← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 817–856 · переход к 822.

стр. 817

قوله: فاطلع من كومة، بفاح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب المطالع، وحكي فيها الضم (١)، وقال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من العلم أن يقول له الناس عالمًا، وفي بعض الآثار: أن عيسى ﵊ قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدّث به ولا يطلبه ليعمل به، وقال بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدّث بها لا يجد ريح الجنة، يعني: من ليس له غرض في طلبها إلا الحديث بها دون العمل بها. تنبيه: ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد اللّه بن أبي جعفر مرسلًا عن النبي ﷺ قال: "أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار" (٢) وقال علقمة: أجرأكم على الفتيا أقلكم علمًا، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار ومن أصحاب رسول اللّه ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيؤدها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول (٣) وهو ابن مسعود ﵁ قال: إن الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون (٤)، وسئل عمر بن عبد

стр. 818

العزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجريء، وكتب إلى بعض عماله: إني واللّه ما إني بحريص على الفتيا ما وجدت منه بدًا، وليس هذا الأمر لمن ود أن الناس احتاجوا إليه، إنما هذا الأمر لمن ود أنه وجد من يكفيه، وعنه ﵁ أنه قال: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم وأجهلهم بها أنطقهم، وقال سفيان الثوري: أدركنا الفقهاء وكانوا يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدون بدًا، وإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد كانت للضرورة، قيل له: فأيهما أفضل، الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحب إليّ، قيل له: فإذا كانت الضرورة فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم؛ وليعلم المفتي أنه يرفع عن اللّه أمره ونهيه وأنه موقف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: أيها المفتون، انظروا كيف تفتون عن اللّه، وعن ابن المنكدر قال: إن العالم بين اللّه وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم، وكان ابن سيرين: إذا سئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول: ما وجدت أحدًا تسأل غيري، وقال: قد تكلمت لو وجدت بك ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، وعن محمد بن واسمع قال: أول من يدعى للحساب الفقهاء، وعن مالك أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض العُلماء لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص المسائل وليكن تخليص نفسك أولا، وقال آخر: إذا سئلت عن شيء فتفكر إن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم وإلا فاسكت،

стр. 819

وكلام السلف في هذا يطول، وفيما ذكرنا كفاية لمن تدبر، واللّه أعلم (١). خاتمة: وتقدم في حديث ابن عباس المرفوع: "ورجل أتاه اللّه علما فبخل به عن عباد اللّه وأخذ عليه مطمعا وشرى به ثمنًا" الحديث (٢)، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (٣): وإذا تعين على العالم نشر العلم وتعليمه وكانت عنده كفايته ثم ضن بعلمه أي يبخل حتى يأخذ عليه أجرًا فهو المراد بالآية وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤) والحديث، وأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة لقوله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللّه" أخرجه البخاري (٥)، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته لأن إحياء نفسه أوجب، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق ﵁. لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له: في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته، واللّه أعلم.

стр. 820

الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير ١٨٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : إن مما يلحق المؤمنين من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمهُ ونشره وولدا صالحا تركه، أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن سبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته. رواه ابن ماجة بإسناد حسن والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه (١). الدلالة: بكسر الدال وفتحها، ويقال: دلولة بضم اللام. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره" الحديث، وقدم العلم على جميع الانتقاصات للاهتمام به. قوله: "وولدا صالحًا تره أو مصحفا ورثه" الحديث، وتقدم الكلام على هذا الحديث وما يشبهه مبسوطًا. ١٨٨ - وَعَن أَبِى قَتَادَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده، رَوَاهُ ابْن مَاجَة بِإِسْنَاد صَحِيح وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثلاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم يُنْتَفع بِهِ أَو ولد

стр. 821

صَالح يَدْعُو لَهُ". رَوَا مسلم (١). قوله: عن أبي قتادة، وأبو قتادة: اسمه. قوله: "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث، ولد صالح يدعو له أو صدقة يجري ما يبلغه أجرها" قال العُلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة كونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، وفيه: فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وفيه: دليل الصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وفيه: بيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالعلم والتصنيف والإيضاح وانه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهو مجمع عليها، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهو داخل في قضاء الدين إذا كانا حجًّا واجبًا، وإذا كان تطوعًا ووصى به فهو من باب الوصايا (٢)، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا، واللّه أعلم.

стр. 822

١٨٩ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا تصدق النَّاس بِصَدقَة مثل علم ينشر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَغَيره (١). قوله: عن سمرة بن جندب، وجندب بفتح الدال وضمها مع ضم الجيم، وبكسر الجيم أيضًا مع فتح الدال وكسرها، والجنادب جمع ذلك وهو شبه الجراد، وقيل: هو الجراد بعينه، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر" تقدم الكلام على نشر العلم وفضله. ١٩٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "نعم الْعَطِيَّة كلمة حق تسمعها ثمَّ تحملهَا إِلَى أَخ لَك مُسلم فتعلمها إِيَّاه". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفًا (٢). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "نعم العطية كلمة حق تسمعها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلهما إياه" الحديث، المراد بالعطية الحق العتاطية من العلم النافع. قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على فضائله.

стр. 823

قوله ﷺ : "ألا أخبركم عن الأجود" إلى قوله: "وأنا أجود ولد آدم" الحديث، فدل هذا الحديث على أنه ﷺ أجود ولد آدم على الإطلاق وأفقههم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده ﷺ بجميع أنواع الجود من بذل للعلم والمال وبذل نفسه للّه تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم، ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته وكان جوده ﷺ كلّه للّه وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير محتاج أو ينفقه في سبيل اللّه أو يتألفه على الإسلام من يتقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، واللّه أعلم، قاله ابن رجب (١). قوله ﷺ : "وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه يُبعث يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وحدَه" الأُمَّة الرَّجُلُ المنْفرِدُ بِدِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾. وَفِيهِ "لولَا أنَّ الكِلاب أُمَّة تُسَبِّح لأمَرْت بقَتْلِهَا"، يُقَالُ لِكُلِّ جِيل مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ أُمة، قاله صاحب النهاية (٢). ١٩١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أَلا أخْبركُم عَن الأجود الأجود اللّه الأجود الأجود وَأَنا أَجود ولد آدم وأجودكم من بعدِي

стр. 824

رجل علم علما فنشر علمه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده وَرجل جاد بِنَفسِهِ للّه حَتَّى يقتل. رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: عن أنس أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ما من رجل ينعش لسانه حقًّا يعمل به بعده إلا جرى له أجره إلى يوم القيامة" الحديث، ينعش: أي يقول ويذكر، قاله الحافظ وهو في كتاب الرقائق لابن المبارك بنحوه عن أنس يرفعه، قال: "من أنعش حقًّا بلسانه له أجره حتى يأتي اللّه يوم القيامة فيوفيه ثوابه" وفي إسناده مجهول، انتهى. ١٩٢ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من رجل ينعش لِسَانه حَقًا يعْمل بِهِ بعده إِلَّا جرى لَهُ أجره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ وفاه اللّه ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (٢) وَلَكِن الْأُصُول تعضده. قَوْله: ينعش أَي يَقُول وَيذكر.

стр. 825

١٩٢ - م - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول: "أَرْبَعَة تجْرِي عَلَيْهِم أُجُورهم بعد الْمَوْت رجل مَاتَ مرابطًا فِي سَبِيل اللّه وَرجل علم علمًا فَأَجره يجْرِي عَلَيْهِ مَا عمل بِهِ وَرجل أجْرى صَدَقَة فأجرها لَهُ مَا جرت وَرجل ترك ولدا صَالحًا يَدْعُو لَهُ". رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (١) وَهُوَ صَحِيح مفرقا من حَدِيت غير وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃.

стр. 826

فصل ١٩٣ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري أَن رجلًا أَتَى النَّبِي ﷺ ليستحمله فَقَالَ: إِنَّه قد أبدع بِي فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "ائْتِ فلانًا فَأَتَاهُ فَحَمله". قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو قَالَ عَامله". رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (١). قَوْله: أبدع بِي هُوَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الدَّال يَعْنِي طلعت ركابي يُقَال أبدع بِهِ إِذا كلت ركابه أَو عطبت وَبَقِي مُنْقَطِعًا بِهِ. قوله: عن أبي مسعود البدري، وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيدة، ويقال: سيدة الأنصاري، ويقال له البدري، وقال البخاري: لم يشهد بدرًا، والأصح أنه كان ينزل بدرًا فنسب إليها. قوله: "إن رجلَّا أتى النبي ﷺ يستحمله، فقال: إنه قد أبدع بي"، وفي بعض النسخ: بدع بي، بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عياض عن جمهور رواة مسلم، والصواب ما ذكره الحافظ: أبدع بي، وهو معروف اللغة يعني: طلعت ركابي معناه: هلكت دابتي وهي مركوبي، قال الحافظ: يقال أبدع به إذا كلت ركابه أو عطبت وبقى منقطعًا، انتهى. قوله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أو قال: "عامله"، الحديث، أي: من علم أو عمل أو زيارة أو شفاعة أو إغاثة ملهوف أو حضور

стр. 827

ميت أو عبادة وغير ذلك مما لا ينحصر مما يصدق عليه أنه طاعة أو معروف فإنه يدخل في مسمى الخيرية وسواء كان بعبارة أو إشارة أو كتابة أو تأليف أو غير ذلك فله مثل أجر فاعله أي: وإن تعدد من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، لأنه مفرد مضاف فكان عامًا، وهو نظير: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" ومقتضاه أنه ربما زاد أجره على الفاعل فإنه لو دل مائة مثلا على خير فعملوا به كان لكل عامل أجر وله مائة أجر بعددهم، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، ومن هاهنا عظمت درجات العُلماء، والأصل في المثل المشابهة من كلّ وجهٍ، وقد تتخلف أمور منها لدليل (١)، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام، واستنبط ابن حبان من قوله: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه لأنه دعاه إلى ذلك، انتهى، ففي هذا الحديث فضل الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء (٢). ١٩٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي مَا أعطيكه وَلَكِن ائْتِ فلَانا فَأتى الرجل فَأعْطَاهُ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو عَامله. رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ

стр. 828

الْبَزَّار مُخْتَصرا الدَّال على الْخَيْر كفاعله (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير والأوسط من حَدِيث سهل بن سعد (٢). ١٩٥ - وعَنْ أنس ﵁ عَن النّبِي ﷺ قَالَ الدَّال على الْخَيْر كفاعله وَاللّه يحب إغاثة اللهفان. رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة زِيَاد بن عبد الله النميري وَقد وثق. وَلَه شَوَاهِد (٣). قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 829

قوله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله"، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: "واللّه يحب إغاثة اللهفان"، اللهفان: هو المضطر. قوله: رواه البزار من رواية زياد بن عبد اللّه النميري (عن أنس وعنه سهل بن أبي صالح ضعفه ابن مَعين وقال في موضع آخر: ليس به بأس وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به قال في الميزان: وذكره ابن حبان في الثقات وذكره في الضعفاء أيضًا فقال: لا يجوز الاحتجاج به). ١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئًا وَمن دَعَا إِلَى ضَلالَة كَانَ عَلَيْهِ من الإِثْم مثل آثام من اتبعهُ لا ينقص ذَلِك من آثامهم شَيْئًا رَوَاهُ مسلم وَغَيره (١) وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي بَاب الْبدَاءَة بِالْخَيرِ. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" الحديث، الهدى: خلاف الضلال، والدعاء إلى الهدى شعبة من الرسالة، لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثت لتؤدي عن اللّه عز تعالى وتهدي عباده، فمن كان داعيا إلى اللّه تعالى فهدى اللّه به عبدًا فقد أخذ شعبة من الرسالة واحتظى من ثواب الرسل حظًا من الكرامة، وقال اللّه تعالى لداود ﵊: "لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلى من عبادة الثقلين"، وقال رسول اللّه

стр. 830

- ﷺ لعلي ﵁: "لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"، روي ذلك في الصحيحين، والنعم عند اللغويين الإبل، وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة والأنعام الإبل والبقر والغنم، وهذا يدلّ على فضل العلم والتعليم وشرف منزلته وأهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعلم كان خيرًا له من حمر النعم، وهي خيار وأشرفها وأعزها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كلّ يوم طوائف من الناس، والنعم كبيرة الفائدة شديد الانقياد ليس لها شراسة الدواب ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إلهًا لم يخلق اللّه لها سلاحًا شديدًا كأنياب السباع وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش، وخلقت ذلولا تنقاد بالأيدي، ولما كان مأكلها الحشيش اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حدادًا وأضراسًا صلابًا لتطحن بها الحب والنوى: "لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك" أجرًا وثوابًا من أن يكون لك "حمر النعم" فصدق بها، انتهى؛ وفيه: البشرى لمن هذا حاله. [قوله: "كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" يقول: من دل قوما على فعل خير أو عمل صالح فبقدر ما يحصل لكل واحد منهم بذلك العمل من الثواب يحصل لهذا الدال من غير أن ينقص من أجور الفاعلين شيئًا، وكذلك الحكم إذا كان على ضد هذا وأهل السنة ذهبوا إلى أن أفعال العباد لا تقتضي لذاتها ثوابا لكن الحكمة البالغة والسنة الجارية منه استمرت على ارتباط العمل الصالح بالثواب والعمل السيء بالعقاب من غير أن تؤثر الأفعال فيهما بصفة الإيجاد والصدور، ومباشرة الفعل والتسبب إليه سببان في الارتباط وتعلق الثواب والعقاب، انتهى].

стр. 831

١٩٧ - وَعَن عَليّ ﵁ فِي قَوْل تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) قَالَ: "علمُوا [أَنْفُسَكُمْ وَ] (٢) أَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ". رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفًا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٣). قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: "علموا أهليكم الخير"، وقال علي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن رسول اللّه ﷺ : "كلكم راع ومسؤول عن رعيته". لطيفة: قد روي أن عيسى ﵊ اجتاز في سياحة فرأى حجرًا صغيرًا ينبع منه ماء كثيرًا فوقف عنده وتعجب من كثرة ذلك الماء فسأل اللّه تعالى أن يكلمه ذلك الحجر ليسأله عن ذلك، فقال الحجر: يا روح اللّه منذ سمعت قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فأنا أبكي خوفا من تلك النار، فسأل عيسى ﵊ من اللّه أن يجير ذلك الحجر من النار فأجاره اللّه فأعلمه بذلك ثم أتى عليه بعد حين

стр. 832

فوجده باكيًا كما كان، فقال عيسى ﵇ "ما هذا البكاء، وقد أجرت من النار" فقال: يا روح اللّه، ذلك بكاء الخوف وهذا بكاء السرور شكرًا للّه ، وكفى هذا موعظة وحسرة أن الحجارة أعقل من الإنسان، وقد دل على ذلك آيات أصرح ما فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ .. ﴾ (١) الآية، قاله في مختصر مجمع الأحباب.

стр. 833

الترهيب من كتم العلم ١٩٨ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الْحَاكم بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَة قَالَ: "مَا من رجل يحفظ علما فيكتمه إِلَّا أَتَى يَوْم الْقِيَامَة ملجوما بلجام من نَار" (١). قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" الحديث، الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام، قال الخطابي: والمراد بالعلم ما يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه كمن يرى كافرًا يريد الإسلام يقول: علموني الإسلام وكمن يرى رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علموني كيف أصلي وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام فيقول: أفتوني وأرشدوني فإنه يلزمه في هذا وأمثاله تعريف الجواب، ومن منعه استحق الوعيد، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة للناس إلى معرفتها، ومنهم من يقول إنه علم الشهادة، قال سحنون: هذا الحديث إنما حكم في الشهادة، قال ابن العربي: الصحيح

стр. 834

خلافه لأن في الحديث من سئل عن علم ولم يقل شهادة ونحن مأمورون بالعمل بالظاهر حتى يرد ما يلزمه، وروى الحافظ أبو نعيم في فضل العالم العفيف عن ابن مسعود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما أتى اللّه عالمًا إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين أن يبينه ولا يكتمه" انتهى، قاله في الديباجة، فليحذر العالم من ذلك؛ وقوله "فكتمه" يقتضي أنه لا يرد جواب سائله لقوله؛ والمراد: ما يجب بذله، وأما السائل فلا تنهر، قال: من نهر السائل، أي: رده بلا جواب، قاله في حدائق الأولياء (١). ١٩٩ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: "من كتم علما ألْجمهُ اللّه يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح لا غُبَار عَلَيْهِ (٢). ٢٠٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من سُئِلَ عَن علم فكتمه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار وَمن قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر مَا يعلم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار". رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير والأوسط بسَنَد جيد بالشطر الأول فَقَط (٣).

стр. 835

قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم" الحديث، قال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: ومن الكبائر أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه، وقد عده الذهبي وابن القيم من الكبائر ومن غير تقييد، والذي يظهر أنه لا يكون من الكبائر إلا إذا تعين الجواب عليه كما ذكرنا، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) الآية، ومنها: تفسير القرآن برأيه وتفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور، والإخبار عن اللّه تعالى بأنه أراد ما يتحقق إرادته إياه، واللّه أعلم. قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من كتم علما مما ينفع اللّه به الناس في أمر الدين ألجمه اللّه يوم القيامه بلجام من نار" فخرج بهذا الحديث أنه يجوز كتم علم لم ينفع اللّه به الناس كالسحر ونحوه. وقوله: "ألجم يوم القيامة بلجام من نار" وإنما عذب فمه لأن الفم موضع خروج العلم، فلما لم يُجب السائل وسكت جازاه اللّه عن سكوته بلجام من النار، واللّه أعلم.

стр. 836

تتمة: قد صح عن أبي هريرة أنه قال: حفظت عن رسول اللّه ﷺ جرابين، فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (١)، أما الجواب على حديث أبي هريرة فقيل: إن الذي كتمه هو ما يتعلق بالفتن، وما شجر بين الصحابة فلهذا كتمه خوفا على نفسه ونحو ذلك، فأما الأحكام وما فيه وعد ووعيد وترغيب وصلاح الأمة فهذا هو المنهي عن كتمه (٢)، واللّه أعلم. ٢٠١ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "من كتم علما مِمَّا ينفع اللّه بِهِ النَّاس فِي أَمر الدّين ألْجمهُ اللّه يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار" رَوَاهُ ابْن مَاجَة (٣) قَالَ الْحَافِظ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث دون قَوْله مَا ينفع اللّه بِهِ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غير من ذكر مِنْهُم جَابر بن عبد اللّه وَأنس بن مَالك وَعبد اللّه بن عَمْرو وَعبد اللّه بن مَسْعُود وَعَمْرو بن عبسة وَعلي بن طلق وَغَيرهم. ٢٠٢ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد اللّه ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا لعن آخر هَذِه الأمة أَولهَا فَمن كتم حَدِيثا فقد كتم مَا أنزل اللّه. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَفِيه انْقِطَاع وَاللّه أعلم (٤).

стр. 837

قوله: عن جابر، هو: ابن عبد اللّه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا لعن آخر هذه الأمة أولها" الحديث، هو على ظاهره، ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون الأمة، انتهى، قاله في التنقيح (١)، وقال صاحب كنز الدرر (٢): قال هشام بن عبد الملك لزيد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي: بلغني أن أباك يريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة فقال زيد: قد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ابن أمة وإسحاق ابن حرة وآخرج اللّه تعالى من صلب إسماعيل خير ولد آدم، فقال له هشام: قم عني، فقال زيد: لا تراني بعدها إلا حيث تكره، ولما جرى ما جري، والقصة مطولة، وقتل زيد في سنة اثنتين وعشرين ومائة وصلب ولم يزل مصلوبا إلى سنة ست وعشرين ثم أنزل بعد أربع سنين وآخرق، ولما قتل زيد في خلافة هشام بن عبد الملك قام بالأمر بعده ولده يحيى ومضى إلى خراسان فاجتمع بها خلق كثير وبايعوه ووعدوه بالقيام معه ومقاتلة الأئمة وبذلوا له الطاعة فبلغ ذلك جعفر بن محمد الصادق فكتب إليه ينهاه عن ذلك ويعرفه أن مقتول كما قتل أبوه، وكان كما أخبر جعفر بن محمد الصادق، فإن أمير خراسان قتله بجرجان ثم تفرقت الزيدية ثلاث فرق: جارودية وسليمانية وبترية بفتح التاء، فالجارودية، قال ابن السمعاني في الأنساب (٣): الجارودية

стр. 838

فرقة من الزيدية وهم أصحاب أبي الجارود بن المنذر وكان من أصحاب زيد بن علي زعموا أن النبي ﷺ نص على خلافة علي بن أبي طالب وأن الناس كفروا بنصب غيره وأن علي بن أبي طالب أفضل الخلق بعد رسول اللّه ﷺ وأولاهم بالأمر من جميع الناس وَتَبرَّوا من أبي بكر وعمر وزعموا أن الإمامة مقصورة في ولد فاطمة وزعموا أن النبي ﷺ نص على إمامة علي ﵁ بالوصف دون التسمية، وأن الناس كفروا بترك الاقتداء به بعد النبي ﷺ ثم بعده الحسن ثم بعده الحُسين ثم إن الأمر شورى بعدهم فمن خرج منهم داعيا إلى ربه وكان عالما فاضلًا فهو الإمام، وقال (١): السليمانية منسوبون إلى سليمان بن جرير من الزيدية أثبتوا إمامة أبي بكر وعمر وزعموا أن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأ لا يبلغ درجة الفسق، وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃، انتهى. ٢٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ مثل الَّذِي يتَعَلَّم الْعلم ثمَّ لا يحدّث بِهِ كمثل الَّذِي يكنز الْكَنْز ثمَّ لا ينْفق مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (٢). قوله: عن أبي هريرة، تقدم.

стр. 839

قوله ﷺ : "مثل الذي يعلم العلم ولا يحدّث به كمثل الذي يكنز الكنز ولا ينفق منه" الحديث، الكنز: هو ما لم تؤد زكاته، وما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا تحت سبع أرضين (١). قوله: وفي إسناده ابن لهيعة، ابن لهيعة: اسمه عبد اللّه، تقدم الكلام عليه مبسوطًا، واللّه أعلم. ٢٠٤ - وَعَن عَلْقَمَة بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن جدّه قَالَ خطب رَسُول اللّه ﷺ ذَات يَوْم فَأثْنى على طوائف من الْمُسلمين خيرا ثمَّ قَالَ مَا بَال أَقوام لا يفقهُونَ جيرانهم وَلا يعلمونهم وَلا يعظونهم وَلا يأمرونهم وَلا ينهونهم وَمَا بَال أَقوام لا يتعلمون من جيرانهم وَلا يتفقهون وَلا يتعظون وَاللّه ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أَو لأعاجلنهم الْعقُوبَة ثمَّ نزل فَقَالَ قوم من تَرَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الأشْعَرِيين هم قوم فُقَهَاء وَلَهُم جيران جُفَاة من أهل الْمِيَاه والأعراب فَبلغ ذَلِك الأشْعَرِيين فَأتوا رَسُول اللّه ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه ذكرت قوما بِخَير وذكرتنا بشر فَمَا بالنا فَقَالَ ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أَو لأعاجلنهم الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه أنفطن غَيرنَا فَأَعَادَ قَوْله عَلَيْهِم فَأَعَادُوا قَوْلهم أنفطن غَيرنَا فَقَالَ ذَلِك أَيْضا فَقَالُوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ثمَّ قَرَأَ رَسُول اللّه ﷺ هَذِه

стр. 840

الآيَة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (١) الآيَة رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبير عَن بكير بن مَعْرُوف عَن عَلْقَمَة (٢). قوله: عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه، عبد الرحمن بن أبزى مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، سكن الكوفة، وقال البخاري: له صحبة، ذكره غير واحد من الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله علي ﷺ : على خراسان، روى له الجماعة، وابناه: سعيد بن عبد الرحمن وعبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبزى. قوله ﷺ : "ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم" الحديث، كان النبي ﷺ (يستعمل على الناس من يعلمهم ويفقههم في الدين ويأمرهم بالمعروف والأعراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس. ولا واحد له من لفظه. وسواء أقام بالبادية أو المدن. والنسب إليهما: أعرابي وعربي وفي حديث سطيح"يقود خيلًا عرابًا" أي عربية منسوبة إلى العرب، فرقوا بين الخيل والنالس، فقالوا في الناس: عرب وأعراب، وفي الخيل:

стр. 841

عراب (١)، وتقدم الكلام على الفقه في أول كتاب العلم. قوله: "فقال: قوم من ترَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الأشْعَرِيين هم قوم فُقَهَاء وَلَهُم جيران جُفَاة من أهل الْبادية والأعراب"، والأعراب: ساكنوا البادية، والأشعريون: أهل قبيلة منسوبة إلى أشعر، وأشعر أبو قبيلة من اليمن وهو أشعر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، تقول العرب: جاءني الأشعرون بحذف ياء النسب (٢)، وقال شارح مشارق الأنوار: صوابه الأشعرين، وذلك لأنهم يقولون: يمانون وتهامون وسعدون وأشعرون (٣)، انتهى. قوله: رواه الطبراني عن بكير بن معروف (الأسدي أبو معاذ، وقيل: أبو الحسن النيسابوري، ويقال: الدامغاني، صاحب التفسير: كان على قضاء نيسابور، ثم سكن دمشق وهاه ابن المبارك وقد وثقه غيره، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ليس حديثه بالمنكر جدًا). ٢٠٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "تناصحوا فِي الْعلم فَإِن خِيَانَة أحدكُم فِي علمه أَشد من خيانته فِي مَاله وَإِن اللّه مسائلكم" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرَ أيْضًا وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَبَا سعيد الْبَقَّال واسْمه سعيد بن الْمَرْزُبَان فِيهِ خلاف يَأْتِي (٤).

стр. 842

قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله: "تناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله" الحديث، وفي رياضة الدينوري: "تناصحوا في العلم، ولا يكتمن بعضكم بعضًا، فإن خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال" (١) وقال أبو الدرداء: أحب عباد اللّه إلى اللّه الذي يحببون عباد اللّه إلى اللّه ويحببون اللّه إلى عباده، والذي يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة بذكر اللّه، وقال يحيى بن معاذ: إن العبد إذا صدق فيما بينه وبينه اللّه تعالى جعل اللّه كلامه جلاء في قلوب المؤمنين وشكرا في أفواه المذنبين وروضة في عيون الصادقين وريحانة لأنوف المخلصين، وقال مالك بن دينار: بلغني أنه يدعى يوم القيامة المذكر الأصدق فيوضع على رأسه تاج الملك ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلا هي إن أقواما كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت فيه، قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به ثم ينطلق به إلى الجنة لكرامته على اللّه ، وقال أبو مكين: لم يتصدق المتصدق بصدقة أفضل من عبد وعظ قوما من المسلمين موعظة قاموا عنده بخير.

стр. 843

الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، ولقول ما لا يفعله ٢٠٦ - عَن زيد بن أَرقم ﵁ أَنا رَسُول اللّه ﷺ كَانَ يَقُول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع وَمن قلب لَا يخشع وَمن نفس لَا تشبع وَمن دَعْوَة لَا يُسْتَجَاب لَهَا". رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث (١). قوله: عن زيد بن أرقم، هو: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي المدني، غزا مع رسول اللّه ﷺ سبع عشرة غزوة، استصغره رسول اللّه ﷺ يوم أحد، وكان يتيمًا في حجر عبد اللّه بن رواحة وسار معه في غزوة مؤتة، روي له عن رسول اللّه ﷺ سبعون حديثًا، اتفقا على أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة، نزل الكوفة، وتوفي بها سنة ست وخمسين، وقال محمد بن سعد وآخرون سنة ثمان وستين، ومناقبه كثيرة مشهورة (٢).

стр. 844

قوله: كان رسول اللّه ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" الحديث، وفي الحديث أيضًا عن جابر أن النبي ﷺ قال: "سلوا اللّه علما نافعا وتعوذوا باللّه من علم لا ينفع" (١) ذكره أبو عمر. قال الغزالي في الإحياء (٢): ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلاوة اللطيفة بالطفل الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل في بعض الأمور، فقد حكي أن بعض الناس شكى إلى طبيب عقم زوجته وأنها لا تلد، فجس الطبيب نبضها، وقال: لا حاجة بك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين بعد أربعين يومًا، وقد دل النبض على ذلك، فاستشعرت المرأة خوفًا عظيمًا وتنغص عليها عيشها وأخرجت أموالها وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت فجاء زوجها إلى الطبيب فقال: لم تمت، فقال الطبيب: قد علمت ذلك فجامعها الآن فإنها تلد، فقال: كيف ذاك، قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على فرجها وعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة، قال: فلهذا تعوذ النبي ﷺ من علم لا ينفع، فاعتبر بهذه الحكاية، ولا تكن باحثًا عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها، انتهى، قاله في الديباجة.

стр. 845

قوله: "ومن قلب لا يخشع" الخشوع: الخضوع. قوله: "ومن نفس لا تشبع" استعاذة من الحرص والطمع والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة، ويحتمل وجهين، أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها اللّه تعالى ولا يفتر عن الجمع لشدة ما فيها من الحرص الإنساني أن يراد به كثرة الأكل (١). قوله: "ومن دعاء لا يستجاب" أي: لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع، وقال الخطابي (٢): الدعاء الذي لا يسمع معناه: لا يجاب، ومن هذا قول المصلي: سمع اللّه لمن حمده، يريد استجاب اللّه دعاء من حمده، قال الشاعر: دَعَوْتُ اللّهَ حَتى خِفْتُ أَنْ لا ... يَكْونَ اللّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ وقال القرطبي (٣): العلم الذي لا ينفع هو الذي لا يعمل به كما قال ﵊: "العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه وأتعب صاحبه نفسه في جمعه ثم لم يصل إلى نفعه" (٤) انتهى، وفي رواية البيهقي: "اللهم إني أعوذ بك من شر هذه الأربع"، وروى عنه ﷺ أنه كان يقول:

стр. 846

"اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما" والحمد للّه على كلّ حال [حديث زيد بن أرقم هذا أو غيره من الأدعية المسجوعة، دليل لما قاله العُلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المكلف، فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما يحصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظا فلا بأس به بل هو حسن، واللّه أعلم (١)]. ٢٠٧ - وَعَن أُسَامَة بن زيد ﵁ أَنه سمع رَسُول اللّه ﷺ يَقُول يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فيدورها كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فتجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ يَا فلَان مَا شَأْنك أَلَسْت كنت تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فَيَقُول كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتيه وأنهاكم عَن الشَّرّ وآتيه، قَالَ: وَإِنِّي سمعته يَقُول يَعْنِي النَّبِي ﷺ مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي بِأَقْوَام تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار قلت من هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ خطباء أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ"، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (٢) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس وَزَاد ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَة لَهما ويقرؤون كتاب اللّه وَلَا يعْملُونَ بِهِ (٣).

стр. 847

قَالَ الْحَافِظ: وَسَيَأْتِي أَحَادِيت نَحوه فِي بَاب من أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر وَخَالف قَوْله فعله. قوله: عن أسامة بن زيد، هو مولى رسول اللّه ﷺ وابن مولاه وابن مولاته وحِبّه، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي الهاشمي، وأمه: أم أيمن (بَرَكَةُ)، وفي صحيح البخاري عن أسامة ﵁: أن رسول اللّه ﷺ كان يأخذه والحسن بن علي فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما" ويقال في رواية له أيضًا قال: كان النبي ﷺ يقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الآخرى ثم يضمهما ثم يقول: "اللهم إني أرحمهما فارحمهما"، وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: أراد النبي ﷺ أن ينحي كخاط أسامة، فقلت: دعني أفعل، فقال: يا عائشة أحبيه فإني أحبه، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وولاه رسول اللّه ﷺ إمراة الجيش وفيهم عمر بن الخطاب، وعقد له اللواء، وتوفي رسول اللّه ﷺ وله عشرون سنة، وقيل: تسع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي قائف [القائف في اللغة: متبع الآثار، والجمع: قافة كبائع وباعة] والنبي ﷺ شاهد وأسامة بن زيد وزيد مضطجعان فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي ﷺ فأعجبه، قال العُلماء ﵃: سبب سروره ﷺ أن أسامة كان لونه أسود وكان طويلا خرج إلى أمه، وكان أبوه زيد قصيرًا أبيض، وقيل بين البياض والسواد، وكان بعض

стр. 848

المنافقين قصد المغايظة والإيذاء فدفع اللّه ذلك، وله الحمد والمنة (١). فائدة: في ذكر موالي رسول اللّه ﷺ منهم: زيد بن حارثة وثوبان بن يجدد وأبو كبشة واسمه سليم، ورويفع وأبو بكر وهرمز وآنسة ورباح وأبو رافع ورافع ومدعم الأسود وهو الذي قتل بوادي القرى وكركرة الذي كان على ثقل رسول اللّه ﷺ وسفينة وسلمان الفارسي وأيمن وهم كثيرون. واعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ . بل كان بعض منهم في وقت، قال عبد اللّه بن المبارك وغيره: إذا أقام إنسان في بلد أربع سنين نسب إليه، وينسبون إلى القبيلة مولاهم، وتقدم شيء من ذلك مبسوطًا (٢). قوله: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه" الحديث، الإندلاق: خروج الشيء من مكانه بسرعة، يريد: خروج أمعائه من جوفه، ومنه اندلق السيف من جفنه إذا شقه وخرج منه، قاله في النهاية (٣)، والأقتاب: الأمعاء واحدتها عند الكسائي قتبة بالكسر وهي مؤنثة، وعند الأصمعي قتبة، وتصغيرها قتيبة، وبها سمى الرجل قتيبة قاله أبو عبيد (٤)، وروي: "فتنفلق" بدل "فتندلق".

стр. 849

قوله: وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي في رواية لهما: "ويقرؤون كتاب اللّه ولا يعملون به" وذكر أبو عمر عن أبي هريرة ﵁ قال: إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم فيقول: ما صيركم إلى هذا، وإنما كنا نتعلم منكم، قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره (١)، وروى عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إن الذين يأمرون الناس بالصبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم: من أين أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا" (٢)، القصب: بضم القاف الأمعاء، وجمعه: أقصاب وهي المصارين (٣)، وقد وصف كعب الأخبار علماء السوء فقال: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون، يؤثرون الدنيا على الآخرة، يقربون الأغنياء دون الفقراء يتغايرون على العلم كما يتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره أولئك الجبارون أعداء الرحمن؛ وقال ابن مسعود ﵁: سيأتي على الناس زمان ملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع يومئذ بالعلم عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل الصباح ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوبهم إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند

стр. 850

ذلك يسلبها اللّه ينابيع الحكمة وتطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم، فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب (١). قال الغزالي في الباب السادس من آفات العلم (٢): العُلماء السوء علماء الدنيا الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها " وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب أن اللّه تعالى يقول: "إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه" يا معشر القراء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؟ وقال عبد اللّه بن وهب: بلغني أن القضاة يحشرون مع السلاطين وأن العُلماء يحشرون مع الأنبياء، قال الغزالي: ومعنى القضاة كلّ فقيه طلب الدنيا بعلمه، وروى الدارمي عن النبي ﷺ قال: "خيار الناس خيار العُلماء وشرار الناس شرار العُلماء". قوله: وإني سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار" الحديث، اختلف الناس في تاريخ الإسراء، فقال ابن الأثير (٣): الصحيح عندي أنه كان ليلة الاثنين ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ الإسلام النووي في شرح مسلم (٤) وجزم في فتاويه (٥) في كتاب الصلاة بأنه

стр. 851

كان في شهر ربيع الأول، وفي سير الروضة (١) أنه كان في شهر رجب، وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك ليلا وجليسه نهارًا، قال أهل التاريخ: ولد النبي ﷺ عام الفيل وأقام في بني سعد خمس سنين ثم توفيت أمه بالأبواء وهو ابن ست وكفله جدّه عبد المطلب ثم توفي وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب وخرج معه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم خرج في تجارة لخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وتزوجها في تلك السنة، وبنت قريش الكعبة ورضيت بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وبعث وهو ابن أربعين سنة وتوفي أبو طالب وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام ثم خرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة فأقام بها شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي، فلما أتت له خمسون قدم جن نصيبين فأسلموا، فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به ﷺ ، وعاش ثلاثًا وستين سنة ونحر في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة بيده، وأعتق ثلاثًا وستين رقبة ﷺ ، قاله في حياة الحيوان (٢). ٢٠٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة الْقُرَّاء مِنْهُم إِلَى عَبدة الأوْثَان فَيَقُولُونَ: يبْدَأ بِنَا قبل عَبدة الأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَقَالَ: غَرِيب

стр. 852

من حَدِيث أبي طوالة تفرد بِهِ الْعمريّ عَنهُ يَعْنِي عبد اللّه بن عبد الْعَزِيز الزَّاهِد (١). قَالَ الْحَافِظ ﵀: وَلِهَذَا الحَدِيث مَعَ غرابته شَوَاهِد وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة الصَّحِيح إِن أول من يَدْعُو اللّه يَوْم الْقِيَامَة رجل جمع الْقُرْآن ليقال قارئ وَفِي آخِره أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَتقدم لفظ الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء. قوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الوثان" الحديث، الزبانية عند العرب: الشرط، وسمى بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها وهو مشتق من الزبن وهو الدفع، وقيل: مفرده زباني وزابن أو زبنيت مثل عفريت، والعرب لا تكاد تعربه وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل، وقيل: واحدة زبنى كأنه نسبة إلى الزبن ثم غير للنسبة كقولهم: أمسى بكسر الهمزة، قاله الكرماني (٢). قوله: "إلى عبدة الأوثان" جمع وثن، وتقدم تفسيره في الرياء.

стр. 853

قوله: فقال لهم: "ليس من يعلم كمن لا يعلم" الحديث، قال أبو الدرداء ﵁: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال أبو الدرداء أيضًا: إن أخوف ما أخاف أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت فيما عملت؟ ويكفي في ذلك العالم إذا لم يعمل قول اللّه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١) يثقله حملها ولا ينفعه علمها، فكل من علم ثم لم يعمل بعلمه فهذا مثله (٢)، انتهى. وقال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديًا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كلّ يوم سبع مرات وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كلّ يوم سبع مرات يبدأ بفسقة حملة القرآن، فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان، فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم لأن عذاب من يعلم أكبر من عذاب من لا يعلم، إذ زيادة العلم تقوي الحجة، قال اللّه تعالى: ﴿أفمن يعلم كمن لا يعلم﴾ [*]، وقال في أزواج النبي ﷺ : ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٣) انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٤).

стр. 854

قوله: رواه أبو نعيم وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به العمري، يعني: عبد اللّه بن عبد العزيز الزاهد، انتهى. أبو طوالة: بضم الطاء المدني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معمر، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء المدينة، فلم يزل بها حتى مات عمر، ثقة كثير الحديث، توفي في آخر سلطان بني أمية، روى له الجماعة وهو مدني ثقة كان يسرد الصوم ويحدّث حديثًا حسنًا (١). ٢٠٩ - وَرُوِيَ عَن صُهَيْب قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "مَا آن بِالْقُرْآنِ من اسْتحلَّ مَحَارمه". رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ (٢). قوله: عن صهيب، كنيته: أبو يحيى صهيب بن سنان بن خالد، وله أخ يقال له مالك بن سنان، وأمه اسمها: ليلى وهي من بني عمرو بن تميم، وكان صهيب يعرف بالرومي وليس منهم بل هو من النمر بن قاسط، وإنما أصابه سبي أخذته الروم بنينوى من أرض الموصل وهو صغير فتكلم بلسانهم وكانت فيه لكنة، فابتاعته كلبٌ فقدمت به إلى مكة فاشتراه عبد اللّه بن جدعان فأعتقه، وقيل: بل هرب من الروم بمال كثير فتحالف ابن جدعان

стр. 855

وأقام معه إلى أن هلك، وقال الواقدي: أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلًا، ولما هاجر رسول اللّه ﷺ إلى المدينة لحقه صهيب، فقالت له قريش: لا تفجعنا في نفسك ومالك فرد إليهم ماله، فقال له النبي ﷺ : "ربح البيع" فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١) روى عنه أنه قال: صحبت رسول اللّه ﷺ قبل أن يوحى إليه. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "صهيب سابق الروم وسلمان سابق فارس وبلال سابق الحبشة" وروى عنه ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة ولدها" توفي ﵁: بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وثلَاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: ابن سبعين، ودفن بالبقيع (٢). قوله ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه" الحديث، هذا محمول على ظاهره فإن من استحل ما حرمه اللّه فقد كذب به فهو كافر اتفاقًا، وأما من فعل ما حرمه القرآن من غير استحلال فهذا مذنب وليس بكافر عند العُلماء كافة إلا ما ذهب إليه الخوارج من تكفير أهل المعاصي، انتهى، قاله في التنقيح (٣).

стр. 856

٢١٠ - وَعَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : لا تَزُول قدما عبد حَتَّى يسْأَل عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن علمه فيمَ فعل فِيهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فيمَ أبلاه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من حَدِيث معَاذ بن جبل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا تزَال قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ (١). قوله: عن أبي برزة، أبو برزة اسمه: (نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد اللّه. قال الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد اللّه بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول اللّه ﷺ عبد اللّه، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول اللّه ﷺ فتح مكة. روي له عن رسول اللّه ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري
следующие страницы →