ذلك عن الجوهري لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر وقد توعد مستحلي المعازف في الأحاديث بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان للوعيد على جميع هذه الأفعال فكل واحد منها قسط في الذم والوعيد والله أعلم. تنبيه: وبالجملة فالمعروف من مذاهب الأئمة الأربعة أن الضرب بذوات الأوتار والاستماع إليها حرام ولا يجوز بيعها ولا أجرة لصانعها ولا غرم على كاسرها لصنعتها ولا يقطع سارقها ما لم يبلغ رضاضها نصابا، وقال الغزالي رحمه الله تعالى (١): المنع منها لعلل، إحداها: أنها تدعو إلى مجالس الخمر وإلى شربه وأن الاجتماع إليها قد صار من عادة الفسقة ومن تشبه بقوم فهو منهم وأيضًا فإن للمحارم حمى ينسحب التحريم عليه كما حرمت الخلوة بالأجنبية لكونها مقدمة الجماع وحرم النظر إلى الفخذ لكونه متصلا بالسوءتين وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعوا إلى المسكر. قوله ﷺ : "وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبًا أو مغفورًا له" والقسم الحلف وتقدم الكلام

стр. 6906

على الجرعة في الصوم وتقدم الكلام أيضا على جهنم وأنها سبع طباق. قوله: "ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم" تقدم الكلام على حميم جهنم. تنبيه: إنما يتناول هذا الوعيد المذكور في هذه الأحاديث شارب الخمر في حال التكليف اختيارا منه فأما الصبي والمجنون والمكره فلا يدخلون في هذا الوعيد، وقد دل ذلك قوله في الحديث: "ثم لم يتب منها" لأن التوبة إنما تكون من ذنب صدر، وهؤلاء لا ذنب عليهم بما صدر منهم وقد ورد في هذا الحديث وغيره على ساقيها للصغير ففي سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" وترتب هذا الوعيد على مجرد شرب الخمر وإن لم يسكر بذلك عملا بمقتضى الحديث، وقد أجمع المسلمون على تحريم ما كان منها من عصير العنب بمجرد الشرب وإن قل وتقدم ذلك، واختلفوا في غيرها فمذهبنا ومذهب الأكثرين أن حكمها كذلك، وقال الحنفية: إنما يحرم من غيرها القدر المسكر ما لم يصل به إلى السكر والله أعلم، أ. هـ قاله شيخ الإسلام في شرح الأحكام (١). قوله في الحديث: "ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه من حظيرة القدس" الحديث، حظيرة القدس: بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أدناس الدنيا وتقدم ذلك.

стр. 6907

٣٥٨٤ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإسْنَاد حسن (١). ٣٥٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (٢). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا [ ... ] (٣). قوله: ورواته ثقات إلا [شيخه] المقدام بن داود [وقد وثق وقال النسائي في الكنى: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف]. ٣٥٨٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله مِنْهُ ثَلَاثَة أَيَّام صرفا وَلَا عدلا وَمن شرب كأسا لم

стр. 6908

يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ صباحا ومدمن الْخمر حَقًا على الله أَن يسْقِيه من نهر الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا نهر الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حكم بن نَافِع (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيام صرفا ولا عدلا" الحسوة من الخمر وغيره بالفتح المرة وبالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة (٢)، وتقدم الكلام على القبول، وتقدم أيضا الكلام على الفريضة والنافلة في مواضع من هذا التعليق وتقدم تفسير الكأس في أحاديث الباب. ٣٥٨٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ ليبيتن أنَاس من أمتِى على أشر وبطر وَلعب وَلَهو فيصبحوا قردة وَخَنَازِير باستحلالهم الْمَحَارِم واتخاذهم الْقَيْنَات وشربهم الْخمر وبأكلهم الرِّبَا ولبسهم الْحَرِير رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي مَعْنَاهُ (٣).

стр. 6909

قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁ تقدم الكلام عليه وعلى تفسير هذا الحديث. ٣٥٨٨ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا يضْرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأَرْض وَيجْعَل مِنْهُم القردة والخنازير رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن أبي مالك الأشعري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث. ٣٥٨٩ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَقذف قَالَ رجل من الْمُسلمين يَا رَسُول الله مَتى ذَلِك قَالَ إِذا ظَهرت القيان وَالْمَعَازِف وشربت الْخُمُور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الله بن

стр. 6910

عبد القدوس وَقد وثق وَقَالَ حَدِيت غَرِيب وَقد رُوِيَ عَن الْأَعْمَش عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط مُرْسلا (١). قوله: وعن عمران بن حصين ﵁ تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث. ٣٥٩٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى الذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات (٢). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه.

стр. 6911

قوله: "من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة" الحديث، هذا إذا لم يتب من ذلك. ٣٥٩١ - وَعَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من شرب الْخمر فاجلدوه فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا شربوا الْخمر فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فاقتلوهم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (١). قوله: وعن معاوية ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه" الحديث، تقدم الكلام على جلد شارب الخمر، واختلاف العلماء في ذلك، هذا من باب التعليق في [الباب] أراد أنه لم يدخل الجنة لأن الخمر من شراب أهل الجنة فإذا لم يشربها في الآخرة لم يكن قد دخل الجنة، وقال الكرماني: قوله "حرمها" أي لا يشربها في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (٢) (٣).
следующие страницы →