← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 7082–7121 · переход к 7087.

стр. 7082

واعلم بأنه إذا قدر الرحم شيئا لكان، وهذا يدل على أن الظالم لم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه ويدل له ما رواه أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويتنقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه (١)، وفي الترمذي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من دعا على من ظلمه فقد انتصر" (٢) وفي كتاب اللطائف للقاضي أبي يوسف أن امرأة بني إسرائيل كانت صوامة قوامة سرقت لها امرأة دجاجة فنبت ريش الدجاجة على وجه السارقة وعجزوا عن إزالته عن وجهها فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقالوا: لا يزول هذا الريش إلا بدعائها عليها فأتتها عجوز فذكرتها بدجاتها فلم تزل بها إلى أن دعت على سارقتها دعوة فسقطت من وجهها ريشة فلم تزل تكرر ذلك إلى أن سقط جميع الريش (٣). فإن قيل: مدح الله المستنصر من البغي ومدح العافي عن الجرح، قال ابن العربي: فالجواب: أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي [وقحًا] ذا جرأة وفجور، والثاني: على من وقع منه ذلك نادرا، وقال الواحدي: كان الانتصار لأجل الدين فهو المحمود وإذا كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه،

стр. 7083

واختلف العلماء في التحليل من المظلمة على ثلاثة أقوال فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما، ورأى مالك التحليل من العرض دون المال (١) أ. هـ، والله تعالى أعلم. ٣٧٢٤ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين ثمَّ نَادَى مُنَاد ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة ثمَّ نَادَى الثَّانِيَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة قَالَ وَمن ذَا الَّذِي أجره على الله قَالَ الْعَافُونَ عَن النَّاس ثمَّ نَادَى الثَّالِثَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة فَقَامَ كَذَا وَكَذَا ألفا فَدَخَلُوهَا بغَيْر حِسَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دما فازدحموا على باب الجنة" فذكر الحديث إلى أن

стр. 7084

قال: "ومن ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس" تقدم الكلام على العفو في أحاديث الباب. ٣٧٢٥ - وَعَن أنس أَيْضا ﵁ قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ لي مظلمتي من أخي فَقَالَ الله كيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول الله ﷺ بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل من أوزارهم فَقَالَ الله للطَّالِب ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فَرفع فَقَالَ يَا رب أرى مَدَائِن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ أَي نَبِي هَذَا أَو لأي صديق هَذَا أَو لأي شَهِيد هَذَا قَالَ لمن أعْطى الثّمن قَالَ يَا رب وَمن يملك ذَلِك قَالَ أَنْت تملكه قَالَ بِمَاذَا قَالَ بعفوك عَن أَخِيك قَالَ يَا رب إِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ قَالَ الله فَخذ بيد أَخِيك وَأدْخلهُ الْجنَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم فَإِن الله يصلح بَين الْمُسلمين رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث كِلاهُمَا عَن عباد بن شيبَة الحبطي عَن سعيد بن أنس عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ (١).

стр. 7085

قوله: وعن أنس أيضًا ﵁ تقدم. قوله: بينا رسول الله ﷺ جالس، الحديث، أصل بين بمعنى وسط تقول جلست بين القوم كما تقول جلست وسط القوم ثم أشبعت فتحتها فصارت ألفا وهي ظرف زمان تقول بينا نحن نرقيه أتانا، أي: بين أوقات رقينا إياه وأسماء الزمان تضاف إلى الجمل كقولهم أتيتك زمن الحجاج أميرٌ، وتقول: بينما زيد جالس قمت وبينما قام زيد جلست أي فعله هذا الفعل في وسط أوقات جلسوه وقيامه والله أعلم. قوله: إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، أي: ظهرت، والثنايا جمع ثنية وهي أول ما يبدو من أسنان الإنسان عند الضحك والتبسم وهي أربع، وفي الرواية الأخرى: "حتى بدت نواجذه" والنواجذ بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس: ثعلب، وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل: المراد بالنواجذ هنا الضواحك والنواجذ أخرات الأسنان والأضراس في مقدم الفم الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم النواجذ، وقيل: المراد بها الأضراس وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه في هذا جواز الضحك وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا يسقط المروءة إذا لم يجاوز الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال والله أعلم (١)، وكان ﷺ ضحكه تبسما.

стр. 7086

قوله: قال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة" جثى الرجل ويجثو جثيا ومعناه جلس على ركبتيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (١). قوله: "فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي" الحديث، المظلمة بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو ما أخذه منك (٢) وفي قول آخر: المظلمة حق يجب للمظلوم على الظالم وأما المصدر فالمظلمة بالحركات الثلاث على اللام. قوله: "قال يا رب فليحمل من أوزاري" الأوزار جمع وزر وهو الإتم واصل الوزر الثقل والحمل. قوله: "وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء" الحديث، فاضت: معثاه سألت بالبكاء أي [بالدموع]. قوله: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" أي حقيقة وصلكم والله أعلم، وجميع تفسير حديث أنس هذا ذكره الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (٣). ٣٧٢٦ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَمَكْحُول قد سمع من وَاثِلَة (٤).

стр. 7087

قوله: وعن واثلة بن الأسقع ﵁: تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك" الشماتة: هي فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه، يقال: شمت به فهو شامت وأشمته غيره ومنه الحديث: "ولا تطع فيّ عدوا شامتا" ألا تفعل بي ما يحب فتكون كأنك قد أطعته فيّ، أ. هـ، وقال بعضهم: شماتة الأعداء هي الحزن بفرح عدوه والفرح بحزنه وهي مما ينكأ في القلب ويؤثر في النفس تأثيرا شديدا وإنما دعا النبي بذلك تعليما لأمته في قوله: "ودرك الشقاء وسوء القضاء" انتهى. ٣٧٢٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من عير أَخَاهُ بذنب لم يمت حَتَّى يعمله قَالَ أَحْمد قَالُوا من ذَنْب قد تَابَ مِنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل خَالِد بن معدان لم يدْرك معَاذ بن جبل (١).

стр. 7088

قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله" قال الإمام أحمد: من ذنب قد تاب منه، كذا قاله المنذري فكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك فيحتمل أن يريد أنها صائرة إليك ولابد أن تعملها وهذا مأخوذ من هذا الحديث، وأيضا في التعبير ضرب خفي من الشماتة بالمعير من عير أخاه بذنب فقد أظهر [ ... ] (١) الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك هو الذي باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذبة والخضوع والا [ ... ] (٢) على نفسه والتخلص من مرض الدعوي والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله تعالى ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخيرا له من صولة طاعتك وتكترث بها

стр. 7089

والاعتداد بها والمنة على الله تعالى وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله تعالى وما أقرب هذا المذل من مقت الله تعالى فذنب تذنب به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه وأنين المذنبين أحب إلينا من رجل لا [ ... ] (١) المدلين ولعل الله تعالى سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر، أ. هـ والله أعلم. قوله: في آخر الحديث: خالد بن معدان لم يدرك معاذًا، أ. هـ. وخالد بن معدان كان من أئمة التابعين وعبادهم، قال سلمة بن شبيب: كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ فلما مات ووضع ليغسل جعل بإصبعه كذا يحركها يعني بالتسبيح.

стр. 7090

[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها] ٣٧٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر صقلت فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكر الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريقين قال في أحدهما صحيح على شرط مسلم النكتة بضم النون وبالتاء المثناة فوق هي نقطة شبه الوسخ في المرآة (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء" الحديث،

стр. 7091

النكتة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي نقطة شبه الوسخ في المرآة وتقدم ذلك أيضا في الاستغفار. قوله: "فإن هو نزع واستغفر صقلت" أي تاب ورجع. قوله: "فذلك الران" تقدم تفسير الران أيضًا في الاستغفار وغيره. ٣٧٢٩ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها رواه أحمد والطبراني والبيهقي كلهم من رواية عمران القطان وبقية رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح ورواه أبو يعلى بنحوه من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه وقال في أوله إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات يوم القيامة الحديث ورواه الطبراني والبيهقي أيضا موقوفا عليه (١).

стр. 7092

قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" الحديث. واعلم أنه كما يجب اجتناب الكبائر والموبقات كذلك يجب اجتناب الصغائر والمحقرات لأن الصغيرة الواحدة متى أصر عليها العبد صارت من الكبائر والصغائر إذا اجتمعن أهلكن يوم تبلي السرائر، والمقصود أن العاقل اللبيب الطالب نجاة نفسه يوم القيامة بجب أن يتفطن للصغائر من الذنوب لأن أكثرها خفي لا يدركه كثير من الناس لكثرة وجودها وعدم إنكارها وغلبة الجهل بمحلها من الدين فنذكر جملا من الصغائر المحرمة والأمور المنهى عنها على سبيل الإيجاز لينكرها من رآها ويحترز منها من رما النجاة والله ولي المتقين لا رب غيره والصغائر كثيرة لا تنحصر (١). فمنها: الضحك من غير عجب، ومنها: الضحك عند خروج الريح؛

стр. 7093

ومنها: النظر إلى الأجنبية بشهوة وغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وسائر بدنها وإن أمن الفتنة على الصحيح لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١) الآية؛ ومنها: الجلوس مع الفساق وأهل القمار؛ ومنها: العبث (٢) في الصلاة؛ ومنها: ترك السنن الراتبة؛ ومنها: ترك دعاء الاستفتاح، ومنه: ترك التسبيحات في الركوع والسجود والتوبة واجبة من الكبائر والصغائر وتقدم شيء في ذكر الصغائر. قوله: وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، الحديث، الفلاة هي الأرض القفر وصنيع القوم هو [طعامهم]. قوله: "إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب" أرض العرب هي أرض الحجاز، وأرض الحجاز قال [الشافعي] الحجاز مكة والمدينة [ومخاليفها] أي قراها وسمي حجازا لكونه حاجزا بين الشام وبين البادية، وحكي الرافعي عن الكلبي أن حدو الحجاز ما بين جبل طئ إلى أطراف العراق، قال الرافعي: والأصحاب متفقة على أن جزيرة العرب أوسع من الحجاز قال: وسبب تسميتها جزيرة إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها كبحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات (٣)، أ. هـ.

стр. 7094

٣٧٣٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح (١). قوله: وعن سهل بن سعد ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب" تقدم الكلام على ذلك. ٣٧٣١ - وروي عن سعد بن جنادة ﵁ قال لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيها شيء فقال النبي ﷺ اجمعوا من وجد شيئا فليأت به ومن وجد عظما أو سنا فليأت به قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي ﷺ أترون هذا فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل فلا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه (٢).

стр. 7095

قوله: وعن سعد بن جنادة ﵁[سعد بن جنادة والد عطية العوفي، من عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان]. قوله: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيها شيء، الحديث أي: من غزوة حنين، وغزوة حنين كانت في السنة [الثامنة لست من شوال]، والقفر من الأرض الأرض الفلاة. قوله: "فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما" الركام [الرمل المتراكم، وكذلك السحاب وما أشبهه]. قوله: "فليتق الله رجل فلا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه" أي: معدودة محسوبة. ٣٧٣٢ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا رواه النسائي واللفظ له وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الأعمال بدل الذنوب (١).

стр. 7096

٣٧٣٣ - وعن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه رواه النسائي بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه بزيادة والحاكم وقال صحيح الإسناد (١). ٣٧٣٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها رواه الطبراني في الكبير موقوفا ورواته ثقات إلا أن القاسم لم يسمع من جده عبد الله (٢).

стр. 7097

قوله: وعن ابن مسعود ﵁ تقدمت ترجمته. قوله: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها" تقدم. ٣٧٣٥ - وعن أنس ﵁ قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات يعني المهلكات رواه البخاري وغيره ورواه أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح (١). قوله: وعن أنس ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعُدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات" هي المهلكات. ٣٧٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا شيئا قال وأشار بالسبابة والتي تليها.

стр. 7098

٣٧٣٧ - وفي رواية لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان يعني الإبهام والتي تليها لعذبنا الله ثم لم يظلمنا شيئا رواه ابن حبان في صحيحه (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا" وفي الرواية الأخرى: "لو يؤاخذ الله وابن مريم جنت هاتان" يعني الإبهام والتي تليها لعذبنا وابن مريم هو عيسى بن مريم ﵊. ٣٧٣٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرا رواه أحمد والبيهقي مرفوعا هكذا ورواه عبد الله في زياداته موقوفا على أبي الدرداء وإسناده أصح وهو أشبه (٢).

стр. 7099

قوله: وعن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله ﷺ : "لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرًا" ومعنى الحديث أن الشخص ربما أساء إلى ما في ملكه من بهيمة إما بإتعابها وإما بالتقصير فيما يجب عليه من علفها فيعصي بذلك، ففي الحديث إشارة إلى أن الإنسان بصدد أن يذنب من جهات كثيرة متنوعة إما بما يكون قاصوا عليه وإما أن يكون متعديا لغيره، والثاني: قد يكون لآدمي وقد يكون لبهيمة فلو قدر أن الله تعالى غفر النادر من ذنوبه وهو ما يتعلق بالبهائم غفر له شيء فضلا عما هو كثير الوقوع والله أعلم، أ. هـ. هكذا ذكره شيخ الإِسلام ومحدث الأنام العسقلاني الشهير بابن حجر ﵀ في فتاويه لما سئل عن هذا الحديث. ٣٧٣٩ - وعن أبي الأحوص قال قرأ ابن مسعود ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فاطر ٥٤ الآية فقال كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد الجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة تكاد تشبه الخنفساء تدحرج الروث (١).

стр. 7100

قوله: وعن أبي الأحوص، تقدم الكلام عليه. قوله: قال قرأ ابن مسعود ﵁ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١)، فقال: كاد الجعل يُعذِّب في جُحره بذنب ابن آدم، وقد ضبطه الحافظ ﵀ الجعل وفسره فقال: هو دويبة تكاد تشبه الخنفساء تدحرج الروث بأنفها انتهى. وفي حديث أنس أن الضب ليموت هزلًا في جحره بذنب ابن آدم (٢) أي يحبس المطر عنه بشؤم ذنوبهم وإنما خص الضب بذلك لأنه أطول الحيوان نفسا وأصبرها على الجوع (٣). وروى الحباري (٤) بدل الضب لأنها أبعد الطير نجعة أ. هـ قاله في النهاية (٥). تنبيه: في شعب الإيمان للبيهقي عن مجاهد ﵁: قال: دواب الأرض الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بخطايا بني آدم انتهى (٦). * * *

стр. 7101

[كتاب البر والصلة وغيرهما] [الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما] ٣٧٤٠ - عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله قَالَ الصَّلَاة على وَقتهَا قلت ثمَّ أَي قَالَ بر الْوَالِدين قلت ثمَّ أَي قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: عن عبد الله بن مسعود ﵁: تقدمت ترجمته ﵁. قوله: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" والكلام الآن على بر الوالدين. واعلم أن بر الوالدين واجب في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وأما ثوابه فيكفي أنه تلو الإيمان قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣) وبر الوالدين هو الإحسان وفعل الجميل معهما وفعل ما يسرهما، ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما ولأن الله تعالى قرن الشكر لهما بشكره فقال الله تعالى: ﴿أَنِ

стр. 7102

اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وهو دليل على تعظيمه وتفضيله على الجهاد ويشهد لذلك أنه ﷺ جاءه رجل يريد الجهاد فقال: ألك أبوان قال: نعم قال: كيف تركتهما قال: تركتهما يبكيان قال: "ارجع فأضحكما كما أبكيتهما وبر الوالدين" قيل: إنه مأخوذ من البر لسعته، والمعنى: أنه ينبغي أن يحسن إلى أبويه إحسانا واسعا كسعة البر، ولا شك أن أذاهما بغير ما يجب ممنوع ففي هذا الحديث أن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيله وفضل الجهاد لا ينحصر فما أعلاها من مرتبة والله أعلم (١). لطيفة: روى أن موسى ﵊ لما كلمه ربه رأى رجلا قائما عند ساق العرش فتعجب من علو مكانه فقال يا رب بما بلغ هذا العبد هذا المحل فقال إنه كان لا يحسد عبدا من عبادي على ما آتيته وكان بارا بوالديه (٢) أ. هـ ذكره القشيري. تنبيه: قال أهل اللغة يقال بررت والدي الراء أبره بضم الراء مع فتح الباء برا وأنا بر به بفتح الباء وبار وجمع البر الأبرار وجمع البار البررة، أ. انتهى. قوله: قلت: ثم أي الجهاد في سبيل الله فيه دليل على تأكد الجهاد ومزيد فضله وأنه فضل مما سواه من بقية فروض الكفايات وفروض الأعيان كالزكاة والحج، وهذا قد يشكل بما نص عليه الإمام الشافعي أن فروض العين أفضل من فروض الكفاية فإنه ذكر أنه لو كان في الطواف وحضرت صلاة الجنازة لم يقطع الطواف لئلا يقطع فرض العين لفرض

стр. 7103

الكفاية قال: ولو أقيمت المكتوبة في جماعة قطع الطواف واشتغل بها (١) ويشكل أيضا بما نقله [البيهقى] في طبقاته عن الشافعي أن الاشتغال بالعلم أفضل من الجهاد في سبيل الله [ومن صلاة النافلة] (٢). وقد يجاب عن الحديث بأن الجهاد ما دام فرض عين فالاشتغال به أهم من الاشتغال بالعلم ما دام فرض الكفاية فالاشتغال بالعلوم الشرعية أفضل، وكذلك قال النووي في فتاويه (٣) فيحمل الحديث على فرض العين أو يحمل ذلك على حال السائل كما سبق والله تعالى أعلم قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. ٣٧٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا يَجْزِي ولد وَالِده إِلَا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٤). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ قال الإمام الشافعي ﵁: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره وكان أبو هريرة ينزل بالمدينة بذي الحليفة وله بها دار ومات بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع وماتت عائشة ﵂ قبله بقليل وهو صلى عليها وكان رضي الله تعالى عنه من

стр. 7104

ساكني الصفة ملازميها، قال أبو نعيم في حلية الأولياء: كان عريف أهل الصفة وأشهر من سكنها، وأما أبو هريرة فهو أول من كني بهذة الكنية، واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولا وأصحها عبد الرحمن بن صخر، قال: وعلى هذا اعتمدت طائفة صنفت في الأسماء والكنى وكذا قال الحاكم أبو أحمد أصح شيء عندنا في اسمه عبد الرحمن بن صخر، قال: وعلى هذا سبب تكنيته أبو هريرة فإنه كان له في صغره هرة صغيرة يا حب بها، ولأبي هريرة منقبة عظيمة وهو أنه أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ وذكر الإمام الحافظ تقي الدين بن مخلد الأندلسي في مسنده لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا ما يقاربه والله أعلم، ذكره النووي في شرح مسلم (١) وتقدمت ترجمته بزيادة على هذا ونقصان في أماكن من هذا التعليق والله أعلم. قوله ﷺ : "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" الحديث، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم عتق" أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سمرة (٢). قوله: "لا يجزي" بفتح أوله من غير همزة من الجزاء بمعنى المجازاة أي لا يقوم بماله عليه من الحق أي لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه إلا أن يعتقه (٣)

стр. 7105

[والحكمة فيه أن الرق للإنسان كالعدم وعتقه إخراج له من العدم إلى الوجود فأشبه إخراج الولد من العدم بالولادة فكافأه بذلك (١)] أ. هـ. وقوله: "فيعتقه" لم يرد أن إنشاء العتق شرط بل أراد أن بالشراء يخلصه عن الرق، كذا في شرح السنة (٢)، وظاهر الحديث أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك حتى يعتقه هو واليه، ذهب أهل الظاهر والأودني من الشافعية وخالفهم جمهور علماء الأمصار واختلف العلماء في عتق الأقارب إذا ملكوا فقال أهل الظاهر لا يعتق أحد منهم بمجرد الملك سوى الوالد والولد وغيرهما بل لابد من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث. وقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الآباء والأجداد والأمهات والجدات وإن علوا أو علون، وفي الأبناء والبنات وأولادهم الذكور والإناث وإن سفلوا بمجرد الملك سواء المسلم والكافر والقريب والبعيد والوارث وغيره ومختصره أنه يعتق عمود النسب بكل حال واختلفوا فيما وراء عمودي النسب فقال الشافعي وأصحابه لا يعتق غيرهما بالملك لا الأخوة ولا غيرهم وذهب مالك إلى أن الذي يعتق بالملك عمود النسب والجناحان وهم الإخوة وعن مالك أيضا عمود النسب علوا أو سفلوا وبه قال الشافعي وعن مالك أيضا ذوو الأرحام المحرمة وبه قال أبو حنيفة (٣)

стр. 7106

واستدل القرطبي أيضا بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ (١) الآية، قال: وليس من الإحسان إليهم استرقاقهم لما فيه من الإذلال، فإن قيل: فيلزم ذلك فيما يعد من القرابة أيضا، قلنا: الحديث خصص المحارم (٢). واعلم أنه لا فرق في ذلك بين الأب وآبائه والأم وأمهاتها وكذلك الولد وأولاده الذكور والإناث مسلمهم وكافرهم قريبهم وبعيدهم وارثا كان أو غير وارث، وأما ذو المحارم من الرضاع فلا يعتقون على قول أكثر أهل العلم وكان شريك القاضي يعتقهم (٣)، أ. هـ وقال أبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد وإسحاق: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة وتأول الجمهور الحديث على أنه لما تسبب في شرائه الذي يترتب عليه عتقه أضيف العتق إليه والله أعلم (٤). ذكره شارح مشارق الأنوار، انتهى. وقال غيره: ففي هذا الحديث أن الأبوة منزلة لا يجزيها الولد إلا أن يخرج الأب من ربقة الرق كمال الحرية الوجود بعد العدم إذ منافعه لغيره وتصرفه مسلوب فوجوده لغيره والله أعلم ذكره في الحدائق (٥).

стр. 7107

٣٧٤٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى نَبِي اللّه ﷺ فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ أَحَي والداك قَالَ نعم قَالَ فيهمَا فَجَاهد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). ٣٧٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ أقبل رجل إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ أُبَايِعك على الْهِجْرَة وَالْجهَاد أَبْتَغِي الأجر من اللّه قَالَ فَهَل من والديك أحد حَيّ قَالَ نعم بل كِلَاهُمَا حَيّ قَالَ فتبتغي الأجر من اللّه قَالَ نعم قَالَ فَارْجِع إِلَى والديك فَأحْسن صحبتهما (٢). ٣٧٤٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ جِئْت أُبَايِعك على الْهِجْرَة وَتركت أَبَوي يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجع إِلَيْهِمَا فأضحكهما كَمَا أبكيتهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام على ترجمته. قوله: جاء رجل إلى نبي اللّه ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك قال: نعم قال "فيهما فجاهد" وفي الرِّواية الأخرى في صحيح مسلم: "أقبل رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللّه" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهو أخذ العهد وتقدم ذلك في مواضع، هذا

стр. 7108

كلّه دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد وفيه حجة لما قاله العُلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه وشرطه الثوري، وهذا كلّه إذا لم يحضر، ويتعين القتال فحينئذ يجوز بغير الإذن وأجمع العُلماء على الْأَمر بين الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر واللّه أعلم (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو ﵄ أيضًا، تقدم الكلام على ترجمته أيضًا. قوله: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، الحديث، تقدم الكلام على المبايعة في الحديث قبله والهجرة. وقوله: وتركت أبوي يبكيان، بغير ألف فالخارج إلى الجهاد إذا كان متطوعا فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الأبوين وتقدم ذلك فأما إذا وجب عليه فرض الجهاد فلا حاجة به إلى إذنهما وإن منعاه عصاهما وخرج في الجهاد وهذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه من الجهاد فرضا كان أو نفلا وطاعتهما. حنيئذ معصية للّه ومعونة للكفار، وقال سفيان الثوري: هما كالمسلمين وتقدم، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا كان بعد الفتح وسقوط فرض الهجرة والجهاد وظهور الدين وكان ذلك من الأعراب

стр. 7109

وعمن كانت تجب عليه الهجرة فرجح بر الوالدين على الجهاد، وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين وتعظيم حقهما وكثرة الثواب على برهما ولا خلاف في وجوب برهما وأن عقوقهما من الكبائر، وتقدم ذلك فدل هذا على أن برهما أفضل من الجهاد، ففي هذا الحديث وجوب بر الوالدين وأنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما أو من [بقى منهما] إذا كانا مسلمين، قال ابن عبد البر (١): لا [خلاف] أعلمه أنه لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان أو أحدهما لأن مخالفتهما في غير الفرائض عقوق وهو من الكبائر، والغزو إذا لم يتعين عليه فهو كذلك ولو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي وجماعة وشرطه الثوري قال في المفهم وفيه ما يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط أو عدم الفهم تعين عليه [الاستفصال] وعلى أن الفروض أو المندوبات مهما اجتمعت قدم الأهم منها وأن القائم على الأبوين يكون له أجر مجاهد وزيادة، قوله: ففيهما فجاهد أي جاهد نفسك في برهما وطاعتهما فهو أولى بك لأن الجهاد فرض كفاية وبر الوالدين فرض عين فلو تعين الجهاد وكان والده في كفاية ولم يمنعاه أو أحدهما من ذلك بدأ بالجهاد فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهما فبدأ به ولو كان في كفاية ومنعاه لم يلتفت لمنعهما لأنهما عاصيان بذلك المنع وإنما الطاعة في المعروف كما لو منعاه من صلاة الفرض وأما الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما، قال مالك: نعم وإن قلنا إنه على الفور مراعاة للخلاف في أنه

стр. 7110

للتراخي وكذلك الهجرة تسقط لحديث الأعرابي الذي قال: يا رسول اللّه أبايعك على الهجرة أي أن أهجر دار قومي وأقيم معك في المدينة، قوله: "ارجع إلى والديك وأحسن صحبتهما" وذلك لأن حق الوالدين آكد لكن هذا فيمن يسلم له دينه في موضعه فأما من خاف الفتنة على دينه فإنه يجب عليه الفرار بدينه وترك أبيه وأولاده كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة اللّه تعالى من عباده (١) أ. هـ قاله في شارح الإلمام. قوله: "ففيهما فجاهد" الجار والمجرور متعلق بمقدر وهو جاهد والمذكور مفسر له وتقديره إن كان لك أبوان فجاهد فيهما. ٣٧٤٥ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رجلًا من أهل الْيمن هَاجر إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ هَل لَك أحد بِالْيمن قَالَ أبواي قَالَ أذنا لَك قَالَ لا قَالَ فَارْجع إِلَيْهِمَا فاستأذنهما فَإِن أذنا لَك فَجَاهد وَإِلَا فبرهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). قوله: وعن أبي سعيد، هو الخدري ﵁: تقدم الكلام على ترجمته. قوله: أن رجلًا من أهل اليمن هاجر إلى رسول اللّه ﷺ ، الحديث، اليمن اسم إقليم وأرض اليمن تقابل أرض البربر وأرض الزنج وبينهما عرض البحر واليمن على ساحل بحر القلزوم من الغرب، وتقدم الكلام على الهجرة.

стр. 7111

قوله: فقال "هل لك أحد باليمن قال أبواي" قال "أذنا لك" قال: لا، قال: "فارجع إليهما فاستأذنهما" الحديث، قال ابن النحاس (١): وأجمع العُلماء على أن الغزو لا يجوز إلا بإذن الأبوين المسلمين والجد والجدة كالأبوين عند عدمهما وكذا مع وجودهما في أصح الوجهين. مسألة: لو رضي الأبوان ثم رجعا أو أحدهما قبل حضوره الصف وجب عليه الرجوع إلا أن يخاف على نفسه أو ماله أو انكسار قلوب المسلمين برجوعه وإن أمكنه الإقامة في قرية في الطريق حين خاف على نفسه لزمه ذلك إلى أن يرجع مع الجيش وإن رجعا بعد أن شرع في القتال حرم الانصراف في الأصح وهو مذهب الإمام أحمد في المسألة كلها ذكرها في المغني (٢). واختلفوا فيمن عليه دين حال فقال الإمام أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف: كان مالك يرخص في الخروج في الغزو لمن عليه دين لم يجد قضاؤه ورخص الأوزاعي أن ينفر من عليه دين بغير إذن صاحبه، وقال الشافعي ﵀ إذا كان عليه دين ليس له أن يغزو إلا بإذن أهل الدين وسواء كان الدين لمسلم أو كافر، قال المؤلف ﵀: وقد نص الإمام أحمد على أن من ترك وفاء فله الغزو بغير إذن، قال أبو زكريا النووي (٣): وإن كان معسر فليس له منعه على الصحيح إذ لا مطالبة في الحال كذا ذكره في

стр. 7112

أصل الروضة ومن خطه نقلت، وقال: لو استتاب الموسر من يقضي دينه من مال حاضر فله الخروج وإن أمره بالقضاء من غائب فلا فإن كان الدين مؤجلا ليس لصاحب الدين المنع به من الجهاد في أصح الأوجه، قال المؤلف: هذا كلّه في الجهاد الذي هو فرض كفاية انتهى (١). فرع: للولد مخالفة الوالدين في السفر في طلب العلم وفرض الحج وفرض الجهاد إذا كانا كافرين وإن كانا مسلمين لم يجز إلا برضاهما وله مخالفتهما أيضًا في شهود الجمعة والجماعات، أ. هـ. أما سفر تعلم فرض العين فيسافر بغير إذن الأبوين حيث لا يجد من يعلمه إياه لإضطراره محج يضيق عليه بل أولى وأما سفر التجارة فإن كان أي السفر قصيرا جاز بلا إذن وإن كان طويلا فإن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري الخطيرة فهو كسفر الجهاد وإن غلب الأمن فالأصح الجواز بلا استئذان ولا منع لهما (٢) انتهى قاله في الديباجة. ٣٧٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ ﷺ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد فَقَالَ أَحَي والداك قَالَ نعم قَالَ ففيهما فَجَاهد رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيره (٣).

стр. 7113

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام على ترجمته. قوله: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال "أحي والداك؟ " قال: "نعم" قال: "ففيهما فجاهد" الحديث، الحديث. تنبيه: أما العقوق فهو مضاد لما أمر اللّه به من الشكر في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ فثنى بذكره بعده ولأنه سبب في إخراجه من العدم إلى الوجود واتصاله [ ... ] (١) بخدمة الملك المعبود فقطيعته من أكبر الكبائر، وللعقوق مراتب، قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السَّلام رحمه اللّه تعالى (٢): لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يخصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كلّ ما يأمران به ولا في كلّ ما ينهيان عنه باتفاق العُلماء، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كلّ سفر يخافان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه (٣): العقوق المحرم كلّ فعل يتأذى به الوالد

стр. 7114

أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كلّ ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، قال: وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته واللّه أعلم، أ. هـ. ٣٧٤٧ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ أتى رجل رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ إِنِّي أشتهي الْجِهَاد وَلَا أقدر عَلَيْهِ قَالَ هَل بَقِي من والديك أحد قَالَ أُمِّي قَالَ فَابْلُ اللّه فِي برهَا فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنت حَاج ومعتمر وَمُجاهد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وإسنادهما جيد مَيْمُون بن نجيح وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (١). قوله: وعن أنس ﵁: تقدم الكلام على ترجمته.

стр. 7115

قوله ﷺ : "هل بقي من والديك أحد؟ " قال: أمي، قال: "قابل اللّه في برها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد" الحديث. وقوله: "قابل اللّه في برهما"، قيل: أبلي بمعنى أعطي، وأبلاه أحسن إليه يعني أحسن فيما بينك وبين اللّه تعالى ببرك إياها، قاله صاحب المغيث في محل مشكل القرآن والحديث (١)، وقال الجوهري في قوله: "فابل اللّه في برهما" أي أعطه وأبلغ العذر فيها إليه، المعنى: أحسن فيما بينك وبين اللّه ببرك إياها. وقال ابن الأثير (٢): "أبل اللّه تعالى عذرا في برها"، أي: أعطه وأبلغ العذر فيها إليه، المعنى: أحسن فيما بينك وبين اللّه ببرك إياها. ٣٧٤٨ - وَرُوِيَ عَن طَلْحَة بن مُعَاوِيَة السّلمِيّ ﵁: قَالَ أتيت النَّبِيّ ﷺ فَقلت يَا رَسُول اللّه إِنِّي أُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قَالَ أمك حَيَّة قلت نعم قَالَ النَّبِيّ ﷺ الزم رجلهَا فثم الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٣).

стр. 7116

قوله: وروي عن طلحة بن معاوية السلمي ﵁[طلحة بن معاوية بن جاهمة السلمي، روى عنه ابنه محمد]. قوله: قال "أمك حية" قلت: نعم، قال النبي ﷺ : الزم رجلها" رجلها بالحاء المهملة يعني دارها ومسكنها كما سيأتي تفسيره في حديث معاوية بن جاهمة. قوله: "فثم الجنة" ثم معناه [هناك]. ٣٧٤٩ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا حق الْوَالِدين على ولدهما قَالَ هما جنتك ونارك رَوَاهُ ابْن مَاجَة من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم (١).

стр. 7117

قوله: وعن أبي أمامة ﵁: تقدم الكلام على ترجمته. قوله: ما حق الوالدين على ولدهما، قال: "هما جنتك ونارك" الحديث، انفرد به ابن ماجة ومعناه: أن من رضاهما كانا سببا لدخوله الجنة وأن سخطهما كان الْأَمر بضد ذلك، ويحكي عن لقمان أنه قال: من أرضي والديه فقد أرضي الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب الجنة إن أرضيتهما مضيت إلى الجنان كان أسخطتهما حجبت (١). وكان طلق بن حبيب من العباد وكان يقبل رأس أمه ولا يمشي فوق بيت هي فيه إجلالا لها (٢)، وقال بعض العُلماء: من وقر أباه طال عمره ومن وقر أمه رأى ما يسره، وفي حديث ابن عمر أن رجلًا حج بأمه فحملها على عاتقه فسأله هل قضى حقها، قال: ولا طلقة واحدة، الطلق: وجع الولادة، والطلقة المرة الواحدة، قاله في النهاية (٣). فرع: روى عن الضحاك أنه قال: الأب أحق بالطاعة والأم أحق بالبر، فإن أراد أن يحج عنها بدأ بالأب (٤)، ذكر الخلال في كتابه بر الوالدين بإسناده إلى الضحاك. أ. هـ.

стр. 7118

٣٧٥٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن جاهمة أَن جاهمة جَاءَ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أردْت أَن أغزو وَقد جِئْت أستشيرك فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ نعم قَالَ فالزمها فَإِن الْجنَّة عِنْد رجلهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). ٣٧٥١ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَلَفظه قَالَ أتيت النَّبِيّ ﷺ أَسْتَشِيرهُ فِي الْجِهَاد فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ أَلَك والدان قلت نعم قَالَ الزمهما فَإِن الْجنَّة تَحت أرجلهما (٢). قوله: وعن معاوية بن جاهمة، قال ابن ماجة (٣): هذا جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي الذي عاتب رسول اللّه يوم حنين وكذا قاله أبو عمر بن عبد البر وغيره (٤) فإنه ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ومعاوية بن جاهمة السلمي له صحبة، وقال محمد بن سعد: ابن جاهمة العبَّاس بن مرداس السلمي له هذا الحديث الواحد.

стр. 7119

قوله: فقال: يا رسول اللّه أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، الحديث، وفي رواية أن معاوية بن جاهمة قال: أتيت رسول اللّه فقلت يا رسول اللّه: إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخرة، فقال: "ويحك، أحية أمك؟ " قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: "فارجع فبرها" ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول اللّه إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخر، قال: "ويحك أحية أمك؟ " فقلت: نعم يا رسول اللّه، قال: "فارجع إليها فبرها" فذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتيته من أمامه فقلت يا رسول اللّه إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخر، قال: "ويحك أحية أمك؟ " قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: "ويحك ازم رجلها فثم الجنة" رواه النسائي وأحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقوله: "الزم رحلها" هو بالحاء المهملة يعني دارها ومسكنها، ومنه حديث: "إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال" يعني الدور والمساكن والمنازل، ويقال لمنزل الإنسان ومسكنة رحله، وفي الحديث: وانتهينا إلى رحالنا أي منازلنا (١). قال ابن أبي زيد المالكي في رسالته (٢): ولا يغزي بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو ومدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم، ودفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا انتهى.

стр. 7120

٣٧٥٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن رجلًا أَتَاهُ فَقَالَ إِن لي امْرَأَة وَإِن أُمِّي تَأْمُرنِي بِطلاقِهَا فَقَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فَإِن شِئْت فأضع هَذَا الْبَاب أَو احفظه رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ رُبمَا قَالَ سُفْيَان أُمِّي وَرُبمَا قَالَ أبي قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح (١). ٣٧٥٣ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن رجلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاء فَقَالَ إِن أبي لم يزل بِي حَتَّى زَوجنِي وَإنَّهُ الآن يَأْمُرنِي بِطَلَاقِهَا قَالَ مَا أَنا بِالَّذِي آمُرك أَن تعق والديك وَلَا بِالَّذِي آمُرك أَن تطلق امْرَأَتك غير أَنَّك إِن شِئْت حدّثتك بِمَا سَمِعت من رَسُول اللّه ﷺ سمعته يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فحافظ على ذَلِك الْبَاب إِن شِئْت أَو دع قَالَ فأحسب عَطاء قَالَ فَطلقهَا (٢). قوله: وعن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام على ترجمته. قوله: أن رجلًا أتاه فقال إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، قال سفيان: وربما قال أبي، فقال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه". قوله: "أوسط أبواب" أي: خيرها وأعدلها (٣) يقال هو من أوسط قومه أي خيرهم وأشرفهم وأحسبهم ومنه الحديث أنه كان من أوسطه قومه أي من

стр. 7121

أشرفهم وأحسبهم وفي الحديث أيضًا: "خير الأمور أوسطها" وذلك أن كلّ خصلة محمودة لها طرفان مذمومان فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير والشجاعة وسط بين الجبن والتهور والإنسان مأمور أن يجتنب كلّ وصف مذموم ويجتبنه بالتعري منه والبعد عنه فكلما ازداد منه بعدا ازداد منه تعريا وأبعد الجهالات والمقادير والمعاني من كلّ طرفين وسطهما وهو غاية البعد عنهما فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان (١) أ. هـ قاله في الديباجة. لطيفة: ما الحكمة في أن الوالد أوسط أبواب الجنة؟ قال شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين البلقينى: الذي ظهر لى واللّه أعلم أن الحكمة في ذلك هي أن المعاملة على ثلاثة أقسام معاملة مع الخالق ومعاملة مع الوالد الذي هو واسطة في الإيجاد ومعاملة مع الخلائق سواه فلذلك كان الوالد وسطا بهذا الاعتبار وقد عد من الأبواب باب الصلة فيشمل ذلك من بر والديه وغيرهما فمعاملة الخلق باب التوحيد وهو باب التوبة وباب الصلاة وباب الصوم وباب الحج، وفي معاملة المخلوقين باب الزكاة وباب الجهاد وإن كان فيهما حق اللّه إلا أن أغلبهما متعلق بالآدميين وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، أ. هـ. ٣٧٥٤ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ تحتي امْرَأَة أحبها وَكَانَ عمر يكرهها فَقَالَ لي طَلقهَا فأبيت فَأتى عمر رَسُول اللّه ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لي
следующие страницы →