← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 7607–7646 · переход к 7612.

стр. 7607

قال النووي: وفي الحديث فوائد منها فضل العزلة في أيام الفتن (١). فائدة (٢): فمن له القدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها أما فرض عين وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة (٣) وتقدم ذلك وفيه فائدة أخرى للعزلة وهي الفرار بدينه من الفتن وكان الغنم خير المال لإعانتها على أشرف الخلال (٤). فائدة: وفي صحيح البخاري وسنن ابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم" فقال له أصحابه: أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط" (٥) قال قال سويد: يعني كل شاة بقيراط (٦). وفي غريب الحديث للقتيبي: بعث موسى ﷺ وهو راعي غنم وبعث داود ﷺ وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد، وفي الحديث: "أجر موسى نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه" إونما جعل اللَّه الرعي في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وليكون أممهم رعايا لهم

стр. 7608

دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قال أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول، فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها فإن كانت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدك أجرك وإن أنت لم تهن جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدك، أ. هـ ذكره في حياة الحيوان (١). قال صاحب الحدائق (٢): قلت: فليقتدي بهم وكان أويس القرني يرعى إبل قومه تخليا ومكتسبا، وقد اعتزل أبو ذر والسادات ونزل البردة فما ظنك بزمننا الخلف وكثرة الأراذل والسفهاء. أ. هـ. ٤١٤١ - وَعنهُ ﵁ عَن رَسُول اللَّه ﷺ أَنه قَالَ من خير معايش النَّاس لَهُم رجل مُمْسك عنان فرسه فِي سَبِيل اللَّه يطير على مَتنه كلما سمع هيعة أَو فزعة طَار عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْل أَو الْمَوْت مظانه وَرجل فِي غنيمَة فِي رَأس شعفة من هَذِه الشعف أَو بطن وَاد من هَذِه الأودية يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعبد ربه حَتَّى يَأْتِيهِ الْيَقِين لَيْسَ من النَّاس إِلَّا فِي خير رَوَاهُ مسلم وَتقدم بشرح غَرِيبه فِي الْجِهَاد (٣).

стр. 7609

قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من خير معايش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانه ورجل في كنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية" الحديث، المعاش هو [هو العيش وهو] الحياة، وتقديره واللَّه أعلم: من خير أحوال عيشهم (١). قوله: "يطير" أي: يسرع ومتنه ظهره والهيعة بفتح الهاء وإسكان الياء الصوت للحرب أعند، حضور العدو، والفزعة بإسكان الزاي أي النهوض إلى العدو ومظان الشيء المواضع التي يظن وجوده فيها لشدة رغبته في الشهادة، وفي هذا الحديث فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة (٢). والغُنيمة بضم الغين تصغير الغنم أي قطعة منها والشعفة بفتح الشين والعين المهملة أعلى الجبل واليقين الموت (٣) قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (٤) وفي هذا الحديث مدح للعزلة مطلقا وفيه أنه ليس من الناس إلا في خير كما جمعه هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه ﷺ (٥)، أ. هـ. فائدة: والاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير

стр. 7610

ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى هو الذي كان عليه الشارع ﷺ والأنبياء والخلفاء ومن بعدهم من العلماء وأحبارهم وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم وبه قال الشافعي والإمام أحمد وأكثر الفقهاء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) والآيات في معنى ذلك كثيرة معلومة واللَّه أعلم (٢). ٤١٤٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس رجل مُمْسك بعنان فرسه فِي سَبِيل اللَّه أَلا أخْبركم بِالَّذِي يتلوه رجل معتزل فِي غنيمَة لَهُ يُؤَدِّي حق اللَّه فِيهَا أَلا أخْبركم بشر النَّاس رجل يسْأَل بِاللَّه وَلا يُعْطي رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن رَسُول اللَّه ﷺ خرج عَلَيْهِم وهم جُلُوس فِي مجْلِس لَهُم فَقَالَ أَلا أخْبركم بِخَير النَّاس منزلا قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ رجل أَخذ بِرَأْس فرسه فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى يَمُوت أَو يقتل أَلا أخْبركم بِالَّذِي يَلِيهِ قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ امْرُؤ معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعتزل شرور النَّاس أَلا أخْبركم بشر النَّاس قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ الَّذِي يسْأَل بِاللَّه وَلا يُعْطي وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْعُزْلَة من حَدِيثه وَرَوَاهُ أَيْضًا هُوَ

стр. 7611

وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أم مُبشر الأَنْصَارِيَّة أطول مِنْهُ (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللَّه ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق اللَّه فيها" الحديث، ومعناه: وشرح غريبه في الحديث قبله واللَّه أعلم. ٤١٤٣ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ من جَاهد فِي سَبِيل اللَّه كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن عَاد مَرِيضا كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن دخل على إِمَامه يعزره كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن جلس فِي بَيته لم يغتب إنْسَانا كَانَ ضَامِنا على اللَّه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان وَاللَّفْظ لَهُ وَعند الطَّبَرَانيِّ أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ وَسلم من النَّاس وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد بِنَحْوِهِ وَتقدم لَفظه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط من حَدِيث عَائِشَة وَلَفظه قَالَ خِصَال سِتّ مَا من مُسلم يَمُوت فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا كَانَ ضَامِنا على اللَّه أَن يدْخل الْجنَّة فَذكر مِنْهَا وَرجل فِي بَيته لا يغتاب الْمُسلمين

стр. 7612

وَلا يجر إِلَيْهِم سخطا وَلا نقمة (١). قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من جاهد في سبيل اللَّه كان ضامنا على اللَّه ومن عاد مريضا كان ضامنا على اللَّه" الحديث، تقدم معنى ضامن في مواضع من هذا التعليق. ٤١٤٤ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول إِن أعجب النَّاس إِلَيّ رجل يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي

стр. 7613

الزَّكَاة ويعمر مَاله ويحفظ دينه ويعتزل النَّاس رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي الْعُزْلَة (١). قوله: وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ هو: أبو العباس وقيل أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني كان اسمه حزنا فسماه رسول اللَّه ﷺ سهلا، شهد سهل فصار مولى رسول اللَّه ﷺ في المتلاعنين، قال الزهري: سمع من النبي ﷺ وكان له يوم وفاة رسول اللَّه ﷺ خمس عشرة سنة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين قال ابن سعد: هو آخر من حدث من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف، روى له عن رسول اللَّه ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر حديثا (٢). قوله ﷺ : "إن أعجب الناس إليّ رجل يؤمن باللَّه ورسوله" فذكر الحديث إلى أن قال: "ويعتزل شرور الناس" الحديث، تقدم الكلام على الاعتزال. ٤١٤٥ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ طُوبَى لمن ملك لِسَانه ووسعه بَيته وَبكى على خطيئتة رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط وَالصَّغِير وَحسن إِسْنَاده (٣).

стр. 7614

قوله: وعن ثوبان ﵁ هو مولى رسول اللَّه ﷺ ، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته" تقدم الكلام عليه. ٤١٤٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه مَا النجَاة قَالَ أمسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من طَرِيق عبيد اللَّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (١). قوله: وعن عقبة بن عامر ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 7615

قوله: قلت: يا رسول اللَّه ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" الحديث، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وجدت الصلاح كله في كلمتين من كلام النبي ﷺ وهو قوله ﵇ "عليك بخويصة نفسك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" يعني: "عليك بخويصة نفسك" أي بالاشتغال بنفسك تهذبها وتنقيها من الأدناس [وتكسبها] الصفات الحميدة التي تجاور بها رب العالمين والاشتغال بالناس لا خير، وأما قوله "وليسعك بيتك" فلأن السلامة في العزلة ومتى خرج الإنسان من بيته تعرض للشقاء وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (١)، قال: ونظمت هذا في قولي: كبر النفس مانع لرشاد ... فكن حقيرا صغيرا والزم البيت لا تفارقه شبرا تلق عند الخروج شرًّا كبيرًا (٢). أ. هـ. وفي أمره ﷺ بالإقامة في البيوت رفق عظيم بأمته ورحمة شاملة إذ رفع عثهم تلك المشاق بجلوسهم في أوطانهم (٣)، فإن قلت: فقد قال ﵊: "فسيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق كطائر بفراخه أو كثعلب بأشباله، ما أتقاه في ذلك الزمان، ما

стр. 7616

أتقاه في ذلك الزمان" فذاك يأمره بالإقامة في بيته وهذا يأمره بالفرار، وقال سيدي أبو محمد بأن الوارد في الفرار محمول على زمان يكون بعض المواضع فيه صالحا للإقامة وبعض فاسدا فإذا كان كذلك فينبغي على المؤمن أن يفر بدينه من الموضع الفاسد إلى الموضع الصالح وأما إن كان الزمان قد استوى حاله في مخالفة عموم السنن وارتكاب البدع وغير ذلك فيلس له موضع يفر إليه فليكن حلسا منة أحلاس بيته فلا يخرج منه واعتزل ما قدرت عليه وكن حلسا من أحلاس بيتك (١)، أ. هـ. ٤١٤٧ - وَعَن مَكْحُول ﵁ قَالَ قَالَ رجل مَتى قيام السَّاعَة يَا رَسُول اللَّه قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وَلَكِن لهَا أَشْرَاط وتقارب أسواق قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَمَا تقَارب أسواقها قَالَ كسادها ومطر وَلَا نَبَات وَأَن تَفْشُو الْغَيْبَة وتكثر أَوْلاد البغية وَأَن يعظم رب المَال وَأَن تعلو أصوات الفسقة فِي الْمَسَاجِد وَأَن يظْهر أهل الْمُنكر على أهل الْحق قَالَ رجل فَمَا تَأْمُرنِي قَالَ فر بِدينِك وَكن حلسًا من أحلاس بَيْتك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا هَكَذَا مُرْسلا (٢). قوله: وعن مكحول ﵁ هو: أبو عبد اللَّه مكحول بن زيد الدمشقي، قيل: كان مولى لسعيد بن العاصي فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، كان يسكن دمشق سمع أنس بن مالك وأبا هند الرازي وواثلة بن الأسقع وأبا أمامة بن

стр. 7617

سهيل وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم، سكن دمشق وتوفي بها سمة ثمان عشرة ومائة واللَّه أعلم وهو من التابعين (١). قوله: قال رجل: متى قيام الساعة يا رسول اللَّه؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فذكر الحديث إلى أن قال: "فر بدينك وكن حلسا من أحلاس بيتك" الحلس بالكسر هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب يعني الزموا بيوتكم من الفتن كلزوم الحلس لظهر الدابة، أ. هـ قاله المنذري. وقال غيره: الحلس كساء رقيق يجعل على ظهر البعير تحت القتب والرحل ومنه قولهم: فلان حلس فلان أي ملازمه وفلان حلس بيته إذا كان قليل الخروج منه (٢)، يعني أنه يتخذ بيته كأنه ثوبه الذي يستر به عورته فيلازمه ولا يفارقه إذا عمت الفتن أو كثرت وهذا موجود مشاهد لأن موضع العبادات رجعت للعادات بل بعض العبادات قد صارت اليوم وسائل للدخول في الدنيا وأكلها وبعضهم يفعلها للرياء والسمعة في الغالب، فإذا كان الأمر كذلك فالهرب من مواضع العبادات المشتملة اليوم على هذه المفاسد إلى قعود الإنسان في بيته أسلم له بل أوجب عليه إن قدر واللَّه أعلم (٣). قوله: رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.

стр. 7618

٤١٤٨ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِن بَين أَيْدِيكُم فتنا كَقطع اللَّيْل المظلم يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كافِرًا الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم والقائم فِيهَا خير من الْمَاشِي والماشي فِيهَا خير من السَّاعِي قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا قَالَ كونُوا أحلاس بُيُوتكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَحَادِيث كثِيرَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا الحلس هُوَ الكساء الَّذِي يَلِي ظهر الْبَعِير تَحت القتب يَعْنِي الزموا بُيُوتكُمْ فِي الْفِتَن كلزوم الحلس لظهر الدَّابَّة (١). قوله: وعن أبي موسى ﵁ اسمه عبد اللَّه بن قيس منسوب إلى الأشعر جد القبيلة. قوله ﷺ : "إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا" الحديث، وفي رواية: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم" قال النووي: معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف ﷺ نوعا من شفيئد تلك الفتن وهو أنه يمسى مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي، وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب واللَّه أعلم بالصواب (٢).

стр. 7619

قوله: فما تأمرنا؟ قال: "كونوا أحلاس بيوتكم" ومنه حديث أبي بكر: "كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطبة أو ميتة قاضية" قاله في النهاية (١)، تقدم الكلام على ضبط الحلس وتفسيره، وفي هذا الحديث الحض على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه ومن مراسيل الحسن وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم صوامع المؤمنين بيوتكم" وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٢) الآية، وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد على ما يعلم من نفسه ويتأتي له من أمره، وقد كان العمري بالمدينة معتزلا وكان مالك مخالطا للناس ثم اعتزل آخر عمره رحمه اللَّه تعالى، فيقال أنه أقام ثمان عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد وقيل له في ذلك، فقال: ليس كل أحد يمكنه أن يخبر بعذره، واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال، فقيل: لئلا يرى المناكير، وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل: كانت به أفردة فكان يرى تنزيه المسجد، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (٣). ٤١٤٩ - وَعَن الْمِقْدَاد بن الأسود قَالَ ايم اللَّه لقد سَمِعت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن وَلمن ابْتُلِيَ فَصَبر فواها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد واها كلمة مَعْنَاهَا التلهف

стр. 7620

وَقد تُوضَع للإعجاب بالشَّيْء (١). قوله: وعن المقداد بن الأسود، تقدم الكلام عليه. قوله: قال ايم اللَّه، تقدم الكلام علي ذلك في قوله في السرقة: "وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد" الحديث. فقوله: "إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها" أي من وقع فيها بغير اختياره فصبر ولم يجاوز حد الشرع، فواها له أي فطربا له، واهًا: كلمة معناها التلهف وقد توضح للإعجاب بالشيء (٢) أ. هـ، قاله المنذري. ٤١٥٠ - وَعَن ابْن عَمْرِو (٣) ﵄ قَالَ بَيْنَمَا نَحن حول رَسُول اللَّه ﷺ إِذْ ذكر الْفِتْنَة فَقَالَ إِذا رَأَيْتُمْ النَّاس قد مرجت عهودهم وَخفت أماناتهم وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ فَقلت كَيفَ أفعل عِنْد ذَلِك جعلني اللَّه ﵎ فدَاك قَالَ الزم بَيْتك وابك على نَفسك واملك عَلَيْك لسَانك وَخذ مَا تعرف ودع مَا تنكر وَعَلَيْك بِأَمْر خَاصَّة نَفسك ودع عَنْك أَمر الْعَامَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ بِإِسْنَاد حسن مرجت أَي فَسدتْ وَالظَّاهِر أَن معنى

стр. 7621

قَوْله خفت أماناتهم أَي قلت من قَوْلهم خف الْقَوْم أَي قلوا وَاللَّه أعلم (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم" الحديث، أي: فسدت، والظاهر أن معنى قوله: "وخفت أماناتهم" أي قلت مأخوذ من قولهم: خف القوم أي قلوا، قاله الحافظ المنذري. وقال غيره: مرجت بفتح الميم وكسر الراء المهملة كذا ضبطه الجوهري أي اختلطت واضطربت ومرجت أمانات الناس أيضًا فسدت ومرج الدين فسد (٢) أ. هـ. قوله: "وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة" الظاهر أن هذا من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣). الآية (٤). ٤١٥١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن عمر خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ معَاذًا عِنْد قبر رَسُول اللَّه ﷺ يبكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَمن عادى أَوْلِيَاء اللَّه فقد بارز بالمحاربة إِن اللَّه

стр. 7622

يحب الأَبْرَار الأتقياء الأخفياء الَّذين إِن غَابُوا لم يفتقدوا وَإِن حَضَرُوا لم يعرفوا قُلُوبهم مصابيح الْهدى يخرجُون من كل غبراء مظْلمَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلا عِلّة لَهُ (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم. قوله: أن عمر خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول اللَّه ﷺ يبكي فقال: ما يبكيك، قال: حديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ قال: "اليسير من الرياء شرك" الحديث، تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق. ٤١٥٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ يَأْتِي على النَّاس زمَان لا يسلم لذِي دين دينه إِلَّا من هرب بِدِينِهِ من شَاهِق إِلَى شَاهِق وَمن جُحر إِلَى جُحر فَإِن كَانَ ذَلِك كذَلِك لم تنَلْ الْمَعيشَة إِلَّا بسخط اللَّه فَإِذا كَانَ ذَلِك كذَلِك كَانَ هَلَاك الرجل على يَدي زَوجته وَولده فَإِن لم يكن لَهُ زَوْجَة وَلا ولد كَانَ هَلَاكه على يَدي أَبَوَيْهِ فَإِن لم يكن لَهُ أَبَوَانِ كَانَ هَلَاكه على يَدي قرَابَته أَو الْجِيرَان قَالُوا كيفَ ذَلِك يَا رَسُول اللَّه قَالَ يُعَيِّرُونَهُ بِضيق

стр. 7623

الْمَعيشَة فَعِنْدَ ذَلِك يُورد نَفسه الْمَوَارِد الَّتِي يهْلك فِيهَا نَفسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد (١). قوله: وروي عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر" فذكره إلى أن قال: "فعند ذلك يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه" الحديث، المعيشة هي الكسب. ٤١٥٣ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ من انْقَطع إِلَى اللَّه كفاهُ اللَّه كل مُؤنَة ورزقه من حَيْثُ لا يحْتَسب وَمن انْقَطع إِلَى الدُّنْيَا وَكله اللَّه إِلَيْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ وَأَبُو الشَّيْخ بْن حيّان فِي الثَّوَاب وَإسْنَاد الطَّبَرَانيِّ مقارب وأملينا لهَذَا الحَدِيث نَظَائِر فِي الاقتصاد والحرص وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِر فِي الزّهْد إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (٢).

стр. 7624

قوله: وعن عمران بن حصين ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من انقطع إلى اللَّه كفاه اللَّه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب" تقدم الكلام عليه، وعن الحسن بن واقج قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في رؤوس الجبال" وروي على بن معبد من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن [عن أبي هريرة وقيل عن عبد اللَّه بن مسعود] يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق وجحر إلى جحر فإذا كان كذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية اللَّه تعالى، فإذا كان كذلك حلت العزبة" قالوا: يا رسول اللَّه تحل العزبة وأنت تأمرنا بالتزواج، قال: "فإذا كان كذلك كان هلاك الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجه فإن لم يكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران"، قالوا: كيف ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه" (١). انتهى.

стр. 7625

[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب] ٤١٥٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أوصني قَالَ لا تغْضب فردد مرَارًا قَالَ لَا تغْضب رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله: أن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني؟ قال: "لا تغضب" فردد مرارا قال "لا تغضب" الحديث، كان النبي ﷺ عارفا بأدواء الخلق فلما استوصاه الرجل وقد رآه مملوءا بالقوة الغضبية لم ير له خيرا من أن يتجنب دواعي الغضب (٢) وإنما قال ﷺ : "لا تغضب" لأنه ﵊ كان مكاشفا بأوضاع الخلق فيأمرهم بما هو أولى لهم ولعل الرجل كان غضوبا فوصاه بتركه، قال البيضاوي: لعله لما رأى جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هو من شهوته وغضبه، والشهوة مكسورة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب فلما سأله الرجل الإرشاد إلى ما يتوصل به إلى التجرد عن القبائح نهاه عن الغضب (٣)، أ. هـ. ثم الغضب من العباد على نوعين، محمود وهو ما كان للَّه تعالى، ومذموم وهو ما كان لنفسه.

стр. 7626

فهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر وأن التحرز منه جماع الخير، وقال بعض العلماء: معنى لا تغضب أي لا تعمل بمقتضاه فيخفف مؤنة الصبر وتأباه فالغضب مانع من الحلم والرفق ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي ﷺ هو أبو الدرداء، فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قلت يا رسول اللَّه دلني على عمل يدخلني الجنة؟. قال: "لا تغضب ولك الجنة" (١). قاله ابن رجب (٢). تنبيه: الغضب في حق الآدمي، قيل: قيل هو فوران القلب وغليانه وقيل عرض يتبعه غليان القلب لإرادة الانتقام، وجاء في الحديث: "الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم أما ترون إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه" (٣) أو كما قال، وسيأتي ذلك، وأما غضب اللَّه أعاذنا اللَّه تعالى منه فقيل: هو إرادة الانتقام وقيل غير ذلك، واعلم أن هذا الحديث تضمن دفع أكثر الشرور عن الإنسان فإنه مدة حياته بين لذة وألم فاللذة سببها ثوران الشهوة

стр. 7627

للأكل والشرب والنكاح وغير ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، ثم قد يكون [تناوله أو دفعه] مباحا كنكاح الزوجة ودفع الصائل، وقد يكون حراما كالزنا وقتال المسلم عدوانا ودفع المكروه [عدوانا] شر سببه الغضب، فإذا اجتنب الغضب اندفع عنه الشر، فإن الإنسان يغضب فيقتل أو يقذف أو يطلق امرأته أو [يهاجر] صاحبه أو يحلف يمينا فيحنث فيها أو يندم عليها كما جاء في الحديث "اليمين حنث أو ندم" (١) وقد يغضب فيكفر كما كفر جبلة بن الأهيم حين غضب من لطمة أخذت أو أريدت منه قصاصا، وبالجملة فالغضب أصل الشرور البشرية قاله الطوفي (٢). فائدة: وللغضب دواء مانع ورافع، فالمانع تذكر فضيلة الحلم، وخوف اللَّه كما حكى عن بعض الملوك أنه كتب ورقة فيها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، وروي ذلك في بعض الكتب التي أنزل اللَّه تعالى "ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق"، ثم دفعها إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إلي فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه، والرافع للغضب نحو ما ذكرناه عن

стр. 7628

الملك وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليقعد وإن كان قاعدا فليضطجع" الحديث، وكان معاوية ﵁ يقول: أما غضبي على من أقدر عليه وما غضبي على من لم أقدر عليه، يعني أن الغضب لا فائدة فيه بل هو تعب محض ومفسدة محضة لأن المؤذي لي إن كنت قادرا عليه عاقبته إن شئت ولا حاجة إلى الغضب وإن لم أكن قادرا عليه فالغضب المجرد لا يشفيني منه، فلا حاجة إليه واللَّه أعلم قاله الطوفي أيضًا (١). تنبيه: والتحقيق أن الناس في الغضب على ضربين أحدهما: مغلوب للطبع الحيواني فلا يمكنه منعه وهو الغالب في الناس، والثاني: غالب للطبع بالرياضة فيمكنه منعه ولولا هذا وإلا لكان قوله ﷺ : "لا تغضب" تكليفا أو أمرا بما لا يطاق وأقوى الأشياء في منع الغضب ودفعه التوحيد الحقيقي العام وهو اعتقاد أن لا فاعل في الوجود إلا اللَّه وأن الخلق آلات لفعله (٢) فإذا توجه إليه مكروه من جهة غيره كري فاعله اللَّه لا غيره فإن ذلك الغير آلة للفعل الإلهي كالسيف الضارب والقوس الرامي والرمح الطاعن والقدوم للنجار والسكين للنجار وحينئذ يندفع الغضب لأنه لو غضب والحالة هذه لكان غضبه أما على الخالق وهو جراءة تنافي العبودية أو

стр. 7629

على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد ولهذا جاء في حديث أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال للشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله، ولكن يقول: "قدر اللَّه وما شاء فعل أو لو قدَّر لكان" قلت: وما ذاك إلا لكمال معرفته ﷺ بأن لا فاعل ولا معطي ولا مانع إلا اللَّه بخلاف غيره من الناس فإن غلامه إذا لم يقض شغله غضب وقام وضربه فعلى هذا الفاعل في الوجود هو اللَّه وحده وله آلات كبرى وصغرى ووسطى فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصى والصغرى ما لا قصد له ولا اختيار كالعصى المضروب بها والوسطى من له قصد ولا عقل له كالدابة ترفس ونحوها واللَّه أعلم قاله الطوفي (١). تنبيه آخر: قوله "فردد مرارا" يعني السائل كرر السؤال مرارا، يقول: أوصني يا رسول اللَّه لأنه لم يقنع بقوله "لا تغضب" فطلب وصية أنفع وأبلغ منها فلم يزده النبي ﷺ لعلمه بعموم نفعها وكرر الجواب لفهمه مقدار ما أوصاه به ونبه السائل على ذلك بتكرارها وصار هذا كما قال له العباس: علمني دعاء أدعوا به يا رسول اللَّه، فقال: "سل اللَّه العافية" فعاوده العباس مرارا فقال: "يا عباس يا عم رسول اللَّه سل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة فإنك إن أعطيت العافية أعطيت كل خير" (٢) أو كما قال، وكذلك لما قال

стр. 7630

لأصحابه اجتمعوا فإني أتلوا عليكم ثلث القرآن فاجتمعوا فتلا عليهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إلى آخرها ثم دخل منزله فأقاموا ينتظرونه ليكمل لهم ثلث القرآن فخرج عليهم، فقال: "ما تنتظرون! أما إنها تعدل ثلث القرآن" (١) يعني سورة الإخلاص، أ. هـ قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٢). ٤١٥٥ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ لَا تغْضب قَالَ ففكرت حِين قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا قَالَ فَإذا الْغَضَب يجمع الشَّرّ كله رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣). قوله: وعن حميد بن عبد الرحمن [هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان بن عفان لأمه، وكانت من المهاجرات، كان فقيها نبيلا شريفا، وثقه العجلي، وأبو زرعة، وابن سعد وغيرهم (٤)].

стр. 7631

قوله: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال قال رجل يا رسول اللَّه أوصني، قال: "لا تغضب" قال الخطابي: معنى لا تغضب أي لا تتعرض لأسباب الغضب وللأمور التي تجلب الغضب إذ نفس الغضب مطبوع في الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته، ومعناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب ويحملك عليه من الأقوال والأفعال (١). ٤١٥٦ - وَعَن ابْن عمرو ﵄ أَنه سَأل رَسُول اللَّه ﷺ مَا يباعدني من غضب اللَّه قَالَ لا تغْضب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَا يَمْنعنِي (٢). ٤١٥٧ - وَعَن جَارِيَة بن قدامَة أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللَّه قل لي قولا وأقلل لعَلي أعيه قَالَ لَا تغْضب فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَارًا كل ذَلِك يَقُول لا تغْضب رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير والأوسط إِلَّا أَنه قَالَ عَن الأحْنَف بن قيس عَن عَمه وَعَمه جَارِيَة بن قدامَة أَنه قَالَ يَا رَسُول اللَّه قل لي قولا يَنْفَعنِي اللَّه بِهِ فَذكره وَأَبُو يعلى إِلَّا أَنه قَالَ عَن جَارِيَة بن قدامَة أَخْبرنِي عَم أبي أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ فَذكر نَحوه وَرُوَاته أَيْضًا رُوَاة الصَّحِيح (٣).

стр. 7632

قوله: وعن جارية بن قدامة [جارية بْن قدامة التميمي السعدي، عم الأحنف بْن قيس، وقيل: ابن عم الأحنف، وهو: جارية بن قدامة بن مالك بن زهير بن حصن، ويقال: حصين بن رزاح وقيل: رياح بن أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي، يكنى أبا أيوب وأبا يزيد، يعد في البصريين، روى عنه أهل المدينة وأهل البصرة (١)]. قوله: أن رجلا قال يا رسول اللَّه قل لي قولا وأقلل لعلي أعيه قال "لا تغضب" تقدم معنى الغضب أيضًا.

стр. 7633

قوله: رواه الطبراني عن الأحنف بن قيس [الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، وهو مقاعس، بن عبادة التميمي السعدي، أبو بحر البصري، ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب، واسمه الضحاك، وقيل: صخر أدرك زمان النبي ﷺ . ولم يره وروي: أن النبي ﷺ دعا له، روى عن عمر وعلي وسعد وطلحة والعباس وغيرهم، قال الثوري ما وزن عقل الأحنف بعقل إلا وزنه توفي سنة سبع وستين بالكوفة، متفق على ثقته وجلالته (١)]. ٤١٥٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رجل لرَسُول اللَّه ﷺ دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا تغْضب وَلَك الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح (٢). قوله: وعن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام عليه وعلى معنى حديثه. ٤١٥٩ - وَعَن ابْن الْمسيب ﵁ قَالَ بَيْنَمَا رَسُول اللَّه ﷺ جَالس وَمَعَهُ أَصْحَابه وَقع رجل بِأبي بكر ﵁ فآتاه فَصمت عَنهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّانِيَة فَصمت عَنهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّالِثَة فانتصر أَبُو بكر فَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أوجدت عَليّ يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ نزل ملك من السَّمَاء يكذبهُ بِمَا قَالَ لَك فَلَمَّا انتصرت ذهب الْملك وَقعد الشَّيْطَان فَلم أكن

стр. 7634

لأجلس إِذن مَعَ الشَّيْطَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَكَذَا مُرْسلا ومتصلا من طَرِيق مُحَمَّد بن غيلَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَن الْمُرْسل أصح (١). قوله: وعن ابن المسيب ﵁[هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ، بالذال المعجمة، ابن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القريشي المخزومي التابعي، إمام التابعين. وأبوه المسيب، وجده حزن صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب، بفتح الياء وكسرها، والفتح هو المشهور، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر. ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وجبير ابن مطعم، وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم، وحكيم بن حزام، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي موسى

стр. 7635

الأشعري، وصفوان بن أمية، وأبيه، والمسور بن مخرمة، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، ﵃ أجمعين، روى عنه جماعات من أعلام التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح، ومحمد الباقر، وعمرو بن دينار، ويحيى الأنصاري، والزهري، وأكثر عنه، وخلائق غيرهم، واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتقدمه على أهل عصره في العلم، والفضيلة، ووجوه الخير، قال محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس أهل المدينة في دهره، المقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب، ويقال له: فقيه الفقهاء. وقال قتادة: ما رأيت أحدا أعلم بحلال اللَّه وحرامه من سعيد بن المسيب. وقال مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب. وقال سليمان بن موسى: كان سعيد ابن المسيب أفقه التابعين وأقوال السلف والخلف متظاهرة على إمامته، وجلالته، وعظم محله في العلم والدين، توفى سنة تلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء، وقد ذكرنا مرارا أن سعيد بن المسيب أحد فقهاء المدينة السبعة (١)]. قوله: بينما رسول اللَّه ﷺ جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر، الحديث، تقدم معنى "بينما" في حديث جبريل المطول وفي غيره.

стр. 7636

وقوله: وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت، ومعنى: وقع رجل بأبي بكر فآذاه، معناه: سبه ومعنى صمت أي سكت عنه، والصمت هو السكوت. قوله: فقال: أوجدت عليَّ يا رسول اللَّه، معنى: أوجدت: أغضبت علي. قوله: رواه أبو داود هكذا مرسلا ومتصلا، وتقدم الكلام على الحديث المتصل والمرسل في اصطلاح المحدثين. قوله: من طريق محمد بن [عجلان] [هو أبو عبد اللَّه محمد بن عجلان المدني مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. كان إماما، فقيها، عابدا، وله حلقة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ويفتى، وله مذهب معروف، وهو تابعي صغير، قال أبو نعيم: سمع أنسا، وأبا الطفيل الصحابيين، وخلائق من التابعين منهم أبوه، وعكرمة، ونافع، وسعيد المقبري، روى عنه جماعات من كبار الأئمة، منهم عبيد اللَّه بن عمر، ومنصور بن المعتمر، ومالك بن أنس، والليث، والثوري، وابن عيينة، وحيوة بن شريح، وشعبة، والقطان، وعبد اللَّه بن إدريس، وخلائق. وحمل به أكثر من ثلاث سنين. توفى بالمدينة سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة (١)]. وقوله: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، هو: سعيد بن كيسان ويعرف بسعيد بن أبي سعيد المقبري بضم الباء وفتحها وجهان مشهوران فيه وهي نسبة إلى المقبرة وفيه ثلاث لغات ضم الباء وفتحها وكسرها والثالثة غريبة، قال إبراهيم الحربي وغيره: كان أبو سعيد ينزل المقابر فقيل له المقبري وقيل

стр. 7637

كان منزله عند المقابر وقيل كان عمر بن الخطاب جعله على حفر القبور فقيل له المقبري وجعل نعيما على أجمار المسجد فقيل نعيم المجمر وهو أبو سعيد بإسكان العين بن أبي سعيد المقبري الليثي مولاهم المدني التابعي كان أبوه مكاتبا لامراة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سمع ابن عمر وأبا هريرة وأبا شريح الخزاعي وأبا سعيد الخدري وسمع من التابعين وخلائق، واتفقوا على توثيقه روى له البخاري ومسلم، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث لكنه كبر واختلط قبل موته وقدم الشام مرارا وحدث ببيروت من ساحل دمشق (١)، أ. هـ. ٤١٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (٢). ٤١٦١ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا لَيْسَ الشَّديد من كلب النَّاس إِنَّمَا الشَّديد من غلب نَفسه (٣). ٤١٦٢ - وَرَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث طَوِيل عَن رجل شهد رَسُول اللَّه ﷺ يخْطب وَلم يسمه وَقَالَ فِيهِ ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا الصرعة قَالَ قَالُوا الصريع قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ الصرعة كل الصرعة الصرعة كل الصرعة الصرعة كل الصرعة الرجل الَّذِي يغْضب فيشتد غَضَبه ويحمر وَجهه ويقشعر جلده

стр. 7638

فيصرع غَضَبه قَالَ الْحَافِظ الصرعة بِضَم الصَّاد وَفتح الرَّاء هُوَ الَّذِي يصرع النَّاس كثيرا بقوته وَأما الصرعة بِسُكُون الرَّاء فَهُوَ الضَّعِيف الَّذِي يصرعه النَّاس حَتَّى لَا يكَاد يثبت مَعَ أحد وكل من يكثر عَنهُ الشَّيْء يُقَال فِيهِ فعلة بِضَم الْفَاء وَفتح الْعين مثل حفظَة وخدعة وضحكة وَمَا أشبه ذَلِك فَإِذا سكنت ثَانِيه فعلى الْعَكْس أَي الَّذِي يفعل بِهِ ذَلِك كثيرا (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام على ترجمته مبسوطا، ومن مناقبه أيضًا وفي تاريخ ابن النجار ورحلة ابن الصلاح في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي مصنف التنبيه يقول: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة الذكر بجامع المنصور فجاء شاب من خراسان يسأل عن مسألة المصراة فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب وكان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له تب تب، فقال تبت تبت، قال: فغابت الحية وليس لها أثر (٢)، قال ابن الصلاح هذا إسناد صالح فيه ثلاثة من صالحي أئمة

стр. 7639

المسلمين: القاضي أبو الطيب، وتلميذه الشيخ أبو إسحاق وأبو القاسم الزنجاني وقريب من هذا ما رواه أبو اليمن الكندي قال: حدثنا أبو منصور الفزاز فذكره إلى أن قال: حدثنا عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة فتنازع فيها الخصوم وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث عن أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ فرد بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحى نحوهم الرشيد ونصر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح وأبو هريرة صحيح النقل عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه فنظر إليَّ الرشيد نظر مغضب فقمت من المجلس إلى منزلي فلم ألبت حتى قيل صاحب البريد بالباب فدخل إلي فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك ﷺ وأجللت نبيك ﷺ أن [يطعن] على أصحابه فسلمني منه فدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه النطع فلما رآني قال: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي بمثل ما تلقيتني به فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول اللَّه ﷺ وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام من الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كلها مردودة غير مقبولة، فرجع الرشيد إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك اللَّه تم أمر لي بعشرة آلاف درهم، أ. هـ ذكره صاحب حياة الحيوان (١).

стр. 7640

قوله: أن النبي ﷺ قال: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" وفي الرواية الأخرى قال النبي ﷺ : "ما الصرعة؟ " قال: قالوا: الصريع، قال: فقال النبي ﷺ : "الصرعة كل الصرعة الرجل الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر جلده فيصرع غضبه" وفيه: أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو وهي الجهاد الأكبر والشجاعة الحقيقية (١). يريد أن غلبة الشهوة والغضب أحمدُ، وأدخل في المدح شرعا وحقيقة من الذي يصرع الناس لأن ذلك دليل على اعتدال الخلق وكمال العقل والتقى، وهذا من تحويل الكلام من معنى إلى معنى آخر (٢). قال الحافظ ﵀: الصرعة بضم الصاد وفتح الراء هو الذي يصرع الناس كثيرا بقوته وأما الصرعة بسكون الراء فهو الضعيف الذي تصرعه الناس حتى لا يكاد يثبت مع أحد، أ. هـ. فنقله النبي ﷺ إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها فإذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وتقدم ذلك وقول الحافظ وكل من يكثر منه الشيء يقال فيه فعلة بضم الفاء وفتح العين مثل حفظة وخدعة وضحكة وما أشبه ذلك فإذا سكنت ثانيه فعلى العكس أي يفعل به ذلك كثيرا، أ. هـ. وقوله: خدعة، فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أشهرهن أفصحهن، خدعة بفتح الخاء واسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة

стр. 7641

النبي ﷺ ، والثانية: بضم الخاء وإسكان الدال والثالثة: بضم الخاء وفتح الدال ومعناها الكثرة أي يخدع الرجال ويمنيهم ثم لا يفي لهم كما يقال رجل لعبة أي كثير التلعب بالأشياء (١). وقال بعضهم أيضًا: الحرب خدعة يروي بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال فالأول معناه أن الحرب ينقضي أمرها خدعة واحدة من الخداع أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة وهو أفصح الروايات وأصحها ومعنى الثاني هو السم من الخداع ومعنى الثالث أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم كما يقال رجل لعبة وضحكة للذي يكثر اللعب والضحك قاله في النهاية (٢). وقوله: ضحكة: الضحكة بالإسكان من يضحك عليه وبالفتح هو الذي يضحك على الناس ومثله هُزَأَة وهُزْأَة وهمزة وهمزة، والهمزة بالإسكان من يهمز منه وبالفتح الذي يغتاب الناس أو يسخر منهم ومن هذا الباب الهذرة الكثير الكلام (٣) واللحنة الكثير اللحن (٤)، واللَّه أعلم. ٤١٦٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ صلى بِنَا رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمًا صَلَاة الْعَصْر ثمَّ قَامَ خَطِيبًا فَلم يدع شَيْئا يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا أخبرنَا بِهِ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه وَكَانَ فِيمَا قَالَ إِن الدُّنْيَا خضرَة حلوة وَإِن اللَّه

стр. 7642

مستخلفكم فِيهَا فناظر كيفَ تَعْمَلُونَ أَلا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقوا النِّسَاء وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا لَا يمنعن رجلا هَيْبَة النَّاس أَن يَقُول بِحَق إِذا علمه قَالَ فَبكى أَبُو سعيد وَقَالَ وَقد وَاللَّه رَأينَا أَشْيَاء فهبنا وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا إِنَّه ينصب لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة بِقدر غدرته وَلا غدرة أعظم من غدرة إِمَام عَامَّة يركز لِوَاءُهُ عِنْد استه وَكَانَ فِيمَا حفظناه يَوْمئِذٍ أَلا إِن بني آدم خلقُوا على طَبَقَات أَلا وَإِن مِنْهُم البطيء الْغَضَب السَّرِيع الْفَيْء وَمِنْهُم سريع الْغَضَب سريع الْفَيْء فَتلك بِتِلْكَ أَلا وَإِن مِنْهُم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَخَيرهمْ بطيء الْغَضَب سريع الْفَيْء وشرهم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَإِن الْغَضَب جَمْرَة فِي قلب ابْن آدم أما رَأَيْتُمْ إِلَى حمرَة عَيْنَيْهِ وانتفاخ أوداجه فَمن أحس بِشَيْء من ذَلِك فليلصق بِالأَرْضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته" الحديث. قيل: الغدر ترك الوفاء (٢). وقال ابن عيينة هو أن يعطي رجل رجلا الأمان ثم يقتله والغدر شر. قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له قالوا: فمعنى لكل غادر لواء

стр. 7643

أي علامة يشهر بها في الناس وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهره بذلك (١). ولما كان الغدر مكتوما يستتر منه شهر به صاحبه وكشف ستره (٢). وفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لاسيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعرض ضرره إلى خلق كثيرين ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء واللَّه أعلم (٣). قوله: "يركز لواءه عند استه" والاست هو الدبر. قوله ﷺ : "ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ألا وإن منهم البطيء الغضب السريع الفيء" الفيء الرجوع. ٤١٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) قَالَ الصَّبْر عِنْد الْغَضَب وَالْعَفو عِنْد الإِسَاءَة فَإذا فعلوا عصمهم اللَّه وخضع لَهُم عدوهم ذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا (٥).

стр. 7644

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: "الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة" الحديث. ٤١٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "ثَلَاث من كن فِيهِ آواه اللَّه فِي كنفه وَستر عَلَيْهِ برحمته وَأدْخلهُ فِي محبته من إِذا أعطي شكر وَإِذا قدر غفر وَإِذا غضب فتر" رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عمر بن رَاشد وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه آواه اللَّه في كنفه" الحديث، وكنعه ستره ورحمته ولطفه وإكرامه، قاله القرطبي. قوله: رواه الحاكم من رواية عمر بن راشد. ٤١٦٦ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ من دفع غَضَبه دفع اللَّه عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر اللَّه عَوْرَته رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط (٢).

стр. 7645

قوله: وروي عن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من دفع غضبه دفع اللَّه عنه عذابه" الحديث، الدفع هو [الإزالة بقوة]، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفا غيظه بمعصية اللَّه" (١). ٤١٦٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا من جرعة أعظم عِنْد اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابْتِغَاء وَجه اللَّه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه.

стр. 7646

قوله ﷺ : "ما من جرعة أعظم عند اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه اللَّه" الحديث، الجرعة: بضم الجيم وفتحها كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه، ومنه الحديث: "إذا [تثائب] أحدكم فليكظم ما استطاع" أي: ليحبسه مهما استطاع قاله في النهاية (١). ٤١٦٨ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ من كظم غيظا وَهُوَ قَادر على أَن ينفذهُ دَعَاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ على رُؤُوس الْخَلَائق حَتَّى يخيره من الْحور الْعين مَا شَاءَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه كلهم من طَرِيق أبي مَرْحُوم واسْمه عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ عَنهُ وَيَأْتِي الْكَلَام على سهل وَأبي مَرْحُوم إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (٢). قوله: وعن معاذ بن أنس ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من كلظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللَّه سبحانه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء" وفي حديث آخر: "دعاه اللَّه على رءوس الخلائق حتى يخيره في الجنان والحور [يزوجه منها ما شاء اللَّه] " قال في النهاية: كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه (٣) قال اللَّه
следующие страницы →