← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8202–8241 · переход к 8207.

стр. 8202

أقتل به الأوزاغ، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله ﷺ بقتله" رواه ابن حبان في صحيحه (١) والنسائي (٢) بزيادة. قوله: "وعن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي"، الحديث، سائبة على [وزن]، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (٣)، روت عن عائشة هذا الحديث الواحد وهو في مسند أبي يعلى الموصلي (٤). قوله: "فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله ﷺ بقتله" الحديث. والقصة في تحريق إبراهيم ﷺ ، ذكره الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٥)، والذي أشار

стр. 8203

بإحراقه نمرود وقيل رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها ليوم القيامة. رُوي أنه لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود وأمر ببناء شبه الحظيرة له كوى وجمعوا شهرا أصناف الحطب الصلب حتى [كانت] المرأة لتغزل فتشتري [بمغزلها] حطبا وإن الرجل [ليمرض] فيقول إن عُوفيت لأجمعنّ حطبا لإبراهيم فاجتمع مما تبرع به الناس ومما [أجلب] للملك من الجبال والقرى حتى بلغوا من ذلك ما أرادوا فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم ﷺ لم يدروا كيف يلقونه فجاءهم إبليس فدلهم على المنجنيق وهي أول منجنيق صنعت، فأخرجوه ﷺ وشدّوه رباطا ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار. قال الواحدي: فبلغنا أن السماوات والأرض والجبال والملائكة قالوا: ربنا عبدك إبراهيم يحرق فيك. فقيل لهم: إن استغاث بكم فأغيثوه، فقال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل. فنادى جبريل النار: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ فلم تحرق منه سوى [وثاقه]. [وقال] (١) له جبريل حين رمي به هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وروي أن جبريل ﵇ ضرب النار وقال: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٢) فلم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها عنيت، والمعنى كوني ذات برد وسلامة، قاله في الديباجة. وذكر ابن

стр. 8204

الفرات [الحنفي] في تاريخه أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار كان ابن ست عشرة سنة، وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم ﵊ فقعد في النار [في] جنب إبراهيم ﵇ يُؤنسه، وأتاه جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة. وقال يا إبراهيم إن ربك يقول لك أما علمت أن النار لا تحرق قميص أحبابي؟ وألبسه القميص. هذا ما اتفق من إبراهيم ﵇، اهـ. قال ابن عطية ويروى أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم وأن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذا البغل، [ويروى] أن الخطافة والضفدع والعضرفوط كانوا ينقلون الماء لتطفئ النار فأبقى الله على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأيدي، اهـ. ورُوي (١).

стр. 8205

أنه ﷺ قال: لا تسبوا الضفدع فإن صوته الذي تسمعون التقديس والتسبيح، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم ﵇ فأذن للضفدع فتراكبت عليه فأبدلها الله تعالى بحر النار الماء، رواه صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده. قال بعضهم إظهار المحبة يوجب النعمة كما أن إظهار العداوة يوجب النقمة ألا ترى أن الوزغ حين نفخ النار على إبراهيم ﷺ وكان نفخه لا يصل إلى النار ولا إلى قريب منها استوجب النقمة لإظهار العداوة والبغضة وقد أمر النبي ﷺ بقتله وقال إنه كان ينفخ النار على إبراهيم كما رواه البخاري (١) وغيره. ٤٥١٦ - وعن أم شريك ﵂ أن رسول الله ﷺ : "أمر بقتل الأوزاغ، وقال كان ينفخ على إبراهيم" رواه البخاري (٢)، واللفظ له ومسلم (٣) والنسائي (٤) باختصار ذكر النفخ. قوله: "وعن أم شريك"، اسمها غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي وشدّة التحتانية العامرية، ويقال الغفارية، ويقال الدوسية، ويقال الأنصارية، لها في الكتب الستة أربعة أحاديث هذا أحدها، واختلفوا في اسمها، فقيل غزيلة بنت [ذودان] بن عمرو ابن عامر بن [رواحة] بن منقذ بن عمرو، [وقيل

стр. 8206

غزية بنت ذودان بن عوف،] وقيل غزية بنت جابر بن حكيم، ويقال هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وطلقها قبل أن يدخل بها. روى لها الجماعة سوى أبي داود. [قال السهيلي: هي أم شريك الدوسية، وقد روي أنها عطشت في سفر فلم تجد ماء إلا عند يهودي فأبى أن يسقيها إلا أن تدين بدينه فأبت إلا أن تموت عطشا، فدليت لها دلو من السماء فشربت منها ثم رفعت الدلو وهي تنظر إليه؛ انتهى. وأم شريك الدوسية ذكرها ابن منده وأبو نعيم ولم يذكرها أبو عُمر، وحديثها عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله ﷺ ، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب من يصحبني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أنا أصحبك، وذكر الحديث بطوله، وقال: كانت أم شريك وقع في قلبها الإسلام وهي بمكة وهي إحدى نساء قريش، وكانت تحت أبي العكبر الدوسي فأسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريش تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها بمكة فأخذوها وسيروها إلى قومها، وذكر الحديث بطوله. وقال أبو الفرج: أم شريك بنت جابر بن حكيم الدوسية وهي التي وهبت نفسها النبي ﷺ فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. وقال ابن عباس: وقع في نفس أم شريك الإسلام فأسلمت وهي بمكة ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة

стр. 8207

فأخذوها وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم، فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، ثم تركوني ثلاثا لا يطعموني ولا يسقوني، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوقفوني في الشمس واستظلوا وحبسوا عني الطعام والشراب، فبينما هم قد نزلوا منزلا وأوقفوني في الشمس إذا أنا بأثر شيء على صدري فتناولته فإذا هو دلو من ماء فشربت منه قليلا ثم رفع مرارا ثم أفضيت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظت فإذا هم بأثر الماء يرشح مني، فرأوني حسنة الهيئة، فقالوا فلما نظروا إلى أسقيتهم وسودة أم المؤمنين وجدوها كما تركوها فأسلموا عند سودة بنت زمعة بن فلس القرشية العامرية، كنيتها أم الأسود، وأسلمت بمكة وبايعت وأسلم زوجها وخرجا إلى الحبشة مهاجرين في الهجرة الثانية، ثم قدما مكة فمات بها زوجها مسلما فتزوجها رسول الله ﷺ في رمضان من عشرة من النبوة بعد وفاة خديجة، وماتت في آخر خلافة عمر رضي الله تعالى عنهم. وقال الواسطي: كان جميع من تزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، توفي قبله ثنتان: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة أم المساكين، وثنتان لم يدخل بهما أسماء بنت النعمان الكندية وعمرة بنت يزيد الكلابية. تنبيه: وأما التسع البواقي فتوفين بعده صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي عنهن، وأقبلوا على النبي ﷺ وأقبلت معهم. قال الراوي: ثم وهبت نفسها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بغير مهر فقيل أنه قبلها ودخل عليها،

стр. 8208

والصحيح أنه لم يقبلها.] (١) قوله: "أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الأوزاغ وقال وكان ينفخ النار على إبراهيم ﷺ " الحديث. قال ابن عطية (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٣)، روي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم ﵇ وأن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذلك البغل، وروي أن الخطافة والضفدع والعرفوط كانوا ينقلون الماء لتطفئ النار فأبقى الله تعالى على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأيدي، اهـ. وروى الطبراني (٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة. لكن في إسناده عمرو بن قيس المكي وهو ضعيف. وفي حديث عائشة (٥) لما احترق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه.

стр. 8209

وفي تاريخ ابن النجار (١) في ترجمة عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم الفقيه الشافعي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قتل وزغة محى الله عنه سبع خطيئات. وفي الكامل (٢) في ترجمة وهب بن حفص عن ابن عباس ﵄ قال: من قتل وزغة فكأنما قتل شيطانا. وروى الحاكم (٣) في كتاب الفتن والملاحم في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي ﷺ فدعا له فأدخل عليه مروان فقال هو الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون ثم قال صحيح الإسناد. ٤٥١٧ - وعن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ : "أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا" رواه مسلم (٤) وأبو داود (٥). قوله وعن عامر بن سعد عن أبيه هو عامر بن سعد بن أبى وقاص القرشي

стр. 8210

الزهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم، رضى الله عنهم. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين. واتفقوا على توثيقه. توفي بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك (١). قوله أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا الحديث، والسرّ في قتله أنه لما ألقى إبراهيم ﵊ في النار جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ عليه ناره، وأما تسميته فويسقا فنظيره الفواسق خمس التي تقتل في الحل والحرم وأصل الفسق الخروج عن الطاعة، وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضرر والأذى. ٤٥١٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل حية فله سبع حسنات، ومن قتل وزغا فله حسنة، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا" رواه أحمد (٢) وابن حبان في صحيحه (٣) دون قوله: ومن ترك إلى آخره.

стр. 8211

[قال الحافظ]: روياه عن المسيب بن رافع عن ابن مسعود، ولم يسمع منه. قوله: "وعن ابن مسعود"، تقدم. قوله ﷺ : "من قتل حية فله سبع حسنات ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا" تقدم الكلام على قوله فليس منا. ٤٥١٩ - وروي عن أبي الأحوص الجشمي قال: "بينما ابن مسعود يخطب ذات يوم فإذا هو بحية تمشين على الجدار فقطع خطبته، ثم ضربها بقضيبه حتى قتلها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قتل حية، فكأنما قتل مشركا قد حل دمه" رواه أحمد (١) وأبو يعلى (٢) والطبراني (٣) مرفوعا وموقوفا، والبزار إلا أنه قال: "من قتل حية أو عقربا". قوله: "وروي عن أببي الأحوص الجشمي" أبو الأحوص اسمه عوف بن

стр. 8212

مالك بن نضلة الأشجعي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن قتلته الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف وثقه ابن معين، وغيره. ٤٥٢٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف نارهن فليس مني". رواه أبو داود (١)، والنسائي والطبراني (٢) بأسانيد رواتها ثقات إلا أن عبد الرحمن ابن مسعود لم يسمع من أبيه. قوله: "وعن ابن مسعود"، تقدم. قوله ﷺ : "اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني"، الحديث. قوله: "كلهن" أي إلا ما استثنى كما سيأتي بيانه، قالت عائشة ﵂ (٣) من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". قوله: "ثأرهن" والثأر بالثاء المثلثة والهمز الذّحل يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتله، والله أعلم. وقال بعض العلماء في قوله: فمن خاف ثأرهن الحديث، أي قيامهن ونهوضهن، يقال ثار الشيء أي قام ونهض، ثأرهن أي وثوبهنّ. عادة الناس أن يقولوا لا تقتلوا الحية فإنكم لو قتلتموها لجاء زوجها [ويقتلكم]، فنهى النبي ﷺ عن هذا القول والاعتقاد

стр. 8213

فإنه لا أصل لهذا، انتهى. قوله ﷺ : "فليس مني"، وفي حديث: فليس منا. قيل المراد فليس مثلنا فرارا من القول بتكفيره، وهذا كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه [أخلاقا] أو أعمالا لست مني وكأنه من انتفاء الشيء لانتفاء ثمرته، والله تعالى أعلم. وأمر النبي ﷺ بقتل الحيات أمر ندب وهو عند أصحاب الشافعي للاستحباب سواء كان محرما أم لا وممن صرح بذلك الرافعي في الحج، اهـ. وروى البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار بمنى وقد نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ (٤) فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية، فقال اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال ﷺ : وقاها الله شركم كما وقاكم شرها. وعداوة الحية للإنسان معروفة، أي عداوة بيننا متأكدة لم نأمن غوائلهن منذ عرفناهن بالعداوة. وقيل في معناه ظهرت العداوة بيننا وبين الحيات منذ أدخلن إبليس ليوسوس أبانا آدم وأمنا حواء ولم يجر بينهن صلح بعد تلك العداوة. قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (٥)، وقال الجمهور الخطاب لآدم وحواء وإبليس والحية، وقد روى قتادة (٦) عن النبي

стр. 8214

- ﷺ أنه قال: ما [سالمناهن] منذ عاديناهن، وقال ابن [عُمر (١)]: من تركهن فليس منا. وتقدم، والحيات جمع حية وهو الجنس المعروف، لا يختص به نوع دون نوع، وتطلق الحية على الذكر والأنثى وإنما دخلت الهاء لأنه واحد من جنس كبطة ودجاجة. فائدة: نقل السهيلي (٢) عن المسعودي: أن الله تعالى لما أهبط الحية إلى الأرض أنزلها بسجستان فهي أكثر الأرض حيات ولولا العربد يأكلها ويفني كثيرا منها لخَلت من أهلها لكثرة الحيات. وقال كعب الأحبار (٣): أهبط الله تعالى الحية بأصبهان وإبليس بجدّة وحواء بعرفة وأهبط آدم بجبل سرنديب وهو بأعلى الصين في بحر الهند عال يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم ﵇ مغموسة في الحجر، ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد لهم في كل يوم من مطر يغسل قدمي آدم ﵇ ويقال أن الياقوت الأحمر يوجد في هذا الجبل تحدره السيول والأمطار إلى [الخصيص و] يوجد به الماس أيضا، وبه يوجد العود، كذا قاله القزويني (٤). قلت: وهو قريب من جبل يقال له ساتيد بكسر التاء بعدها ياء ودال مهملة وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند، [ليس بعدها ياء ودال

стр. 8215

مهملة وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند] (١) ليس يأتي يوم من الدهر إلا سفك عليه دم فسمي [سيأتى] دمًا لذلك وكان قيصر قد غزى كسرى وأتى بلاده فاحتال له حتى انصرف عنه فأتبعه كسرى في جنوده فأدركه [بساتيدما] فانهزموا مرعوبين من غير قتال فقتلهم قتل الكلاب ونجى قيصر ولم يكد، حكاه البكري في معجمه، وذكر الجوهري (٢) نقلًا عن سيبويه كذلك وأنشدوا على ذلك: لما رأت ساتيدما [استعبرت] ... لله در اليوم من لامها فائدة أخرى: وفي تفسير القرطبي (٣) لسورة غافر عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار أنه قال لما خلق الله تعالى العرش قال: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم مني فاهتز فطوقه الله تعالى بحية لها سبعون ألف جناح في كل جناح سبعون ألف ريشة في كل ريشة سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف فم في كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر وعدد ورق الشجر وعدد الحصا والهوا وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه، اهـ. فائدة أيضًا: وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وهي كل سنة تسلخ جلدها

стр. 8216

وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها فيجتمع عليها النمل فيفسدها ولا يصلح منها إلا القليل وإذا لدغتها العقرب ماتت وبيض الحيات مستطيل أكدر اللون وأخضر وأسود وأبيض وأرقط وفي بعضه نمش ولمع والسبب في اختلاف ذلك لا يعرف وداخله شيء كالصديد وهو في جوفها [منضد] طولا على خط واحد وليس للذكور سفاد معروف وإنما هو التواء بعضها على بعض ولسانها مشقوق وكذلك يظن بعض الناس أن لها لسانين وتبلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد ومن شأنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها فتلتوي عليها التواء شديدا حتى ينكسر ذلك في جوفها، ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها وليس كذلك، ومن شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي وهي إذا كبرت صغر جرمها ومن غرائب أمرها أنها لا ترد الماء ولا تريده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمّته لما في طبعها من الشوق إليه، فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر سبب هلاكها. اهـ. لطيفة: قيل أن الرشيد نام ليلة فسمع قائلا يقول: يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سُرَى ثقة الفتى من نفسه ... ثقة محللة العُرى فاستيقظ فوجد المصابيح قد طفئت فأمر بالشموع فأوقدت ونظر فإذا هو بحية بقرب فراشه فقتلها. لطيفة أيضا: في عجائب المخلوقات أن الريحان

стр. 8217

الفارسي لم يكن قبل كسرى [أنو] شروان، وإنما وجد في زمانه وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم إذ أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره فهموا بقتلها فقال كسرى كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب حتى استدارت على فوهة بئر فنزلت فيها ثم أقبلت تتطلع فإذا في قعر البئر حية مقتولة وعلى متنها عقرب أسود، فأدلى بعض الأساورة [رمحه] إلى العقرب ونخسها به وأتى الملك يخبره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم وجعلت تنساب حتى وقعت ونفضت من فيها بذرا أسود فأمر الملك أن يزرع فنبت منه الريحان، وكان الملك كثير الزكام وأوجاع الدماغ فاستعمل منه فنفعه جدا، اهـ. فائدة أيضا: وللحية أسماء كثيرة ذكر ابن خالويه لها مائة اسم، والحية أنواع منها الرقشاء وهي التي فيه نقط سود وبياض ويقال لها الرقطاء أيضا وهي من أخبث الأفاعي ومن أنواعها الحريش وشرها الأفاعي ومساكنها الرمال ومن أنواعها الأزعر وهو غالب فيها ومنها ما هو أذب ذو شعر ومنها ذوات القرون ومنها الشجاع ومنها العربد وهو حية عظيمة تأكل الحيات ومنها ذو الطفيتين والأبتر ومنها نوع يسمى الناظر متى وقع نظره على إنسان مات من ساعته ونوع آخر إذا سمع الإنسان [صوتها] مات ومنها الأصلت وهو عظيم جدًّا وله وجه كوجه الإنسان ويقال إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين ومن خاصية هذا أنه يقتل بالنظر أيضا، ومنها [الصلدي]

стр. 8218

ويسمى الملكة وهو شديد الفساد [و] تحرق كل ما مرت عليه ولا ينتب حول حجرها شيء من الزرع أصلا وإذا حاذى مسكنها طائر سقط ولا يمر حيوان بقربها إلا هلك وتقتل بصفيرها على غلوة سهم ومن وقع عليه بصرها ولو من بعد مات ومن نهشه مات في الحال، وهي كثيرة ببلاد الترك، ومنها الصماء الشديدة الشر والصمَّة الذكر من الحيات وجمعه صمم وبه سمي والد دريد بن الصمة اهـ، وهذه الفوائد في حياة الحيوان (١). قوله ﷺ : "من قتل حية فكأنما قتل مشركا حل دمه وماله" تقدّم معناه. ٤٥٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما سالمناهن منذ حاربناهن، يعني الحيات، ومن ترك قتل شيء منهن خيفة فليس منا" رواه أبو داود (٢) وابن حبان في صحيحه (٣). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "ما سالمناهن منذ حاربناهن" يعني الحيات، وفي رواية: ما سالمناهن منذ عاديناهن، معنى ما سالمناهن أي ما صالحناهن.

стр. 8219

٤٥٢٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا ما سالمناهن منذ حاربناهن" رواه أبو داود (١)، ولم يجزم موسى بن مسلم راويه بأن عكرمة رفعه إلى ابن عباس. قوله: "وعن ابن عباس" تقدم. قوله: "من ترك الحيات مخافة"، قوله: "فليس منا" تقدم الكلام على ذلك. قوله: "إنا نريد أن نكسر زمزم وإن فيها من هذه الجنان" يعني الحيات الصغار، الحديث. وعن ابن مسعود قال (٢): اقتلوا الحيات كلها إلا الجنان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة، تقدم الكلام على زمزم في كتاب الحج، والجنان، [قال الحافظ] (٣) بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان، ويروى عن ابن عباس (٤) أنه قال الجنان مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل، اهـ. فالمسخ هو قلب الخلقة من شيء إلى شيء، ومنه حديث

стр. 8220

الضباب (١) أن أمة من الأمم مسخت وأخشى أن [يكون] منها. قاله في النهاية (٢). ٤٥٢٣ - وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : "إنا نريد أن نكنس زمزم، وإن فيها من هذه الجنان، يعني الحيات الصغار فأمر النبي ﷺ بقتلهن" رواه أبو داود (٣)، وإسناده صحيح إلا أن عبد الرحمن بن سابط ما أراه سمع من العباس. [الجنان] بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان، وهي الحية الصغيرة كما في الحديث، وقيل: الدقيقة الخفيفة، وقيل: الدقيقة البيضاء، ويروى عن ابن عباس (٤) الجنان مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل.

стр. 8221

قوله: "وعن العباس بن عبد المطلب" تقدم الكلام عليه في صلاة التسبيح مبسوطًا. ٤٥٢٤ - وعن أبي ليلى ﵁ أن رسول الله ﷺ : "سئل عن جنان البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن فاقتلوهن" رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) كلهم من رواية ابن أبي ليلى عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه، وقال الترمذي: حديت حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يأتي. قوله: "وعن ابن أبي ليلى"، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، لا يحتج بحديثه. وأبو ليلى له صحبة، واسمه قيل يسار وقيل غير ذلك وكنيته [أشهر] (٤) من اسمه، اهـ.

стр. 8222

قوله: "أن رسول الله ﷺ سئل عن حيات البيوت"، الحديث. وفي حديث نافع الذي بعده أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل جنان البيوت فأمسك، [الحديث] (١). الجنان هي الحيات التي تكون في البيوت، واحدها جانّ، وهو الدقيق الخفيف، والجان الشيطان أيضا. وقد جاء ذكر الجان والجن والجنان في غير موضع من الحديث، وكانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثأر الجان وهي الحية الدقيقة فربما مات قاتله وربما أصابه خبل، اهـ. قاله في النهاية. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ... "، إلى آخره، وهذا كيفية الإنذار، وفي بعض الأحاديث: "أنشدكن بالعهد"، بنون الإناث، وفيه زيادة: "ولا تؤذوننا"، وفي أسد الغابة (٢) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ظهرت الحية في المسكن فقولوا لها: إنا نسألك بعهد نوح وبعهد سليمان بن داود عليهم الصلاة والسلام لا تؤذوننا، فإن عادت فاقتلوها. و] (٣) قوله: "وفي رواية للترمذي ولأبي داود قال أبو لبابة سمعت رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الأبتر وذي الطفيتين الحديث". قوله: "ويتبعان ما في بطون النساء"، أي يسقطانه وأطلق عنه التتبع مجازا ولعل فيهما طلبا لذلك جعله الله تعالى خصيصة فيهما، قاله في النهاية (٤).

стр. 8223

قوله: "ويتبعان" قيل صوابه: يبتغيان [فيهما]، وهذا قريب من الأول، قاله عياض (١). أبو لُبابة بضم اللام بعدها باء موحدة ثم ألف ثم باء موحدة أيضا، هو ابن عبد المنذر الأنصاري الأوسي، واختلف في اسمه فقيل بشير وقيل رفاعة وهو الأصح وقيل غير ذلك، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، ومنهم من أطلق أنه بدري ومنهم من قال خرج إليها فرده رسول الله ﷺ ، قيل من الروحاء، وأمَّره على المدينة وضرب له بسهمه وأجره. قال ابن عبد البر (٢): مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين، اهـ. ذكره العراقي شرح الأحكام (٣)، وتقدم الكلام على قتل الجنان التي في البيوت، وسيأتي الكلام على الأبتر وذي الطفيتين والله أعلم. ٤٥٢٥ - وَعَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يقتل الْحَيَّات كُلهنَّ حَتَّى حَدثنَا أَبُو لبَابَة أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن قتل جنان الْبيُوت فَأمْسك رَوَاهُ مُسلم (٤). ٤٥٢٦ - وَفِي رِوَايَة لَهُ لأبي دَاوُد وَقَالَ أَبُو لبَابَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ نهى عَن قتل الْجنان الَّتِي تكون فِي الْبيُوت إِلَّا الأبتر وَذَا الطفيتين فَإِنَّهُمَا اللَّذَان يخطفان الْبَصَر ويتبعان مَا فِي بطُون النِّسَاء (٥).

стр. 8224

٤٥٢٧ - وعن أبي السائب: "أنه دخل على أبي سعيد الخدري ﵁ في بيته قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا رسول الله ﷺ ، وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله أن يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان". ٤٥٢٨ - وفي رواية نحوه، وقال فيه: "إن رسول الله ﷺ قال: إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا، فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه فإنه كافر، وقال لهم: اذهبوا فادفنوا صاحبكم" رواه مالك (١)

стр. 8225

ومسلم (١) وأبو داود (٢). قوله: "وعن أبي السائب"، أبو السائب اسمه عبد الله ابن السائب ثقة. قوله: "فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت" الحديث، أراد بالعراجين الأعواد التي في سقف البيت شبهها بالعراجين. قاله في النهاية (٣). قوله: "فإذا حية فوثبت لأقتلها" الوثوب القيام إلى الشيء دفعة بسرعة والوثوب في غير لغة حمير بمعنى النهوض والقيام. قوله: "حديث عهد بعرس" أي قريب عهد، [والعروس] يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما. قوله: "فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق"، والخندق هو خندق مدينة الرسول ﷺ حفره وأصحابه لما تحزبت عليهم الأحزاب، وقال البخاري في أول غزاة الخندق إنه في سنة أربع. قوله: "فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار يرجع إلى أهله" الحديث. المراد بالأهل الزوجة. قال العلماء: هذا الاستئذان امتثال لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٤) وأنصاف النهار بفتح الهمزة أي منتصفه وكأنه وقت لآخر النصف الأول وأول النصف الثاني فجمعه كما قالوا ظهور الترسين، وأما رجوعه إلى أهله

стр. 8226

فليطالع حالهم ويقضي حاجتهم ويؤنس امرأته فإنها كانت عروسا كما ذكر في الحديث. قوله: "فاستأذنته فقال خذ عليك سلاحك فإني أخشى قريظة"، والسلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديث مما يقاتل به والسيف وحده يسمى سلاحًا، يقال سلحته أسلحه إذا أعطيته سلاحًا وإن شدد فللتكثير وتسلح إذا لبس السلاح. قاله ابن الأثير في النهاية (١). وقريظة: طائفة من اليهود من سكان حول المدينة السكينة. قوله: "فقالت اكفف عليك رمحك"، اكفف معناه احفظ. قوله: "فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به"، انتظمها معناه غرز الرمح في الحية حتى طوقها فيه فشبهه بالسلك الذي يدخل في الخرز، وفي الأساس رمى صيدا فانتظمه بسهم وطعنه فانتظم بساقيه أو جنبيه. قوله: "فاضطربت عليه" معنى اضطربت تحركت على غير نظام، وهاجمته، وأصابته بسمها، ثم وقعت ميتة ووقع الفتى ميتا. قوله ﷺ : "إن بالمدينة جنا قد أسلموا" الحديث. فائدة: الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة وهم خلاف الإنس، الواحد منهم جني، ويقال سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى. وروى الطبراني (٢) بإسناد حسن عن

стр. 8227

أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال: الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يَحِلُّون ويظعنون. وفي حديث أبي الدرداء (١). أن النبي ﷺ قال: خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وصنف عقارب وصنف خشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب، وخلق الله بني آدم ثلاثة أصناف صنف كالبهائم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢)، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله. الحكم أجمع المسلمون على أن نبينا محمدا ﷺ مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ

стр. 8228

هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١)، والجن بلغهم القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)، الآية. وقال ﵎: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (٤)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [بَشِيرًا وَنَذِيرًا]﴾ (٥). وقال الجوهري (٦): الناس قد [تكون] من الإنس ومن الجن. وقال تعالى خطابا للفريقين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ (٧)، والثقلان الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض. وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٨)، ولذلك قيل: إن من الجن مقربين وأبرارا كما أن من الإنس كذلك، وخالف في ذلك كذا. قوله ﷺ : "فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان"، الإيذان الإنذار. قال العلماء معناه:

стр. 8229

إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة له فاقتلوه، ولن يجعل الله له سبيلا للانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر ومن أسلم، والله أعلم. وقال بعض العلماء: وهذا مختص بحيات المدينة [وحدها. وقيل بعمومه في حيات] (١) [والصحيح بحيات] جميع البلاد وهو الأصح، لا يقتل حتى ينذر. واختلف العلماء في الإنذار هل هو ثلاثة أيام أو ثلاث مرات والأول عليه الجمهور. وقال القاضي عياض (٢): قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام، وقال عيسى بن دينار تنذر ثلاثة أيام وإن ظهرت في اليوم مرارا يريد فلا يقتصر على إنذارها ثلاث مرات في يوم واحد حتى يكون ذلك في ثلاثة أيام والله أعلم. وهو بالاتفاق مخصوص بالأبتر وذي الطفيتين فإنه يقتل على كل حال بالمدينة وغيرها في البيوت والصحاري. قوله ﷺ : "إن لهذه البيوت عوامر" الحديث، وهذا يحتمل أن يكون أشار به إلى بيوت المدينة وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس البيوت، والعوامر جمع عامر وهي التي تسكن العمران، يعني هذه الجنان ليست بحيات بل هي صنف من الجن يسكن البيوت، وقيل سميت عوامر لطول أعمارها. قاله في النهاية (٣).

стр. 8230

وقال الجوهري (١): عمار البيوت سكانها من الجن، ويقال لها الجنان وهي حيات طوال بيض قلما تضر ويقال لها العوامر. وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجان. وقال ابن أبي ليلى الحية البيضاء التي تمشي مستوية هي الجنان، فتلك التي تنذر قبل قتلها، أما غيرها فلا تنذر بل [يقتل]. قال أبو جعفر الطحاويُّ: والمختار عند أصحابنا قتل الجميع بغير إنذار لحديث أبي هريرة الذي رويناه فإنه مطلق في حق الكل. قال لأنه بلغنا أن النبي ﷺ عهد ليلة الجن إلى الجن وأكد عليهم العهود والمواثيق أنهم لا يدخلون بيوت أمته ولا يظهرون فإن ظهروا قتلوا لكن الأولى هو الإنذار عملا بجميع الروايات، فإن لم يرجع قتل. وروى عروة أن عائشة (٢) قتلت حية فأتيت في منامها فقيل لها قتلت مسلما. فقالت لو كان مسلمًا لما دخل بيوت أزواج النبي ﷺ . فقيل لها: هل كان يدخل عليك وإلا وعليك ثيابك؟ فأصبحت فزعة فتصدقت باثني عشر ألفا، فأول هذا الخبر إباحة قتله من غير إنذار. وآخره استحباب ذلك. ومن الجن صنف لا يفارق صور الحيات والأفاعي فربما قتلها الرجل فيهلك لوقته وإن كان صغيرا وكان له ولد قتل به، اهـ. والله أعلم. قوله ﷺ : "فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر"، أي حلفوها بأن تقولوا بالله عليك أن لا تعودي إلينا ثلاث مرات.

стр. 8231

[فائدة] (١) في أوقات متفرقة فإن ذهبت بحيث لا تظهر مرة أخرى فهو المراد، والتحريج التضييق. وفي الرواية قبلها: شيطان. أراد أحد شياطين الجن، وقد تسمى الحية الدقيقة [الخفيفة] شيطانا، [أو] جانا على التشبيه، قاله في النهاية (٢). ٤٥٢٩ - وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل. قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية أقتلها ناداني أبو لبابة: لا تقتلها، قلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتل الحيات، قال إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهن العوامر" رواه البخاري (٣) ومسلم (٤)، ورواه مالك (٥) وأبو داود (٦) والترمذي (٧) بألفاظ متقاربة. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم. قوله ﷺ : "اقتلوا الحيات" تقدم الكلام عليه مبسوطا [و] على أنواعها. قوله: "واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر"، قال الحافظ: الطفيتان هما

стр. 8232

الخيطان الأسودان على ظهر الحية وأصل الطفية خوصة المقل شبه الخطين على ظهر الحية بخوصتي المقل [وهو] شر الحيات. وقال أبو عمر النمري (١): يقال أن ذا الطفيتين جنس يكون على ظهره خطان أبيضان، والأبتر هو الأفعى. وقيل جنس أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقيل: صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه الحامل ألقت. قاله النضر بن شميل اهـ. وقال بعض العلماء ذو الطفيتين حية خبيثة والطفية خوصة المقل في الأصل وجمعها طُفًى. وقال الزمخشري (٢) في كتاب العين الطفية حية لينة خبيثة والأبتر الحية القصيرة الذنب، والبُتر شرار الحيات، اهـ. قوله: "فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل". وفي رواية مسلم: يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى، معناه يطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله تعالى فيهما، اهـ. قاله الحافظ. وقال غيره من العلماء: يلتمسان البصر فيه تأويلان ذكرهما الخطابي وآخرون أصحهما وأشهرهما أنهما يخطفانه ويطمسانه بمجرد نظرهما لخاصية جعلها الله تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان ويؤيد هذا القول ما في رواية مسلم: يخطفان البصر، و [في] (٣) الثاني أنهما يقصدان البصر [باللسع] والنهش، اهـ.

стр. 8233

قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته، ونوع آخر إذا سمع إنسان صوته مات. وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن الشاب الأنصاري الذي طعن الحية برمحه فماتت ومات الشاب من ساعته، وتقدم الكلام على ذلك. قال أبو العبالس القرطبي (١): وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك ولا يستبعد هذا فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المسمى بكشف المشكل لما في الصحيحين أن بعراق العجم أنواعا من الحيات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها ومنها ما يهلك المرور بطريقها. قوله: "ويسقطان الحبل"، أي يطرحانه قبل تمامه، معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما [فخافت] أسقطت الحمل غالبا. اهـ. قوله: "قال عبد الله بينا أنا أطارد حية أقتلها ناداني أبو لبابة لا تقتلها. فقلت إن رسول الله ﷺ أمر بقتل الحيات" الحديث، ومعنى أطاردها أي أطلبها وأتبعها لأقتلها. [قاله] النووي (٢)؛ [و] قال ابن الأثير في النهاية (٣): أي أخادعها لأصيدها ومنه طراد الصيد. وقال عياض (٤) في قوله: أطارد حية، أي أتصيدها وأرواغها ومنه طراد الصيد وهو اتباعه ومراوغته حيث مال، اهـ. وتقدم الكلام على أبي لبابة.

стр. 8234

قوله: فقلت أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الحيات، [فقال]: إنه نُهي بعد ذلك عن ذوات البيوت وهي العوامر، الحديث. نُهي بضم أوله على البناء للمفعول، كذا ضبطناه. فائدة: وقول الصحابي أمر بكذا ونهى عن كذا حكمه الرفع إلى النبي ﷺ على الصحيح المشهور لانصرافه إلى من له الأمر والنهي، فإن قال ذلك التابعي ففيه احتمالان للغزالي وقد ورد التصريح بنهي النبي ﷺ عن ذلك وهو في الصحيحين [وللنهي] عن ذوات البيوت شرطان أحدهما: أن يكون ذلك قبل الإنذار والثاني أن لا يكون ذا الطفيتين [ولا أبتر]. فما كان بهذه الصفة يقتل ولو كان من ذوات البيوت بغير إنذار، وقد دلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، وإنما تتم فائدة الحديث إذا جمعت طرقه وقد اجتمع هذان القيدان من طرقه. اهـ. قاله النووي (١). قال ابن عبد البر (٢): أجمع العلماء على جواز قتل حيات الصحاري صغارا كن أو كبار أي نوع كن من الحيات والاعتماد على حديث أبي لبابة فإن فيه بيانا لنسخ قتل حيات البيوت وأن ذلك كان بعد الأمر بقتلها جملة وفيه استثناء ذي الطفيتين [و] (٣) الأبتر، فهو حديث مفسر لا إشكال فيه لمن فهم وعلم، وهو الصواب في هذا الباب. وعليه يصح ترتيب الآثار فيه والله أعلم. اهـ.

стр. 8235

٤٥٣٠ - وفي رواية لمسلم (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ : "يأمر بقتل الكلاب يقول: اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبالى". [قال الزهري]: ونرى ذلك من سيمتهما، والله أعلم. قال سالم قال عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها فبينما أنا أطارد حية يوما من ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة، وأنا أطاردها، فقالا: مهلا يا عبد الله، فقلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلهن، قال إن رسول الله ﷺ نهى عن ذوات البيوت. إن لهذه البيوت لعوامر. ٤٥٣١ - وفي رواية لأبي داود (٢) قال: "إن ابن عمر وجد بعد ما حدثه أبو لبابة حية في داره، فأمر بها، فأخرجت إلى البقيع. قال نافع: ثم رأيتها بعد في بيته". [الطفيتان] بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء: هما الخطان الأسودان في ظهر الحية، وأصل الطفية: خوصة المقل شبه الخطين على ظهر الحية بخوصتي المقل، وقال أبو عمر النمري: يقال إن ذا الطفيتين جنس يكون على ظهره خطان أبيضان. [والأبتر]: هو الأفعى، وقيل: جنس أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقيل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه الحامل ألقت. قاله النضر بن شميل.

стр. 8236

[وقوله: يلتمسان البصر] معناه يطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله فيهما. [قال الحافظ]: قد ذهب طائفة من أهل العلم إلى قتل الحيات أجمع في الصحاري والبيوت بالمدينة، وغير المدينة، ولم يستثنوا في ذلك نوعا ولا جنسا ولا موضعا، واحتجوا في ذلك بأحاديث جاءت عامة كحديث ابن مسعود المتقدم، وأبي هريرة، وابن عباس، وقالت طائفة: تقتل الحيات أجمع إلا سواكن البيوت بالمدينة وغيرها فإنهن لا يقتلن لما جاء في حديث أبي لبابة وزيد بن الخطاب من النهي عن قتلهن بعد الأمر بقتل جميع الحيات، وقالت طائفة تنذر سواكن البيوت في المدينة وغيرها، فإن بدين بعد الإنذار قتلن، وما وجد منهن في غير البيوت يقتل من غير إنذار وقال مالك: يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدل هؤلاء بقوله ﷺ : "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه"، واختار بعضهم أن يقول لها ما ورد في حديث أبي ليلى المتقدم، وقال مالك: يكفيه أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا ولا تؤذينا، وقال غيره: يقول لها: أنت في حرج إن عدت إلينا، فلا تلومينا أن نضيق عليك بالطرد والتتبع، وقالت طائفة: لا تنذر إلا حيات المدينة فقط لما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم من إسلام طائفة من الجن بالمدينة، وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت فتقتل من غير إنذار لأنا لا نتحقق وجود مسلمين من الجن ثم، ولقوله ﷺ : "خمس من الفواسق تقتل في الحل

стр. 8237

والحرم، وذكر منهن الحية"، وقالت طائفة: يقتل الأبتر وذو الطفيتين من غير إنذار سواء كن بالمدينة وغيرها لحديث أبي لبابة "سمعت رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين"، ولكل من هذه الأقوال وجه قوي، ودليل ظاهر. والله أعلم. قوله ﷺ في رواية مسلم: أنه أمر بقتل الكلاب والحيات، الحديث. قد اتفق العلماء على جواز قتل الحيات ويستوي في ذلك جميع أنواعها وهو الصحيح لإطلاق الحديث، وتقدم أنه أمر ندب عن أصحاب الشافعي، وأما قتل الكلاب فالظاهر أنه ليس على الإطلاق بل المراد منها والله أعلم شرارهن لقوله ﷺ : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم. أما الأمر بقتل الكلاب فقال الأصحاب: إن كان الكلب عقورا قتل وإن لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة أو لم يكن، والبهيم الأسود الذي لا بياض فيه، وعلة قتله أن الكلب الأسود أكثر [ضُرًّا بالناس] وأقل نفعا وأبعد من الصيد والحراسة وأكثر نعاسا [و] البهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه، وقيل الأسود الذي لا يكون فيه شيء من البياض. قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين (١): الأمر بقتل الكلاب منسوخ. قال: وقد صح أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صحّ أنه نهى عن قتلها. قال: واستقر الشرع على التفصيل الذي ذكرناه. قال: وأمر بقتل الأسود

стр. 8238

البهيم، وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه، اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه والله أعلم [بالصواب]. قوله في الرواية المذكورة أعلاه: "واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر" الحديث تقدم الكلام عليه. قوله: "مرّ بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد الله" الحديث، زيد بن الخطاب هو أبو عبد الرحمن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي [أخوه] عمر لأبيه وكان أسنّ من عمر وسبقه إلى الإسلام وهو من المهاجرين الأولين شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية والمشاهد كلها، وكان طويلا بائن الطول، طلب الشهادة يوم أحد فلم تصبه، وتأخر بعد النبي ﷺ فكان معه راية المسلمين يوم اليمامة، وانكشف المسلمون فجعل زيد يقول: اللهم إني أبرأ إليك [من فرار أصحابي] مما جاء به هؤلاء [يعني مسيلمة الكذاب] وأعتذر إليك من فرار أصحابي، ثم تقدم بالراية فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو ثم قاتل بسيفه حتى قتل ووقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال له المسلمون يا سالم إنا نخاف أن نؤتى من قبلك فقال بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عدي الأنصاري فقتلا جميعًا باليمامة شهيدين وكانت اليمامة في خلافة أبي بكر في شهر ربيع الأول سنة ثنتي عشرة وقيل سنة إحدى عشرة، ولما أتى عمر قتلهُ حزن عليه حزنًا شديدًا وقال ما صبت الصبا إلا وأنا أجد ريح زيد، وقال له عمر يوم أحد خذ درعي فقال إني أريد من

стр. 8239

الشهادة ما تريد فتركا الدرع، ولما أخبر عمر بقتل زيد قال رحم الله أخي يسبقني إلى الجنتين -في الحاشية: الحُسْنَيَيْن، [كذا في الأصل] (١) - أسلم قبلي واستشهد [قبلي]، وكان الذي قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم [الختلي] فلما جاء إلى عمر قال له عمر أقتلت أخي زيدا؟ فقال أكرمه الله ولم يهني بيده. ولما شهد زيد بن رافع عمر كان بينهما درع فقال كل واحد لصاحبه والله ما يلبسها غيرك وكان ممن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد وكان عمر يقول: ما هبَّت صبا قط إلا ذكرت أخي زيدًا. وذكر ابن [قتيبة] في المعارف قال: مات زيد أخو عمر وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة فلم يرث أحد منهما صاحبه، وصلى عليهما عبد الله بن عمر، فقدَّم زيدا وأخر أم كلثوم، فجرت السنة بتقديم الرجال. روى له مسلم حديثا والبخاري تعليقا وأبو داود، اهـ. وأبو لبابة تقدمت ترجمته. وقوله: "فقالا مهلا يا عبد الله" هو بإسكان الهاء ومعناه أنظرني. قال الجوهري (٢)، يقال مهلا يا رجل بالسكون، يعني أمهل. قول الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ذهب طوائف من أهل العلم إلى قتل الحيات أجمع [ويذكر ما قاله المصنف من الاختلاف بين العلماء إلى آخره، انتهى]. قال مالك رحمه الله تعالى: يكفيه أن يقول لها أحرج عليك بالله وباليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا، اهـ. [وفي رواية: ولا تؤذوننا،

стр. 8240

انتهى]. قال بعض العلماء: وأظن [مالكا] إنما ذكر هذا لقوله ﷺ في صحيح مسلم: فحرجوا عليها ثلاثا، فلهذا ذكر أحرج عليك، ذكره المازري (١). وغير مالك يتأول أن ذلك بكل لفظ تضييق عليها ومناشدة لها بألفاظ الحرج والعهود المضيقة، اهـ. قاله عياض (٢). تنبيه: قال الغزالي في الإحياء في الباب الثاني من كتاب أدب السفر (٣): يستحب [لكل] (٤) [لمن] أراد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف وينفض ما فيه حذرا من حية أو عقرب أو شوكة، اهـ. لطيفة: روى ابن أبي شيبة (٥) وغيره أن فريكا قدم على رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فسأله ما أصابه فقال كنت أمرن جملا فوقعت على بيض حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر. قال فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة، وإن عينيه مبيضتان،

стр. 8241

اهـ. والله أعلم. فائدة يختم بها ذكر الحيات: في فتاوى النووي (١) إذا اصطاد الحوَّاء حية وحبسها معه على عادتهم فلسعته ومات هل يأثم؟ أجاب ﵁ إن صادها ليرغب الناس في اعتقاد معرفته وهو صادق في صنعته ويسلم منها في ظنه ولسعته لم يأثم وإذا انفلتت وأتلفت شيئا لم يضمنه. وروى الإمام أحمد في الزهد (٢) أنّ حوّاء معه حيات في خرج نزل بقوم من أهل اليمن [فخرج] بالليل بعض الحيات فلسعت بعض أهل البيت فقتلته، فكُتب بذلك إلى عمر بن عبد العزيز فقال لا شيء عليك لكن مرُوه إذا نزل بقوم أن يخبرهم بما معه، اهـ. ٤٥٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه في أن قرصتك نملة، فأحرقت أمة من الأمم تسبح". زاد في رواية: "فهلا نملة واحدة" رواه البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧).
следующие страницы →