← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 747–786 · переход к 752.

стр. 747

الترغيب بها سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول اللّه ﷺ - ١٥٠ - عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه فَرب مبلغ أوعى من سامع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ رحم اللّه امْرأ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (١) قَوْله نضر هُوَ بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وتخفيفها حَكَاهُ الْخطابِيّ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاء لَهُ بالنضارة وَهِي النِّعْمَة والبهجة وَالْحسن فَيكون تَقْدِيره جمله اللّه وزينه وَقيل غير ذَلِك. قوله: عن ابن مسعود، تقدم. قوله ﷺ : "نضر اللّه امرأ سمع منا حديثًا" الحديث، نضر: هو بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها، حكاه الخطابي، انتهى، قاله الحافظ. وقال بعضهم: رواه أبو عبيدة بالتخفيف، ورواه الأصمعي بالتشديد، ورجح التخفيف الخطابي وابن خلاد، ولم يذكر العسكري سواه، وكلاهما يقال، وإنما الكلام في الرِّواية يقال: نضَّر اللّه وجهه ونَضَر وجهه وأنضر اللّه وجهه ثلاث لغات (٢)، قيل معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة

стр. 748

والحسن، فيكون تقديره: زينه اللّه وجمله، قاله المنذري؛ وقيل: أوصله اللّه إلى نضرة النعيم وهي نعميها (١)، قال اللّه تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٣) وقيل (٤): ليس هذا من الحسن، إنما معناه: حسن اللّه وجهه في الناس أي: جاهه وقدره، وكان بعض أهل العلم يقول: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله ﷺ : "نضر اللّه امرأً" يعني: أنها دعوة أجيبت (٥)، ومما أنشده هبة اللّه بن الحسن الشيرازي (٦): عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ ... عَلَى مَنْهَج لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا وَمَا النُّورُ إِلا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا وَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَغْبَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى وَمَنْ تَرَكَ الآثَارَ ضُلِّلَ سَعْيُهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا؟ قوله: "فبلغه كما سمعه" وتأدية الحديث كما سمع لا تكاد تحصل إلا من الكتاب لأن الحفظ خوان، وروى أبو هريرة أن رجلًا شكى إلى رسولى اللّه ﷺ الحفظ، فقالى: "استعن على حفظك بيمينك " يعني: الكتاب (٧)، وروى

стр. 749

عن رافع بن خديج قال: قلنا يا رسول اللّه إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟ قال: "اكتبوا ولا حرج" (١)، وقال في النهاية (٢): وفي الحديث: "لا تكتبوا عني غير القرآن" وجه الجمع بين هذا. الحديث وبين إذنه في كتابة الحديث، فإنه قد ثبت إذنه فيها، أن الإذن في الكتابة ناسخ للمنع منها بالحديث الثابت وبإجماع الأمة على جوازها، وقيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، والأولى الوجه، انتهى. قالى أبو الفرج بن الجوزي (٣): ولتعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول اللّه ﷺ وحركاته وأفعاله فاجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا، وقد

стр. 750

قال رسول اللّه ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" انتهى. قوله ﷺ : "فرب مبلغ" هو: بفتح لام مبلغ، أي: مبلغ إليه. قوله: "أوعى من سامع" أوعى: أفعل التفضيل من الوعي وهو: الحفظ وقع صفة لمبلغ، وسامع: أي سامع مني، ولابد من هذا التقدير لأن المقصود ذلك، انتهى، قاله الكرماني (١). ففي هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره، وقد ثبت في صحيح البخاري: "بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، ومعناه: لينزل منزلة من النار، يقال: بوأه اللّه منزلا، أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلا: اتخذته، والمباءة: المنزل، قاله في النهاية (٣). ١٥١ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ غَيره فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه ثَلاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل للّه ومناصحة وُلَاة الأمر وَلُزُوم الْجَمَاعَة فَإِن دعوتهم تحيط من وَرَاءَهُمْ وَمن كَانَت الدُّنْيَا نِيَّته فرق اللّه عَلَيْهِ أمره وَجعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يَأْته من الدُّنْيَا إِلَا مَا كتب لَهُ وَمن كَانَت الآخِرَة نِيَّته جمع اللّه أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي

стр. 751

راغمة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وروى صَدره إِلَى قَوْله لَيْسَ بفقيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه بِزِيَادَة عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن زيد بن ثابت، هو: زيد بن ثابت، الصحابي الأنصاري النجاري المدني القرطبي، كاتب الوحي والمصحف، كان عمره حين قدم رسول اللّه المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول اللّه ﷺ المدينة مهاجرا ست عشرة سورة، وقتل أبوه و لزيد بن ثابت ست سنين، واستصغره النبي ﷺ يوم بدر فرده، وكان يكتب الوحي لرسول اللّه ﷺ ويكتب له المراسلات أيضًا إلى الناس، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا (٢). قوله ﷺ : "فرب حاول فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث، فرق النبي ﷺ بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله ﷺ : "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه"، ولوجوب الفضل لأحدهما أثبت الفضل للآخر. قوله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم" تقدم الكلام مبسوطا على الثلاث في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه

стр. 752

تجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة، فأخبر النبي ﷺ إن هذه الثلاث تنفي الغل من قلب المسلم (١)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا. قوله ﷺ : "ومناصحة الأمراء"، النصح لولاة الأمر هو: طاعتهم بها الحق ومعونتهم عليه وتذكيرهم وإعلامهم بما شغلوا عنه أو جهلوه بها أمر دينهم ومصالح دنياهم (٢)، ولا يغتلهم ولا يذمهم ولا يلعنهم ولا يدعو عليهم، ومن النصيحة للولاة الدعاء لهم بالخير والصلاح بظهر الغيب كما قال الفضيل رحمة اللّه عليه: لو أن لي دعوة مجابة لجعلتها لإمام المسلمين، لأن بها صلاحه صلاح الدنيا والدين، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إما شفاها أو رسالة، ويصدهم عن الظلم ويقبحه ويذكر لهم غوائل الظلم وشره وعواقبه. قوله: "ولزوم الجماعة" فحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كتيرًا لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وبها حديث آخر: "عليكم بالجماعة، فإن يد اللّه على الفسطاط، والفسطاط مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط"، ومعنى هذا الحديث: أن جماعة أهل الإسلام بها كنف اللّه ووقايته، فأقيموا بينهم ولا تفارقوهم، قاله بها النهاية (٣).

стр. 753

قوله ﷺ : "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" الحديث، قال ابن الأثير في النهاية (١): الدعوة المرة الواحدة من الدعاء أي: تحوطهم وتحفظهم، والظاهر: فتح الميم في "مَنْ وراءهم"، فهي موصولة مفعولا لتحيط. قوله: "وَمن كَانَت الآخِرَة نِيَّته جمع اللّه أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي راغمة" أي: كارهة. ١٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ خَطَبنَا رَسُول اللّه ﷺ بِمَسْجِد الْخيف من منى فَقَالَ نضر اللّه امْرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من لم يسْمعهَا ثمَّ ذهب بهَا إِلَى من لم يسْمعهَا أَلا فَرب حَامِل فقه لَا فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط (٢). قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: خطبنا رسول اللّه ﷺ لمسجد الخيف من مني، الحديث؛ مسجد الخيف بفتح الخاء المعجمة وهو مسجد بمنى عظيم واسع جدًا، فيه عشرون بابًا، قال أهل اللغة: الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، وبه سمي مسجد الخيف (٣)، ويستحب الإكثار من الصلاة في مسجد

стр. 754

الخيف، فقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا منهم: موسى ﷺ ، كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطوانيتان وهو محرم على بعير من إبل شنوءة مخطوم بخطام ليف له ضفيرتان" (١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث وتفسير غريبه في الحج إن شاء اللّه تعالي، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها، فقد روى الأوزاعي أنه مصلى رسول اللّه ﷺ ، ويستحب أن يحافظ على حضور الجماعة فيه مع الإمام في الفرائض، فقد روى الأزرقي في مسجد الخيف والصلاة فيه آثارًا كثيرة وبسط القول في فضله وبيان مساحته وما يتعلق به، انتهى، قاله النووي في منسكه الكبير (٢). ١٥٣ - وَعَن جُبَير بن مطعم قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ بالخيف خيف منى يَقُول نضر اللّه عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من لم يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُؤمن إخلاص الْعَمَل للّه والنصيحة لائمة الْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ فَإِن دعوتهم تحفظ من وَرَاءَهُمْ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير

стр. 755

مُخْتَصرا وَمُطَولًا إِلَّا أَنه قَالَ تحيط بياء بعد الْحَاء رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عبد السَّلَام عَن الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبيه وَله عِنْد أَحْمد طَرِيق عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ وَإسْنَاد هَذِه حسن (١). قوله: عن جبير بن مطعم، هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو عدي الصحابي الجليل، روى عنه: ابناه ومحمد بن نافع وسليمان بن صرد وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبد اللّه بن بابا وطائفة، وكان علامة بالنسب، أخذه من أبي بكر، وكان حليما وقورًا سيدا، قال ابن إسحاق: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر وغيره قالوا: أعطى رسول اللّه ﷺ المؤلفة قلوبهم فأعطى جبير بن مطعم مائة من الإبل وحسن إسلامه، وسلحه عمر بسيف النعمان بن المنذر حين أتي به، توفي سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين (٢). انتهى. قوله: سمعتُ رسول اللّه ﷺ بالخيف، خيف مني، يقول: "نضر اللّه عبدًا سمع مقالتي فحظها ووعاها" تقدم في حديث زيد وابن مسعود وأنس: "امرأ سمع مقالتي"، وفي حديث جبير هذا: "عبدًا" وتقدم الكلام على تفسير ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله. قوله ﷺ : "فإن دعوتهم تحوط من وراءهم" هكذا رواه الإمام أحمد وابن

стр. 756

ماجة، ورواه الطبراني في الكبير إلا أنه قال: "فإن دعوتهم تحيط" بياء بعد الحاء، انتهى، قاله الحافظ المنذري، قال في النهاية (١): أي: تحدق بهم من جميع جوانبهم، يقال: حاطه وأحاط به، ومنه: قولهم: أحطت به علما أي: أحدق علمي به من جميع جهاته، وعرفته، وفي حديث العباس قلت: يا رسول اللّه، ما أغنيت عن عمك، يعني: أبا طالب يحوطك ويغضب لك، يقال: حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه، انتهى. قوله ﷺ : "والنصيحة لأئمة المسلمين"، والمراد بالأئمة: أصحاب الحكومة وهم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمور هذه الأمة افتراض طاعتهم، وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن نصيحتهم قبول ما رووه إذا انفردوا ومتابعتهم إذا اجتمعوا (٢). واللّه أعلم. قوله في الكلام على رجال الحديث: رووه كلهم عن محمد بن إسحاق، هو: أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المدني التابعي، صاحب كتاب المغازي، كان عالما بالمغازي وعلوم الشرع، قدم بغداد وحدّث بها، رأى أنس بن مالك، وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشيرون ويقولون: هذا صاحب رسول اللّه ﷺ ، لا يؤت حتى يلقى الرجال، مات ابن إسحاق ببغداد سنة خمسين ومائة، ودفن بمقبرة الخيرزان وهو اليوم مشهور بمشهد الإمام أبي حنيفة (٣).

стр. 757

قوله: وله عند أحمد طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري، هو: صالح بن كَيسان بفح الكاف وبالياء الساكنة والسين المهملة المدني التابعي أبو محمد، ويقال: أبو الحارث مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير، وقال ابن مَعين: سمع منهما، وروى عن نافع وسالم والأعرج وسليمان بن يسار ونافع بن جبير والزهري وجماعة؛ وقال مصعب بن الزبير: كان مولى لامرأة من دوس، وكان عالمًا جامعًا للفقه والحديث والمروءة؛ سئل الإمام أحمد عنه، فقال: خرج وقال هو أكبر من الزهري ووثقه ابن مَعين وغيره، قال الحاكم: مات وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وابتدأ بالعلم وهو ابن تسعين سنة، قال الذهبي: هذا غلط فاحش من الحاكم أبي عبد اللّه، ولعله لم يجاوز السبعين، ولو كان ابتدأ على ما ورخ لأخذ عن سعد وأبي هريرة وعائشة، قال الواقدي: مات بعد الأربعين ومائة (١)، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. ١٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ ارْحَمْ خلفائي قُلْنَا يَا رَسُول اللّه وَمن خلفاؤك قَالَ الَّذين يأْتونَ من بعدِي يروون أحاديثي ويعلمونها النَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (٢). قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 758

قوله ﷺ : "اللهم ارحم خلفائي" الحديث، الخليفة: من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده (١)، وقال الجوهري (٢): فقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، قال اللّه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ (٣) والهاء فيه، في: الخليفة، للمبالغة، وجمعه: الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء. جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق فقال: أنت خليفة رسول اللّه ﷺ ، قال: لا، قال: فأنت الخالفة بعده، اعلم أن الخالفة في اللغة: الذي لا غناء عنده ولا خير فيه (٤)، وكذلك الخلف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٥) وفي حديث آخر: إن رسول اللّه ﷺ قال: "على خلفائي رحمة اللّه" قيل: من خلفاؤك؟ قال: "من يحيون سنتي ويعلمونها عباد اللّه" رواه ابن عبد البر في كتاب العلم والهروي في ذم الكلام من حديث الحسن (٦)، قاله في الديباجة.

стр. 759

١٥٥ - وَعَن أبي الردين قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من قوم يَجْتَمعُونَ على كتاب اللّه يتعاطونه بَينهم إِلَّا كَانُوا أضيافا للّه وَإِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة حَتَّى يقومُوا أَو يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَمَا من عَالم يخرج فِي طلب علم مَخَافَة أَن يَمُوت أَو انتساخه مَخَافَة أَن يدرس إِلَا كَانَ كالغازي الرَّائِح فِي سَبِيل اللّه وَمن يبطئ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (١). قوله: عن أبي الردين، واسمه [لم يذكر شيء في تسميته، سكن الشام] (٢). قوله ﷺ : "ما من قوم يجتمعون على كتاب اللّه يتعاطونه بينهم إلا كانوا أضيافًا للّه إلا حفتهم الملائكة" الحديث، ففي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وتقدم ذلك، وقال مالك: يكره (٣). قوله: "وإلا حفتهم الملائكة" أي: يطوفون بهم ويدورون حولهم للتبرك والرغبة فيما عندهم (٤).

стр. 760

قوله ﷺ : "وما من عالم يخرج في طلب العلم مخافة أن يموت أو انتساخه مخافة أن يدرس إلا كان كالغازي الرائح في سبيل اللّه" الحديث، قال الحافظ ﵀: وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه ونسخه أو عمل به من بعده ما خطه والعمل به لهذا الحديث وامثتاله، وناسخ غير النافع مما يوجب الإثم عليه وزره ووزر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه والعمل به لما تقدم من الأحاديث: "من سن سنة حسنة وسيئة" واللّه أعلم. قوله ﷺ : "ومن يبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" تقدم الكلام على ذلك قريبًا. قوله في الكلام على رجال الحديث: رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش؛ أما إسماعيل بن عيَّاش فمثناة من تحت وبالشين المعجمة، فهو: إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة العنسي الجمعي، عالم الشام، وأحد مشايخ الإسلام، قال أبو خيثمة: كان أحول، وعن يحيى الوحاظي قال: ما أكبر نفسا منه، كنا إذا أتينا مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف والخبيص، وسمعته يقول: ورثت من أبي أربعة يلاف دينار فأنفقتها في طلب العلم، وكان يحفظ شيئًا كثيرًا أربعين ألف حديث، قال يعقوب الفسوى: تكلم فيه قوم وهو ثقة عدل، وكان أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازيين ووثقه يحيى بن مَعين، وقال: ليس به بأس في الشاميين، وقال دجيم: هو في الشاميين غاية، وقال البخاري: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح وعن غيرهم فيه نظر، وقال ابن عدي: لا يخلو عن غلط، قال الذهبي: وفي الجملة يحتج به في الشاميين خاصة، فعلم صنعته هنا، ولد

стр. 761

سنة اثنتين أو ستا أو ثمان ومائة، ومات سنة إحدى وثمانين ومائة (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. ١٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم يَنْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢) وَتقدم هُوَ وَمَا يَنْتَظِم فِي سلكه وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِر فِي نشر الْعلم وَغَيره إِن شَاءَ اللّه تَعَالَي، قَالَ الْحَافِظ وناسخ الْعلم النافع لَهُ أجره وَأجر من قَرَأَهُ أَو نسخه أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَل بِهِ لهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله وناسخ غير النافع مِمَّا يُوجب الإِثْم عَلَيْهِ وزره ووزر من قَرَأَهُ أَو نسخه أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَل بِهِ لما تقدم من الأحَادِيث من سنّ سنة حَسَنَة أَو سَيِّئَة وَاللّه أعلم. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" قال النووي: هكذا هو في نسخ مسلم، "انقطع عمله" وفي كثير منها "أمله" وكلاهما صحيح، والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث (٣). قوله ﷺ : "إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، المراد بالصدقة الجارية: الوقف، والمراد بالعلم: المنتفع به

стр. 762

ليشمل المؤلفات وغيرها، ويدخل فيها وقفه أجنبي عليه أيضًا، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاؤه ولا غيره، فالدليل على انتفاعه بما نسب إليه في حياته هذا الحديث، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنها منه فإنه هو الذي تسبب إليها، ولذلك روى أن: "من سن سنة حسنة فاستن به كان له أجره وأجر من تبعه" (١) الحديث، وقد دل على هذا أيضًا قوله ﷺ : "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل" (٢) (٣) فإذا كان هذا في العقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى (٤). ١٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من صلى عَليّ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِك الْكتاب رَوَاهُ الطبَرَانِيّ وَغَيره وَرُوِيَ من كَلَام جَعْفَر بن مُحَمَّد مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ أشبه (٥).

стр. 763

قوله ﷺ : عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب "الحديث، والمراد: باستغفار الملائكة الدعاء؛ وذكر القابسي القدسي أبو حفص عمر من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر اللّه جبريل ﵈ أن يأتيهم، فيسألهم من هم؟ فيأتيهم فيسألهم، فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول اللّه لهم: ادخلوا الجنة طال ما كنتم تصلون على نبيي ﷺ (١)، وخرج عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من در ثم ينادي مناد: أين الفقهاء؟ وأن الأئمة والمؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روع

стр. 764

عليكم ولا حزن حتى يفرغ اللّه فيما بينه وبين العباد من الحساب" (١) انتهى، قاله القرطبي في تذكاره (٢)، وقال المعافي بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إليّ من صلاة ليلةٍ (٣). ١٥٨ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (٤) وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا حَتَّى بلغ مبلغ التَّوَاتُر وَاللّه أعلم. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" الحديث، وقال الحافظ: وهذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر، واللّه أعلم، انتهى. هذا باب عظيم أحاديثه في نهاية الصحة، وقيل: إنها متواترة، روى أبو بكر في مسنده والقاضي أبو بكر بن العربي أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين نفسًا من الصحابة، وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي

стр. 765

أنه روي عن أكثر من ستين صحابيًا مرفوعًا، وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده: عدد ما رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين صحابيًا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا نعرف حديثًا اجتمع على روايتُه العشرة إلا هذا، ولا حديثًا يروي عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم، وأما إيراد أبي عبد اللّه الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين من حديث أنس في أفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه، واللّه أعلم (١). قوله ﷺ : "فليتبوأ مقعده من النار" وهو بكسر اللام هذا هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، قال العُلماء: معناه فلينزل، وقيل: فليتخذ منزله من النار، قال الخطابي: وأصله من مباءة الإبل وهي إعطائها، والتبوؤ: اتخاذ المباءة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه، قال الجوهري: تبوأت منزلا أي نزلته، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر يريد أن اللّه تعالى يبوئه مقعده من النار وخرج مخرج الأمر، ومعناه: الدعاء، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر أي معناه، فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه، وذلك لأن الأمر يرد بمعنى الخبر، والخبر يرد بمعنى الأمر لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٢) وهو أمر بالتربص وهذا كثير مشهور (٣).

стр. 766

قال النووي ﵀ (١): اعلم أن هذا الحديث يشتمل على فوائد وجمل من القواعد، إحداها: تقرير هذه القاعدة أن الكذب عند المتكلمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه عمدا كان أو سهوًا، هذا مذهب أهل السنة، وقال المعتزلة: شرطه العمدية، الثانية: تحريم الكذب عليه ﷺ وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة، وإباحة الكذب عليه ﷺ موقعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله هذا هو المشهور من مذاهب العُلماء من الطوائف، وقال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين: يكفر من تعمد الكذب عليه ﷺ ، كذا حكى هذا المذهب عنه، ولده: إمام الحرمين، وكان يقول في دروسه كثيرًا: من كذب على رسول اللّه ﷺ كفر وأراق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، وقال إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وأنه هفوة عظيمة من والده، والصواب ما قدمناه عن الأصحاب، ثم إن كذب عليه ﷺ عمدًا في حديث واحد فسق وردت رواياته كلها وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العُلماء منهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي وأبو بكر الصيرفي من فقهاء أصحابنا الشافعية وأصحاب الوجوه فيهم: لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل روايتُه بل يختم جرحه دائمًا.

стр. 767

قال النووي (١): هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته في هذا قبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا؛ الثالث: أنه لا فرق بين تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافًا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وتابعهم كثيرون من الجهلة الذي يكسبون أنفسهم الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم، واللّه أعلم. ثم معنى الحديث: أن هذا جزاؤه وقد يجازى به، وقد يعفو اللّه الكريم عنه ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كلّ ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يجازى وقد يعفو اللّه الكريم عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها بل لابد من خروجه منها بفضل اللّه ورحمته ولا يخلد في النار إذا مات على التوحيد، واعلم أن مذهب أهل السنة: أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة إن شاء اللّه تعالى عفا عنه ويدخله الجنة أول مرة، وإن شاء عذبه في النار ثم يدخله

стр. 768

الجنة، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة إذا مات بغير التوبة لا يعفى عنه ويخلد في النار، واللّه أعلم (١). ١٥٩ - وعن سمرة بن جُندُبٍ عن النبي ﷺ قال: "من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". رواه مسلم وغيره (٢). قوله: (عن سمرة بن جندب)، هو: سمرة بن جندب بضم الدال وفتحها بن هلال بن حريج بحاء مهملة ثم راء مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ثم جيم الفزاري، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد اللّه وأبو سليمان، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر وأجازه النبي ﷺ في المقاتلة في غزوة أحد وغزا بعد ذلك مع النبي ﷺ غزوات ثم سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سافر إلى الكوفة ويستخلفه على الكوفة إذا سافر إلى البصرة، وكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، وكان شديدًا على الخوارج، ولهذا تبغضه الحرورية ومن قاربهم في مذهبهم، وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء البصرة يثنون عليه، روي له عن النبي ﷺ مائة وثلاثة وعشرون حديثًا، توفى بالبصرة سنة تسع أو ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي بعد أبي هريرة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين، سقط في قدر مملوء ماء حارًا بسب كزاز شديد أصابه، الكزاز: داء يكون من شدة البرد، وكان النبي ﷺ يعرض عليه

стр. 769

غلمان الأنصار في كلّ سنة فمر غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال: "فدونكه، فصارعه فصرعه" فأجازه في البعث يوم أحد، واللّه أعلم (١). قوله ﷺ : (من حديث عني بحديث يرى أنه كذب ... ) الحديث، ذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من "يرى" وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء من "يرى" فمعناه يظن، وأما من فتحها فظاهر ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضًا، فقد حكى رأي بمعنى ظن، قاله النووي (٢). قوله ﷺ : (فهو أحد الكاذبين)، قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: ضبطناه بكسر الباء وفتح النون على الجميع، وهذا هو المشهور من اللفظ، وقال: الرِّواية فيه عندنا "الكاذبين" على الجميع، رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المستخرج على صحيح مسلم في حديث سمرة "الكاذبين" بفح الباء وكسر النون على الثنية والجمع، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة "الكاذِبَيْن" أو "الكاذِبِيْن" على الشك في التثنية أو الجمع، وقيد ذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبًا، وأما ما يظنه ولا يعلمه فلا إثم عليه في روايتُه عن غيره (٣). وأما فقه هذا الحديث ففيه: تغليظ الكذب والتعرض له أن من غلب على

стр. 770

ظنه ما يرويه كذبا فرواه كان كاذبًا، وكيف لا يكون كاذبًا وهو مخبر بما لم يكن (١)، وإنما سمي المحدّث به كاذبًا لأنه رأى أن ذلك كذب، فالتحدّث به صار معينًا لمن افتراه على فريته فاشترك معه في الوزر كمن أعان ظالمًا على ظلمه (٢)، ويؤخذ منه أنه يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعًا لو غلب على ظنه وضعه، فمن رواه وعلم حاله أو ظنه ولم يبين حال راويته فهو داخل في ذلك مندرج في جملة الكذابين على رسول اللّه ﷺ ، واعلم أن الكذب على رسول اللّه ﷺ من أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على اللّه تعالي، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "إياكم والحديث وكثرة الروايات عني، فمن قال عني فلا يقولن إلا حقًّا وصدقًا"، وقد هاب جماعة من الصحابة والتابعين الرِّواية عن النبي ﷺ لأجل هذا الحديث خوفا من الزيادة والنقصان والغلط فيه حتى أن بعض التابعين كان يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول اللّه ﷺ ، انتهى، قاله النووي (٣). ولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري: ألا إنما أخبر الناس برأيي إن شاؤوا أخذوا وإن شاؤوا تركوا وأنت إنما تخبرهم عن رسول اللّه ﷺ فانظر ما تخبرهم به، انتهى، قاله الكرماني (٤)، وكان عمر بن

стр. 771

الخطاب يشدد في ذلك ويقول: أقلوا الرِّواية عن رسول اللّه ﷺ وأنا شريككم، يريد في التقليل (١)؛ وكان ابن مسعود ﵁ يقل الرواية عن رسول اللّه ﷺ ، وإذا روى تغير لونه؛ وليس قوله ﷺ "فليتبوأ مقعده من النار" جاريا على المفهوم من صيغة الخبر وإنما هو أمر بمعنى الخبر تقديره: فإنه يتبوأ مقعده من النار (٢) وهو مثل قوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ليس المراد بأن يصنع ما يشاء، وإنما تقديره: إذا لم تستح فإنك تصنع ما تشاء لأنه إنما يمنعك الحياء فإذا زال فإنك لا تبالي بما تصنع وهو أبلغ في الذم لأن الراضي بترك الحياء راض بجملة القبائح (٣) فنسأل اللّه السلامة وسلوك سبل الاستقامة، قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه. ١٦٠ - وَعَن الْمُغيرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول: "إِن كذبًا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد فَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار". رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٤). قوله: (عن المغيرة بن شعبة)، والمغيرة: بضم الميم على المشهور، وحكى ابن قتيبة وابن السكيت وغيره أنه يقال: بكسرها أيضًا، وكان المغيرة أحد دهاة العرب، وكنيته أبو عبد اللّه، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو محمد،

стр. 772

المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المفتوحة الثقفي الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روي له عن رسول اللّه ﷺ مائة وستة وثلاثون حديثًا، روى عنه جماعة من الصحابة ومن التابعين جماعة كثيرة، وكان مغيرة موصوفًا بالدهاء، قال جماعة: إنه أحصن بثلثماثة امرأة في الإسلام، وقيل: ألف امرأة وشهد الحديبية مع رسول اللّه ﷺ وولاه عمر بن الخطاب البصرة مدّة ثم نقله عنها فولاه الكوفة فلم يزل عليها فأقره عثمان عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد القادسية وفتح نهاوند وكان على ميسرة النعمان بن مقرن وشهد فتح همدان وغيرها واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، قالوا: وهو أول من وضع ديوان البصرة (١). كتب الحافظ أبو عمر بن عبد البر على استيعابه زيادة في ترجمة المغيرة، قال (٢): لما قتل عثمان وبايع الناس عليا دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال له: يا أمير المؤمنين إن لك عندي نصيحة، قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد اللّه على الكوفة والزبير بن العوام على البصرة وابعث إلى معاوية بعهده إلى الشام حتى تلزمه طاعتك فإذا استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك، فقال علي ﵁: أما طلحة والزبير فأرى فيهما رأيي، وأما معاوية فلا واللّه لا يراني اللّه مستعملا له أبدًا ما دام

стр. 773

على حاله ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون فإن أبى حاكمته إلى اللّه تعالى فانصرف عنه المغيرة مغضبا لما لم يقبل نصيحته، فلما كان الغد أتاه فقال: يا أمير المؤمنين نظرت فيما قلت لك بالأمس وفيما جاوبتني فيه فرأيت أنك وفقت للخير وطلبت الحق، ثم خرج عنه، فلقيه الحسن وهو خارج فقال: أاللّه ما قال هذا الأهور، قال: أتاني بالأمس بكذا وأتاني اليوم بكذا، فقال: نصح لك أمس، وخدعك اليوم، فقال له علي: إن أقررت معاوية على ما بيده كنت متخذ المضلين عضدًا، فقال المغيرة في ذلك: نصحتُ عليًّا في ابنِ هندٍ نصيحةً ... فردَّ فلَمْ أنصَحْ لهُ الدهرَ ثانيَهْ فقلتُ لهُ أرسلْ إليهِ بعهدهِ .. على الشامِ حتّى يستقرَّ معاويَهْ ويعلمَ أهلُ الشام أنْ قد ملكتَهُ ... فأمُّ ابن هندٍ بعدَ ذلك هاوِيَهْ فلَمْ يقبلِ النُّصْحَ الذي جئتهُ بهِ ... وكانَتْ لهُ تلكَ النصيحةُ كافيَهْ انتهى. قوله ﷺ : (إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد ... ) الحديث، وفي الحديث أيضًا: "لا تكذبوا علي فإنه من يكذب عليّ يلج النار" (١) وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من الكذب على رسول اللّه ﷺ والتشديد فيه بالوعيد الشديد، وقد أشار ﵊ بقوله: (إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد) أن الكذب عليه كذب على اللّه تعالى لأنه يدخل في الشريعة ما ليس منها ويخرج منها ما هو فيها، فإن أقواله وأفعاله وحركته

стр. 774

وسكونه ونطقه وسكوته حجج من حجج الله تعالى وأدلته من أدلته فالمغير لها معرض إلى المخالفة لأحكام الله تعالى بما وضعه واخترعه وضرره أشد من ضرر المعاصي المختصة بأربابها لأن في هذا مضرة بالخلق عمومًا، انتهى. خاتمة: قال الإمام القرطبي في كتابه التذكرة (١): قال علماؤنا: فتخويفه ﷺ بالنار على الكذب دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه فحذار مما وضعه أعداء الدين وزنادقة المسلمين في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررًا أقوام من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونًا إليهم فضلوا وأضلوا، وقد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه، فقيل له النبي ﷺ قال: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، فقال: أنا ما كذبت عليه إنما كذبت له، وزعم بعضهم: أن هذا كذب له ﷺ لا كذب عليه، كما تقدم، وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة، والله أعلم. * * *

стр. 775

الترغيب في مجالسة العُلماء ١٦١ - عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا"، قَالُوا: يَا رَسُول اللّه وَمَا رياض الْجنَّة؟ قَالَ: "مجَالِس الْعلم". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه راو لم يسم (١). قوله: "عن ابن عباس"، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول اللّه، وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم" الحديث. الرتع: هو الأكل والشرب في خصب وسعة، انتهى، قاله الحافظ المنذري، والخصب بكسر الخاء المعجمة ضد الجدب، وورد عنه ﷺ أنه قال: "لمجلس علم عند اللّه أفضل من عبادة ألف سنة لا يعصى اللّه فيها طرفة عين" (٢) ولهذا المعنى إذا مات العالم بكى عليه كلّ الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء، وروي أنه ﷺ قال: "لا تجلسوا مع كلّ عالم إلا عالمًا يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة

стр. 776

إلى الرهبة" خرجه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث جابر (١). وقال الإمام أبو بكر بن العربي في مراقي الزلف: قال أبو حنيفة ﵁: الحكايات عن العُلماء ومجالستهم أحب إليّ من كثير من الفقه لأنها آداب القوم وأخلاقهم؛ قال الغزالي ﵀: في أوائل الإيحاء: قال بعضهم: العُلماء سراج الأزمنة، كلّ واحد مصباح زمانه، يستضيء به أهل عصره. تتمة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها"رواه الترمذي (٢)، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري عفا اللّه عنهما: شبه النبي ﷺ الحكمة بالضالة وهي الشيء الضائع، ومعناه: أن المؤمن لا يزال يطلب الحكمة ويسعى في طلبها كما أن صاحب الضالة يطلبها وينشدها حتى يجدها، وفيه معنى آخر: وهو أن صاحب الضالة لا يتركها إذا وجدها عند صغير لصغره ولا عند حقير لحقارته، كذلك طالب العلم لا يأنف من أخذه عمن وجده عنده؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كانت الضالة عنده لا يجوز له أن يكتمها ولا يحبسها عن صاحبها لأنه قد وجد ضالته عنده وهو مستحقها

стр. 777

فيجب عليه أن يبذله له، واللّه أعلم، قاله في كتابه "المتجر الرابح" (١). ١٦٢ - عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إِن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني عَلَيْك بمجالسة الْعلمَاء واسمع كلَام الْحُكَمَاء فَإِن اللّه ليحيي الْقلب الْمَيِّت بِنور الْحِكْمَة كمَا يحيي الأرْض الْميتَة بوابل الْمَطَر" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن وَلَعَلَّه مَوْقُوف وَاللّه أعلم (٢). قوله: "عن أبي أمام"، هو الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العُلماء واسمع كلام الحكماء"، كان لقمان أسود اللون وكان حبشيًّا من النوبة، وكان منشؤه وتعلمه ببلاد الشام، ومات بها وقبره بمدينة الرملة من أعمال فلسطين، وكان ساكنا في هذه المواضع، وكان في زمن داود ﵇، وكان عبدًا لرجل من بني إسرائيل كان قد اشتراه بثلاثين مثقالًا ذهبًا، وكان يعمل له وقصته مع مولاه مطولة، اختصرتها، وقال في آخرها: فأعتقه مولاه، وكان يختلف إلى داود ﷺ ويقتبس منه الحكمة، قال: وأرسل اللّه إليه ملكًا فظنه في الحكمة غطاء

стр. 778

فأصبح وهو أحكم أهل الأرض، وعن الدارمي قال: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا نجارًا، واختلف العُلماء في نبوته فقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي (١): اتفق العُلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة والشعبي كلاهما قالا: كان نبيًّا، وتفردا بهذا القول، وقال الجمهور: كان لقمان وليًّا قاضيًا في بني إسرائيل، واسمه: لقمان بن باعور بن ماخور بن تارخ وهو آزر، وقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون بن خالة أيوب ﵇، وقيل: ابن أخته، واللّه أعلم. تنبيه: وابن لقمان الذي قال له: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٢)، فقيل: اسمه أنعم، وقال بعض العُلماء: اسم ابن لقمان ثاران، وقيل: مشكم، وقيل: أنعم (٣)، واللّه أعلم. فائدة: قال النووي في أذكاره فإن قيل: إذا ذكر لقمان ومريم، هل يصلى عليهما كالأنبياء، أم يترضى عنهما كالصحابة والأولياء أم نقول ﵉؟ فالجواب: أن الجماهير من العُلماء على أنهما ليسا بنبيين، وقد شذ من قال: نبيان، ولا التفات إليه ولا تعريج عليه، فإذا عرف ذلك فقد قال بعض العُلماء: كلاما يفهم منه أنه يقول قال لقمان أو مريم ﷺ لأن مقامهما ترفعان عن حال من يقال ﵁ لما في القرآن العزيز مما يرفعهما، والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال ﵁ أو عنهما

стр. 779

لأن هذا رتبة غير الأنبياء ولم يثبت كونهما نبيين، وقد نقل إمام الحرمين إجماع العُلماء على أن مريم ليست بنبية، ذكره في الإرشاد، ولو قال ﵇ أو ﵉، فالظاهر أنه لا بأس به، انتهى (١). قوله: في حديث أبي أمامة الباهلي "إن اللّه ليحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر" الحديث، تقدم الكلام على الحكمة مبسوطًا في أول هذا التعليق، وتقدم قريبًا من كلام الأئمة، والوابل: المطر الشديد، والطل أضعف المطر، قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (٢) وقال اللّه تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣) الآية، فالمطر أثر رحمته التي تحيي بها القلوب الغافلة الميتة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٥) الآية، انتهى. وذكر إن إبراهيم ﵊ أمره ربه يدعو الخلق إليه، فقال: يا رب كيف أدعوهم إليه مع قساوة قلوبهم فأمره اللّه بالخروج إلى الساحل فأخرج اللّه له دابة من البحر طولها فرسخ في فرسخ فمزقتها السباع والطيور

стр. 780

ثم أحياها اللّه تعالى فسبحت في الماء، فقال اللّه تعالى له: "إن اللّه أحيا مما ترى لقادر على أن يحيى القلوب الميتة"، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ (١) انتهى من كتاب الزاهد أبي الحسن بن فرحون القرطبي. والمقصود أن حياة القلب بالعلم والهمة والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل حيِّ القلب، وللحياة مراتب، المرتبة الأولى: حياة الأرض بالنبات قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٢)، المرتبة الثاثية: حياة النمو والغذاء وهي مشتركة بين النبات والحيوان، والمرتبة الثالثة: حياة الحيوان بقدر زائد على النبات وهو إحساسه وحركته، ولهذا يألم بقطع بعرض ما يتصل به، المرتبة الرابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذى بالطعام والشراب كحياة الملائكة وحياة الأرواح مع مفارقتها الأبدان، المرتبة الخامسة: حياة العلم مع موت الجهل، فإن الجهل موت لأهله، كما قيل: وَفي الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ لأهْلِه ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ وَأَرْوَاحُهُمْ في وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهمْ ... وَلَيْسَ لهمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ وَإِنَّ امرأ لم يحيى بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الممات نُشُورُ

стр. 781

فالجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي على وجه الأرض، قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] شبههم في موت قلوبهم بأهل القبور فإنهم ماتت أرواحهم وصارت أجسامهم قبورًا لها، فكما لا يسمع أصحاب القبور لا يسمع هؤلاء، وليس هذا تشبيهًا بموت البدن بل ذلك موت القلب والروح، والمقصود (قوله) لأن العلم حياة القلوب من الجهل فالقلب ميت وحياته بالعلم والإيمان، وإذا كانت الحياة من الحس والحركة، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له كانت ميتة حقيقة، واللّه أعلم (١). ١٦٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه أَي جلسائنا خير قَالَ من ذكركُمْ اللّه رُؤْيَته وَزَاد فِي علمكُم مَنْطِقه وذكركم بِالآخِرَة عمله رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا مبارك بن حسان (٢).

стр. 782

الترغيب بها إكراه العُلماء وإجلالهم وتوقيرهم والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم ١٦٤ - عَن جَابر ﵁: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد يَعْنِي فِي الْقَبْر ثمَّ يَقُول أَيهمَا أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَى أَحدهمَا قدمه فِي اللَّحْد رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: عن جابر، حيث أطلق جابرًا فالمراد: جابر بن عبد اللّه، وحيث أرادوا جابر بن سمرة، قيدوه بسمرة. قوله: "أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر" الحديث رواه البخاري في صحيحه، ورواه الترمذي بنحوه، وصححه، ولفظ النسائي: عن هشام بن عامر الأنصاري قال: شكونا إلى رسول اللّه ﷺ يوم أحد، فقلنا: يا رسول اللّه الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد"، قالوا: فمن تقدم يا رسول اللّه؟ قال: "قدموا أكثركم قرآنًا" وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر (٢).

стр. 783

وهشام هذا: هو هشام بن عامر بن أمية بن النجار بن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار النجاري والد سعد بن هشام، له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابًا فسماه النبي ﷺ هشاما، واستشهد يوم أحد، وسكن البصرة، ومات بها، له في الكتب الستة هذا الحديث (١). وأما الأربعة أمر النبي ﷺ يوم أحد أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وفي رواية "في ثوب واحد" وكلاهما صحيح، لأنه ضاقت عليهم الثياب ففعلوا ذلك فيها، وفي القبر كما جاء مصرحا به، وذلك جائز للضرورة ككثرة القتلى والموتى بطاعون أو هدم أو غرق أو القحط أو الوباء، وبالناس ضعف بسبب القحط أو شغل الحرب وعز إفراد كلّ ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن واحد فلا يحرم على الأصح (٢)، وأما عند عدم الضرورة فقال الرافعي: إنه لا يستحب (٣)، وقال غيره: إنه ممنوع، وصرح في شرح المهذب: بتحريمه ولو بعد حين ما بقي من الأول شيء (٤)، نعم إن نبش فرأى العظام

стр. 784

جعلها ناحية، ويدفن معها، نص عليه الشافعي ﵀ (١)، ولا فرق بين الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة للضرورة، وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح (٢). قال النووي ﵀ (٣): الذي تحرر أنها ثلاث مسائل، إحداها: ابتداء دفن الاثنين من نوع كرجلين أو امرأتين فيكره بلا ضرورة، الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم، والسيد والزوج، الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يَبْل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه العظام طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر جعلها في جنب القبر ودفن الميت معها، انتهى. فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (٤). فرع آخر: قال النووي (٥): وأما الفساقى في التي تعمل هذا الزمان لجمع الموتى، ففيه: إدخال ميت على ميت وهو حرام لما فيه من الهتك الول وظهور

стр. 785

رائحته، فيجب إنكار ذلك في الاكتفاء به في الدفن نظرٌ من وجهين، أحدهما: على هيئة الدفن المفهوم شرعًا، والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة، انتهى. قوله: "من قتلى أحد" غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، روى أنه ﷺ غزا ستة وثلاثين غزوة، ثمانية عشر منها خرج بنفسه، وثمانية عشر بعص سرية ولم يخرج بنفسه، وروى في بعض الأخبار أنه غزى أربعين غزوة، وروى أكثر من ذلك، فمنها: غزوة أحد، وذلك أن قريشًا لما رجعوا من بدر جمعوا جمعًا كبيرًا في السنة الثانية وخرجوا إلى المدينة وكان القتال عند أحد وكانت الهزيمة على الكفار، وقتل من المسلمين يومئذ سبعون رجلًا وجرح كثير منهم وانهزم الباقون ثم صرف اللّه عنهم الكفار فرجعوا فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهو إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (١) أي: رجع الأمر عليكم، انتهى، قاله السمرقندي في كتابه بستان العارفين (٢). قال في شرح السنة (٣): السنة في الشهيد أن تنزع عنه الفراء والجلود والخفاف والأسلحة، ويدفن بما عليه من ثياب الحرب، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع شيء من الثياب التي قتل فيها فإن لم يكن له ثوب سابغ وجب تتميمه لقصة مصعب بن عمير، وسيأتي ذلك في الزهد في الدنيا، وإذا استشهد الجنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة، وكذلك منقطعة

стр. 786

الحيض قبل الاغتسال لا تغسل أيضًا على الصحيح، وهذا الحديث صريح في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، والأصح أنه حرام، وفرق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبت الصلاة وأسقط الغسل، واستدل الجمهور بأن الشهيد حي بنص القرآن. وقال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم، ولم يصح حديث يخالف ذلك، وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل كما قال أبو حنيفة لأنه روي أنه ﷺ صلى على حمزة وهو قول الثوري وأصحابه في الرأي وإسحاق، وقال الحسن وابن المسيب يغسل ويصلى عليه لأن كلّ ميت يجنب، وإنما لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، وقال الأولون: صلاته على حمزة دعاؤه لأن الصلاة في اللغة الدعاء. تنبيه: الشهيد الذي تثبت له هذه الأحكام هو المقتول في قتال الكفار بسبب من أسبابه، والشهداء على ثلاثة أقسام: من قتل في معركة الكفار فهذا لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، كما تقدم، الثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم، فهذا يغسل ويصلى وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول، والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه بمن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، فهذا أيضًا لا يغسل ولا يصلى
следующие страницы →