← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 7642–7681 · переход к 7647.

стр. 7642

مستخلفكم فِيهَا فناظر كيفَ تَعْمَلُونَ أَلا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقوا النِّسَاء وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا لَا يمنعن رجلا هَيْبَة النَّاس أَن يَقُول بِحَق إِذا علمه قَالَ فَبكى أَبُو سعيد وَقَالَ وَقد وَاللَّه رَأينَا أَشْيَاء فهبنا وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا إِنَّه ينصب لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة بِقدر غدرته وَلا غدرة أعظم من غدرة إِمَام عَامَّة يركز لِوَاءُهُ عِنْد استه وَكَانَ فِيمَا حفظناه يَوْمئِذٍ أَلا إِن بني آدم خلقُوا على طَبَقَات أَلا وَإِن مِنْهُم البطيء الْغَضَب السَّرِيع الْفَيْء وَمِنْهُم سريع الْغَضَب سريع الْفَيْء فَتلك بِتِلْكَ أَلا وَإِن مِنْهُم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَخَيرهمْ بطيء الْغَضَب سريع الْفَيْء وشرهم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَإِن الْغَضَب جَمْرَة فِي قلب ابْن آدم أما رَأَيْتُمْ إِلَى حمرَة عَيْنَيْهِ وانتفاخ أوداجه فَمن أحس بِشَيْء من ذَلِك فليلصق بِالأَرْضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته" الحديث. قيل: الغدر ترك الوفاء (٢). وقال ابن عيينة هو أن يعطي رجل رجلا الأمان ثم يقتله والغدر شر. قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له قالوا: فمعنى لكل غادر لواء

стр. 7643

أي علامة يشهر بها في الناس وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهره بذلك (١). ولما كان الغدر مكتوما يستتر منه شهر به صاحبه وكشف ستره (٢). وفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لاسيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعرض ضرره إلى خلق كثيرين ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء واللَّه أعلم (٣). قوله: "يركز لواءه عند استه" والاست هو الدبر. قوله ﷺ : "ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ألا وإن منهم البطيء الغضب السريع الفيء" الفيء الرجوع. ٤١٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) قَالَ الصَّبْر عِنْد الْغَضَب وَالْعَفو عِنْد الإِسَاءَة فَإذا فعلوا عصمهم اللَّه وخضع لَهُم عدوهم ذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا (٥).

стр. 7644

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: "الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة" الحديث. ٤١٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "ثَلَاث من كن فِيهِ آواه اللَّه فِي كنفه وَستر عَلَيْهِ برحمته وَأدْخلهُ فِي محبته من إِذا أعطي شكر وَإِذا قدر غفر وَإِذا غضب فتر" رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عمر بن رَاشد وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه آواه اللَّه في كنفه" الحديث، وكنعه ستره ورحمته ولطفه وإكرامه، قاله القرطبي. قوله: رواه الحاكم من رواية عمر بن راشد. ٤١٦٦ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ من دفع غَضَبه دفع اللَّه عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر اللَّه عَوْرَته رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط (٢).

стр. 7645

قوله: وروي عن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من دفع غضبه دفع اللَّه عنه عذابه" الحديث، الدفع هو [الإزالة بقوة]، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفا غيظه بمعصية اللَّه" (١). ٤١٦٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا من جرعة أعظم عِنْد اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابْتِغَاء وَجه اللَّه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه.

стр. 7646

قوله ﷺ : "ما من جرعة أعظم عند اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه اللَّه" الحديث، الجرعة: بضم الجيم وفتحها كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه، ومنه الحديث: "إذا [تثائب] أحدكم فليكظم ما استطاع" أي: ليحبسه مهما استطاع قاله في النهاية (١). ٤١٦٨ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ من كظم غيظا وَهُوَ قَادر على أَن ينفذهُ دَعَاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ على رُؤُوس الْخَلَائق حَتَّى يخيره من الْحور الْعين مَا شَاءَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه كلهم من طَرِيق أبي مَرْحُوم واسْمه عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ عَنهُ وَيَأْتِي الْكَلَام على سهل وَأبي مَرْحُوم إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (٢). قوله: وعن معاذ بن أنس ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من كلظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللَّه سبحانه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء" وفي حديث آخر: "دعاه اللَّه على رءوس الخلائق حتى يخيره في الجنان والحور [يزوجه منها ما شاء اللَّه] " قال في النهاية: كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه (٣) قال اللَّه

стр. 7647

تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (١) الآية، قال ابن عطية: كظم الغيظ رده في الجوف إذا كان يخرج من كثرته فضبطه ومنعه كظم له والغيظ أصل الغضب والكظام السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه وكثيرا ما [يتلازمان] ولذلك فسر بعض الناس الغيظ بالغضب وليس تجريد لذلك بل الغضب حال النفس لا يظهر على الجوارح والغضب حال لها مع ظهوره في الجوارح وفعل ما ولابد ولهذا جاء إسناد الغضب إلى اللَّه تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم ولا يسند إلى اللَّه تعالى غيظ، وكظم الغيظ من أفضل العبادات وجهاد النفس (٢)، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاده ملأه اللَّه أمنا وإيمانا" (٣) والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، أ. هـ، قاله في الحدائق، فيا سعادة من وقع له ذلك بين الأمم فيه يغبط وشر ويصرف به كل ألم (٤). ٤١٦٩ - وَعَن أبي ذَر ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ إِذا غضب أحدكُم وَهُوَ قَائِم فليجلس فَإِن ذهب عَنهُ الْغَضَب وَإِلَا فليضطجع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلَاهُمَا من رِوَايَة أبي حَرْب بن الأَسود عَن أبي ذَر وَقد قيل إِن أَبَا حَرْب إِنَّمَا يروي عَن عَمه عَن أبي ذَر وَلا يحفظ لَهُ سَماع من أبي ذَر وَقد رَوَاهُ

стр. 7648

أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَن دَاوُد وَهُوَ ابْن هِنْد عَن بكر أَن النَّبِي ﷺ بعث أَبَا ذَر بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ أصح الْحَدِيثين يَعْنِي أَن هَذَا الْمُرْسل أصح من الأول وَاللَّه أعلم (١). قوله: وعن أبي ذر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" الحديث، وقال قيل إن المعنى في هذا لأن القائم متأهب للانتقام والجالس دونه في ذلك والمضطجع أبعد عنه فائدة فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام، أهـ قاله ابن رجب (٢). قال الطوفي: والغرض أن يبعد عن هيئة الوثوب والتسرع إلى الانتقام ما أمكن حسما لمادة المبادرة وقيل ليتذكر بميله إلى الأرض أنه منها وصائر إليه وهو أردع له عن الشر (٣). أ. هـ. ٤١٧٠ - وَعَن سُلَيْمَان بن صرد ﵁ قَالَ استب رجلَانِ عِنْد النَّبِي ﷺ فَجعل أَحدهمَا يغْضب ويحمر وَجهه وتنتفخ أوداجه فَنظر إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ

стр. 7649

إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ ذَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَامَ إِلَى الرجل رجل مِمَّن سمع النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَل تَدْرِي مَا قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ آنِفا قَالَ لا قَالَ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب ذَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَالَ لَهُ الرجل أمجنونا تراني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: وعن سليمان بن صُرَد ﵁ هو أبو مطرف سليمان بن صرد بضم الصاد وفتح الراء مصروف بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حزام بالزاي النسب مختصر الخزاعي الكوفي، له صحبة، وخزاعة هم ولد حارثة بن عمرو بن عامر روي له عن رسول اللَّه ﷺ خمسة عشر حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث روى عنه السبيعي وعدي بن ثابت نزل الكوفة وكان خيرا فاضلا، صاحب دين وعبادة وكان له شرف في قومه كان اسمه في الجاهلية يسار فسماه النبي ﷺ سليمان، سكن الكوفة وابتنى بها دارا وكافت له سن عالية وشهد مع علي وقعة صفين وهو الذي قتل حوشبا ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي يسأله القدوم إلى الكفوة فلما قدمها ترك القتال معه فلما قتل الحسين ندم ثم قالوا: ما لنا توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب به فخرجوا وعسكروا في مستهل ربيع الآخر سنة خمس وستين وولوا أمرهم سليمان بن صرد وهو أمير التوابين ثم ساروا إلى عبيد اللَّه بن زياد فلقوا مقدمته في أربعة آلاف عليها شرحبيل بن دي الكلاع فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد وحمل

стр. 7650

رأسه إلى مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة (١)، أ. هـ. قوله: "استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه" أي إلى ظهور الريح في عروق عنقه والأوداج جمع ودج وفيه أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ بالكلم المشهورة وأنه سبب لزواله. تنبيه: وليس لسليمان بن صرد في الصحيحين إلا حديثان هذا أحدهما والآخر قال النبي ﷺ يوم الأحزاب إلا أن نغزوهما ولا يغزونا انفرد به البخاري واللَّه أعلم. قوله ﷺ : "إني لأعلم كلمة" أي: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، الحديث، الكلمة قد تطلق على الجمل ومنه الكلمة للحويدرة (٢) لقصيدته لأنه كلم تضامت وتلاحقت وصارت في حكم شيء واحد فسميت كلمة ومنه أيضًا قول ابن مالك في الألفية: وكلمة بها كلام قد يؤم، أي يقصد. قوله: "لذهب عنه ذا" يعني الغضب فيه إشارة إلى أن الغضب من الشيطان فإذا تعوذ باللَّه منه ذهب عنه ذلك قاله في شرح مشارق الأنوار

стр. 7651

للشيخ وجيه الدين (١). تنبيه: في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: "دخل علي النبي ﷺ وأنا غضبى فأخذ بطرف المفصل من أنفي فعركه ثم قال: "يت عويش قولي اللهم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من الشيطان" (٢)، أ. هـ. ٤١٧١ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ استب رجلَانِ عِنْد النَّبي ﷺ فَغَضب أَحدهمَا غَضبا شَدِيدا حَتَّى خيل إِلَيّ أَن أَنفه يتمزع من شدَّة غَضَبه فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد من الْغَضَب فَقَالَ مَا هِيَ يَا رَسُول اللَّه قَالَ تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم قَالَ فَجعل معَاذ يَأْمُرهُ فَأبى وَضحك وَجعل يزْدَاد غَضبا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كلهم من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث مُرْسل عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى لم يسمع من معَاذ بن جبل مَاتَ معَاذ فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَقتل عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى غُلَام ابْن سِتّ سنين وَالَّذِي قَالَه التِّرْمِذِيّ وَاضح فَإِن البُخَارِيّ ذكر مَا يدل على أَن مولد عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى سنة سبع عشرَة وَذكر غير وَاحِد أَن معَاذ بن جبل توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَقيل سنة سبع عشرَة وَقد روى النَّسَائيِّ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أبي بن

стр. 7652

كعْب وَهَذَا مُتَّصِل وَاللَّه أعلم (١). قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: استب رجلان عند النبي ﷺ ، الحديث، السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه. قوله: فغضب أحدهما غضبا شديدا حتى خيل إلي أن أنفه يتمزع من شدة غضبه، الحديث. قوله: يتمرغ من شدة غضبه أي: يتقطع ويتشقق غضبا، قال أبو عبيد أحسبه يترمع هذا هو الصواب والرواية يتمرغ ومعنى يترمع كأنه يرعد من الغضب يعني بالراء (٢) وفي حديث كتابه إلى كسرى لما مزقه دعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق والتمزيق التحريق والتقطيع وأراد بتمزيقهم تفرقهم وزوال ملكهم وقطع أدبارهم قاله في النهاية (٣)، في هذا الحديث أن الغضب في غير اللَّه تعالى من نزغ الشيطان وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول

стр. 7653

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم فإنه سبب لزوال الغضب كما تقدم وأما قول هذا الرجل الذي اشتد غضبه هل ترى بي جنون فهو كلام من لم يفقه في دين اللَّه تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المطهرة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب ولهذا قال النبي ﷺ للذي قال له أوصني قال: "لا تغضب" فردد مرارا، قال: "لا تغضب" فلم يزده في الوصية على "لا تغضب" مع تكراره الطلب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه ويحتمل أن هذا القائل هل ترى بي من جنون كان من المنافقين أو من جفاة العرب (١) واللَّه أعلم. ٤١٧٢ - وَعَن أبي وَائِل الْقَاص قَالَ دَخَلنَا على عُرْوَة بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَكَلمهُ رجل فأغضبه فَقَامَ فَتَوَضَّأ فَقَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي عَطِيَّة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢).

стр. 7654

قوله: وعن أبي وائل القاص، وأبو وائل القاص هذا ثقة، وكان قاص أهل صنعاء والقاص بفتح القاف. وبعد الألف صاد ومهملة هذه النسبة إلى القصص والمواعظ، وقد نسب لذلك غير واحد واللَّه أعلم. قوله: حدثني أبي عن جدي عطية، وعطية هذا هو ابن سعد، ويقال ابن قيس ويقال ابن عروة سعدي من بني سعد بن بكر بن هوازن نزل الشام وكان ولده [بالبلقاء]، وله صحبة وكنيته أبو محمد (١). قوله: "إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء" الحديث.

стр. 7655

[الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر] ٤١٧٣ - عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا تقاطعوا وَلَا تدابروا وَلَا تباغضوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَرَوَاهُ مسلم أخصر مِنْهُ وَالطَّبَرَانيِّ وَزَاد فِيهِ يَلْتَقِيَانِ فَيعرض هَذَا ويعرض هَذَا وَخَيرهمْ الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ وَالَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ يسْبق إِلَى الْجنَّة قَالَ مَالك وَلَا أَحسب التدابر إِلَّا الإِعْرَاض عَن الْمُسلم يدبر عَنهُ بِوَجْهِهِ (١). قوله: عن أنس ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا". قوله ﷺ : "لا تقاطعوا" التقاطع بمعنى التدابر وقد يبقى مع التدابر شيء من المودة أو لا يكون مودة ولا بغض. وقوله: "ولا تدابروا" قال مالك: ولا أحسب التدابر الإعراض عن المسلم يدبر عنه بوجهه نقله عنه الحافظ المنذري. وقال أبو عبيد (٢): التدابر المصارمة والهجران مأخوذ من أن يولي الرجل

стр. 7656

صاحبه دبره ويعرض عنه بوجهه وهو التقاطع أ. هـ. وقال بعضهم التدابر المعاداة (١)، وقال النووي في الرياض: والتدابر أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء ظهره والدبر (٢). قال صاحب الحدائق: قلت ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائدة لمن تدبره. قوله ﷺ : "ولا تباغضوا" أي: لا يبغض بعضكم بعضا والبغض للشيء هو النفرة منه لمعنى مستقبح فيه والظاهر أن البغض والكراهة واحد أو هما متقاربان قاله الطوفي (٣). قوله ﷺ : "ولا تحاسدوا" أي: لا يحسد بعضكم بعضا، وقد أجمع الناس من المشرعين وغيرهم على تحريم الحسد وقبحه ووردت نصوص الشرع بذلك وهذا الحديث يقتضي تحريمه وسيأتي الكلام على الحسد مبسوطا في بابه إن شاء اللَّه تعالى. قوله ﷺ : "وكونوا عباد اللَّه إخوانًا" كأنه قال: إذا تركتم التحاسد والتباغض والتدابر كنتم إخوانا وإذا لم تتركوا ذلك صرتم أعدل والأخوان والأخوة من غير النسب والأخوة من النسب، وقوله: "وكونوا إخوانا" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا مما سبق ذكره وغيره من فعل المؤلفات وترك المنفرات (٤).

стр. 7657

قوله "عباد اللَّه" أي: يا عباد اللَّه، وفيه إشارة إلى أنكم عباد اللَّه فحقكم أن تطيعوه بأن تكونوا إخوانا واللَّه أعلم قاله الطوفي (١). قوله ﷺ : "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" الحديث. قال العلماء: في هذا الحديث تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث، والثاني: بمفهومه قالوا وإنما عفى عنها في الثلات لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجرة في الثلاث ليذهب ذلك العارض (٢). وإنما لم تكن له الزيادة على ثلاثة أيام فيما كان بينهما من الأمور الدنيوية وحظوظ النفس وتعنتاتها (٣). قال النووي في الروضة (٤): قال أصحابنا وغيرهم هذا في الهجر لغير عذر شرعي فإن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم الهجر حتى يزول ذلك وتظهر توبته وقيل: إن الحديث لا يقتضي إباحة هجره الثلاثة أيام وهذا عند من لا يحتج بالمفهوم. قوله: "لا يحل لمسلم" وهذا قد يحتج به من يقول: الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح أنهم مخاطبون بها وإنما قيد بالمسلم لأنه الذي يقبل

стр. 7658

خطاب الشارع وينتفع به وهذه الهجرة المحرمة هي التي تكون عن غضب لأنه جائز لا تعلق له بالدين فأما الهجرة لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك، ولا ويختلف في هذا وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا واللَّه أعلم. قوله في الطبراني وزاد فيه: "يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا" أي يوليه عرضه بضم العين وهو جانبه. ٤١٧٤ - وَعَن أبي أَيُّوب ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث لَيَال يَلْتَقِيَانِ فَيعرض هَذَا ويعرض هَذَا وخيرهما الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد (١). قوله: وعن أبي أيوب ﵁ أبو أيوب اسمه خالد بن زيد الأنصاري تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" الهجر في الثلاث مكروه وفيما زاد على الثلاث حرام. وحكي عن بعضهم أنه هجر أخا له فوق ثلاث فكتب إليه بهذه الأبيات: يا سيدي لي عندك مظلمة ... فاستفت فيه ابن أبي خيثمة فإنه يرويه عن جده قال: ... روى الضحاك عن عكرمة عن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالرحمة

стр. 7659

أن صدود الألف عن إلفه ... فوق ثلاث ربنا حرمه (١) أ. هـ قوله ﷺ : "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" أي: وأفضلهما ومعناه أن المبادر بقطع الهجرة وبالسلام أحسن خلقا وأعظم أجرا وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة ويرفع الإثم فيها ويزيله، وقال الإمام أحمد بن حنبل وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجره، قال النووي: قال أصحابنا ولو كاتبه أو أرسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة فيه وجهان أحدهما لا يزول لأنه لم يكلمه وأصحجهما يزول لزوال الوحشة واللَّه أعلم (٢)، أ. هـ. ٤١٧٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث فَمن هجر فَوق ثَلَاث فَمَاتَ دخل النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ بِإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (٣). ٤١٧٦ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ النَّبِي ﷺ لَا يحل لمُؤْمِن أَن يهجر مُؤمنا فَوق ثَلَاث فَإِن مرت بِهِ ثَلَاث فليلقه فليسلم عَلَيْهِ فَإِن رد ﵇ فقد اشْتَركَا فِي الأجر وَإِن لم يرد عَلَيْهِ فقد بَاء بالإثم وَخرج الْمُسلم من الْهِجْرَة (٤).

стр. 7660

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" تقدم الكلام على ذلك. قوله: "فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة" الحديث، باء معناها رجع ويمكن أن المعنى باء بإثمهما. ٤١٧٧ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لا يكون لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِذا لقِيه سلم عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات كل ذَلِك لا يرد عَلَيْهِ فقد بَاء بإثمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "لا يكون لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاثة أيام" تقدم الكلام على ذلك. ٤١٧٨ - وَعَن هِشَام بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا يحل لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاث لَيَال فَإِنَّهُمَا ناكبان عَن الْحق مَا داما على صرامهما وأولهما فَيْء يكون سبقه بالفيء كفَّارَة لَهُ وَإِن سلم فَلم يقبل ورد عَلَيْهِ سَلَامه ردَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة ورد على الآخر الشَّيْطَان فَإِن مَاتَا على صرامهما لم يدخلا الْجنَّة جَمِيعًا أبدا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَأَبُو يعلى

стр. 7661

وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ لم يدخلا الْجنَّة وَلم يجتمعا فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة إِلَّا أَنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا يحل أَن يصطرما فَوق ثَلَاث فَإِن اصطرما فَوق ثَلَاث لم يجتمعا فِي الْجنَّة أبدا وَأيهمَا بَدَأَ صَاحبه كفرت ذنُوبه وَإِن هُوَ سلم فَلم يرد عَلَيْهِ وَلم يقبل سَلَامه رد عَلَيْهِ الْملك ورد على ذَلِك الشَّيْطَان (١). قوله: وعن هشام بن عامر ﵁[هو هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس وقيل الخشخاش ابن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، والد سعد بن هشام له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابا، فسماه رسول اللَّه ﷺ هشامًا، واستشهد أبوه يوم أحد، وسكن هو البصرة، ومات بها (٢)]. قوله: "لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث ليال" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.

стр. 7662

قوله: "فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما" الحديث، ناكبان أي مائلان. قوله: "مما دامما على صرامهما" والصرم هو القطع يقال صرمت الحبل صرما أي قطعته والاسم الصرم بالضم. قوله: "وأولهما فيء يكون سبقه بالفيء كفارة له" الحديث، والفيء هو الرجوع وتقدم. قوله ﷺ : "فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا" الحديث، فيه القولان السابقان في شرب الخمر وغيره وفي أشباه ذلك. ٤١٧٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا تحل الْهِجْرَة فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن التقيا فَسلم أَحدهمَا فَرد الآخر اشْتَركَا فِي الأجر وَإِن لم يرد برئ هَذَا من الإِثْم وباء بِهِ الآخر وَأَحْسبهُ قَالَ وَإِن مَاتَا وهما متهاجران لا يَجْتَمِعَانِ فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَوْسَط وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه في الأحاديث قبله.

стр. 7663

٤١٨٠ - وَعَن أبي أَيُّوب ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لَا تدابروا وَلَا تقاطعوا وَكُونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا هجر الْمُؤمنِينَ ثَلَاثًا فَإِن تكلما وَإِلَّا أعرض اللَّه عَنْهُمَا حَتَّى يتكلما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا عبد اللَّه بن عبد الْعَزِيز اللَّيْثِيِّ (١). قوله: وعن أبي أيوب ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا هجر المؤمنين ثلاثا" تقدم الكلام عليه أيضًا. قوله: "فإن تكلما وإلا أعرض اللَّه عنهما حتى يتكلما" الحديث، ومعنى إعراض اللَّه تعالى عن العبد فهو [ترك رحمته وعفوه، وتقريبه وقبوله]. قوله: ورواته ثقات إلا عبد اللَّه بن عبد العزيز الليثي [قال يحيى ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وضعفه النسائي وأبو حاتم، وقال أبو زرعة ليس بالقوي ووثقه مالك وسعيد بن منصور]. ٤١٨١ - وَعَن فضَالة بن عبيد ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ من هجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث فَهُوَ فِي النَّار إِلَّا أَن يتداركه اللَّه برحمته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٢).

стр. 7664

قوله: [وعن فضالة بن عبيد ﵁]. قوله ﷺ : "من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه اللَّه برحمته" التدارك برحمة اللَّه تعالى [يعنى بتوبة]، ومن الكبائر الهجر فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو بظاهر فسق أو نحو ذلك (١) كما تقدم فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاث نص عليه الإمام أحمد ﵁، واستدل عليه بقضية الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي ﷺ بهجرانهم لما خاف منهم النفاق وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء ونحوهم واللَّه أعلم (٢). ٤١٨٢ - وَعَن أبي خِرَاش حَدْرَد بن أبي حَدْرَد الأَسْلَمِيّ ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من هجر أَخَاهُ سنة فَهُوَ كسفك دَمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ (٣). قوله: وعن أبي خِرَاش، بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وبعدها ألف ثم شين معجمه (٤). قوله ﷺ : "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" الحديث، والسفك الإراقة والإجراء لكل مائع، يقال: سفك الدم والدمع والماء يسفكه سفكا وكأنه بالدم أخص واللَّه أعلم.

стр. 7665

٤١٨٣ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلَكِن فِي التحريش بَينهم رَوَاهُ مُسلم التحريش هُوَ الإغراء وتغيير الْقُلُوب والتقاطع (١). قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" وجزيرة العرب: اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وهو ما بين [بئرين] إلى مقطع السماوة في الأرض وقيل هو من أقصى اليمن إلى ريف العراق طولا ومن جدة إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا قال الأزهري سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيتها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات وقال مالك بن أنس أراد بجزيرة العرب: المدينة نفسها وإذا أطلقت الجزيرة ولم تصف إلى العرب فإنها يراد بها ما بين دجلة والفرات (٢)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام، وعبادة الشيطان عبادة الصنم بدليل قول اللَّه تعالى حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ (٣) وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان لأنه الأمر به والداعي إليه والمصلون هم المؤمنون وإنما سمي المؤمن بالمصلي لأن الصلاة أشراف الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان والمعنى أن

стр. 7666

الشيطان قد يئس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم في جزيرة العرب ولا يراد على هذا ارتداد صاحب مسيلمة والعنسي ومانعي الزكاة وغيرهم لأنهم لم يعبدوا الصنم. قوله: "ولكن [رضي] في التحريش بينهم" والتحريش على الإغراء وتغيير القلوب والتقاطع، قاله المنذري. وقال غيره: والتحريش الإغراء على الشر بنوع من الخداع (١). وقوله: "ولكن في التحريش بينهم" أي: في حملهم على الفتن والحروب فيما بينهم ليس بآيس بل طامع فيه (٢). ٤١٨٤ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود ﵁ قَالَ لا يتهاجر الرّجلَانِ قد دخلا فِي الإِسْلَام إِلَّا خرج أَحدهمَا مِنْهُ حَتَّى يرجع إِلَى مَا خرج مِنْهُ ورجوعه أَن يَأْتِيهِ فَيسلم عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد (٣). ٤١٨٥ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لَو أَن رجلَيْنِ دخلا فِي الإِسْلَام فاهتجرا لَكَانَ أَحدهمَا خَارِجا عَن الإِسْلَام حَتَّى يرجع يَعْنِي الظَّالِم مِنْهُمَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٤).

стр. 7667

قوله: وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "لا يتهاجر الرجلان قد دخلا في الإسلام" الحديث، تقدم معنى التهاجر. قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه، وتقدم الكلام أيضًا على معنى الحديث. ٤١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "تعرض الأَعْمَال فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر اللَّه فِي ذَلِك الْيَوْم لكل امرئ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا امْرُؤ كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيَقُول اتْرُكُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا" رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ (١). ٤١٨٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ تفتح أَبْوَاب الْجنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَيغْفر لكل عبد لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل كَانَ بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيُقَال أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا (٢). ٤١٨٨ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ وَلَفظه قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ تنسخ دواوين أهل الأَرْضِ فِي دواوين أهل السَّمَاء فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر لكل مُسلم لا

стр. 7668

يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء قَالَ أَبُو دَاوُد إِذا كَانَت الْهِجْرَة للَّه فَلَيْسَ من هَذَا بِشَيْء فَإِن النَّبِي ﷺ هجر بعض نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَابْن عمر هجر ابْنا لَهُ إِلَى أَن مَاتَ انْتهى (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس" الحديث، تقدم الكلام على معنى العرض في صوم الاثنين والخميس. قوله ﷺ : "إلا امرؤ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا" والشحناء بالمد البغض والعداوة وكذا الشحنة بكسر الشين ذكره الجوهري (٢) كأنه شخص بغضا له. فائدة: قال الحافظ المنذرى ﵀: قال أبو داود ﵀: إذا كانت الهجرة للَّه تعالى فليس من هذا في شيء فإن النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوما وابن عمر هجر ابنا له إلى أن مات، أ. هـ. ذكر الخطابي ﵀ (٣): أن هجرة الوالد لولده أو الزوج لزوجته وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث أ. هـ.

стр. 7669

وعلى هذا يحمل ما ثبت من هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه ﷺ الصحابة عن كلامهم لما خاف عليهم النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك وهجرت عائشة ابن الزبير مدة. وفي رحلة ابن الصلاح التي يخطه أن سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وأن عائشة كانت مهاجرة لحفصة وعثمان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف حتى مات وطاوس هاجر وهب بن منبه إلى أن مات وجرى بين الحسن وابن سيرين كلام فتهاجرا فمات الحسن ولم يشهد ابن سيرين جنازته وهجر سعيد بن المسيب أباه فلم يكلمه إلى أن مات وكان أبوه زياتا وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ومات ابن أبي ليلى فلم يشهد الثوري جنازته (١). فيجوز هجر أصحاب المعاصي والأهواء والبدع ومنابذي السنة دائما على ممر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق ولقد وجد من السلف من هجر أخاه في أمر كرهه عنه من أمور الدين السنة والسنتين ومنهم من هجر صاحبه وذلك طول عمره ورأوا أنفسهم في فسحة من ذلك ما لم يعد المهجور عما ابتدعه. تنبيه: قال في المهمات وكلام الأصحاب بعمومه يقتضي أن المبتدع لا فرق فيه بين أن يكون متجاهرا ببدعته أم لا بخلاف الظلم والفسق والصواب التسوية وكذلك يجوز الهجران إذا كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور

стр. 7670

فلا يحرم واللَّه أعلم (١). ٤١٨٩ - وَعَن جَابر ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ تعرض الأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَمن مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ وَمن تائب فيتاب عَلَيْهِ وَيرد أهل الضغائن بضغائنهم حَتَّى يتوبوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات الضغائن بالضاد والغين المعجمتين هِيَ الأحقاد (٢). قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا" الحديث، الضغائن هي الأحقاد قاله الحافظ. ٤١٩٠ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يطلع اللَّه إِلَى جَمِيع خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لجَمِيع خلقه إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَو مُشَاحِن رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِلَفْظِهِ من حَدِيث أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٣).

стр. 7671

قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "يطلع اللَّه إلى جميع خلقه" فذكره إلى أن قال "إلا لمشرك أو مشاحن" اطلاع اللَّه تعالى إلى عباده هو رحمته لهم، وتقدم الكلام على المشرك والمشاحن.

стр. 7672

٤١٩١ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول اللَّه ﷺ فَوضع عَنهُ ثوبيه ثمَّ لم يستتم أَن قَامَ فلبسهما فَأَخَذَتْنِي غيرَة شَدِيدَة ظَنَنْت أَنه يَأْتِي بعض صُوَيْحِبَاتِي فَخرجت أتبعه فَأَدْرَكته بِالبَقِيعِ بَقِيع الْغَرْقَد يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَالشُّهَدَاء فَقلت بِأبي وَأمي أَنْت فِي حَاجَة رَبك وَأَنا فِي حَاجَة الدُّنْيَا فَانْصَرَفت فَدخلت حُجْرَتي ولي نفس عَال ولحقني رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ مَا هَذَا النَّفس يَا عَائِشَة قلت بِأبي وَأمي أتيتني فَوضعت عَنْك ثوبيك ثمَّ لم تستتم أَن قُمْت فلبستهما فَأَخَذَتْنِي غيرَة شَدِيدَة ظَنَنْت أنَّك تَأتي بعض صُوَيْحِبَاتِي حَتَّى رَأَيْتُك بِالبَقِيعِ تصنع مَا تصنع فَقَالَ يَا عَائِشَة أَكنت تَخَافِينَ أَن يَحِيف اللَّه عَلَيْك وَرَسُوله أتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَللَّه فِيهَا عُتَقَاء من النَّار بِعَدَد شُعُور غنم كلب لا ينظر اللَّه فِيهَا إِلَى مُشْرك وَلَا مُشَاحِن وَلَا إِلَى قَاطع رحم وَلَا إِلَى مُسبل وَلَا إِلَى عَاق لوَالِديهِ وَلَا إِلَى مدمن خمر قَالَ ثمَّ وضع عَنهُ ثوبيه فَقَالَ لي يَا عَائِشَة أَتَأْذَنِينَ لي فِي قيام هَذِه اللَّيْلَة قلت بِأبي وَأمي فَقَامَ فَسجدَ لَيْلًا طَويلا حَتَّى ظَنَنْت أَنه قد قبض فَقُمْت أَلْتَمِسهُ وَوضعت يَدي على بَاطِن قَدَمَيْهِ فَتحَرك فَفَرِحت وسمعته يَقُول فِي سُجُوده أعوذ بعفوك من عقابك وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك جلّ وَجهك لا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَلَمَّا أصبح ذكرتهن لَهُ فَقَالَ يَا عَائِشَة تعلميهن فَقلت نعم فَقَالَ تعلميهن وعلميهن فَإِن جِبْرِيل ﵇ علمنيهن وَأَمرَنِي أَن أرددهن فِي السُّجُود رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١).

стр. 7673

قوله: وروي عن عائشة ﵂، تقدم الكلام عليها. قوله: فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد، البقيع بالباء الموحدة بلا خلاف والغرقد: شجر البادية معروف ولكنه زال واتخذ موضعه مقبرة المدينة. قوله: "فقال يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله" الحديث، الحيف هو الجور، قاله القرطبي (١)، ومعنى الحديث أخفت أن يجور اللَّه عليك ويميل عن الحق فيك، أ. هـ قاله عياض (٢)، وفي الحواشي ليس هذا على ظاهره فإنها أتقى وأعلم من أن تخاف الحيف من الشرع، وإنما هذا لا يخلوا من أمرين أن يكون من بعض الرواة الذي يذكرون الشيء بالمعنى فيما يظنونه فيغيرونه أو يكون المعنى أخفت ميل الشرع عليك بإسقاط حقك من ليلتك، وللشرع التحكم فقالت: أي نعم خفت أن يكون الشرع قد أجاز استلاب ليلتي من يدي وهذا لا يكون حيفا لكن لما كان الحيف بمعنى الميل أقيم مقامه واللَّه أعلم (٣). قوله: أتاني جبريل ﵇، الحديث، جبريل هو رسول رب العالمين، وفيه تسع لغات حكاهن ابن الأنباري وابن الجواليقي وغيرهما جبرلل وجبريل بكسر الجيم وفتحها وجبرئل بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام وجبرائيل بالألف وهمزة بعدها ياء وجبراييل بياءين بعد الألف وجبرءيل

стр. 7674

بهمزة بعد الراء وياء وجبريل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء وجبرين بفتح الجيم وكسرها وبالنون بدل اللام وقال جماعة من المفسرين وصاحب المحكم والجوهري وغيرهما من أهل اللغة في جبريل ومكيائل أن جبر وميك اسمان أضيفا إلى أيل قال: قالوا وايل وال اسمان للَّه تعالى وجبر وميك معناهما بالسريانية عبد فتقديره عبد اللَّه قاله أبو علي الفارسي. قوله: "وللَّه فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب" كلب قبيلة معروفة تقدم الكلام عليها في صوم شعبان. قوله ﷺ : "لا ينظر اللَّه فيها إلى مشرك ولا مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل" الحديث، تقدم الكلام على ذلك في مواطنه. قولها: فقمت ألتمسه ووضعت يدي على باطن قدميه فتحرك ففرحت، الحديث، يحتج بهذا الحديث من يرى عدم انتقاض الملموس فإنها وضعت يدها على إبهامه الشريفة، وفي رواية: فوقعت يدي على بطن قدميه كما في الحديث، وفي رواية: فوقعت يدي على أخمس قدميه، والأخمص ما ارتفع من باطن الرجل والأصل عدم الحائل بل الظاهر عدمه أيضًا، فإن ثيابهم كانت قصيرة شاهد ذلك أن النسوة كن يؤمرن أن لا يرفعن رءوسهن من السجود خلف النبي ﷺ حتى ترفع الرجال رءوسهم خشية رؤية النساء عورات الرجال من قصر الثياب فلو كان وضوء الملموس ينتقض لم يمض ﷺ في صلاته وفي هذه المسألة قولان للشافعي أحدهما: ما ذكر يعني أنه لا ينتقض الوضوء والقول الآخر: وهو الأظهر أنها مباشرة تنقض وضوء اللامس فنقضت وضوء الملموس كالجماع واللَّه أعلم.

стр. 7675

قولها ﵂: وسمعته يقول في سجوده: "أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك جل وجهك لا أحصي ثناء عليك" الحديث، وفي رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضا والسخط من صفات الذات. وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيا إلى الأعلى. ثم لما ازداد يقينا وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات فقال: أعوذ بك منك، ثم لما ازداد قربا استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها دلالة تضمين، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صرح بها ثانيا، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة، أو لاستيفاء حق الغير (١) أ. هـ. وقال الحصني: معنى "لا أحصى ثناء عليك" لا أحيط بمحامدك وصفة إلاهيتك وإنما أنت المحيط به وحدك، أ. هـ. وقال أبو سليمان الداراني (٢): في هذا الكلام معنى لطيف وذلك أنه استعاذ باللَّه وسأله أن يجيزه برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته والرضى

стр. 7676

والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالمعاقبة فسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو اللَّه استعاذ باللَّه منه لا غير ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه (١). قال في الحواشي قلت: [لا] يجوز أن يستعاذ من الذات القديمة وهذا لا يجوز أن يعتقد أن الرسول قصده ولكنه كما أراد أن يستعيذ من الأشياء بأضدادها مثل أن يقول: "وبحلمك من تعجيل عذابك" وبكذا من كذا، فلما كان التعداد يطول قال: "أعوذ بك منك" أي: بما يصدر منك من عفو ولطف مما يصدر منك من عقوبة ونقمة، وقال ابن عقيل: معنى الكلام أعوذ بك من الصادر منك من الأفعال التي هي العذاب والبطش (٢)، أ. هـ. وقوله: "لا أحصى ثناء عليك" أي: لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به وقال مالك ﵀: لا أحصى نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك. وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل التناء وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين فوكل ذلك إلى اللَّه سبحانه المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه لأن الثناء تابع للمثنى

стр. 7677

عليه فكل ثناء أثنى به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر اللَّه أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ (١). وقوله ﷺ : في الحديث "جل وجهك" وتكرر وجه اللَّه في الكتاب والسنة، وللناس في ذلك كغيره من الصفات مذهبان مشهوران، أحدهما: امرارها كما جاءت من غير كيف فنؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها مع الجزم بأنه ليس كمثله شيء وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين وثانيهما تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة، فالمراد بالوجه الوجود قاله ابن حجر (٢). وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى اللَّه تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله ﷺ : "أعوذ [بك] من سخطك ومن عقوبتك" الحديث (٣). ٤١٩٢ - وَعَن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ يطلع اللَّه إِلَى خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لِعِبَادِهِ إِلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِن وَقَاتل نفس رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لين (٤).

стр. 7678

قوله: وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يطلع اللَّه إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن وقاتل نفس" تقدم الكلام على ذلك. ٤١٩٣ - وَعَن مَكْحُول عَن كثير بن مرّة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان يغْفر اللَّه لأهل الأَرْض إِلَّا مُشْرك أَو مُشَاحِن رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ هَذَا مُرْسل جيد (١). ٤١٩٤ - قَالَ الْحَافِظ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضًا عَن مَكْحُول عَن أبي ثَعْلَبَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يطلع اللَّه إِلَى عباده لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر للْمُؤْمِنين ويمهل الْكَافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حَتَّى يَدعُوهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ أَيْضًا بَين مَكْحُول وَأبي ثَعْلَبَة مُرْسل جيد (٢). قوله: وعن مكحول، تقدم الكلام عليه. قوله: "يطلع اللَّه إلى خلقه" وتقدم الكلام أيضًا على هذا الحديث. ٤١٩٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ ثَلَاث من لم يكن فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَإِن اللَّه يغْفر لَهُ مَا سوى ذَلِك لمن يَشَاء من مَاتَ لا يُشْرك

стр. 7679

بِاللَّه شَيْئا وَلم يكن ساحرا يتبع السَّحَرَة وَلم يحقد على أَخِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله في الحديث: "ولم يحقد على أخيه" الحديث، الحقد هو: [الانطواء على العداوة والبغضاء وقيل هو هو طلب الانتقام، وتحقيقه: أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطل واحتقن فيه فصار حقدًا وقيل هو سوء الظن في القلب على الخلائق لأجل العداوة]. ٤١٩٦ - وَعَن الْعَلَاء بن الْحَارِث أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَامَ رَسُول اللَّه ﷺ من اللَّيْل فصلى فَأطَال السُّجُود حَتَّى ظَنَنْت أَنه قد قبض فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك قُمْت حَتَّى حركت إبهامه فَتحَرك فَرجع فَلَمَّا رفع رَأسه من السُّجُود وَفرغ من صلَاته قَالَ يَا عَائِشَة أَو يَا حميراء أظننت أَن النَّبِي ﷺ قد خاس بك قلت لا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه وَلَكِنِّي ظَنَنْت أَنَّك قبضت لطول سجودك فَقَالَ أَتَدْرِينَ أَي لَيْلَة هَذِه قلت اللَّه وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِن اللَّه عز

стр. 7680

وَجل يطلع على عباده فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر للمستغفرين ويَرْحَم المسترحمين وَيُؤَخر أهل الحقد كَمَا هم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَقَالَ هَذَا مُرْسل جيد وَيحْتَمل أَن يكون الْعَلَاء أَخذه من مَكْحُول قَالَ الأَزْهَرِي يُقَال للرجل إِذا غدر بِصَاحِبِهِ فَلم يؤته حَقه قد خاس بِهِ يَعْنِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة (١). قوله: وعن العلاء بن الحارث [هو العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، أبو وهب، ويقال أبو محمد الدمشقي ثقة جليل وكان أعلم أصحاب مكحول (٢)]. قول عائشة ﵂: [قام رسول اللَّه ﷺ ] من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك" تقدم الكلام على ذلك في حديث عائشة إلى رواه البيهقي في هذا الباب وتقدم أيضًا الكلام على ذلك في صوم شعبان وقيام ليله مبسوطًا. وقوله: يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي ﷺ قد خاس بك، تقدم الكلام على قوله "يا حميراء" قال الحافظ نقلا عن الأزهري: يقال للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يوفه حقه قد خاس به يعني بالخاء المعجمة والسين المهملة.

стр. 7681

٤١٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لا ترفع صلاتهم فَوق رؤوسهم شبْرًا رجل أم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَأَخَوَانِ متصارمان رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ ثَلَاثَة لا يقبل اللَّه لَهُم صَلَاة فَذكر نَحوه قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي فِي بَاب الْحَسَد حَدِيث أنس الطَّوِيل إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (١).
следующие страницы →