← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 7047–7086 · переход к 7052.

стр. 7047

قوله: حدثنا جُندب بن عبد الله في هذا المسجد فما نسينا منه حديثا، الحديث، جندب يجوز في أوله الفتح والضم وهو جندب بن عبد الله البجلي العلقي بفتح العين واللام، والعلق بطن من بجيلة ومنهم خمسة من نسبه إلى جده فيقول جندب بن سفيان كنيته أبو عبد الله كان بالكوفة ثم صار إلى البصرة (١). قوله ﷺ : "برجل جراح فقتل نفسه" الحديث وفي رواية: "خرج به خراج" والخراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو القرحة والقرحة بفتح القاف وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان (٢). وقيل: بثرة تخرج في بدن الإنسان والبثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها أيضا لغتان وهي خراج صغاروقيل بثر وجهه وبثَر وبثُر ثلاث لغات (٣). وخص بعضهم به الوجه والمشهور أنه يعم الوجه وسائر البدن (٤) وروى ابن السني والنسائي في اليوم والليلة عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: دخل علي النبي ﷺ وقد خرج من أصبعي بثرة فقال: "عندك ذريرة" قلت: نعم، فوضعها عليها وقال: قولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر [ما بي]

стр. 7048

فطفيت (١)، أ. هـ، والذريرة هي فتات قصب من قصب الطيب يجاء به من الهند (٢). قوله: "فقال الله تعالى بدرني عبدي بنفسه" وفي الرواية الأخرى: "بادرني عبدي بنفسه" الحديث، فيه دليل للمعتزلة أن القاتل يقطع أجل المقتول وأنه لو تركه لعاش إلى أجله ومذهب أهل السنة أنه لا يموت أحد إلا بأجل وأن القاتل لم يقطع أجل المقتول وإنما قتله عند انتهاء أجله، ووجب القصاص لتعديه وفعله به هذا الفعل الشنيع ويتأول قوله تعالى: "بادرني بنفسه" باعتبار ما في ظن الذي قتل نفسه فإنه قد ظن أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت أو أنه بادر إلى تعاظم سبب إزهاق روحه ولو ترك هو هذا السبب لخلق الله تعالى سببا لهلاكه غير القتل فهذا معنى المبادرة فهي مبادرة إلى تعاطي سبب الموت وليست مبادرة إلى الموت فاعرفه ذكره ابن العماد في شرح العمدة. قوله تعالى: "فحرمت عليه الجنة" أما تحريم الجنة عليه فيحتمل أن يكون مشركا قد ضم إلى شركه هذا الفعل أو مستحلا لذلك فإن لم

стр. 7049

يكن كان تحريم الجنة المرتفعة القدر من بين الجنان أو المنع من دخول الجنة في أول الأمر إلى أن يعذب بالنار لأنه إذا وقع العرض دخل قوم الجنة وقوم إلى النار أ. هـ قاله في [كشف المشكل] (١). وقال بعض العلماء في قوله: "حرمت عليه الجنة" فإن قيل: المؤمن لا بد أن يدخل عاقبة أمره الجنة وإن كان صاحب الكبائر؟ قلت: معناه حرمت عليه قبل دخوله النار أو جنة خاصة لأن الجنان كثيرة أو هو من باب التغليظ أو إذا كان مستحلا للقتل أو التحريم جزاؤه، وقد يعفى عنه أو هو مقدر بمشيئة الله (٢) أ. هـ. فهذا الوعيد إن حمل على ظاهره خص به من فعل ذلك مستحلا [فلذلك حرمت الجنة] وإلا فالمؤمن لا يخلد في النار ولعل حرم عليه في أول الأمر ليذوق وباله بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته وقيل: يحتمل أنه كان كافرا أو راتد من الجراحة والله أعلم فيحمل على تحريم الجنة قبل أن يعذب أو على تحريمها عليه حين يدخلها السابقون والأبرار إذا فتحت أبوابها لهم أو يطيل حسابه أو يحبس في الأعراف هذا كلام القاضي قال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر (٣). قوله: في الرواية الأخرى: "فأخذ سكينا فجز بها يده فما رقا الدم حتى مات" وجز يده أي قطعها أو بعضها.

стр. 7050

وقوله: "فلم يرقا الدم" الحديث، ورقأ الدم، قال الحافظ: هو مهموز، أي: جف وانقطع وكذا قولها "لا يرقأ لي دمع" أي انقطع قاله عياض (١). وقوله ﷺ في صحيح مسلم: "إن رجلا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها" تقدم الكلام على القرحة والكنانة بكسر الكاف جعبة النشاب قاله المنذرى والجعبة بفتح الجيم وسميت كنانة لأنها تكن السهام: أي تسترها (٢). وقوله: "فنكأها" بالهمز أي نخسها وفجرها، أ. هـ قاله الحافظ المنذري ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت ولغير مصلحة فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا (٣). تنبيه: ويدل على ذلك الحديث الصحيح في مسلم في الرجل الذي هاجر إلى النبي ﷺ وأصابته في يده آفة فأخذ مشاقصه فجز بها أصابعه فما رقأ الدم حتى مات فرئ بعد موته فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى النبي ﷺ إلا ما كان من يدي فإنه قيل لي أنا لي نصلح منك ما أفسدت فقال رسول الله ﷺ بعدما قصت عليه الرؤيا: "اللهم وليديه فاغفر" (٤) وسبب استحقاق الوعيد الدخول إلى الدار الآخرة بغير إذن والله أعلم قاله ابن العماد.

стр. 7051

فائدة: وفي الحديث دليل على أن نفس الإنسان مملوكة لله تعالى لا يحل للإنسان التصرف فيها بما يضرها ولا يحل له أن يقتل نفسه في مسائل منها إذا أحاطت به النار وتحقق أنه لا يمكنه التخلص منها إلا بأن يلقي نفسه في بئر أو حفرة فيموت فيجوز له ذلك مراعاة لتوقع الصلاة عليه ودفنه. الثانية: إذا وقع في أيدي المشركين وتحقق أنهم يمثلون به لمؤلم يقتل نفسه فهذا من العوارض المبيحة للقتل وليس من الأشياء المبيحة للقتل أن يزني وهو محصن ويريد قتل نفسه بل طريقه أن يرفع نفسه إلى الإمام ويقر ليقتله والستر على نفسه أولى، أ. هـ قاله ابن العماد. ٣٧٠١ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ أَن رجلا كَانَت بِهِ جِرَاحَة فَأتى قرنا لَهُ فَأخذ مشقصا فذبح بِهِ نَفسه فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء جعبة النشاب والمشقص بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف سهم فِيهِ نصل عريض وَقيل هُوَ النصل وَحده وَقيل سهم فِيهِ نصل طَوِيل وَقيل النصل وَحده وَقيل هُوَ مَا طَال وَعرض من النصال (١). قوله: وعن جابر بن سمرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أن رجلًا كانت به جراحة فأتى قرنا له فأخذ مشقصا فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ " الحديث، القرن: هو جعبة النشاب، والمشقص: قد

стр. 7052

ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو النصل وحده، وقيل: سهم فيه نصل طويل، وقيل: ما طال وعرض من النصال، أ. هـ. وقيل: هو [السكين] (١) وقد رواه الطبراني بمشقص (٢)، وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلي على قاتل نفسه لعصيانه ومذهب أهل السنة أنه لا يكفر [من قتل نفسه] ونصوا على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وتقدم في المديون أنهم كانوا يصلون عليه وهو متعلق الذمة وحاله أشد ممن ذنبه فيما بينه وبين الله وإنما ترك الصلاة عليه تحذيرا من مثل فعله وتعظيما لذنبه وبهذا قال مالك زجرا لهم ولعل هذا القاتل كان مستحلا القتل نفسه فمات كافرا فلم يصل عليه لذلك وهذا مذهب عمر عبد العزيز، وأما المسلم القاتل لنفسه أو لغيره فيصلي عليه عند الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء خلافا للأوزاعي وقال أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه غيره وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي ﷺ في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر الصحابة بالصلاة عليه فقال: "صلوا على صاحبكم" قال القاضي عياض: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه ومرتكب الكبائر وولد الزنا، وعن الإمام

стр. 7053

مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد الزنا وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم، وعن الزهري: لا يصلي على المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على محارب ولا على قتل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزنا، وعن الحسن: لا يصلي على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها، ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير والله أعلم (١) ذكره ابن العماد في شرح العمدة. وفرق بعضهم بين قاتل نفسه لعدم إمكان التوبة متعجلا فلا يصلي عليه بخلاف قاتل غيره وأما من قتل في حد فتقدم ونقل عن الشافعي أنه لا يصلي على تارك الصلاة إذا قتل والصحيح أنه يصلي عليه وفي أبي داود: "صلوا على من قال لا إله إلا الله" (٢) قاله شارح الإلمام. ٣٧٠٢ - وَعَن أبي قلَابَة ﵁ أَن ثَابت بن الضَّحَّاك ﵁ أخبرهُ بِأَنَّهُ بَايع رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من حلف على يَمِين بِملَّة غير الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمدا فَهُوَ كمَا قَالَ وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك وَلعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى

стр. 7054

مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله وَمن ذبح نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ على الْمَرْء نذر فِيمَا لَا يملك ولا عن الْمُؤمن كقاتله وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقاتله وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذبه الله بِمَا قتل بِهِ نَفسه يَوْم الْقِيَامَة (١). قوله: وعن أبي قلابة ﵁ اسمه [عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو قلابة الجرمي البصري، أحد الأئمة الأعلام]. قوله: أن ثابت بن الضحاك ﵁ أخبره بأنه بايع رسول الله تحت الشجرة، الحديث ثابت بن الضحاك بن [خليفة بن ثعلبة بن عدي ابن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو زيد المدني، سكن البصرة. وهو أخو جبيرة بن الضحاك، وثبيتة بنت الضحاك، التي كان محمد بن مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله ﷺ ، يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد روى عنه: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني (٢)]. والمبايعة مأخوذة من البيع وتقدم الكلام على ذلك. قوله ﷺ : "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال" الحديث، الحلف بالشيء هم القسم به، وهذا الحديث

стр. 7055

له صورتان، الأولى: أن يقول ودين اليهودية أو دين النصرانية لا أفعل كذا فهذا حكمه حكم من حلف باللات والعزى، وسيأتي الكلام على ذلك، اللات قيل إنها تأنيث اسم الله تعالى وقيل أرادوا في الجاهلية أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى فصرف ألسنتهم عن ذلك فقالوا اللات صيانة للاسم العظيم أن يسمي به غيره ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلق بها وأنعم عليها بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف جعل كفارة ذلك قول لا إله إلا الله إفراد الألوهية وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر هنا لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كذلك، الصورة الثانية: قال النووي إذا حلف بشيء من الأصنام، أو يقول: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني وبرئ من الإسلام أو من النبي ﷺ فهذا ليس بيمين لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم الله تعالى وصفاته ولكن يحرم عليه الحلف بذلك كما قاله النووي في الأذكار [بل عليه] أن يستغفر الله تعالى [ويقول لا إله إلا الله] ولا كفارة [عليه سواء فعله أم لا] هذا مذهب الشافعي ومالك ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك (١). ولا يترتب على ذلك الكفر في الحال لأنه قصد بذلك إبعاد نفسه عن الفعل فإن قصد تعليق الكفر على الفعل كفر في الحال هذا إن حلف على مستقبل فإن حلف على ماض كقوله إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني فظاهر الحديث أنه يصير كافرا لأنه ﷺ قال: "فهو كما قال"، وقد

стр. 7056

اختلف الحنفية في تكفيره فقيل يكفر كما لو قال هو يهودي وقيل لا يكفر كما لو حلف بذلك على مستقبل ولم يقصد تعليق الكفر على الفعل ولا الرضى به، ثم إن كان الحلف به معظما لما حلف به مجلا له كان كافرا وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ويراد به كفر الإحسان وكفر نعمة الله تعالى فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الفعل القبيح (١)، أ. هـ. قوله ﷺ : "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" الحديث، يؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في استحقاق إثم القتل ووجوب الكفارة في ماله لأن نفس الإنسان ليست ملكا له بل هي ملك لله تعالى (٢). وقوله: "عذب به" أي: بمثله، واستدل على اعتبار المماثلة في القصاص فيقتل القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، ويحتمل أن يكون المراد عذب بنفس تلك الألة التي قتل بها نفسه ويدل عليه قوله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" والخلود محمول على المكث الطويل أو على تأبيد الخلود إن فعل ذلك مستحلا للقتل وتقدم ذلك من كلام النووي في أول الباب أ. هـ. قوله ﷺ : "وليس على رجل نذر فيما لا يملك" فيه أنه لا يصح النذر فيما لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء، وفيه دليل على أن التصرفات الواقعة قبل

стр. 7057

الملك باطلة وأن بيع الفضولي وتصرفاته باطلة، فلو باع عبد الغير أو أعتقه أو نذر نذرا متعلقا به لغى ذلك، وهذه التصرفات المالية، أما تعليق الطلاق على النكاح فاختلفوا فيه فالشافعي يلغيه كالأول ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه (١). قوله ﷺ : "ولعن المؤمن كقتله" الحديث، فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ، وقال في موضع آخر: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف، قال القاضي عياض: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه منها، وقيل: معناه استواؤهما في التحريم وفي اللعنة قطعا عن الرحمة وهي أبلغ ضررا من قطع الحياة بالقتل (٢)، أ. هـ. فائدة: واتفق العلماء على تحريم اللعن فإنه في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطيعة، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلم كان أو كافرا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن

стр. 7058

الواصلة والمستوصلة والواشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولي غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإِسلام حدثا أو آوي محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله أعلم. أ. هـ. تنبيه: ومن الكبائر أن يقول لمسلم يا كافر أو يا عدو الله. فرع: لو دعا على مسلم فقال: اللهم اسلبه الإيمان فقد جزم النَّووي في الأذكار بأنه يعصي بذلك، قال: وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء فيه وجهان حكاهما القاضي حسين في الفتاوي أصحهما لا يكفر وقال العلماء وقال شخص لو كان فلان نبيا ما آمنت به كفر واختلفوا فيمن دعا على شخص فقال لا ختم الله له بخير أو أسلبه الإيمان كما تقدم فقال بعضهم أنه يكفر لأنه رضي بموته على الكفر والرضى بالكفر كفر واحتج لهذا بقوله تعالى إخبار عن موسى ﵊: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) الآية، وينبغي أن يكون محل الخلاف إذا قصد بذلك أن يكون عقوبة له لأجل ما فعل لأنه رضي بالكفر فإن الرضى بالكفر كفر والله أعلم (٢). قوله ﷺ : "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" وتقدم معنى القتل. وقوله: "ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" تقدم الكلام على ذلك.

стр. 7059

٣٧٠٣ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا فَلَمَّا مَال رَسُول الله ﷺ إِلَى عسكره وَمَال الْآخرُونَ إِلَى عَسْكَرهمْ وَفِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجل لا يدع لَهُم شَاذَّة وَلا فاذة إِلَا اتبعها يضْربهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا مَا أَجْزَأَ منا الْيَوْم أحد كَمَا أَجْزَأَ فلَان فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما إِنَّه من أهل النَّار (١). ٣٧٠٤ - وَفِي رِوَايَة فَقَالُوا أَيّنَا من أهل الْجنَّة إِن كَانَ هَذَا من أهل النَّار فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَنا صَاحبه أبدا قَالَ فَخرج مَعَه كلما وقف وقف مَعَه وَإِذا أسْرع أسْرع مَعَه قَالَ فجرح الرجل جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع سَيْفه بِالْأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل على سَيْفه فَقتل نَفسه فَخرج الرجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أشهد أَنَّك رَسُول الله قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ الرجل الَّذِي ذكرت آنِفا أَنه من أهل النَّار فأعظم النَّاس ذَلِك فَقلت أَنا لكم بِهِ فَخرجت فِي طلبه حَتَّى جرح جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع نصل سَيْفه بِالأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل عَلَيْهِ فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢) الشاذة بالشين الْمُعْجَمَة والفاذة بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة فيهمَا هِيَ الَّيي انْفَرَدت عَن الْجَمَاعَة وأصل ذَلِك فِي المنفردة عَن الْغنم فَنقل إِلَى كل من فَارق الْجَمَاعَة وَانْفَرَدَ عَنْهَا.

стр. 7060

قوله: وعن سهل بن سعد ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: وفي أصحاب النبي ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، الحديث، هذا الرجل اسمه قزمان قاله الخطيب البغدادي وكان من المنافقين. قوله: "شاذة ولا فاذة" الشاذة بالشين المعجمة، والفاذة بالفاء وتشديد الذال المعجمة فيهما هي التي انفردت عن الجماعة وأصل ذلك في المنفردة عن الغنم فنقل إلى كل من فارق الجماعة وانفرد عنها، أ. هـ قاله المنذري. وقال غيره: الشاذ والشاذة الخارج والخارجة عن الجماعة والتاء في الشاذة والفاذة للمبالغة فيهما، قال القاضي عياض: أنث الكلمة على معنى النسمة أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم ومعناه أنه لا يدع أحدا على طريق المبالغة أي لا يدع من الناس أحدا ولا من شذ وفذ أي انفرد ولا يسلم منه من خرج من جماعة الجيش ولا من فيه وإنما هي عبارة عن المبالغة أي لا يدع نفسا إلا قتلها واستقصاها، قال ابن الأعرابي: يقال لا يدع شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله (١)، وقيل: الشاذة هو الذي يكون مع الجماعة ثم يفارقهم والفاذة وهو الذي لم يكن قط قد اختلط بهم (٢). قوله: فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد، الحديث معناه: ما أغني وأكفى أحد غناءه وكفايته (٣).

стр. 7061

قوله: فقال رسول الله ﷺ "أما إنه من أهل النار" أما بمعنى الاستفتاح. تنبيه: فإن قلت: القتل هو معصية والعبد لا يكفر بالمعصية هو من أهل الجنة لأنه مؤمن، قلت: لعل رسول الله ﷺ علم بالوحي أنه ليس مؤمنا أو أنه سيرتد حيث يستحل قتل نفسه، أو المراد من كونه من أهل النار أنه من العصاة الذين يدخلون النار ويخرجون منها، وفيه: أن الاعتبار بالخواتيم وبالنيات وأن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أ. هـ قاله الكرماني (١). قوله: فقال رجل من القوم أنا صاحبه أبدا، كذا وقع في الأصول ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه أدا لأنظر السبب الذي يصير به من أهل الناء فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار فلابد له من سبب عجيب، قاله النَّووي. قوله: "فوضع سيفه بالأرض" وفي رواية أخرى "فوضع نصل سيفه بالأرض" يعني به: ما يلي القبيعة، القبيعة هي التي تكون على رأس قائمة السيف وقيل ما تحت شارب السيف، وفي الحديث كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة، الحديث، والنصل في اللغة هو السيف كله. قوله: "وذبابه بين ثدييه" وذباب السيف بضم الذال وتخفيف الباء هو طرفه الأسفل المحدد الذي يضرب به وحسامه وظبته وغربا السيف جانباه. وقوله: "بين ثدييه" هو تثنية ثدي بفتح الثاء وهو مذكر على اللغة الفصيحة قال ابن فارس: الثدي للمرأة ويقال لذلك الموضع من الرجل [ثندوة وثندؤة

стр. 7062

بالفتح بلا همزة وبالضم مع الهمزة] وقال الجوهري: والثدي للمرأة والرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعمل الثدي للرجل والله أعلم (١). وقوله: "آنفا" أي: قريبا وفيه لغتان المد وهو أفصح والقصر. وقوله ﷺ : "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" الحديث، ففي هذا الحديث التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى، قال: ومعنى قوله ﷺ : "أن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة وأنه من أهل النار" وكذا عكسه أن هذا قد يقع والله أعلم ذكره النووي في شرح مسلم (٢). واعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة والإقدام بالمعصية على الله تعالى (٣).

стр. 7063

[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق] عَن خَرشَة بن الْحر ﵁ وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا يشْهد أحدكُم قَتِيلا لَعَلَّه أَن يكون مَظْلُوما فتصيبه السخطة رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ إِلَا أَنه قَالَ فَعَسَى أَن يقتل مَظْلُوما فتنزل السخطة عَلَيْهِم فَيُصِيبهُ مَعَهم ورجالهما رجال الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة (١). قوله: عن خرشة بن الحر ﵁[خرشة هو بخاء معجمة، ثم راء، ثم شين معجمة مفتوحات وبعدهن هاء، وهو خرشة بن الحر، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، الفزارى الكوفى، مات سنة أربع وسبعين. ذكر البخاري في تاريخه الكبير وغيره من العلماء أنه كان يتيما في حجر عمر بن الخطاب، ﵁، قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: خرشة بن الحر، له صحبة، وأخته سلامة بنت الحر لها صحبة، قال محمد بن سعد: توفي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة، وقال خليفة بن خياط، وابن حبان: مات سنة أربع

стр. 7064

وسبعين (١)]. قوله ﷺ : "لا يشهد أحدكم قتيلا لعله أن يكون مظلوما فتصيبه السخطة" الحديث، لا يشهد: معناه لا يضحر، والسخط ضد الرضى، وقال الطبراني في روايته: "فعسى أن يقتل مظلوما فتنزل السخطة عليهم فيصيبه معهم". ٣٧٠٥ - وَعَن ابْن عباس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا يَقِفن أحدكُم موقفا يقتل فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنه تنزل على كل من حضر حِين لم يدفعوا عَنهُ وَلا يَقِفن أحدكُم موقفا يضْرب فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يقفن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على [كل] من حضر حين لم يدفعوا عنه" الحديث، في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دخول العاجز عن تغيير المنكر إلى أماكن الظلم والفسق ومواطن

стр. 7065

المعاصي والمنكرات من غير ضرورة فلا يجوز له دخول دور الظلمة وأماكن المكوس والمصادرات والحمامات التي أهلها مكشوفة العورات والأماكن التي يعلم أن فيها نساء غير مستترات، ويحرم عليه حضور دعوة فيها منكر لا يستطيع تغييره وقد لا يوجد والله أعلم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (١). ٣٧٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جرد ظهر مُسلم بغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد جيد (٢). قوله: وعن [أبي هريرة] أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من جرد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان" تقدم معنى غضب الله تعالى. ٣٧٠٧ - وَرُوِيَ عَن عصمَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ظهر الْمُؤمن حمى إِلَا بِحقِّهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وعصمة هَذَا هُوَ ابْن مَالك الخطمي الْأنْصَارِيّ (٣).

стр. 7066

قوله: وروي عن عصمة ﵁ وعمة هذا هو ابن المبارك الخطمي الأنصاري قاله المنذري. قوله ﷺ : "ظهر [المؤمن] المسلم حمى إلا بحقه" والحق المراد به ما يسوغ شرعا من [الأقوال والأفعال].

стр. 7067

[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم] ٣٧٠٨ - عَن عدي بن ثَابت قَالَ هشم رجل رجل على عهد مُعَاوِيَة فَأعْطى دِيَته فَأبى أَن يقبل حَتَّى أعْطى ثَلاثًا فَقَالَ رجل إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تصدق بِدَم أَو دونه كَانَ كَفَّارَة لَهُ من يَوْم ولد إِلَى يَوْم تصدق رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح غير عمرَان بن ظبْيَان (١). قوله: عن عدي بن ثابت [هو عدى بن ثابت الأنصارى الكوفى، ابن بنت عبد الله بن يزيد الخطمى ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (٢)]. قوله: هشم رجل [فم] رجل على عهد معاوية فأعطى ديته فأبى أن يقبل حتى أعطى ثلاثا، الحديث، الهشم هو [الكسر]. وقوله: على عهد معاوية أي: في خلافته وتقدم الكلام على معاوية في أماكن من هذا التعليق.

стр. 7068

٣٧٠٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يجرح فِي جسده جِرَاحَة فَيتَصَدَّق بهَا إِلَا كفر الله ﵎ عَنهُ مثل مَا تصدق بِهِ رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (١). قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله تعالى عنه مثل ما تصدق به" كفر معناه [ستر ومحا]. ٣٧١٠ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ، ثَلَاث من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ وَزوج من الْحور الْعين كم شَاءَ من أدّى دينا خفِيا وَعَفا عَن قَاتله وَقَرَأَ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة عشر مَرَّات قل هُوَ الله أحد فَقَالَ أَبُو بكر أَو إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُول الله فَقَالَ أَو إِحْدَاهُنَّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة بِنَحْوِهِ (٢).

стр. 7069

قوله: وعن جابر بن عبد الله ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء: من أدى دينا خفيا وعفا عن قاتله وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله أحد، الحديث، الدين الخفي هو الذي لا يطلع على إعطائه إلا الله والعفو عن القاتل هو الصفح عنه والصلاة المكتوبة هي المفروضة ودبرها هو بعد الفراغ منها ودبر الشيء هو آخره. ٣٧١١ - وَعَن أبي السّفر قَالَ دق رجل من قُرَيْش سنّ رجل من الأَنْصَار فاستعدى عَلَيْهِ مُعَاوِيَة فَقَالَ لمعاوية يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا دق سني فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة إِنَّا سنرضيك مِنْهُ وألح الآخر على مُعَاوِيَة شَأْنك بصاحبك وَأَبُو الدَّرْدَاء جَالس عِنْده فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يصاب بِشَيْء فِي جسده فَيتَصَدَّق بِهِ إِلَا رَفعه الله بِهِ دَرَجَة وَحط عَنهُ بِهِ خَطِيئَة فَقَالَ الأنْصَارِيّ أَنْت سمعته من رَسُول الله ﷺ قَالَ سمعته أذناي ووعاه قلبِي قَالَ فَإِنِّي أذرها لَهُ قَالَ مُعَاوِيَة لا جرم لَا أخيبك فَأمر لَهُ بِمَال رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَلا أعرف لأبي السّفر سَمَاعا من أبي الدَّرْدَاء

стр. 7070

وروى ابْن مَاجَه الْمَرْفُوع مِنْهُ عَن أبي السّفر أَيْضا عَن أبي الدَّرْدَاء وَإِسْنَاده حسن لَوْلَا الانْقِطَاع (١). قوله: وعن أبي السفر، أبو السفر هو بفتح الفاء على المشهور وقيل بإسكانها وحكاه القاضي عن بعض شيوخهم واسمه سعيد بن يحمد بضم الياء وإسكان الحاء وكسر الميم ويقال ابن أحمد ويقال ابن محمد الهمداني الثوري الكوفي والد عبد الله بن أبي السفر روي عن البراء بن عازب وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي وأبي الدرداء وغيرهم ثقة صدوق من سادات التابعين مات سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومائة قاله في الديباجة [وابنه عبد الله مات] في خلافة مراون روى له الجماعة إلا الترمذي (٢). قوله: دق رجل من قريش سن رجل من الأنصار، الحديث، دق معناه كسر. قوله: فاستعدى عليه معاوية، معناه طلب أن يعديه أي يقويه ويعينه في تحصيل حقه قال أهل اللغة يقال: استعديت الأمير والقاضي علي فلان فاعداني أي استعنت به فأعانني والاسم منه العدوي قاله النووي في تحريره (٣).

стр. 7071

قال الجوهري: العدوي طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك رأي ينتقم منه (١)،أ. هـ. فقوله: استعدي عليه أي رفع أمره إلى الحاكم لينصره وأعدى الحاكم فلانا على فلان نصره قاله عياض (٢). قوله: وألح الآخر على معاوية فأبرمه، الحديث، الإبرام هو الإضجار أي أضجره من السؤال. قوله: فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ قال سمعته أذناي ووعاه قلبي. قوله: قال معاوية: لا جرم لا أخيبك، فأمر له بمال، الحديث، لا جرم معناه [تحقيق الشيء. وقد اختلف في تقديرها، فقيل: أصلها التبرئة بمعنى لا بد، ثم استعملت في معنى حقا]. ٣٧١٢ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ من أُصِيب بِشَيْء فِي جسده فَتَركه لله كانَ كفَّارَة لَهُ رَوَاهُ أَحْمد مَوْقُوفا من رِوَايَة مجَالد (٣). قوله: وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 7072

قوله: "من أصيب بشيء في جسده فتركه لله كان كفارة له" تقدم معنى الكفارة. ٣٧١٣ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلأث وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ لا ينقص مَال من صَدَقَة فتصدقوا وَلا يعْفُو عبد عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا يَوْم الْقِيَامَة وَلا يفتح عبد بَاب مَسْأَلَة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَله عِنْد الْبَزَّار طَرِيق لا بَأْس بهَا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من حَدِيث أم سَلمَة وَقَالَ فِيهِ وَلا عَفا رجل عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا فاعفوا يعزكم الله (١). قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن" تقدم الكلام على ذلك. قوله ﷺ : "ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة" أي:

стр. 7073

إذا قدر المظلوم على الانتقام ممن ظلمه وعفا زاده الله تعالى عن سبب هذا العفو عزا يوم القيامة وتقدم الكلام على المظلمة وسيأتي الكلام عليها أيضًا في هذا الباب في حديث أنس المطول والله تعالى أعلم. ٣٧١٤ - وَعَن أبي كَبْشَة الأنمَارِي ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده الله عزا فاعفوا يعزكم الله وَلا فتح عبد بَاب مَسْأَلَة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نحوها الحديث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (١). قوله: وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق. قوله: "ثلاث أقسم عليهن" الحديث، القسم هو الحلف وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق. ٣٧١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَا رَفعه الله رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ (٢).

стр. 7074

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "ما نقص مال من صدقة" قال القرطبي: قوله: ما نقصت صدقة من مال، فيه وجهان أحدهما أنه بقدر ما ينقص عنه يزيد الله فيه وينميه ويكثره، الثاني: أنه وإن نقص في نفسه ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص [بإضافة] والله أعلم (١). قوله: "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" فيه وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه، والثاني: أن يكون أجره وثوابه وعزه في الآخرة (٢). وقوله ﷺ : "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى" فيه أيضًا وجهان كذلك، أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويحل مكانه، والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ موجودة في العادة معروفة وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا وفي الآخرة والله تعالى أعلم (٣).

стр. 7075

تتمة: في رسالة القشيري في باب الجوع والتواضع، قال ابن الأعرابي: بلغني أن سفيان الثوري قال: أعز الخلق خمسة أنفس عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني، وقيل: التواضع نعمة لا يحسد عليها والكبر [محنة] لا يرحم عليها وقيل: ركب زيد بن ثابت فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: مه يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال زيد: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ (١)، أ. هـ. فالتواضع هو الإنكسار والتذلل ونقيضه [الكبر] والترفع والتواضع يقتضي متواضعا له فإن كان المتواضع له هو الله أو من أمر الله بالتواضع له كالرسول والإمام والحاكم والعالم والوالد فهو التواضع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود ومندوب إليه ومرغب فيه إذا قصد به وجه الله ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيب ذكره في الأفواه ورفع درجته في الآخرة وأما التواضع لأهل [الدنيا] ولأهل الظلم فذاك هو الذل الذي لا عز معه والخيبة التي لا رفعة معها بل يترك عليها ذل الآخرة وكل صفقة خاسرة نعوذ بالله من ذلك (٢) أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 7076

٣٧١٦ - وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره أَن يشرف لَهُ الْبُنيان وترفع لَهُ الدَّرَجَات فليعف عَمَّن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه رَوَاهُ الْحَاكم وَصحح إِسْنَاده وَفِيه انْقِطَاع (١). قوله: وعن أبي بن كعب ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه" الحديث، تشريف البنيان هو إعلاؤه ورفع الدرجات هو إعلاء المنازل في الجنة. ٣٧١٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أدلكم على مَا يرفع الله بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ تحلم على من جهل عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ (٢).

стр. 7077

قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "تحلم على من جهل عليك" الحديث، تقدم الكلام على رفع الدرجات في الحديث قبله وفي مواضع كثيرة. وقوله ﷺ : "وتحلم على من جهل عليك" الحلم هو العفو والصفح وترك المعاجلة بالعقوبة والله أعلم. ٣٧١٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث من كن فِيهِ حَاسبه الله حسابا يَسِيرا وَأدْخلهُ الْجنَّة برحمته قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ تُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك فَإِذا فعلت ذَلِك تدخل الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد إِلَا أَنه قَالَ فِيهِ قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَمَا لي يَا رَسُول الله قَالَ أَن تحاسب حسابا يَسِيرا وَيُدْخِلك الله الْجنَّة برحمته قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ الثَّلَاَثة من رِوَايَة سُلَيْمَان بن دَاوُد الْيَمَانِيّ عَن يحيى بن أبي سَلمَة عَنهُ وَسليمَان هَذَا واه (١).

стр. 7078

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته" الحديث، أي: ثلاث خصال. قوله في آخر الحديث: رواه الثلاثة من رواية سليمان بن داود اليماني [وهو واه اتفقوا على توهيته]. ٣٧١٩ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ أَلا أدلك على أكْرم أَخْلَاق الدُّنْيَا وَالآخِرَة أَن تصل من قَطعك وَتُعْطِي من حَرمك وَأَن تَعْفُو عَمَّن ظلمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة الْحَارِث الأعْوَر عَنهُ (١). ٣٧٢٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ارحموا ترحموا واغفروا يغْفر لكم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٢).

стр. 7079

٣٧٢١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ رَسُول الله ﷺ من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله وَمن لا يغْفر لا يغْفر لَهُ (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم" وفي الرواية الأخرى: "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" الحديث، وفي رواية: "وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" قلت: الرحماء بالنصب والرفع فالنصب على أنه مفعول يرحم، والرفع على أنه خبر إن، وتكون ما بمعنى الذي قاله العراقي في بعض أماليه، وروي في حديث آخر: "من لا يرحم لا يرحم" الحديث، روى: "من لا يرحم" بسكون الميم على أنه مجزوم بالشرط ومعناه من لا يكون من أهل الرحمة على الناس وبضم الميم على أنه حذف مفعوله أي من لا يرحم الناس وكذلك قوله: "لا يرحم" روي بسكون الميم على أنه جزاء الشرط وبضمها على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو لا

стр. 7080

يرحمه وتقدم الكلام على بعض هذه الأحاديث في باب الشفقة على خلق الله والله أعلم. ٣٧٢٢ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ وجدنَا فِي قَائِم سيف رَسُول الله ﷺ اعْفُ عَمَّن ظلمك وصل من قَطعك وَأحسن إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْك وَقل الْحق وَلَو على نَفسك ذكره رزين بن الْعَبدَرِي وَلم أره وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي صلَة الرَّحِم (١). قوله: وعن علي ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ اعف عمن ظلمك وصل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك" الحديث، قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: فإذا كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك فهذا لابد منه وشاهده في السنة من وجوه كثيرة والله أعلم (٢).

стр. 7081

٣٧٢٣ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أنَهَا سرق لَهَا شَيْء فَجعلت تَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ لهَا رَسُول الله ﷺ لَا تسبخي عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمعنى لَا تسبخي عَنهُ أَي لا تخففي عَنهُ الْعقُوبَة وتنقصي أجرك فِي الْآخِرَة بدعائك عَلَيْهِ والتسبيخ التَّخْفِيف وَهُوَ بسين مُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة وخاء مُعْجمَة (١). قوله: وعن عائشة ﵂، تقدمت ترجمتها مرارًا. قوله: أن عائشة سُرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال لها رسول الله ﷺ : "لا تسبخي عنه" قال الحافظ: ومعنى لا تسبخي عنه أي لا تخففي عنه العقوبة وتنقصي أجرك في الآخرة بدعائك عليه، والتسبيخ التخفيف، أ. هـ. وقال في الديباجة: روى أحمد وأبو داود من حديث عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها وقد دعت على سارق وسرق لها ملحفة: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه" معناه: لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة، قال الخطابي (٢): ومن هذا سبائخ القطن، وهي القطع المتطايره عند الندف، وقال الشاعر: فسَبخ عليك الهم واعلم بأنه ... إذا قدر الرحمن شيئًا فكائن (٣)

стр. 7082

واعلم بأنه إذا قدر الرحم شيئا لكان، وهذا يدل على أن الظالم لم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه ويدل له ما رواه أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويتنقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه (١)، وفي الترمذي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من دعا على من ظلمه فقد انتصر" (٢) وفي كتاب اللطائف للقاضي أبي يوسف أن امرأة بني إسرائيل كانت صوامة قوامة سرقت لها امرأة دجاجة فنبت ريش الدجاجة على وجه السارقة وعجزوا عن إزالته عن وجهها فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقالوا: لا يزول هذا الريش إلا بدعائها عليها فأتتها عجوز فذكرتها بدجاتها فلم تزل بها إلى أن دعت على سارقتها دعوة فسقطت من وجهها ريشة فلم تزل تكرر ذلك إلى أن سقط جميع الريش (٣). فإن قيل: مدح الله المستنصر من البغي ومدح العافي عن الجرح، قال ابن العربي: فالجواب: أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي [وقحًا] ذا جرأة وفجور، والثاني: على من وقع منه ذلك نادرا، وقال الواحدي: كان الانتصار لأجل الدين فهو المحمود وإذا كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه،

стр. 7083

واختلف العلماء في التحليل من المظلمة على ثلاثة أقوال فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما، ورأى مالك التحليل من العرض دون المال (١) أ. هـ، والله تعالى أعلم. ٣٧٢٤ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين ثمَّ نَادَى مُنَاد ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة ثمَّ نَادَى الثَّانِيَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة قَالَ وَمن ذَا الَّذِي أجره على الله قَالَ الْعَافُونَ عَن النَّاس ثمَّ نَادَى الثَّالِثَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة فَقَامَ كَذَا وَكَذَا ألفا فَدَخَلُوهَا بغَيْر حِسَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دما فازدحموا على باب الجنة" فذكر الحديث إلى أن

стр. 7084

قال: "ومن ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس" تقدم الكلام على العفو في أحاديث الباب. ٣٧٢٥ - وَعَن أنس أَيْضا ﵁ قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ لي مظلمتي من أخي فَقَالَ الله كيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول الله ﷺ بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل من أوزارهم فَقَالَ الله للطَّالِب ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فَرفع فَقَالَ يَا رب أرى مَدَائِن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ أَي نَبِي هَذَا أَو لأي صديق هَذَا أَو لأي شَهِيد هَذَا قَالَ لمن أعْطى الثّمن قَالَ يَا رب وَمن يملك ذَلِك قَالَ أَنْت تملكه قَالَ بِمَاذَا قَالَ بعفوك عَن أَخِيك قَالَ يَا رب إِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ قَالَ الله فَخذ بيد أَخِيك وَأدْخلهُ الْجنَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم فَإِن الله يصلح بَين الْمُسلمين رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث كِلاهُمَا عَن عباد بن شيبَة الحبطي عَن سعيد بن أنس عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ (١).

стр. 7085

قوله: وعن أنس أيضًا ﵁ تقدم. قوله: بينا رسول الله ﷺ جالس، الحديث، أصل بين بمعنى وسط تقول جلست بين القوم كما تقول جلست وسط القوم ثم أشبعت فتحتها فصارت ألفا وهي ظرف زمان تقول بينا نحن نرقيه أتانا، أي: بين أوقات رقينا إياه وأسماء الزمان تضاف إلى الجمل كقولهم أتيتك زمن الحجاج أميرٌ، وتقول: بينما زيد جالس قمت وبينما قام زيد جلست أي فعله هذا الفعل في وسط أوقات جلسوه وقيامه والله أعلم. قوله: إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، أي: ظهرت، والثنايا جمع ثنية وهي أول ما يبدو من أسنان الإنسان عند الضحك والتبسم وهي أربع، وفي الرواية الأخرى: "حتى بدت نواجذه" والنواجذ بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس: ثعلب، وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل: المراد بالنواجذ هنا الضواحك والنواجذ أخرات الأسنان والأضراس في مقدم الفم الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم النواجذ، وقيل: المراد بها الأضراس وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه في هذا جواز الضحك وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا يسقط المروءة إذا لم يجاوز الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال والله أعلم (١)، وكان ﷺ ضحكه تبسما.

стр. 7086

قوله: قال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة" جثى الرجل ويجثو جثيا ومعناه جلس على ركبتيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (١). قوله: "فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي" الحديث، المظلمة بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو ما أخذه منك (٢) وفي قول آخر: المظلمة حق يجب للمظلوم على الظالم وأما المصدر فالمظلمة بالحركات الثلاث على اللام. قوله: "قال يا رب فليحمل من أوزاري" الأوزار جمع وزر وهو الإتم واصل الوزر الثقل والحمل. قوله: "وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء" الحديث، فاضت: معثاه سألت بالبكاء أي [بالدموع]. قوله: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" أي حقيقة وصلكم والله أعلم، وجميع تفسير حديث أنس هذا ذكره الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (٣). ٣٧٢٦ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَمَكْحُول قد سمع من وَاثِلَة (٤).
следующие страницы →