← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 782–821 · переход к 787.

стр. 782

الترغيب بها إكراه العُلماء وإجلالهم وتوقيرهم والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم ١٦٤ - عَن جَابر ﵁: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد يَعْنِي فِي الْقَبْر ثمَّ يَقُول أَيهمَا أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَى أَحدهمَا قدمه فِي اللَّحْد رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: عن جابر، حيث أطلق جابرًا فالمراد: جابر بن عبد اللّه، وحيث أرادوا جابر بن سمرة، قيدوه بسمرة. قوله: "أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر" الحديث رواه البخاري في صحيحه، ورواه الترمذي بنحوه، وصححه، ولفظ النسائي: عن هشام بن عامر الأنصاري قال: شكونا إلى رسول اللّه ﷺ يوم أحد، فقلنا: يا رسول اللّه الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد"، قالوا: فمن تقدم يا رسول اللّه؟ قال: "قدموا أكثركم قرآنًا" وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر (٢).

стр. 783

وهشام هذا: هو هشام بن عامر بن أمية بن النجار بن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار النجاري والد سعد بن هشام، له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابًا فسماه النبي ﷺ هشاما، واستشهد يوم أحد، وسكن البصرة، ومات بها، له في الكتب الستة هذا الحديث (١). وأما الأربعة أمر النبي ﷺ يوم أحد أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وفي رواية "في ثوب واحد" وكلاهما صحيح، لأنه ضاقت عليهم الثياب ففعلوا ذلك فيها، وفي القبر كما جاء مصرحا به، وذلك جائز للضرورة ككثرة القتلى والموتى بطاعون أو هدم أو غرق أو القحط أو الوباء، وبالناس ضعف بسبب القحط أو شغل الحرب وعز إفراد كلّ ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن واحد فلا يحرم على الأصح (٢)، وأما عند عدم الضرورة فقال الرافعي: إنه لا يستحب (٣)، وقال غيره: إنه ممنوع، وصرح في شرح المهذب: بتحريمه ولو بعد حين ما بقي من الأول شيء (٤)، نعم إن نبش فرأى العظام

стр. 784

جعلها ناحية، ويدفن معها، نص عليه الشافعي ﵀ (١)، ولا فرق بين الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة للضرورة، وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح (٢). قال النووي ﵀ (٣): الذي تحرر أنها ثلاث مسائل، إحداها: ابتداء دفن الاثنين من نوع كرجلين أو امرأتين فيكره بلا ضرورة، الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم، والسيد والزوج، الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يَبْل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه العظام طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر جعلها في جنب القبر ودفن الميت معها، انتهى. فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (٤). فرع آخر: قال النووي (٥): وأما الفساقى في التي تعمل هذا الزمان لجمع الموتى، ففيه: إدخال ميت على ميت وهو حرام لما فيه من الهتك الول وظهور

стр. 785

رائحته، فيجب إنكار ذلك في الاكتفاء به في الدفن نظرٌ من وجهين، أحدهما: على هيئة الدفن المفهوم شرعًا، والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة، انتهى. قوله: "من قتلى أحد" غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، روى أنه ﷺ غزا ستة وثلاثين غزوة، ثمانية عشر منها خرج بنفسه، وثمانية عشر بعص سرية ولم يخرج بنفسه، وروى في بعض الأخبار أنه غزى أربعين غزوة، وروى أكثر من ذلك، فمنها: غزوة أحد، وذلك أن قريشًا لما رجعوا من بدر جمعوا جمعًا كبيرًا في السنة الثانية وخرجوا إلى المدينة وكان القتال عند أحد وكانت الهزيمة على الكفار، وقتل من المسلمين يومئذ سبعون رجلًا وجرح كثير منهم وانهزم الباقون ثم صرف اللّه عنهم الكفار فرجعوا فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهو إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (١) أي: رجع الأمر عليكم، انتهى، قاله السمرقندي في كتابه بستان العارفين (٢). قال في شرح السنة (٣): السنة في الشهيد أن تنزع عنه الفراء والجلود والخفاف والأسلحة، ويدفن بما عليه من ثياب الحرب، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع شيء من الثياب التي قتل فيها فإن لم يكن له ثوب سابغ وجب تتميمه لقصة مصعب بن عمير، وسيأتي ذلك في الزهد في الدنيا، وإذا استشهد الجنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة، وكذلك منقطعة

стр. 786

الحيض قبل الاغتسال لا تغسل أيضًا على الصحيح، وهذا الحديث صريح في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، والأصح أنه حرام، وفرق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبت الصلاة وأسقط الغسل، واستدل الجمهور بأن الشهيد حي بنص القرآن. وقال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم، ولم يصح حديث يخالف ذلك، وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل كما قال أبو حنيفة لأنه روي أنه ﷺ صلى على حمزة وهو قول الثوري وأصحابه في الرأي وإسحاق، وقال الحسن وابن المسيب يغسل ويصلى عليه لأن كلّ ميت يجنب، وإنما لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، وقال الأولون: صلاته على حمزة دعاؤه لأن الصلاة في اللغة الدعاء. تنبيه: الشهيد الذي تثبت له هذه الأحكام هو المقتول في قتال الكفار بسبب من أسبابه، والشهداء على ثلاثة أقسام: من قتل في معركة الكفار فهذا لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، كما تقدم، الثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم، فهذا يغسل ويصلى وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول، والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه بمن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، فهذا أيضًا لا يغسل ولا يصلى

стр. 787

عليه وليس له في الآخرة ثواب الشهداء (١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في الجهاد. قوله في الحديث: "ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد"، أما تقديم الأكثر قرآنا فلفضيلته، والتقديم في شيئين في اللحد قبل غيره وإلى جهة القبلة، قال العُلماء: يقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن أحدهما أب الآخر، كان كان الابن أفضل فإن كان قدم مطلقا، وكذا تقدم الأم على البنت والابن يقدم على الأم المذكورة، ويظهر أن الخنثى كذكر مع أنثى (٢). فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (٣). وفي هذا الحديث فضيلة قراءة القرآن وعظيم ما أوتوه إذا كانوا عاملين به، وفيه: استخبار الحاكم عن الفضلاء ورفعهم إلى مراتبهم وقبول من يثق به في تعريف أحوالهم وإن من كان أقرأ كان أفضل لفضل علمه وعمله، وفيه: الحث على تعليمه وأن لا يغفلوه لإكرام اللّه أهله في الحياة والممات (٤).

стр. 788

قوله: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، أراد بالإشارة هنا العبارة فلا يجوز أن يخاطب النبي ﷺ قوما فيجيبونه بالإشارة دون العبارة، انتهى. قوله ﷺ في آخر الحديث: "أنا شهيد على هؤلاء" أي: بقتلهم في سبيل اللّه، أي: شهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم للّه تعالى ففيه رفعة شأنهم يأن يكون شاهدهم سيد الأولين والآخرين (١)، انتهى. ١٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). قوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم. قوله ﷺ : "إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ" الحديث، إكرام ذي الشيبة هو: الشيخ المسلم وحامل القرآن. قال ابن عبد البر (٣): حملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه. قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي: ما أحسن هذا، وهذا هو الكمال (٤).

стр. 789

قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الأول من كتاب تلاوة القرآن (١): عن الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو أو لا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن، انتهى. قال أبو عمر: روى أنس أن النبي ﷺ قال: "القرآن أفضل من كلّ شيء، فمن وقر القرآن فقد وقر اللّه، ومن استخف بالقرآن فقد استخف بحق اللّه تعالى، حملة القرآن هم المحفوفون برحمة اللّه تعالى المعظمون كلام اللّه الملبسون نور اللّه فمن والاهم فقد والى اللّه ومن عاداهم فقد استخف بحق اللّه " (٢)، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "أكرموا حملة القرآن فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم اللّه إن اللّه لينصت للقرآن ويستمع من أهله ألا ولا تنقصوا حملة القرآن حقوقهم فإنهم من اللّه بمكان، كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنه لا يوحى إليهم التالي والمستمع آية من كتاب اللّه خير مما دون العرش إلى السماء السابعة السفلى التالي والسامع من كتاب اللّه خير من صبير ذهبا، قيل: يا رسول اللّه وما صبير؟ قال: يعني مثل أحد في الميزان" (٣)،

стр. 790

خرجه الوائلي في كتاب الإبانة (١)، وقال: حديث غريب، قاله القرطبي في تذكاره (٢). قوله ﷺ : "غير الغالي فيه" الغالي فيه: المتجاوز فيه عن الحد، وقيل: هو الذي يقول في القرآن برأى من عند نفسه، قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٣) أي: لا تتجاوزوا الحد في الدين الذي أنتم مطلوبون به (٤)، فالغلو: التجاوز عن الحد والقرب، والغالي: المتجاوز في أمر الدين عامله وبين، ومنه الحديث، وحامل القرآن غير الغالي فيه إنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر اللّه بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وأصل الغلو: الارتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء (٥)، انتهى. وقال ابن قيم الجوزية: الغلو مجاوزة الحد والغلو والتقصير كلّ واحد مذموم في الدين، فالغلو مجاوزته وتعديه وما أمر اللّه تعالى بأمر إلا وللشيطان

стр. 791

فيه نزعتان، فأما إلى غلو ومجاوزة، وأما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد، والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه ﷺ وترك أقوال الناس وآراءهم بما جاء به، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم (١)، انتهى. قوله: "ولا الجافي عنه" الجافي: المتجانب عن العمل بأحكام القرآن والجفاء البعد عن الشيء يقال: جفاه إذا بعد عنه وأجفاه إذا أبعده، ومنه الحديث: "اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه" أي: تعاهده ولا تبتعدوا عن تلاوته، والجفاء أيضًا ترك الصلة والبر، قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ : "وإكرام ذي السلطان المقسط" أي: العادل. لطيفة: قال ابن العماد في بعفر مؤلفاته: وإنما خصت هذه الثلاث المذكورة في الحديث لأنها راجعة إلى أوصاف الرب ، فذو الشيبة حصل له كبر السن، والباري له الكبرياء، وحامل القرآن كذلك لأن القرآن كلام اللّه وكلامه صفته فكأنه اتصف بشيء من صفات الرب ولبس جها حلة الكرامة، فوجب أن يعامل بالإجلال والمهابة، وكذلك الإمام المقسط يعني السلطان العادل لما اتصف بالعدل الذي ضد الجور، والعدل من صفاته وجب أن يعامل بالإجلال وبالسمع والطاعة والمبادرة إلى امتثال أمره ونهيه لأنه أمر بأمر اللّه تعالى.

стр. 792

قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، قال العُلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب اللّه تعالى طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العُلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما قول من قال: الصحابة خاصة فقد أخطأ (٢). وهذه الآية فيها الحث على السمع والطاعة إذ بذلك تجتمع كلمة المسلمين، فإن الخلاف يسبب فساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (٣)، انتهى، واللّه أعلم. ١٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ الْبركَة مَعَ أكابركم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٤). قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "البركة مع أكابركم" وسيأتي أحاديث في الزهد، وفيها: "خيركم من طال عمره وحسن عمله".

стр. 793

١٦٧ - وَعنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر الْكَبِير وَيرْحَم الصَّغِير وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر. رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه (١). قوله: وعنه أيضًا، تقدم. قوله ﷺ : "ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير" الحديث، وفي حديث آخر رواه الترمذي في أبواب البر قال أنس بن مالك: جاء شيخ يريد النبي ﷺ ، فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي ﷺ : "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" وفي الترمذي أيضًا عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض اللّه له من يكرمه عند سنه" وفي رواية "عند كبره" وهو حديث غريب (٢)، قوله: "قيض اللّه له" معناه: سبب وقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ (٣) أي: سببنا، يقال: هذا قيضٌ لهذا وقياس له، أي: مساوٍ له، قاله في النهاية (٤)؛ وقوله: "ما أكرم شاب شيخًا" أطلق ولم يقيد بالإسلام ليكون عاما، وقوله "صغيرنا" لسوء أدبه. قوله: "ويوقر كبيرنا" لشيبه وعجزه.

стр. 794

وقوله: "فليس منا" الحديث، معناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واهتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا أي لا أنه أخرجه بين المؤمنين كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا القول في كلّ الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، واللّه أعلم، انتهى، قاله النووي في شرح مسلم وغيره (١). ١٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). ١٦٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لَيْسَ من أمتِي من لم يجل كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ: "لَيْسَ منا" (٣).

стр. 795

١٧٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويجل كَبِيرنَا". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن شهَاب عَن وَاثِلَة وَلم يسمع مِنْهُ (١). ١٧١ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن جدّه أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف شرف كَبِيرنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ وَيعرف حق كَبِيرنَا (٢). ١٧٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ تعلمُوا الْعلم وتعلموا للْعلم السكينَة وَالْوَقار وتواضعوا لمن تعلمُونَ مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣). قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار" الحديث تقدم الكلام على فضل العلم وتعلمه.

стр. 796

قوله: "وتعلموا للعلم السكينة والوقار" السكينة هي الوقار كما فسره أئمة اللغة لكن في بعض طرق الحديث في صحيح البخاري: "وعليكم بالسكينة والوقار" قال القاضي عياض في المشارق (١): كرر فيه الوقار للتأكيد، وقال في الصحاح (٢): الوقار الحلم والرزانة، وقال النووي قدس اللّه روحه (٣): الظاهر أن بينهما فرقًا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت. والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "وتواضعوا لمن تعلمون منه" التواضع مطلوب من الطالب لشيخه، قال أبو الليث السمرقندي (٤): ينبغي للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن بتعظيمه تظهر فيه بركة العلم، وإذا استخف يذهب عنه بركة العلم، ويقال: إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال: التواضع في نفسه والحرص على التعلم والتعظيم للعالم، فإن بتواضعه ينجع فيه العلم وبحرصه يستخرج العلم وبتعظيمه يستعطف العالم، فأول ما يحتاج إليه المتعلم أن يصحح نيته لينتفع بما يتعلم وينتفع به من يأخذ عنه، فإذا أراد به أن يصحح نيته يحتاج أن ينوي ثلاثة أشياء: أحدها: أن ينوي بتعلمه الخروج

стр. 797

من الجهل، والثاني: أن ينوي به منفعة الخلق لأن النبي ﷺ قال: "خير الناس من ينفع الناس"، والثالث: أن ينوي إحياء العلم لأن الناس لو تركوا العلم لذهب العلم كما روي عن النبي ﷺ قال: "تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب العُلماء" وينبغي للمتعلم أن ينوي به وجه اللّه تعالى والدار الآخرة ولا ينوي به طلب الدنيا لأنه إذا طلب به وجه اللّه تعالى ينال الأمرين جميعا، وإذا لم يقدر على تصحيح النية فالمتعلم أفضل من تركه فإنه إذا تعلم العلم فإنه يرجى له أن يصحح النية، قال مجاهد: طلبنا العلم وما لنا فيه كبير نية تم رزقنا اللّه فيه النية، ولا ينبغي للمتعلم أن يدع شيئًا من الفرائض أو يؤخرها عن وقتها فتذهب بركة علمه، ولا ينبغي أن يؤذي أحدًا لأجل تعلمه فتذهب بركة علمه أيضًا، ولا ينبغي أن يكون بخيلا بعلمه إذا استعار منه إنسان كتابا أو استعان به لتفهيم مسألة أو نحوه ولا ينبغي أن يبخل به، فإنه يقصد بتعلمه منفعة الخلق وينبغي للمتعلم أن يوقر العلم أولا، ولا ينبغي أن يضع الكتاب على التراب، وينبغي للمتعلم أن يرضى بالدون من العيش من غير أن يترك حظ نفسه من الكل والشرب والنوم، وينبغي للمتعلم أن يقل معاشرة الناس والنساء ومخالطتهم ولا يشتغل بما لا يعنيه، ويقال بها المثل: من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، وينبغي للمتعلم إذا وقع بينه وبين شخص منازعة أو خصومة أن يستعمل الرفق والإنصاف ليكون فرقا بينه وبني الجاهل لأن النبي ﷺ قال: "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" أي: عابه، انتهى، قاله بها بستان العارفين.

стр. 798

١٧٣ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ لا يدركني زمَان أَو قَالَ لا تدركوا زَمَانا لا يتبع فِيهِ الْعَلِيم وَلَا يستحى فِيهِ من الْحَلِيم قُلُوبهم قُلُوب الأعَاجِم وألسنتهم أَلْسِنَة الْعَرَب. رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (١). قوله: "عن سهل بن سعد الساعدي" [هو هو أبو العبَّاس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنًا، فسماه النبي ﷺ سهلا. شهد سهل قضاء رسول اللّه ﷺ في المتلاعنين. قال الزهري: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (٢)]. قوله ﷺ : "لا يدركني زمان" أو قال: "لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم" الحديث، المراد باتباع العليم: العالم بالأحكام الشرعية المبتغي فيها وجه اللّه.

стр. 799

قوله: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، اسمه: عبد اللّه بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء، قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال ابن الأعرابي: يقال: في فلان لهيعة: إذا كان فيه فترة وكسل، وقال بعضهم أيضًا: رجل فيه لهيعة ولهاعة: أي غفلة، وقيل: هي التواني في البيع والشراء حتى يغبن فيه، وقال صاحب المحكم: اللهع التفهق في الكلام، ولهيعة اسم منه، وقيل: مشتقة من الهلع مقلوبة منه، وعبد اللّه بن لهيعة هذا هو الإمام البارع أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بضم الفاء وإسكاء الراء وبالعين المهملة الحضرمي، ويقال الغافقي المصري، قاضي مصر، وقال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا، روى عن عطاء وابن أبي مليكة والأعرج وعمرو بن شعيب، وروى عنه: يحيى بن بكير وقتيبة والمقبري، قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وقال النووي: هو الإمام البارع، قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال: حججت لألقى ابن لهيعة، وقال ابن مهدي: حدّثني واللّه الصادق البار عبد اللّه بن لهيعة، وقال الفلاس: احترقت كتبه، فمن روى عنه قبل ذلك كابن المبارك والمنقري فهو أصح ممن كتب عنه بعد ذلك وكان احترق كتبه سنة سبعين ومائة، قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعفه وترك الاحتجاج بما انفرد به، وفصل ابن سعد بين أول أمره وآخره فحديث ابن المبارك وابن وهب والمقرئ عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء عنه، واحتج

стр. 800

بها، توفي ابن لهيعة بمصر سنة أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة سبع وتسعين (١)، واللّه أعلم. ١٧٤ - وَعَن أبي أمَامَة عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ ثَلَاثَةٌ لا يَسْتَخِفُّ بحَقِّهِمْ إِلَّا مُنَافِقٌ: ذُو الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وَإِمَامٌ مُقْسِطٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن (٢). قوله: عن أبي أمامة، تقدم. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام أي: المسلم، وذو العلم وإممام مقسط" الحديث، وذو العلم هو العالم بالأحكام الشرعية المبتغى بذلك وجه اللّه تعالي، والإمام المقسط هو السلطان العادل في أحكامه وأقواله وأفعاله بما يسوغ شرعا، وتقدم الكلام على الثلاثة في أحاديث الباب مبسوطًا في ذلك وحامل القرآن وفي هذا الحديث وذو العلم. ١٧٥ - وَعَن عبد اللّه بن بسر ﵁: قَالَ لقد سَمِعت حَدِيثا مُنْذُ زمَان إِذا كنت فِي قوم عشْرين رجلًا أَو أقل أَو أَكثر فتصفحت وُجُوههم فَلم ترَ فيهم

стр. 801

رجلًا يهاب فِي اللّه فَاعْلَم أَن الأمر قد رق. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن (١). ١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِيّ ﷺ يَقُول لا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدوا [فيقتتلوا] وَأَن يفتح لَهُم الْكتاب يَأْخُذهُ الْمُؤمن يَبْتَغِي تَأْوِيله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] وَأَن يرَوا ذَا علم فيضيعوه وَلا يبالوا عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢). قوله: عن أبي مالك الأشعري، أبو مالك الأشعري، اسمه: (كعب بن عاصم الأشعري كنيته أبو مالك، وقيل: اسم أبي مالك عمرو) (٣).

стр. 802

قوله ﷺ : "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال" أي: خصال. قوله: "أن يكثر لهم من الدنيا فيتحاسدوا" الحسد معروف، وتقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في بابه. قوله: "وأن يفتح لهم الكتاب يأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون" الآية، المراد بالكتاب القرآن، وسيأتي الكلام على ذلك، ومذاهب العُلماء واختلافهم في باب الطيرة، أو قبله. قوله: "وإن يروا ذا علم فيضيعونه ولا يبالون عليه" ذا علم بمعنى: صاحب علم، المراد بتضييعه عدم الاهتمام به وبعلومه، وكذلك عدم الاهتمام بالدين، وذلك من علامات الساعة، واللّه أعلم.

стр. 803

[الترهيب من تعلم العلم لغير وجه اللّه تعالى] ١٧٧ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من تعلم علما مِمَّا يبتغى بِهِ وَجه اللّه تَعَالَى لا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي رِيحهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (١) وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي أول بَاب الرِّيَاء وَفِيه: "رجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار" الحَدِيث رَوَاهُ مسلم وَغَيره. قوله: "عن أبي هريرة، تقدم". قوله ﷺ : "من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب عرضًا من الدنيا" الحديث، العرض: بفتح العين والراء هو ما يقتنى من المال وغيره. قوله: "لم يجد عرف الجنة" وعرف الجنة: بفتح العين المهملة وسكون الراء، قال الحافظ: يعني ريحها. قال في النهاية (٢): "لم يجد عرف

стр. 804

الجنة" يعني ريحها الطيبة، والعرف: الريح، ومنه حديث عليّ: "أرض الكوفة أرض سواء سهلة معروفة" أي: طيبة العرف، أي الريح، وعرف الجنة يحتمل معنيين: أحدهما: التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة والمبالغة في ذلك لا القنوط الكلي عن دخول الجنة واليأس الجزمي عن وجدان الرحمة كما ذهب إليه الجهال المبتدعة ولأن النصوص الثابتة المتواترة ناطقة بدخول أهل الإيمان في رياض الجنة والخلاص من النيران وإن مسهم نفحة من العذاب ولفحة من العقاب، ولهذا قال ﵊: "لم يجد عرفها يوم القيامة" وهو اليوم الموصوف بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (١) ولم يقل على الإطلاق، فهذا الذي تعلم العلم للأغراض الفانية ولصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح الفائحة من الرياض الرائضة ومن الجنة العالية، ولا يهتدى إليها من الأمراض الكائنة في القلب المخلة بالعوامل الإيمانية (٢). والثاني: أنه لا يدخل الجنة قبل العذاب وملابسة العقاب بل يعذب بقدر ذنبه في الدنيا وطلبها بعمل العقبى، انتهى. فتعلم العلم لغير وجه اللّه كأن يريد به الرياء والسمعة بين الناس وكمن يتعلمه للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس له فذلك العالم يستحق دخول

стр. 805

النار، فهذا الحديث أبلغ زجر وردع عن نية غير صالحة، وسبب هذا واللّه أعلم: أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة اللّه تعالى ومجبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته والعلم النافع يدلّ على ذلك، فمن لله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا فاز بالجنة الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابا في الآخرة عالم لم ينفعه علمه وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا للتوصل إلى أخس الأمور وأدناها قيمة وأحقرها كمن كانت عنده جواهر نفسية ولها قيمة عظيمة فباعها بشيء مستقذر لا ينتفع به، بل حال من يطلب الدنيا بعلمه أقبح وأقبح، وكذلك من يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًا، قاله ابن رجب الحنبلي (١)، قال الإمام أبو حامد (٢): فانظر إلى هذه الدرجة العليا كيف رجحت بهذا العالم المسكين إلى أسفل سافلين، قال الإمام مالك ﵀: ليس العلم بكثرة الرِّواية وإنما العلم نور يقذفه اللّه في القلوب، ومن كتاب سير السلف (٣): قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرِّواية إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم، ثم قال: وهذا البحث كلّه إنما هو إذا سلم طالب العلم من

стр. 806

عوض يأخذه عليه مما هو معلوم في الوقت، فإن كان ثم معلوم يطلبه على علمه فقد زاد ذما على مذمومات تقدم ذكرها، واللّه أعلم. ١٧٨ - وَرُوِيَ عَن كعْب بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول من طلب الْعلم ليجاري بِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء وَيصرف بِهِ وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ أدخلهُ اللّه النَّار. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيره وَالْحَاكم شَاهدا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (١). قوله: عن كعب بن مالك، هو الأنصاري الشاعر وهو أحد الثلاثة الذين أنزل اللّه فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٢) روي له عن رسول اللّه ﷺ ثمانون حديثًا، للبخاري منها أربعة، شهد العقبة مع السبعين، مات بالمدينة سنة خمسين، وسيأتي الكلام على مناقبه في مواضع من هذا التعليق مبسوطًا إن شاء اللّه. قوله ﷺ : "من طلب العلم ليجاري به العُلماء" الحديث، قال ابن الأثير في النهاية (٣): ليجري مع العُلماء في المناظرة والجدال ليظهر علمه إلى الناس رياء وسمعة.

стр. 807

قوله ﷺ : "أو ليماري به السفهاء" والمماراة المجادلة على مذهب الشك (١)، فإن كلّ واحد من المتحاجين يشك فيما يقوله صاحبه أو يشككه بما يورد على حجته (٢)، والمراد بالسفهاء الجهال فإن عقولهم ناقصة (٣)، والمعنى فيه: أن النية هي ركن العمل أو شرطه الذي لا يعتد به إلا بها فإذا عدمت لم يكن شيئًا وإذا فسدت فسد الهوى (٤)، فمن يطلب بالعلم الرياسة على الخلق والتعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا إليه وجوههم وأن يظهر للناس زيادة علمه على العُلماء أو ليعلوا به عليهم ونحو ذلك فهذا وعيده النار لأن قصد التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان (٥). وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أول خلق اللّه تسعر بهم النار ثلاثة منهم: العالم الذي قرأ القرآن ليقال قارئ، وتعلم العلم ليقال عالم وأنه يقال له قد قيل، وأمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار" وذكر مثل ذلك المتصدق ليقال: "إنه جواد" وفي المجاهد يقال له:

стр. 808

"شجاع" (١) وعن علي ﵁ قال: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم ويخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقًا حلقًا فيباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه (٢). قوله: رواه الحاكم شاهدًا، اعلم أن لأهل الحديث ألفاظًا يعرف بها حال الحديت هل تفرد به راويه أم لا منها الشاهد ومثاله ما رواه مسلم والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول اللّه ﷺ مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ : "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ " فلم يذكر أحد من أصحاب عمرو بن دينار "فدبغوه" إلا ابن عيينة، فوجد له شاهد وهو ما رواه مسلم من رواية عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". ١٧٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا تعلمُوا الْعلم لتباهوا بِهِ الْعلمَاء وَلا تماروا بِهِ السُّفَهَاء وَلا تخَيرُوا بِهِ الْمجَالِس فَمن فعل ذَلِك فَالنَّار النَّار. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب الغافقي عَن ابْن جريح عَن أبي الزبير عَنهُ وَيحيى هَذا ثِقة احْتج بِهِ

стр. 809

الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلا يلْتَفت إِلَى من شَذَّ فِيهِ (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ من حَدِيث حُذَيْفَة (٢). قوله: عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لا تعلموا العلم لتباهوا به العُلماء ولا تمار به السفهاء" المباهاة هي المفاخرة، وتقدم الكلام على المماراة، والسفهاء في الحديث قبله. قوله ﷺ : "لا تحبروا به المجالس" أي: تحسنوا به المجالس وتزينوا من التحبير وهو التزيين والتحسين، قال الأصمعي: كان يقال لطفيل الغنوي بفتح الغين المعجمة في الجاهلية محبر لأنه كان يحسن الشعر (٣)، والحبر أيضًا الحبور وهو السرور ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (٤) ينعمون ويكرمون ويسرون (٥)، وقال يحيى بن أبي كثير: الحبرة اللذة والسماع (٦)، انتهى. قوله: رووه كلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي.

стр. 810

١٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ من طلب الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بِهِ السُّفَهَاء أَو ليصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ فَهُوَ في النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَة (١). قوله: عن ابن عمر، تقدم. قوله ﷺ : "من طلب العلم ليباهي به العُلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه" تقدم الكلام على المباهاة والمماراة، ومعنى "يصرف به وجوه الناس إليه" أي: يقلبهم إليه مأخوذ من قوله صرفت الصبيان: قلبتهم (٢)، وخرج ابن عدي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، وزاد فيه: "ولكن تعلموه لوجه اللّه والدار الآخرة" (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بعلمكم ما عند اللّه فإنه يبقى ويذهب ما سواه، انتهى، قاله ابن رجب (٤)، وقال عيسى ابن مريم: كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلبه ليعمل به (٥)، وقال الحسن: ما رأيتُ فقيها يداري ولا يماري إنما ينشر حكمة اللّه فإن قبلت حمد اللّه وإن ردت حمد اللّه (٦).

стр. 811

١٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من تعلم الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بهِ السُّفَهَاء وَيصرف بهِ وُجُوه النَّاس أدخلهُ اللّه جَهَنَّم. رَوَاهُ ابْن مَاجَة أَيْضًا (١). ١٨٢ - وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من تعلم علما لغير اللّه أَو أَرَادَ بِهِ غير اللّه فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن دريك عَن ابْن عمر وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَال إسنادهما ثِقَات (٢). قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من تعلم علما لغير اللّه أو أراد به غير اللّه فليتبوأ مقعده من النار" الحديث، قوله "فليتبوأ" بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور، والتبوء: إتخاذ المبأة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا تأخذه موضعا لمقامه، قال أبو سليمان الخطابي: وهو أمر يشبه التهديد والوعيد، ومعناه: لينزلن منزلة منها، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في الكذب على رسول اللّه ﷺ . قوله: عن خالد بن دريك (بضم أوله وفتح الراء عن ابن عمر وعائشة مرسلا وعن عبد اللّه بن محيريز وعنه قتادة وأيوب وثقه النسائي وابن مَعين وابن حبان).

стр. 812

١٨٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِن نَاسًا من أمتِي سيتفقهون فِي الدّين يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ نأتي الأُمَرَاء فنصيب من دنياهم ونعتز لَهُم بديننا وَلا يكون ذَلِك كَمَا لَا يجتنى من القتاد إِلَّا الشوك كذَلِك لَا يجتنى من قربهم إِلَّا" قَالَ ابْن الصَّباح كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرُوَاته ثِقَات (١). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "إن ناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين يقرؤون القرآن يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتز لهم بديننا ولا يكون ذلك كلما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك" الحديث، القتاد: شجر كثير الشوك ينبت بنجد وتهامة وهو أعظم وأصغر، فالأعظم الذي له شوك، والأصغر التي التي ثمرها نفاخة كنفاخة العشر، والمراد هنا: التقاد الأعظم، قاله في الصحاح. قوله: "كذلك لا يجتنى من قربهم إلا" قال ابن الصلاح: كأنه يعني الخطايا؛ ابن الصباح: اسمه محمد بن الصباح البغدادي. وقوله: "إلا" من الاكتفاء، فحديث ابن عباس حديث حسن، وهو علم من أعلام النبوة، فإن كثيرًا من العُلماء الذي يقرؤون القرآن وهم كما قال اللّه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ

стр. 813

يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١) الآية، قاله في الديباجة (٢)، وخرجه الطبراني ولفظه: "أن ناسًا من أمتي يقرؤون القرآن ويتعمقون في الدين يأتيهم الشيطان يقول: لو أتيتم الملوك فأصبتم من دنياهم واعتزلتموهم بدينكم إلا، ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا". لطيفة: روى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصسب فخًا فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك متغيبًا في التراب، قال: للتواضع، قال: فمم خببت؟ قال: من طول العبادة، قال: فما هذه الحبة فيك؟ قال: أعددتها للطائعين، فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العبادة اليوم، قاله في حياة الحيوان (٣). ١٨٤ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من تعلم صرف الْكَلَام لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوب الرِّجَال أَو النَّاس لم يقبل اللّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٤) قَالَ الْحَافِظ: يشبه أَن يكون فِيهِ انْقِطَاع فَإِن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل ذكره البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرُوا لَهُ رِوَايَة عَن الصَّحَابَة وَاللّه أعلم.

стр. 814

قوله: "وعن أبي هريرة"، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال" الحديث، صرف الكلام: هو بفتح الصاد أي: من تعلم فصاحة الكلام وأنواع البلاغة من أنواع الشعر وغيره من العلوم ليجعل قلوب الناس مائلة إليه لم يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلًا (١)، والمراد من صرف الكلام هو فضله وما يتكلفه الإنسان فوق الحاجة فيه، وإنما كره النبي ﷺ ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد (٢)، يقال: فلان لا يحسن صرف الكلام أي فضل بعضه على بعض وهو من صرف الدراهم وتفاضلها (٣)، فأمر النبي ﷺ أن يكون الكلام قصدًا بقدر الحاجة غير زائد عليها ليوافق ظاهره باطنه وسره علنه (٤)، وحينئذ: ففي الحديث من أنواع الجناس التام بين صرف وصرف، وهو أشرف أنواع الجناس كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (٥). قوله: "لم يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" يعني: فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير (٦)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا فيمن أخاف أهل المدينة أو أرادهم بسوء.

стр. 815

١٨٥ - وعن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: "كيف بكم إذا لبستْكم فتنةٌ، يَربو فيها الصغيرُ، ويَهرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سنةً، فإن غُيّرتْ يومًا قيلَ: هذا منكرٌ! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أُمناؤكم، وكثُرتْ أُمراؤُكُم، وقَلَّتْ فقهاؤكُم، وكَثُرتْ قراؤكم، وتُفُقِّهَ لِغيرِ الدين، والتُمست الدنيا بعملِ الآخرةِ". رواه عبد الرزاق في "كتابه" موقوفًا (١). قوله: عن ابن مسعود، فهو: عبد اللّه بن مسعود، يقال له: ابن أم عبد، أم عبد اللّه بن مسعود وهي بنت عبد ود من هذيل بن مدركة، أسلمت وبايعت النبي ﷺ ، ذكر مصعب بن سعد أن عمر ﷺ فرض الأعطية ففرض لأم عبد ألف درهم، حكاه ابن سعد في الطبقات الصغري، انتهى. قوله: "كيف بكم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير" الحديث، وهذ يدلّ على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه، فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس، وهذه هي الفتنة العظمى. ١٨٦ - وَعَن عَليّ ﵁: أَنه ذكر فتنا تكون فِي آخر الزَّمَان فَقَالَ لَهُ عمر مَتى ذَلِك يَا عَليّ قَالَ إِذا تفقه لغير الدّين وَتعلم الْعلم لغير الْعَمَل والتمست الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضًا فِي كلتَابه مَوْقُوفًا (٢) وَتقدم حَدِيث ابْن

стр. 816

عَبَّاس الْمَرْفُوع وَفِيه وَرجل آتَاهُ اللّه علمًا فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللّه علما فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْترى بِهِ ثمنًا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب. قوله: عن عليّ، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: أن عليًّا ذكر فتنًا تكون في آخر الزمان، فقال عمر: متى ذلك أي علي؟ قال: إذا تفقه لغير اللّه وتعلم العلم لغير العمل، الحديث، وقال علي أيضًا ﵁: إذا كان الفقه لغير الدين وطلب العلم لغير العمل به وطلبت الدنيا بأعمال الآخرة فحينئذ تدفهم الفتن دف الرحى تفالها، وقال: جلس ابن مسعود يومًا فنظر إلى قوم قد اجتمعوا حوله يطلبون الحديث فالتفت إلى حارثة وقال: يا حارثة ألم تر إلى هؤلاء قد اجتمعوا ليتعلموا، فقال حارثة: قد اجتمعوا ليتعلموا ثم يتركوا، فقال ابن مسعود: صدقت واللّه الذي لا إله إلا هو، واجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل فاطلع عليهم من كومة وهو يبكي ولحيته ترجف، فقال: عليكم بالقرآن عليكم بالطواف عليكم بالعبادة، ويحكم، ليس هذا زمان حديث إنما زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق، وإنما هذا زمان السوء، احفظ لسانك وأخف بكائك وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر (١).

стр. 817

قوله: فاطلع من كومة، بفاح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب المطالع، وحكي فيها الضم (١)، وقال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من العلم أن يقول له الناس عالمًا، وفي بعض الآثار: أن عيسى ﵊ قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدّث به ولا يطلبه ليعمل به، وقال بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدّث بها لا يجد ريح الجنة، يعني: من ليس له غرض في طلبها إلا الحديث بها دون العمل بها. تنبيه: ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد اللّه بن أبي جعفر مرسلًا عن النبي ﷺ قال: "أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار" (٢) وقال علقمة: أجرأكم على الفتيا أقلكم علمًا، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار ومن أصحاب رسول اللّه ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيؤدها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول (٣) وهو ابن مسعود ﵁ قال: إن الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون (٤)، وسئل عمر بن عبد

стр. 818

العزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجريء، وكتب إلى بعض عماله: إني واللّه ما إني بحريص على الفتيا ما وجدت منه بدًا، وليس هذا الأمر لمن ود أن الناس احتاجوا إليه، إنما هذا الأمر لمن ود أنه وجد من يكفيه، وعنه ﵁ أنه قال: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم وأجهلهم بها أنطقهم، وقال سفيان الثوري: أدركنا الفقهاء وكانوا يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدون بدًا، وإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد كانت للضرورة، قيل له: فأيهما أفضل، الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحب إليّ، قيل له: فإذا كانت الضرورة فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم؛ وليعلم المفتي أنه يرفع عن اللّه أمره ونهيه وأنه موقف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: أيها المفتون، انظروا كيف تفتون عن اللّه، وعن ابن المنكدر قال: إن العالم بين اللّه وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم، وكان ابن سيرين: إذا سئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول: ما وجدت أحدًا تسأل غيري، وقال: قد تكلمت لو وجدت بك ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، وعن محمد بن واسمع قال: أول من يدعى للحساب الفقهاء، وعن مالك أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض العُلماء لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص المسائل وليكن تخليص نفسك أولا، وقال آخر: إذا سئلت عن شيء فتفكر إن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم وإلا فاسكت،

стр. 819

وكلام السلف في هذا يطول، وفيما ذكرنا كفاية لمن تدبر، واللّه أعلم (١). خاتمة: وتقدم في حديث ابن عباس المرفوع: "ورجل أتاه اللّه علما فبخل به عن عباد اللّه وأخذ عليه مطمعا وشرى به ثمنًا" الحديث (٢)، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (٣): وإذا تعين على العالم نشر العلم وتعليمه وكانت عنده كفايته ثم ضن بعلمه أي يبخل حتى يأخذ عليه أجرًا فهو المراد بالآية وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤) والحديث، وأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة لقوله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللّه" أخرجه البخاري (٥)، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته لأن إحياء نفسه أوجب، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق ﵁. لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له: في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته، واللّه أعلم.

стр. 820

الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير ١٨٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : إن مما يلحق المؤمنين من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمهُ ونشره وولدا صالحا تركه، أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن سبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته. رواه ابن ماجة بإسناد حسن والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه (١). الدلالة: بكسر الدال وفتحها، ويقال: دلولة بضم اللام. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره" الحديث، وقدم العلم على جميع الانتقاصات للاهتمام به. قوله: "وولدا صالحًا تره أو مصحفا ورثه" الحديث، وتقدم الكلام على هذا الحديث وما يشبهه مبسوطًا. ١٨٨ - وَعَن أَبِى قَتَادَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده، رَوَاهُ ابْن مَاجَة بِإِسْنَاد صَحِيح وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثلاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم يُنْتَفع بِهِ أَو ولد

стр. 821

صَالح يَدْعُو لَهُ". رَوَا مسلم (١). قوله: عن أبي قتادة، وأبو قتادة: اسمه. قوله: "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث، ولد صالح يدعو له أو صدقة يجري ما يبلغه أجرها" قال العُلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة كونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، وفيه: فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وفيه: دليل الصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وفيه: بيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالعلم والتصنيف والإيضاح وانه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهو مجمع عليها، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهو داخل في قضاء الدين إذا كانا حجًّا واجبًا، وإذا كان تطوعًا ووصى به فهو من باب الوصايا (٢)، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا، واللّه أعلم.
следующие страницы →