← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 7292–7331 · переход к 7297.

стр. 7292

قوله: يقال للأعمى بصير عدولا عن اسم النقص لأن في قوله الأعمى تنقيصا له وكسر قلب. ٣٩٠٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ زر غبا تَزْدَدْ حبا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ لَا يعلم فِيهِ حَدِيث صَحِيح قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَقد اعتنى غير وَاحِد من الْحفاظ بِجَمِيعِ طرقه وَالْكَلام عَلَيْهِ وَلم أَقف لَهُ على طَرِيق صَحِيح كَمَا قَالَ الْبَزَّار بل لَهُ أَسَانِيد حسان عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره وَقد ذكرت كثيرًا مِنْهَا فِي غير هَذَا الْكتاب وَاللّه أعلم (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو ﵄، تقدم. قوله ﷺ : "زر غِبًّا تزددْ حُبًّا" الغب بكسر الغين المعجمة، وقت بعد وقت، يقال غب الرجل إذا جاء زائرا بعد أيام، وقال أبو عمرو غب الرجل إذا جاء زائر يومًا بعد أيام، وقال ابن فارس: الغب أن ترد الإبل الماء

стр. 7293

يومًا وتدعه يومًا ثم تعود وبهذا فسره الإمام أحمد بن حنبل في حديث وبه قال بعض الشارحين فنقله إلى الزيارة وإن جاء بعد أيام يقال: غب الرجل إذا جاء زائرا بعد أيام، وقال الحسن: في كلّ أسبوع ومنه الحديث: "أغبوا في عيادة المريض" لا تعودوه في كلّ يوم لما يجد من ثقل العواد قاله في النهاية (١)، وقيل (٢): أن يدهن ثم يترك إلى أن يجف تم يدهن وهو قول من فسر الغب بالوقت واللّه أعلم. ٣٩٠١ - وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَطاء قَالَ دخلت أَنا وَعبيد بن عُمَيْر على عَائِشَة ﵂ فَقَالَت لِعبيد بن عُمَيْر قد آن لَك أَن تَزُورنَا فَقَالَ أَقُول يَا أمه كمَا قَالَ الأول زر غبا تَزْدَدْ حبا قَالَ فَقَالَت دَعونَا من بَطَالَتكُمْ هَذِه قَالَ ابْن عُمَيْر أَخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْته من رَسُول اللّه ﷺ فَذكر الحَدِيث فِي نزُول إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض الْبَقَرَة (٣). وقوله: في رواية ابن حبان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵄، الحديث، عبيد بن عمير [عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث ثم الجندعي، أبو عاصم المكي، قاص أهل مكة قال مسلم بن الحجَّاج: ولد في زمان النبي ﷺ ، وقال غيره: رأى النبي ﷺ روى

стр. 7294

عن أبيه وله صحبة وعمر وعلي وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وأم سلمة وابن عمر وابن عمرو وابن عباس وعبد اللّه بن حبشي وعنه ابنه عبد اللّه وقيل أنه لم يسمع منه وعطاء ومجاهد وعبد العزيز بن رفيع وعمرو بن دينار وأبو الزبير ومعاوية بن قرة ووهب بن كيسان وعبد اللّه وأبو بكر ابنا أبي مليكة وعبد الحميد بن سنان وغيرهم قال بن معين وأبو زرعة ثقة وقال العوام بن حوشب رأى بن عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي قال بن جريج مات عبيد بن عمير قبل بن عمر قلت وقال بن حبان في الثقات مات سنة ٦٨ وقال العجلي مكي تابعي ثقة من كبار التابعين كان بن عمر يجلس إليه ويقول للّه در بن قتادة ماذا يأتي به ويروي عن مجاهد قال نفخر على التابعين بأربعة فذكره فيهم (١)]. ٣١ - وَعَن أم سَلمَة ﵄ قَالَت قَالَ لي رَسُول اللّه ﷺ أصلحي لنا الْمجْلس فَإِنَّهُ ينزل ملك إِلَى الْأَرْض لم ينزل إِلَيْهَا قطّ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن التَّابِعِيّ لم يسم (٢). ٤١ - وَعَن أم بجيد ﵂ أنَّهَا قَالَت كَانَ رَسُول اللّه ﷺ يأتينا فِي بني عَمْرو بن عَوْف فأتخذ لَهُ سويقا فِي قعبة فَإِذا جَاءَ سقيتها إِيَّاه رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات سوى ابْن إِسْحَاق أم بجيد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وَاسْمهَا

стр. 7295

حَوَّاء بنت يزِيد الْأَنْصَارِيَّة (١). قوله: وعن أم بجيد ﵂، قال الحافظ: أم بجيد بضم الباء الموحّدة، واسمها حواء بنت يزيد الأنصارية. قولها: كان رسول اللّه ﷺ يأتينا في بني عمرو بن عوف فأتخذ له سويقا في قعبة" الحديث، بنو عمرو بن عوف [قبيلة معروفة من الأنصار، رضى اللّه عنهم، ينسبون إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان يسكنون قباء]. وقولها: "فاتخذلها سويقا في قعبة" السويق: شيء يتخذ [من قمح أو شعير يدق حتى يكون شبه الدقيق، فإذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن، أو رب أو نحوه، وقال قوم: هو الكعك]. ٣٩٠٢ - وَعَنِ إبْرَاهِيم بن نشيط أَنه دخل على عبد اللّه بن جُزْء الزبيدِيّ ﵁ فَرمى إِلَيْهِ بوسادة كَانَت تَحْتَهُ وَقَالَ من لم يكرم جليسه فَلَيْسَ من أَحْمد وَلَا من إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا وَرُوَاته ثِقَات (٢). قوله: وعن إبراهيم بن نشيط [إبراهيم بن نشيط بن يوسف الوعلاني،

стр. 7296

ويقال: الخولاني، مولاهم، أبو بكر المصري، ويقال: الشامي، ويقال: المدني، ووعلان: بطن من مراد، دخل على عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني: ثقة، وقال أبو سعيد بن يونس: غزا القسطنطينية في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين مع مسلمة بن عبد الملك، وكانت له عبادة وفضل (١)]. قوله: أنه دخل على عبد اللّه بن جزء الزبيدي ﵁: [هو عبد اللّه بن الحارث بن جزء بن عبد اللّه بن معد يكرب بن عمرو بن عسم، وقيل عصم بن عمرو بن عريج بن عمرو بن زبيد الزبيدي وزبيد من مذحج من اليمن وهو حليف أبي وداعة السهمي، سكن مصر وتوفي بها بعد أن عمر طويلا، وهو ابن أخي محمية بن جزء الذي كان على المقاسم يوم بدر، قال ابن منده: هو ابن أبي مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك، حليف بني سهم يكنى أبا الحارث، شهد بدرا، وتوفي سنة ست وثمانين، وقيل: بل قتل باليمامة، وقال: قاله لي أبو سعيد بن يونس، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وعقبة بن مسلم، وغيرهما (٢)]. قوله: فرمى إليه بوسادة كانت تحته، الحديث، الوسادة [هي المخدة]. قوله: رواه الطبراني موقوفًا، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في أماكن من هذا التعليق.

стр. 7297

[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل] ٣٩٠٣ - عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁: تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" الحديث، هذا الحديث فيه الحث على إكرام الضيف والإكرام بحقوقه هابراره وفيه التصريح بأنه ينبغي للإنسان الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير واللّه أعلم (٢) وتقدم الكلام على صلة الرحم المذكورة في هذا الحديث. ٣٩٠٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قالَ دخل عَليّ رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ ألم أخبر أَنَّك تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار قلت بلَى قَالَ فَلَا تفعل قُم ونم وصم

стр. 7298

وَأفْطر فَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا وَإِن لعينك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَقَوله وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا أَي وَإِن لزوارك وأضيافك عَلَيْك حَقًا يُقَال للزائر زور بِفَتْح الزَّاي سَوَاء فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو، تقدم الكلام على ترجمته. قوله: دخل عليّ رسول اللّه ﷺ فقال: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار، قلت: بلى قال: لا تفعل، الحديث. واختلف العُلماء في صوم الدهر فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر، وذهب جماهير العُلماء إلى جوازه إذا لم يصم الإيام المنهي عنها وهي العيدان وأيام التشريق ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين وأيام التشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لاي لحفه ضرر ولا يفوت حقا فإن تضرر أو فوت حقا فمكروه وقد ثبت عن ابن عمر أنه كان يسرد الصوم وكذلك أبو طلحة وعائشة وغيرهم من السلف، ويحمل النهي الوارد على من تضرر أو فوت به حقا (٢)، وأما نهيه ﷺ عن قيام كلّ الليل دائما لكل أحد ففرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر ولا يفوت به حقا بأن صلاة الليل كلّه

стр. 7299

لابد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إذا لم ينم بالنهار حصل له ضرر (١). حاصل الحديث بيان رفق النبي ﷺ بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون المداومة عليه ونهيهم عن التعمق والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها، وقد بين ذلك بقوله ﷺ : "عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا" وقد ذم اللّه تعالى قوما أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٢) الآية (٣)، أ. هـ. وتقدم الكلام عليه مبسوطًا وفي آخره: "وإن لزورك عليه حقا" أي وإن لزوارك وأضيافك عليك حقًّا، يقال للزائر زور بفتح الزاي سواء فبه الواحد والجمع أ. هـ قاله الحافظ. ٣٩٠٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ إِنِّي مجهود فَأرْسل إِلَى بعض نِسَائِهِ فَقَالَت لا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء ثمَّ أرسل إِلَى أُخْرَى فَقَالَت مثل ذَلِك حَتَّى قُلْنَ كلهنَّ مثل ذَلِك لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء فَقَالَ من يضيف هَذَا اللَّيْلَة ﵀ فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللّه فَانْطَلق بِهِ إِلَى رَحْله فَقَالَ لامْرَأَته هَل عنْدك

стр. 7300

شَيْء قَالَت لا إِلَّا قوت صبياني قَالَ فعلليهم بِشَيْء فَإِذا أَرَادوا الْعشَاء فنوميهم فَإِذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أَنا نَأْكُل وَفِي رِوَايَة فَإِذا أَهْوى ليَأْكُل فقومي إِلَى السراج حَتَّى تطفئيه قَالَ فقعدوا وَأكل الضَّيْف وباتا طاويين فَلَمَّا أصبح غَدا على رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما زَاد فِي رِوَايَة فَنزلت هَذِه الآيَة ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) رَوَاهُ مسلم وَغَيره (٢). قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدمت ترجمته. قوله: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: إني مجهود، الحديث، أي: أصابني الجهد بفتح الجيم وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع (٣). قوله: أن النبي ﷺ لما أتاه المجهود أرسل إلى بعض نسائه فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك، فقال من يضيف هذا الليلة ﵀ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللّه فانطلق به إلى رحله، الحديث، الرجل الذي أضاف هو أبو طلحة الأنصاري، وقد جاء مصرحا به في بعض طرق مسلم.

стр. 7301

وقوله: فانطلق به إلى رحله، أي: إلى منزله، ورحل الإنسان هو منزله سوءا كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. وقوله: فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء فنوميهم، الحديث قال النووي (١): وهذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورة لأن العادة أن الصبي إذا كان شبعا يطلب الطعام إذا رأى من يأكله وإذا تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضرجهم فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم [فإنهم لو كانوا على حاجة] ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا ويجب تقديمهم على الضيف، فإن قلت: نفقة الأطفال واجبة والضيافة لم تكن واجبة، قلت: لعل ذلك كان فاضلًا عن قدر ضرورتهم، وقد أثنى اللّه ورسوله ﷺ على هذا الرجل وامرأته فدل على أنهما لم يتركا واجبا بل أحسنا وأجملا ﵄ وأما هو وامرأته فآثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما وخصاصتهما فمدحهما اللّه تعالى وأنزل فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) الآية، والخصاصة الحاجة والفقر وأصل الخصاصة الخلل. قوله: في الرِّواية الأخري: "فقعدوا وأكل الضيف وباتوا طاويين" أي: جائعين والطوي ضمور البطن من الجوع قاله عياض (٣).

стр. 7302

وقوله: "قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما" قال القاضي عياض (١): المراد بالعجب من اللّه تعالى رضاه ذلك الشيء، وقيل: مجازاته بالثواب، وقيل: تعظيمة ذلك، قال: وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله. قال الخطابي (٢): ويحتمل أن يكون التعجب للملائكة لأن الإيثار على النفس نادر في العادات مستغرب في الطباع فعجب منه الملائكة وإضافته إليه تشريفا. قال الخطابي (٣): إطلاق العجب لا يجوز على اللّه تعالى وإنما معناه الرضى وحقيقته أن ذلك الصنيع منهما حل من الرضى عند اللّه والقبول له ومضاعفة الثواب عليه محل العجب عندكم في الشيء التافه إذا رفع فوق قدره [وأعطى به] الأضعاف من [قيمته] أ. هـ. ففي هذا الحديث فضيلة الإيثار والحث عليه، وقد أجمع العُلماء على فضيلة الإيثار بالإطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها للّه تعالى (٤) وفيه ما كان النبي ﷺ من الحلم والأخلاق المرضية والمحاسن المرضية والصبر وكرم النفس فـ ﷺ (٥)، قال النووي (٦): هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة منها ما كان

стр. 7303

عليه ﷺ وأهل بيته من الزهد في الدنيا والصبر على الجوع وضيق حال الدنيا، ومنها: أنه ينبغي لكثير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف ومن يطرقهم بنفسه فيواسيه من ماله أو لا بما تيسر إن أمكنه ثم يطلب له على سبيل التعاون على البر والتقوى من أحصابه، ومنها: المواساة في حال الشدائد، ومنها: فضيلة إكرام الضيف وإيثاره، ومنها: منقبة لهذا الأنصاري وامرأته ﵂، ومنها: الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه رفقا بأهل المنزل لقوله: (أطفئ السراج وأريه أنا نأكل) فإنه لو رأى قلة الطعام وأنهما لا يأكلان لامتنع من الأكل. قوله في الحديث: زاد في رواية فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) الآية، والخصاصة الفاقة والحاجة وشح النفس [كثرة] طمعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل وهو خلق سوء (٢)، قال ابن عطية (٣): أثنى اللّه تعالى على الأنصار بأنهم يحبون المهاجرين وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ (٤) الآية، أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، قال حذيفة العدوي: طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحي

стр. 7304

ومعي شيء من الماء فوجدته فقلت أسقيك فأشار نعم فسمع رجلًا يتأوه فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أتشرب فقال نعم، فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات فعجبت من إيثارهم ﵏ وإيانا، وقال أبو زيد البسطامي: قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال لي ما حد الزهد عندكم فقلت إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ، قلت: فما الزهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا. فالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شح عليه وبخل بإخراجه فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل كما قال النبي ﷺ : "إياكم والشح" الحديث، فالبخيل من أجاب داعي الشح والمؤثر من أجاب داعي الجود وكذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء وهو أفضل من سخاء البذل، قال عبد اللّه بن المبارك ﵁: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى منازله فإن المنازل ثلاثة إحداها: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه. فهو منزلة السخاء، الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيئًا أو يبقى مثل ما أعطى فهو الجود، الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه فهي مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة وهي استئثاره

стр. 7305

عن أخيه بما هو محتاج إليه وهي المرتبة التي قال فيها النبي ﷺ للأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا" الحديث، والأنصار هم الذين وصفهم اللّه تعالى بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) فوصفهم اللّه تعالى بأعلى مراتب السخاء، وكان ذلك فيهم معروفا وكان قيس بن سعد بن عبادة ﵄ من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى اللّه مالا يمثع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده، وقالوا له يومًا: هل رأيتُ أسخي منك؟ قال: نعم نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف (٢).

стр. 7306

وقال عبد اللّه بن مسعود: والذي لا إله غيره ما من رجل من المهاجرين إلا وللأنصار عليهم شكر واللّه لقد ءاووا خائفنا وأطعموا جائعنا وكسوا عارينا ومرضوا مريضنا، ونظر عبد اللّه بن جعفر إلى غلام أسود قد أخرج قوتا كان يجري عليه في كلّ يوم فألقاه إلى كلب كان بحضرته فقال عبد اللّه: آثرت هذا الكلب قال: ما هي بأرض كلاب ولا شك أنه جاء من مسافة بعيدة فكرهت أن يرجع وهو جائع، قال: مما أنت بصانع اليوم قال: أطوني نهاري قال: فاشتري عبد اللّه الغلام فأعتقه (١) وفضائل الأجواد كثيرة لا تنحصر واللّه أعلم. ٣٩٠٦ - وَعَن أبي شُرَيْح خويلد بن عَمْرو ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه جائزته يَوْم وَلَيْلَة والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة وَلَا يحل لَهُ أَن يثوي عِنْده حَتَّى يُخرجهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة قَالَ التِّرْمِذِيّ وَمعنى لا يثوي لا يُقيم حَتَّى يشْتَد على صَاحب الْمنزل والحرج الضّيق انْتهى وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ لا يحل للضيف أَن يُقيم عِنْده بعد ثَلَاثَة أَيَّام من غير استدعاء مِنْهُ حَتَّى يضيق صَدره فَيبْطل أجره انْتهى قَالَ الْحَافِظ وللعلماء فِي هَذَا الحَدِيث تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا أَنه يُعْطِيهِ مَا يجوز بِهِ ويكفيه فِي يَوْم وَلَيْلَة إِذا اجتاز بهِ وَثَلَاثَة أَيَّام إِذا قَصده وَالثَّاني يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَة يستقبلهما بعد ضيافته (٢).

стр. 7307

قوله: وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي ﵁. قوله ﷺ : "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة" قال الخطابي: جائزة الضيف يوم وليلة [معناه أنه يتكلف له إذا نزل به الضيف يومًا وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام وفي اليومين الآخرين يقدم له ما حضر، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فإن زاد عليه استوجب به أجر الصدقة (١)] وقيل: أي إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده قاله عياض (٢) وروي أبو داود أنه سئل مالك بن أنس عن قول النبي ﷺ "جائزته يوم وليلة" فقال: يكرمه ويتحفه و [يخصه] يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وقال العُلماء: معنى الحديث: الاهتمام [بالضيف] اليوم والليلة و [بما يمكن] من بر، وإلطاف يعني إكرامه بتقديم طعام حسن إليه مؤكد في اليوم الأول وليلته وأما في اليوم الثاني والثالث [يقدم له ما كان بحضرته ولا يزيد] على عادته وأما ما كان بعد الثالث فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك (٣). [و "الجائزة"] العطية والمنحة والصلة وذلك لا يكون إلا مع الاختيار (٤) والجائزة فاعلة من الجواز وهي العطاء [لأنه] حق جوازه عليهم وهي مشتقة من الجواز وقدر بيوم وليلة لأن عادة المسافرين ذلك فيعطي ما يجوز [به

стр. 7308

مسافة] يوم وليلة، وتسمى الجيزة وهي قدر ما يجوز ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل والمعنى أنه يحتفل له في اليوم الأول يقال احتفل إذا أحسن القيام بالأمر ومنه الحديث: "أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" أي: أعطوهم الجيزة والجائزة العطية يقال أجازه يجيزه إذا أعطاه قال الجوهري (١): يقال إن أصل الجائزة إن والي فارس مر به [الاحنف] في جيشه غازيا إلى خراسان فوقف لهم على قنطرة فقال أجيزوهم ويعطي كلّ واحد بقدر حبيبه، أ. هـ. وقال الشيخ زين الدين بن رجب (٢): ففي ها الحديث أن جائزة الضيف يوم وليلة وأن الضيافة ثلاثة أيام ففرق بين الجائزة والضيافة وأكد الجائزة وكذا ورد في تأكيدها أحاديث من جملتها قال: "ليلة الضيف حق على كلّ مسلم" أ. هـ[هذا محل قوله سابقا، قال الخطابي: الخ] إكرام الضيف بشاشة الوجه، قال اللّه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (٣) قيل: أكرمهم إبراهيم بتعجيل قراهم أي ضيافتهم والقيام بنفسه عليهم وطلاقه وجهه (٤). قوله ﷺ : "ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" الحديث، قال الحافظ نقلًا عن الترمذي: ومعنى يثوي عنده: لا يقيم حتى يشد على صاحب المنزل

стр. 7309

والحرج الضيق انتهى وأصل الحرج الضيق ويقع على الإثم والحرام وقيل الحرج أضيق الضيق (١) أي يضيق صدره ومعناه أي يعرضه للإثم حتى يتكلم بما لا يجوز من سيء القول فيأثم، وقد جاء في الرِّواية الأخرى "حتى يؤثمه" كما سيأتي قاله عياض (٢) وعند بعض رواة مسلم حتى يؤلمه باللام ومعناه [قريب من الأولي] لو صحت الرِّواية ولكن الأول المعروف في التفسير واللّه أعلم. وقال الخطابي (٣): معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره، أ. هـ. قال الحافظ ﵀: وفيه تأويلان للعلماء: أحدهما أنه يعطيه ما يجوز ويكفيه في يوم وليلة إذا اجاز به وثلاثة أيام إذا قصده، والثاني: يعطيه ما يكفيه يومًا وليلة ويستقبلهما بعد ضيافه، أ. هـ. ٣٩٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول للضيف على من نزل بِهِ من الْحق ثَلَاث فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وعَلى الضَّيْف أَن يرتحل لا يؤثم أهل الْمنزل رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات سوى لَيْث بن أبي سليم (٤).

стр. 7310

قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "للضيف على من نزل به من الحق ثلاث فما زاد فهو صدقة وعلى الضيف أن يرتحل لا يؤثم أهل المنزل" الحديث، وفي لفظ آخر: "ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه" الحديث، ويؤثمه بالتخفيف من أثمه بمعنى أثمه بالتشديد، ومعنى الحديث: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به ما لا يجوز وقد قال اللّه تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) وهذ كله محمول على ما إذا قام بعد الثلاث من غير استدعاء من الضيف فإن حبسه مطر أو علة أنفق من ماله على نفسه، أما إذا استدعاه وطلب زيادة إقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى والحالة هذه فلو شك في حال المضيف هل يكره الزيادة ويلحقه بها حرج أملا لم يحل له الزيادة إلا بإذنه لظاهر الحديث، واللّه أعلم (٢)، قاله شارح مشارق الأنوار. واعلم أن الضيافة من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين وأحاديث الباب متظاهرة على الْأَمر بالضيافة والإهتمام بها وعظيم موقعها، وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ثم قال الشافعي ومالك

стр. 7311

أبو حنيفة والجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على استحبابها ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم أي متأكد الاستحباب وقال الليث والإمام أحمد: هي واجبة يومًا وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن (١)، أ. هـ وقال القاضي عياض: واختلف هل الضيافة على الحاضر والبادي أو على البادي خاصة فذهب الشافعي ومحمد بن الحكم إلى أنها عليهما، وقال الإمام مالك وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول وما يشتري في الأسواق، وقد جاء في حديث الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ولكن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا وخيف عليه وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم قاله النووي في شرح مسلم (٢). ٣٩٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيّمَا ضيف نزل بِقوم فَأصْبح الضَّيْف محروما فَلهُ أَن يَأْخُذ بِقدر قراه وَلَا حرج عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٣).

стр. 7312

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه" الحديث. قوله ﷺ : "فإنه يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" الأكثرون على أن حق بمعنى المتأكد [الاستحباب] عليه، وفيه أحاديث كثيرة، وقد أجمع المسلمون على الضيافة أنها من متأكدات الإسلام قال في المفهم (١): حتى أن من تركها [يذم] عرفا فنحن وإن لم نقل أنها واجبة شرعا فهي متعينة لما يحصل منها من المصالح ويندفع بها من المضار عادة وعرفا. فقوله: "ليلة الضيف حق" الحديث جعلها حقا من طريق المعروف والمروءة ولم يزل قرى الضيف من شيم الكرام ومنع القرى مذموم (٢) ومنه الحديث أيما رجل أضاف قوما فأصبح محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم، الحديث قال الخطابي (٣): يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي يخاف على نفسه التلف ولا يجد ما يأكله فله أن يتناول من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية وقد اختلف الفقهاء في حكم ما يأكله هل يلزمه في مقابلته شيء أم لا فقال بعضهم على الضمان وتقدم الكلام على ذلك في غير هذا الحديث، قال العُلماء: فله أن يأخذ بقدر قراه عوضا مما أحرموه من القرى وهذا في

стр. 7313

المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف على نفسه التلف (١) أ. هـ. لطيفة: قال بعض العُلماء: لكل شيء زكاة وزكاة الدار بيت الضيافة (٢)، أ. هـ. ٣٩٠٩ - وَعَن أبي كَرِيمَة وَهُوَ الْمِقْدَام بن معديكرب الْكِنْدِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لَيْلَة الضَّيْف حق على كل مُسلم فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين إِن شَاءَ قضى وَإِن شَاءَ ترك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة (٣). وعن أبي كريمة هو المقدام بن معدي كرب الكندي، تقدم. قوله ﷺ : "ليلة الضيف حق على كلّ مسلم" الحديث، قال الخطابي (٤): يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يطعمه ويخاف التلف على نفسه من الجوع وإذا كان بهذه الصفة كان له أن يتناول من مال

стр. 7314

أخيه ما يقيم به نفسه وإذا فعل ذلك فقد اختلف الناس هل يلزمه له قيمة فذهب بعضهم إلى أنه يؤدي إليه قيمته وهذا يشبه مذهب الشافعي، وقال آخرون: لا يلزمه له قيمة وهذ إلى هذا القول نفر من أصحاب الحديث، واحتجوا بأن أبا بكر الصديق حلب لرسول اللّه ﷺ لبنا من غنم لرجل من قريش فيها عبد يرعاها وصاحبها غائب وشربه رسول اللّه ﷺ وذلك في مخرجه من مكة إلى المدينة، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من دخل حائطا فليأكل منه ولا يتخذ خُبنة" (١) وعن الحسن أنه قال: إذا مر الرجل بالإبل وهو عطشان صاح برب الإبل ثلاثًا فإن أجابه وإلا حلب وشرب، وقال زيد بن أسلم: ذكروا الرجل يضطر إلى الميتة وإلى مال المسلم فقال: يأكل الميتة، وقال عبد اللّه بن دينار: يأمل مال المسلم، فقال سعيد أصبت إن الميتة تحل إذا اضطر إليها ولا يحل له مال المسلم، أ. هـ. وعن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا لرسول اللّه ﷺ : إنك تبعثنا - فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى في لك فقال لنا رسول اللّه ﷺ : "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوه وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" رواه الجماعة إلا النسائي ورواه البخاري ومسلم وغيرهم هذا

стр. 7315

الحديث (١)، حمله الليث والإمام أحمد على ظاهره وتأوله الجمهور على أوجه، أحدها: أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين، والثاني: أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم وبخلهم والعيب عليهم وذمهم، والثالت: أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك، هكذا حكاه القاضي عياض (٢)، قال النووي (٣): هذا تأويل ضعيف أو باطل الذي ادعاه قائله [لا يعرف والرابع:] أنه محمول على من [مر بأهل الذمة] الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وهو أيضًا ضعيف إنما صار هذا في زمن عمر ﵁، وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدّث عليهم من الظلم (٤)، أ. هـ وقال في موضع آخر: وأما المواساة فهي واجبة إذا أدى الحال إلى موت المحتاج أو إضاعته لم ينسخ أبدًا وقد صرح في المفهم بالوجوب إلى يوم القيامة مهما نزل حاجة أو مجاعة في السفر أو في الحضر (٥) أما إذا لم يصل

стр. 7316

إلى هذه الحال فنص النووي على استحبابها واللّه أعلم (١). ٣٩١٠ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَيّمَا رجل أضَاف قوما فَأصْبح الضَّيْف محروما فإن نَصره حق على كلّ مُسلم حَتَّى يَأْخُذ بقرى ليلته من زرعه وَمَاله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: وعنه ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "أيما رجل استضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" الحديث، تقدم الكلام عليه. ٣٩١١ - وَعَن التلب ﵁: قالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول الضِّيَافَة ثَلَاثَة أيَّام حق لازم فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فصدقة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (٣).

стр. 7317

قوله: وعن التلب ﵁[هو التلب بن ثعلبة بن ربيعة بن عطية بن الأخيف وهو مجفر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر التميمي العنبري، نسبه كذلك خليفة بن خياط، سكن البصرة، يكنى أبا الملقام. روى عنه ابنه ملقام ابن التلب (١)]. قوله ﷺ : "الضيافة ثلاثة أيام حق لازم" الحديث، تقدم الكلام عليه. ٣٩١٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ رجل وَمَا كرَامَة الضَّيْف يَا رَسُول اللّه قَالَ ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد مطولا مُخْتَصرا بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى (٢). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 7318

قوله: قال رجل: وما كرامة الضيف يا رسول اللّه؟ قال: "ثلاثة أيام فما زاد بعد ذلك فهو صدقة" تقدم الكلام على ذلك. ٣٩١٣ - وَعَن عبد اللّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وكل مَعْرُوف صَدَقَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (١). قوله: وعن عبد اللّه يعني ابن مسعود ﵁ تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة" تقدم الكلام على ذلك. ٣٩١٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من أَقامَ الصَّلاة وَآتى الزَّكَاة وَصَامَ رَمَضَان وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم.

стр. 7319

قوله ﷺ : "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة" الحديث. قوله: "فما يقرونا؟ " بفتح الياء يقال قريت الضيف أقر به قري بكسر القاف والقصر وقرى بالفتح والمد أحسنت إليه واللّه أعلم. ٣٩١٥ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْمَلَائِكَة تصلي على أحدكُم مَا دَامَت مائدته مَوْضُوعَة رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (١). قوله: وعن عائشة ﵂، تقدمت ترجمتها. قوله: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة" تقدم الكلام على الصلاة من الملائكة أنها الاستغفار وتقدم الكلام أيضًا على الأصبهاني، وقال أنس بن مالك: كلّ بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة (٢).

стр. 7320

تتمة: قال في الإحياء (١): من آداب الضيافة أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم لأنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا؛ كان بعض الكرام يخير القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثى على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأمل وقال بسم اللّه ساعدوني بارك اللّه عليكم وكان السلف يستحسنون منه ذلك، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ﷺ "إذا وضعت المائدة فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإذا ذلك الرحل يخجل جليسه فيقبض يده وعسى أن يكون له في الطعام حاجة" انفرد به ابن ماجه (٢) قاله في الديباجة. ٣٩١٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْخَيْر أسْرع إِلَى الْبَيْت الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ من الشَّفْرَة إِلَى سَنَام الْبَعِير رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس وَغَيره قَالَ الْحَافِظ وَتقدم بَاب فِي إطْعَام الطَّعَام وَفِيه غير مَا حَدِيث يَلِيق بِهَذَا الْبَاب لم نعد مِنْهَا شَيْئا (٣).

стр. 7321

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: "الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير" الحديث، هي السكين، وسميت شفرة لأنها [ ... ] (١) وسنام البعير هو أعلاه. ٣٩١٧ - وَعَن شهَاب بن عباد أَنه سمع بعض وَفد عبد الْقَيْس وهم يَقُولُونَ قدمنَا على رَسُول اللّه ﷺ فَاشْتَدَّ فَرَحهمْ فَلَمَّا انتهينا إِلَى الْقَوْم أوسعوا لنا فَقَعَدْنَا فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيّ ﷺ ودعا لنا ثمَّ نظر إِلَيْنَا فَقَالَ من سيدكم وزعيمكم فأشرنا جَمِيعًا إِلَى الْمُنْذر بن عَائِذ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ أَهَذا الأشَج فَكَانَ أول يَوْم وضع عَلَيْهِ الاسْم لضربة كَانَت بِوَجْهِهِ بحافر حمَار قُلْنَا نعم يَا رَسُول اللّه فَتخلف بعد الْقَوْم فعقل رواحلهم وَضم مَتَاعهمْ ثمَّ أخرج عيبته فَألْقى عَنهُ ثِيَاب السّفر وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ أقبل إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَقد بسط النَّبِيّ ﷺ رجله واتكأ فَلَمَّا دنا مِنْهُ الأشَج أوسع الْقَوْم لَهُ وَقَالُوا هَهُنَا يَا أشج فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ واستوى قَاعِدا وَقبض رجله هَهُنَا يَا أشج فَقعدَ عَن يَمِين رَسُول اللّه ﷺ فَرَحَّبَ بِهِ وألطفه وَسَأَلَهُ عَن بِلَادهمْ وسمى لَهُم قَرْيَة قَرْيَة الصَّفَا والمشقر وَغير ذَلِك من قرى هجر فَقَالَ بِأبي وَأمي يَا رَسُول اللّه لأَنْت أعلم بأسماء قرانا منا فَقَالَ إِنِّي وطِئت بِلادكُمْ وفسح لي فِيهَا قَالَ ثمَّ أقبل على الأَنْصَار فَقَالَ يَا معشر الْأَنْصَار أكْرمُوا إخْوَانكُمْ فَإِنَّهُم أشباهكم فِي الإِسْلَام أشبه

стр. 7322

شَيْء بكم أشعارا وأبشارا أَسْلمُوا طائعين غير مكرهين وَلَا موتورين إِذْ أَبى قوم أَن يسلمُوا حَتَّى قتلوا قَالَ فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَ كيفَ رَأَيْتُمْ كَرَامَة إخْوَانكُمْ لكم وضيافتهم إيَّاكُمْ قَالُوا خير إخْوَان ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وَبَاتُوا وَأَصْبحُوا يعلمونا كتاب رَبنَا ﵎ وَسنة نَبينَا ﷺ فأعجب النَّبِيّ ﷺ وَفَرح وَهَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح العيبة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعْدهَا بَاء مُوَحدَة هِيَ مَا يَجْعَل الْمُسَافِر فِيهِ الثِّيَاب (١). قوله: وعن شهاب بن عباد [هو شهاب بن عباد العبدي العصري البصري والد هود بن شهاب روى عن: أبيه عباد العصري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعن بعض وفد عبد القيس قصة وفادتهم إلى النبي ﷺ ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢)]. قوله: أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون قدمنا على رسول اللّه ﷺ فاشتد فرحهم بنا، الحديث، الوفد: جمع وافد مثل صاحب وصحب وراكب وركب، والوافد هو الذي يرد على السلطان رسولا هذا أصله، وقال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي

стр. 7323

العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد (١)، أ. هـ. وقال صاحب المغيث (٢): والوفد هم القوم يجتمعون فيردون البلاد وفي حديث آخر: "وفد اللّه ثلاثة" وفي حديث الشهداء: "فإذا قتل فهو وافد لسبعين يشفع لهم" قال عبد الغافر: أي وارد على هؤلاء، أ. هـ. قوله: عبد القيس، وعبد القيس هو ابن أقصى يعني بفتح الهمزة وبالقاف وبالصاد المهملة المفتوحة وعبد القيس من ربيعة وهي قبيلة عظيمة من قبائل العرب، قال صاحب التحرير: وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية فشخص أي سافر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي ﷺ إليها فبينا منقذ بن حيان قاعدا إذ مر به النبي ﷺ فنهض منقذ إليه فقال النبي ﷺ لمنقذ بن حيان: "كيف جميع هاتيك وقومك" ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (٣) ثم رحل قبل هجر فكتب النبي ﷺ إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن الحارث العصري بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون أو الكثيرون، وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زيادة بن عصر بن عوف وقيل: عائذ بن المنذر وقيل: المنذر بن الحارث وقيل: غير ذلك، والمنذر هو

стр. 7324

الإشج وكان منقذ ﵁ يصلي ويقرأ فأنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجحفة يعني القبلة، فيحني ظهره ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتحاربا ذلك فوقع الإسلام في قلبه ثم سار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول اللّه ﷺ فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول اللّه ﷺ (١)، أ. هـ قال بعض العُلماء: وكانوا أربعة عشر راكبا فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي ﷺ لجلسائه: أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري وهو رئيسهم غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذا لم يسلم قوم حتى وتر (٢)، أ. هـ. قوله: فرحب بنا النبي ﷺ ودعا لنا، الحديث، وفي لفظ آخر فقال: مرحبا بالقوم وهو منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت يريدون به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبًا وسعة (٣). قوله: "وسمى لهم قرية المشقر وقرية الصفا وغير ذلك من قرى هجر" الحديث، وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قريت الماء في الحوض إذا جمعته قاله في شرح المشارق (٤). ٣٩١٨ - وَعَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ دخل عَلَيْهِ قوم يعودونه فِي مرض لَهُ فَقَالَ يَا جَارِيَة هَلُمِّي لِأَصْحَابِنَا وَلَو كسرا فَإِنِّي سَمِعت

стр. 7325

رَسُول اللّه ﷺ يَقُول مَكَارِم الأخْلَاق من أَعمال الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِى فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (١). وقوله: وعن حميد الطويل [هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبي حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصري، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصارى التابعي، وعبيد اللّه العمري، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطَّان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيتُ حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (٢)]. قوله: فقال يا جارية هلمي لأصحابنا ولو كسرا، الحديث، هلمي معناه [تعال. وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجميع، والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح. وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث،

стр. 7326

فتقول: هلم وهلمي وهلما وهلموا (١)]. تتمة: روى الحاكم عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان فقرب إلينا خبزا وملحا، وقال: لولا أن رسول اللّه ﷺ نهى عن التكلف لتكلفت لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر فبعث بمطهرته برهنها وجاء بصعتر فلما أكلتا قال صاحبي: الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة عند البقال ثم قال صحيح، ثم روى عن سلمان قال: نهانا رسول اللّه ﷺ أن نتكلف للضيف (٢)، أ. هـ. ٣٩١٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا خير فِيمَن لَا يضيف رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة (٣).

стр. 7327

قوله: وعن عقبة بن عامر ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "لا خير فيمن لا يضيف" تقدم الكلام على الضيافة. خاتمة: قال الهيثم خرجت في سفر على ناقة فأمسيت عند خيمة أعرابي فنزلت فقالت الخباء: من أنت، فقلت: ضيف، قالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء الواسعة ثم قامت إلى بر فطحنته ثم عجنته وخبزته ثم فعدت تأكل فأكلت فلم تلبث أن جاء زوجها [ومعه لبن، فسلم] ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف، فقال: أهلا. وسهلا حياك اللّه وملأ قعبا من لبن وسقاني ثم قال: ما أراك أكلت شيئًا وما أراها أطعمتك؟ فقلت: لا واللّه فدخل عليها مغضبا وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي وجاراها الكلام حتى شجها ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتب فنحرها فقلت: ما صنعت عافاك اللّه، فقال: لا واللّه لا يبيت ضيفي جائعا ثم جمع حطبا وأجج نارا وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلّ لا أطعمك اللّه حتى إذا أصبح تركني ومضى فقعدت مغموما لما تغالي النهار أقبل ومعه بعير ما يسئم الناظر أن ينظر إليه وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره وخرجت من عنده فمضى الليل إلى خيمة أعرابي فسلمت فردت صاحبة الخباء على السَّلام وقالت: من الرجل، قلت: ضيف، فقالت: مرحبا بك حياك اللّه وعافاك فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ثم خبزت ثم روت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي وقال: كلّ وأعذر فلم ألبث أن

стр. 7328

أقبل أعرابي كريه الوجه فسلم فرددت ﵇ فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: وما يصنع الضيف عندنا ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي قال: أطعمته الضيق فقال: أتطعمين طعامي الأضياف ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ وقال: ما يضحكك فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله فأقبل على وقال: إن هذه التي عندي أخت ذلك الرجل وتلك التي عنده أختي فنمت ليلتي متعجبا (١)، أ. هـ.

стр. 7329

[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف] ٣٩٢٠ - عَن عبد اللّه بن عمير قَالَ دخل على جَابر ﵁ نفر من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَقدم إِلَيْهِم خبْزًا وخلا فَقَالَ كلوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول نعم الإدام الْخلّ إِنَّه هَلَاك بِالرجلِ أَن يدْخل إِلَيْهِ النَّفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بَيته أَن يقدمهُ إِلَيْهِم وهلاك بالقوم أَن يحتقروا مَا قدم إِلَيْهِم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى إِلَّا أَنه قَالَ وَكفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يحتقر مَا قرب إِلَيْهِ وَبَعض أسانيدهم حسن وَنعم الإدام الْخلّ فِي الصَّحِيح وَلَعَلَّ قَوْله إِنَّه هَلاك بِالرجلِ إِلَى آخِره من كَلَام جَابر مدرج غير مَرْفُوع وَاللّه أعلم (١).

стр. 7330

قوله: عن عبد اللّه بن عميرة [عبد اللّه بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي ثم الجندعي، أبو هاشم المكي، والد محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عمير ثقة قال أبو حاتم يحتج بحديثه (١)]. قوله: دخل على جابر ﵁ نفر من أصحاب النبي ﷺ فقدم إليهم خبزا وخلا فقال كلوا، الحديث، تقدم الكلام على النفر في مواضع وكذلك تقدم الكلام على الخل في بابه. تتمة: روى الحاكم عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان فقرب إلينا خبزا وملحا وقال: لولا أن رسول اللّه ﷺ نهى عن التكلف لتكلفت لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر فبعت بمطهرته فرهنها وجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرته مرهونة عند البقال ثم قال صحيح (٢)، ثم روى عن سلمان قال: نهانا رسول اللّه ﷺ أن نتكلف للضيف (٣)، أ. هـ.

стр. 7331

قوله: ولعل قوله إنه هلاك بالرجل إلى آخره من كلام جابر مدرج غير مرفوع، أ. هـ. تنبيه: الحديث المدرج في اصطلاح المحدّثين هو الكلام الملحق بآخر كلام النبي ﷺ من كلام الراوي أو يلحق متن بمتن بإسناد أحدهما وهذا قد استعمله البغوي في المصابيح ذكره صاحب التنقيح (١).
следующие страницы →