← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 852–891 · переход к 857.

стр. 852

من حَدِيث أبي طوالة تفرد بِهِ الْعمريّ عَنهُ يَعْنِي عبد اللّه بن عبد الْعَزِيز الزَّاهِد (١). قَالَ الْحَافِظ ﵀: وَلِهَذَا الحَدِيث مَعَ غرابته شَوَاهِد وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة الصَّحِيح إِن أول من يَدْعُو اللّه يَوْم الْقِيَامَة رجل جمع الْقُرْآن ليقال قارئ وَفِي آخِره أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَتقدم لفظ الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء. قوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الوثان" الحديث، الزبانية عند العرب: الشرط، وسمى بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها وهو مشتق من الزبن وهو الدفع، وقيل: مفرده زباني وزابن أو زبنيت مثل عفريت، والعرب لا تكاد تعربه وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل، وقيل: واحدة زبنى كأنه نسبة إلى الزبن ثم غير للنسبة كقولهم: أمسى بكسر الهمزة، قاله الكرماني (٢). قوله: "إلى عبدة الأوثان" جمع وثن، وتقدم تفسيره في الرياء.

стр. 853

قوله: فقال لهم: "ليس من يعلم كمن لا يعلم" الحديث، قال أبو الدرداء ﵁: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال أبو الدرداء أيضًا: إن أخوف ما أخاف أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت فيما عملت؟ ويكفي في ذلك العالم إذا لم يعمل قول اللّه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١) يثقله حملها ولا ينفعه علمها، فكل من علم ثم لم يعمل بعلمه فهذا مثله (٢)، انتهى. وقال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديًا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كلّ يوم سبع مرات وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كلّ يوم سبع مرات يبدأ بفسقة حملة القرآن، فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان، فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم لأن عذاب من يعلم أكبر من عذاب من لا يعلم، إذ زيادة العلم تقوي الحجة، قال اللّه تعالى: ﴿أفمن يعلم كمن لا يعلم﴾ [*]، وقال في أزواج النبي ﷺ : ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٣) انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٤).

стр. 854

قوله: رواه أبو نعيم وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به العمري، يعني: عبد اللّه بن عبد العزيز الزاهد، انتهى. أبو طوالة: بضم الطاء المدني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معمر، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء المدينة، فلم يزل بها حتى مات عمر، ثقة كثير الحديث، توفي في آخر سلطان بني أمية، روى له الجماعة وهو مدني ثقة كان يسرد الصوم ويحدّث حديثًا حسنًا (١). ٢٠٩ - وَرُوِيَ عَن صُهَيْب قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "مَا آن بِالْقُرْآنِ من اسْتحلَّ مَحَارمه". رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ (٢). قوله: عن صهيب، كنيته: أبو يحيى صهيب بن سنان بن خالد، وله أخ يقال له مالك بن سنان، وأمه اسمها: ليلى وهي من بني عمرو بن تميم، وكان صهيب يعرف بالرومي وليس منهم بل هو من النمر بن قاسط، وإنما أصابه سبي أخذته الروم بنينوى من أرض الموصل وهو صغير فتكلم بلسانهم وكانت فيه لكنة، فابتاعته كلبٌ فقدمت به إلى مكة فاشتراه عبد اللّه بن جدعان فأعتقه، وقيل: بل هرب من الروم بمال كثير فتحالف ابن جدعان

стр. 855

وأقام معه إلى أن هلك، وقال الواقدي: أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلًا، ولما هاجر رسول اللّه ﷺ إلى المدينة لحقه صهيب، فقالت له قريش: لا تفجعنا في نفسك ومالك فرد إليهم ماله، فقال له النبي ﷺ : "ربح البيع" فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١) روى عنه أنه قال: صحبت رسول اللّه ﷺ قبل أن يوحى إليه. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "صهيب سابق الروم وسلمان سابق فارس وبلال سابق الحبشة" وروى عنه ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة ولدها" توفي ﵁: بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وثلَاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: ابن سبعين، ودفن بالبقيع (٢). قوله ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه" الحديث، هذا محمول على ظاهره فإن من استحل ما حرمه اللّه فقد كذب به فهو كافر اتفاقًا، وأما من فعل ما حرمه القرآن من غير استحلال فهذا مذنب وليس بكافر عند العُلماء كافة إلا ما ذهب إليه الخوارج من تكفير أهل المعاصي، انتهى، قاله في التنقيح (٣).

стр. 856

٢١٠ - وَعَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : لا تَزُول قدما عبد حَتَّى يسْأَل عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن علمه فيمَ فعل فِيهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فيمَ أبلاه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من حَدِيث معَاذ بن جبل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا تزَال قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ (١). قوله: عن أبي برزة، أبو برزة اسمه: (نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد اللّه. قال الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد اللّه بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول اللّه ﷺ عبد اللّه، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول اللّه ﷺ فتح مكة. روي له عن رسول اللّه ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري

стр. 857

ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفي بها، وقيل: توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفي سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁ (١). قوله ﷺ : "لَا تَزُول قدما عبد حَتَّى يسْأَل عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن علمه فيمَ فعل فِيهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فيمَ أبلاه"، وفي رواية البيهقي من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "ما تزول قدمًا عبد حتى يسأل عن أربع" الحديث، هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن علمه ما قال فيه، وإنما قال عمل فيه، فلينظر العبد لنفسه ما عمل فيما علم، هل صدق اللّه في ذلك وأخلصه حتى يدخل تحت قوله وفيمن أثنى عليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (٢) أو خالف علمه بفعله فيدخل في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) الآية، والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدًّا، ذكره القرطبي في التذكرة (٥).

стр. 858

تنبيه: قوله: "فيم أفناه" هذه (ما) الاستفهامية دخل عليها حرف الجر فسقطت ألفها، وقال الكرماني: أصله (فيما) فحذفت الألف (١). ٢١١ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا يَزُول قدما ابْن آدم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن خمس عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَمَا عمل فِيمَا علم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا من حَدِيث حُسَيْن بن قيس قَالَ الْحَافِظ حُسَيْن هَذَا هُوَ حَنش وَقد وَثَّقَهُ حُصَيْن بن نمير وَضَعفه غَيره وَهَذَا الحَدِيث حسن فِي المتابعات إِذا أضيف إِلَى مَا قبله وَاللّه أعلم (٢). ٢١٢ - وَرُوِيَ عَن الْوَليد بن عقبَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ بِمَ دَخَلْتُم النَّار فوَاللّه مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا

стр. 859

كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: عن الوليد بن عقبة، (هو أبو وهب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القريشي الأموي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه ﷺ ، فالوليد أخو عثمان بن عفان لأمه. أسلم يوم فتح مكة هو وأخوه خالد بن عقبة. قال ابن عبد البر: أظنه لما أسلم كان قد ناهز الحلم. وقال ابن ماكولا: كان طفلا. وقال غيرهما: كان كبيرًا، وبعثه رسول اللّه ﷺ على صدقات بني المصطلق. قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٢) نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أن رسول اللّه ﷺ بعثه مصدقا إلى بني المصطلق، فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعو الصدقة؟ لأنهم خرجوا إليه يتلقونه وهم متقلدون السيوف فرحًا وسرورًا بقدومه، فخافهم فرجع وأخبر النبي ﷺ بردتهم،

стр. 860

فبعث إليهم رسول اللّه ﷺ خالد بن الوليد، فأخبروه الخبر وأنهم مسلمون، فنزلت الآية. قال: ومما يرد قول من قال: كان صغيرًا، أن الزبير بن بكار وغيره من علماء السير ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجًا من مكة ليردا أختهما أم كلثوم بنت عقبة عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة يوم الحديبية قبل الفتح، فمن يكون صغيرًا يوم الفتح لا يقوي لرد أخته قبل ذلك، ثم ولاه عثمان الكوفة، وكان من رجال قريش ظرفًا، وحلمًا، وشجاعة، وكرما، وأدبا، وكان شاعرا، وهو الذي صلى صلاة الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات، فقال: أزيدكم، وكان سكران. قال ابن عبد البر: وخبر صلاته سكران قوله: أزيدكم، بعد أن صلى بهم الصبح أربعا، مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث، ولما شهدوا عليه بالشرب أمر عثمان فجلد وعزل من الكوفة، واستعمل عليها بعده سعيد بن العاص، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة، وأقام بالرقة إلى أن توفي بها، وله بها عقب. روى عنه ثابت بن الحجَّاج، والشعبي، وغيرهما (١). قوله: "إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ بِمَ دَخَلْتُم النَّار فوَاللّه مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كنَّا نقُول وَلَا نَفْعل" الحديث، قال حاتم الأصم رحمة اللّه عليه: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فانتفعوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك

стр. 861

هو (١)، وقال ابن عيينة عن فضيل بن عياض (٢): يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ. ٢١٣ - وَعَن مَالك بن دِينَار عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من عبد يخْطب خطْبَة إِلَّا اللّه سائله عَنْهَا أَظُنهُ قَالَ مَا أَرَادَ بهَا قَالَ جَعْفَر كانَ مَالك بن دِينَار إِذا حدّث بِهَذَا الحَدِيث بَكَى حَتَّى يَنْقَطِع ثمَّ يَقُول تحسبون أَن عَيْني تقر بكلامي عَلَيْكُم وَأَنا أعلم أَن اللّه سائلي عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة مَا أردْت بِهِ. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ مُرْسلا بِإِسْنَاد جيد (٣). قوله: عن مالك بن دينار عن الحسن، هو: مالك بن دينار (هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري الزاهد التابعي الناجي، بالنون والجيم، مولى امرأة من بني ناجية بن سلمة بن لؤي بن غالب بن فهر. سمع مالك بن أنس، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه، وسعيد بن جبير، وآخرين من الأئمة. روى عنه أبان بن يزيد، والسري بن يحيى، وعبد اللّه بن شوذب، وجفر بن سليمان، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وعبد السَّلام بن حرب، وأخوه عثمان ابن دينار. قال النسائي: هو ثقة. توفي

стр. 862

سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة تسع وعشرين (١). قوله: عن الحسن البصري (هو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كلّ فن، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البصري، بفتح الباء وكسرها، الأنصاري، مولاهم مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، ﵂. ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، ﵁. قالوا: فربما خرجت أمه في شغل فيبكي فتعطيه أم سلمة، ﵂، ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك، ونشأ الحسن بوادي القري، وكان فصيحا، رأى طلحة بن عبيد اللّه، وعائشة، ﵂، ولم يصح له سماع منها. وقيل: إنه لقي علي بن أبي طالب، ﵁، ولم يصح، وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وأبا بكرة، وقيس بن عاصم، وجندب بن عبد اللّه، ومعقل بن يسار، وعمرو بن تغلب، بالمثناة والغين المعجمة، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبا برزة الأسلمي، وعمران بن الحصين، وعبد اللّه بن مغفل، وأحمر بن جزء، وعائد بن عمرو المزني الصحابيين، ﵃. وسمع خلائق من كبار التابعين، روى عنه خلائق من التابعين وغيرهم. وقال الفضيل بن عياض، ﵀: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسن من أصحاب رسول اللّه ﷺ ؟ قال: مائة وثلاثين، قلت: فابن سيرين؟ قال: ثلاثين. وروينا عن الحسن، قال: غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها

стр. 863

ثلاثمائة من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، وكان الرجل منهم يصلي بنا ويقرأ الايالت من السورة ثم يركع، قال يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: ولم يصح للحسن سماع من أبي هريرة، فقيل ليحيى: يجيء في بعض الحديث عن الحسن، قال: حدّثنا أبو هريرة؟ قال: ليس بشيء، قيل له: فسالم الخياط قال: سمعتُ الحسن يقول: سمعتُ أبا هريرة، فقال: سالم الخياط ليس بشيء، وأثنى علي ابن المديني، وأبو زرعة على مراسيل الحسن، قال مطر الوراق: كان الحسن كأنما كان في الآخرة، فهو يخبر عما رأى وعاين. وقال أبو بردة: لم أر من لم يصحب النبي ﷺ أشبه بأصحابه من الحسن، وقال الربيع بن أنس: اختلفت إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء اللّه، ما من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبله، وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا، عالمًا، رفيعًا، فقيهًا، ثقة، مأمونا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، جميلًا، وسيمًا. وقدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه، فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن شعيب، فحدّثهم، فقالوا، أو قال بعضهم: لم ير مثل هذا قط. وقال بكر بن عبد اللّه: الحسن أفقه من رأينا. ومناقبه كثيرة مشهورة. توفي سنة عشر ومائة، ومن حكم الحسن ما ذكره الشافعي، ﵁، في المختصر في قول اللّه تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، قال الحسن: كان غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن به الحكام بعده. وقال في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٢) الآية: لولا هذه

стр. 864

الآية لرأيت الحكام هلكوا، ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده (١). قال الغزالي في أوائل الإحياء في الباب الخامس من أبواب العلم (٢): كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديًا بالصحابة، واتفقت العُلماء في حقه على ذلك، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساوس النفوس والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس، وقيل له: يا أبا سعيد: إنك لتتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان ﵁، قال: وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة، فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول اللّه ﷺ ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير يسبقني، وقال مرة: أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير، وكان حذيفة قد خص أيضًا بعلم المنافقين، وكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل المنافقين فيخبر بعدد من بقي ولا يعين أسماءهم، وكان عمر إذا دعي إلى جنازة نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك، وكان يسمى صاحب السر، والعناية بمقامات القلب وأحواله هو دأب علماء الآخرة لأن القلب هو الساعي إلى قرب الرب ، وقد صار هذا الفن غريبا مندرسا فإذا تعرض العالم لشيء منه واستبعد، قيل: هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق، ويرون ان

стр. 865

التحقيق في دقائق المجادلات، ولقد صدق القائل: الطرق شتى، طريق الحق واحدة ... والسالكون طريق الحق أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم ... فهم على مهل يمشون قصاد والناس في غفلة عما يراد بهم ... وجلهم عن طريق الحق رفاد انتهى، وهذه الأبيات أنشدها أبو طالب المكي في القوت: لعبد الواحد بن زيد الإمام الزاهد، هذه عبارته، واللّه أعلم (١). قوله ﷺ : "ما من عبد يخطب خطبة إلا اللّه سائله عنها" أظنه قال: "ما أراد بها" الحديث، المراد بالخطبة: الموعظة. ٢١٤ - وَعَن لُقْمَان يَعْنِي ابْن عَامر قَالَ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ يَقُول إِنَّمَا أخْشَى من رَبِّي يَوْم الْقِيَامَة أَن يدعوني على رُؤُوس الْخَلَائق فَيَقُول لي يَا عُوَيْمِر فَأَقُول لبيْك رب فَيَقُول مَا عملت فِيمَا علمت رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٢). قوله: عن لقمان، يعني: ابن عامر (الوصابي ويقال: الأوصابي أيضًا، أبو عامر الشامي الحمصي، قال أبو حاتم: يكتب حديثه روى عن أبي الدرداء مرسلًا (٣). قوله: قال كان أبو الدرداء يقول: إنما أخشى من ربي يوم القيامة يدعوني على رؤوس الخلائق، فيقول: يا عويمر، فأقول: لبيك رب، فيقول: ما عملت

стр. 866

فيما علمت؟ الحديث، أبو الدرداء، اسمه عامر، وعامر إذا صغر عويمر، وفي حديث أن النبي ﷺ صغره فقالي: عويمر سلمان أعلم منك، والمراد: ما عملت فيما علمت؟ العلم، هل عمل به أو خالف قوله فعله، وقال ابن مسعود ﵁: ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، أو قال: لليلته، ثم يقول ابن آدم ما غرك بي، ما عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ٢١٥ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ: تعرضت أَو تصديت لرَسُول اللّه ﷺ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَقلت يَا رَسُول اللّه أَي النَّاس شَرّ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "اللَّهُمَّ غفرا سل عَن الْخَيْر وَلا تسْأَل عَن الشَّرّ شرار النَّاس شرار الْعلمَاء فِي النَّاس"رَواهُ الْبَزَّار وَفِيه الْجَلِيل بن مرّة وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (١). قوله: عن معاذ بن جبل، تقدم. قوله: تعرضت أو تصديت لرسول اللّه ﷺ وهو يطوف بالبيت؟ التصدي التعرض للشيء، وقيل: هو الذي يستشرق ناظرًا إليه، قاله في النهاية (٢). قوله: فقلت: يا رسول اللّه، أي الناس شر؟ فقال: "شرار الناس شرار العُلماء في الناس" الحديث، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:

стр. 867

"ليأتين على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وقلوبهم من الهدى خراب علماؤهم يومئذ شر علماء تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود" قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين (١)، وروى الدارمي عن النبي ﷺ قال: "خيار الناس خيار العُلماء وشرار الناس شرار العُلماء" (٢). قوله ﷺ : "اللهم غفرًا" فمعناه: سؤال الاستعاذة، أي: نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا، والغفر: الستر، وتقدم الكلام على شيء من ذلك. قوله: رواه البزار، وفيه الخليل بن مرة، البزار: اسمه أبو بكر، والخليل بن مرة (هو الضبعي: ضعفه ابن مَعين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس بمتروك، وقال أبو زرعة: شيخ صالح). ٢١٥ - م - وَرُوِيَ عَن أبي بَرزَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "مثل الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وينسى نَفسه مثل الفتيلة تضيء على النَّاس وَتحرق نَفسهَا" رَوَا الْبَزَّار (٣).

стр. 868

٢١٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "رب حَامِل فقه غير فَقِيه وَمن لم يَنْفَعهُ علمه ضره جَهله اقرإ الْقُرْآن مَا نهاك فَإِن لم ينهك فلست تقرؤه". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه شهر بن حَوْشَب (١). قوله: عن عبد اللّه بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "رب حمامل فقه غير فقيه" الحديث، تقدم الكلام على (ربَّ) وعلى معنى الحديث. قوله: "اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرؤه" أو قال"فلا تقرؤه" وقال الحسن: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه. قوله في الكلام على الرجال وفيه: شهر بن حوشب، تقدم الكلام عليه مبسوطًا في الرياء. ٢١٧ - وَعَن جُنْدُب بن عبد اللّه الأزْدِيّ ﵁: صَاحب النَّبِي ﷺ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: "مثل الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وينسى نَفسه كمثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه". الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (٢).

стр. 869

قوله: عن جندب بن عبد اللّه الأزدي صاحب النبي ﷺ ، هو: جندب بن عبد اللّه الأزدي (هو ابن سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد اللّه، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير. روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد اللّه، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل (١). قوله ﷺ : "مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج" الحديث، المراد بالخير هنا العلم. ٢١٨ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "كلّ بُنيان وبال على صَاحبه إِلَّا مَا كانَ هَكَذَا وَأَشَارَ بكفه وكل علم وبال على صَاحبه إِلَّا من عمل بِهِ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أَيْضًا وَفِيه هانئ بن المتَوَكل تكلم فِيهِ ابْن حبَان (٢).

стр. 870

قوله: عن واثلة بن الأسقع، هو: واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، وقيل: إنه واثلة بن عبد اللّه بن الأسقع، قيل: أسلم والنبي ﷺ يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روي له عن رسول اللّه ﷺ ستة وخمسون حديثًا، روى له البخاري حديثًا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار، روى عنه عبد الواحد بن عبد اللّه البصري، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد اللّه بن عامر اليحصبي، وأبو إدريس الخولاني، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (١). قوله ﷺ : "كلّ بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه" الحديث؛ الوبال في الأصل الثقل والمكروه، ويريد به في الحديث العذاب في الآخرة (٢).

стр. 871

قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (١): أما البنيان فما كان منه ضروريًا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه، وذلك حفظ نفسه وستر عورته، وقال النبي ﷺ : "ليس لابن آدم حق سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء" (٢)، وهذا القدر هو الذي لا يسأل عنه العبد في الآخرة إن شاء اللّه، وقد جاء الحض علي بناء المساجد والقناطر إلى غير ذلك من مصالح المسلمين. قوله: "وكل علم وبال على صاحبه" الحديث، تقدم معنى الوبال. قوله: وفيه هانئ بن المتوكل، هو: هانئ بن المتوكل بن (إسحاق الإسكندراني بن إبراهيم بن حرملة الإسكندراني مولى لبني شبابة من فهم، كان فقيها نزل الإسكندرية، توفي بعد الثلاثين ومائتين، وكان مسنا قال ابن حبّان: كان يدخل عليه لما كبر فيجيب، فكثرت المناكير في روايتُه، فلا يجوز الاحتجاج به بحال (٣). ٢١٩ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ (٤).

стр. 872

٢٢٠ - وَرُوِيَ عَن عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول اللّه ﷺ إِلَى حَيّ من قيس أعلمهم شرائع الإِسْلَام فَإِذا قوم كَأَنَّهُمْ الْإِبِل الوحشية طامحة أَبْصَارهم لَيْسَ لَهُم هم إِلَّا شَاة أَو بعير فَانْصَرَفت إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ يَا عمار مَا عملت فقصصت عَلَيْهِ قصَّة الْقَوْم وأخبرته بِمَا فيهم من السهوة فَقَالَ يَا عمار أَلا أخْبرك بِأَعْجَب مِنْهُم قوم علمُوا مَا جهل أولَئِكَ ثمَّ سَهوا كسهوهم" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: عن عمار بن ياسر، كنيته: أبو اليقظان عمار بن ياسر العبسي الشامي الدمشقي، كان من السابقين إلى الإسلام وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن أسلم أولا، وكان إسلام عمار وصهيب في وقت واحد حين كان النبي ﷺ في دار الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، روي له عن رسول اللّه ﷺ اثنان وستون حديثًا اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، قتل ﵁ بصفين مع علي بن أبي طالب في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بن أبي طالب بثيابه ولم يغسله، وكان ﵁ آدم اللون طويلًا

стр. 873

لا يغير شيبه، وثبت في الصحيحين أن رسول اللّه ﷺ قال: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية" وكانت الصحابة ﵃ يوم صفين يتبعونه حيث توجه لعلمهم أنه مع الفئة العادلة بهذا الحديث، قالوا: وكان عمار أول من بنى مسجدًا للّه تعالى في الإسلام، بنى مسجد قباء وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر فأشرف على صخرة ونادى: يا معاشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، إليّ إليّ أنا عمار بن ياسر، وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي اللّه تعالى عنه (١). تنبيه: قوله: "ويح عمار" ويح فلان: كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف، يقال: ويح زيد ويحًا له وويحٌ له، وفي الحديث أيضًا أنه قال لعمار: "ويس ابن سمية"، وفي رواية: "يا ويس ابن سمية" ويس: كلمة ترحم وترفق مثل ويح، وحكمها حكمه، قاله في النهاية (٢) واللّه أعلم. قوله: بعثني رسول اللّه إلى حي من قيس، أصل الحي منزل القبيلة ثم سميت القبيلة به إتساعًا لأن بعضهم يحيى ببعض (٣)، قيس: حي من مضر، أبوهم: إلياس ولقبه قيس بن مضر، ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة

стр. 874

غير منصرف وهو: مضر بن نزار بن معد بن عدنان (١). قوله: فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشية طامحة أبصارهم ليس لهم هم إلا شاة أو بعير، الحديث، الطمح هو طمح بصره إلى الشيء ارتفع وكل مرتفع طامح (٢). ٢٢١ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِنِّي لا أَتَخَوَّف على أمتِي مُؤمنا وَلا مُشْركًا فَأَما الْمُؤمن فيحجزه إيمَانه وَأما الْمُشرك فيقمعه كفره وَلَكِن أَتَخَوَّف عَلَيْكُم منافقا عَالم اللِّسَان يَقُول مَا تعرفُون وَيعْمل مَا تنكرون رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من رِوَايَة الْحَارِث وَهُوَ الأَعْوَر وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَغَيره (٣). قوله: عن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره" الحديث، الحجز المنع، وأما القمع فهو من قمعته وأقمعته بمعنى قهرته وزجرته فانقمع.

стр. 875

قوله: "ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون" المراد بعالم اللسان هو العالم، ووري عن عمر ﵁ أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما، قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال: المنكر (١)، وسئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به (٢)، وقال بلال بن سعد: المنافق يقول ما تعرف ويعمل ما تنكر، ومن هنا كان الصحابة ﵃ يخافون النفاق على أنفسهم، ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو خلاف السر والعلانية، خشي بعضهم أن يغير عليه خشوع قلبه ورقته وحضوره عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك نفاقا، وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قال الحسن (٣)، وقال الحسن أيضًا: من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السريرة والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (٤)، وقالت طائفة من السلف: خشوع

стр. 876

النفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع، وقد روي معنى ذلك عن عمر ﵁، قاله ابن رجب (١). قوله: رواه الطبراني من رواية الحارث وهو الأعور الحارث هو: الأعور الهمداني بإسكان الميم وبالدال المهملة ينسب إلى همدان قبيلة من العرب (وهم ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان). ٢٢٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم بعدِي كلّ مُنَافِق عليم اللِّسَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عمر بن الْخطاب (٢). قوله: عن عمران بن حصين ﵄: اعلم أن العُلماء اختلفوا في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت: ﵄ (٣). قوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كلّ منافق عليم اللسان" تقدم تفسير ذلك في الحديث قبله.

стр. 877

٢٢٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن الرجل لَا يكون مُؤمنا حَتَّى يكون قلبه مَعَ لِسَانه سَوَاء وَيكون لِسَانه مَعَ قلبه سَوَاء وَلا يُخَالف قَوْله عمله ويأمن جَاره بوائقه رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (١). قوله: عن أنس بن مالك، تقدم. قوله ﷺ : "إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ويكون لسانه مع قلبه سواء ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه" الحديث، المراد بقوله: "لا يكون مؤمنًا" كامل الإيمان، والمراد بالبوائق: الشر وغائلته. ٢٢٤ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: إِنِّي لأحسب الرجل ينسى الْعلم كمَا تعلمه للخطيئة يعملها. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا من رِوَايَة الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد اللّه عَن جدّه عبد اللّه وَلم يسمع مِنْهُ وَرُوَاته ثِقَات (٢). قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام عليه. قوله: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلَّمه للخطيئة يعملها" وهذا

стр. 878

الحديث هو بمعنى قوله ﷺ : "من قارف الذنب ذهب عنه من عقله قدر لا يعود إليه أبدًا" قاله في الديباجة. قوله: رواه الطبراني موقوفًا من رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن جدّه عبد اللّه، هو: القاسم (بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود الهذلي المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي قاضيها، أخو معن بن عبد الرحمن روى عن أبيه، وأبي ذر، وعبد اللّه بن عمر، وجابر بن سمرة. روى عنه الأعمش، والمسعودي، ومسعر، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال يحيى بن مَعين: هو ثقة. وقال أحمد بن عبد اللّه: هو ثقة، رجل صالح، وكان لا يأخذ على القضاء والفتيا أجرًا، واتفقوا على توثيقه. قال علي بن المديني: لم يلق القاسم أحدًا من أصحاب رسول اللّه ﷺ غير جابر بن سمرة، قيل له: فلقي ابن عمر؟ فقال: كان يحدّث عنه حديثين، ولم يسمع منه شيئًا (١). وتقدم الكلام على الحديث الموقوف في مواضع. ٢٢٥ - وَعَن مَنْصُور بن زَاذَان قَالَ: نبئت أَن بعض من يلقى فِي النَّار تتأذى أهل النَّار بريحه فَيُقَال لَهُ وَيلك مَا كنت تعْمل مَا يكفينا مَا نَحن فِيهِ من الشَّرّ حَتَّى ابتلينا بك وبنتن رِيحك فَيَقُول كنت عَالما فَلم أنتفع بعلمي. رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (٢).

стр. 879

قوله: عن منصور بن زاذان هو منصور بن زاذان (الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، مولى عبد اللّه بن أبي عقيل الثقفي أخي المغيرة بن أبي عقيل، ويقال: كنية أبيه زاذان: أبو عقيل عن أنس وأبي العالية والحسن وعنه شعبة وهشيم ثقة كبير الشأن سريع القراءة جدًا مات سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل سنة تسع وعشرين ومائة وقيل مات في الطاعون سنة الوباء سنة إحدى وثلاثين ومائة (١). قوله: نبئت، معناها: أخبرت. قوله: فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ وَيْلَك كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى الْمُخَاطَبِ. قوله: فيقول: كنت عالمًا فلم أنتفع بعلمي، معناه: لم أعمل بعلمي الذي تعلمته.

стр. 880

الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن ٢٢٦ - عَن أبي بن كعْب ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: قَامَ مُوسَى ﷺ خَطِيبًا فِي بني إِسْرَائِيل فَسئلَ أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا أعلم فعتب اللّه عَلَيْهِ إِذْ لم يرد الْعلم إِلَيْهِ فَأوحى اللّه إِلَيْهِ أَن عبدًا من عبَادي بمجمع الْبَحْرين هُوَ أعلم مِنْك قَالَ: يَا رب كيفَ بِهِ فَقيل لَهُ احْمِلْ حوتًا فِي مكتل فَإِذا فقدته فَهُوَ ثمَّ فَذكر الحَدِيث فِي اجتماعه بالخضر إِلَى أَن قَالَ فَانْطَلقَا يمشيان على سَاحل الْبَحْر لَيْسَ لَهما سفينة فمرت بهما سفينة فَكَلمُوهُمْ أَن يحملوهما فَعرف الْخضر فحملوهما بِغَيْر نول فجَاء عُصْفُور فَوَقع على حرف السَّفِينه فَنقرَ نقرة أَو نقرتين فِي الْبَحْر فَقَالَ الْخضر يَا مُوسَى مَا نقص علمي وعلمك من علم اللّه إِلَّا كنقرة هَذَا العصفور فِي هَذَا الْبَحْر فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي رِوَايَة بَيْنَمَا مُوسَى يمشي فِي مَلأ من بني إِسْرَائِيل إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ لَهُ هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك قَالَ مُوسَى لا فَأوحى اللّه إِلَى مُوسَى بل عَبدنَا الْخضر فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ. الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (١). قوله: عن أبي بن كعب، أبي بضم الهمزة وفتح الباء الموحّدة بن المنذر الأنصاري الخزرجي النجاري، روي له عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، ذكر البخاري منها سبعة أحاديث، وكان ﵁ رجلًا

стр. 881

قصيرًا نحيفًا أبيض الرأس واللحية، شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها من المشاهد، وكان ﵁. كاتب الوحي وهو أحد الستة الذي حفظوا القرآن على عهد رسول اللّه ﷺ وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول اللّه أيضًا وأقرأ الصحابة لكتاب اللّه (١). فائدة: في الذين حفظوا القرآن في زمن النبي ﷺ ، وقد نظم ذلك بعض الفضلاء في بيتين فقال: ومن حفظ القرآن وقت نبينا ... بغير خلاف ستة بالهدى بانوا أبي وأبو الدرداء زيد بن ثابت ... أبو زيد الأنصاري معاذ وعثمان فائدة أخرى: في الذين كانوا يفتون في حياة رسول اللّه ﷺ أربعة عشر من أصحابه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحذيفة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وسلمان وأبو موسى الأشعري (٢)، قاله في الكافي. وعن أنس بن مالك ﵁ أَن رسول اللّه ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، قال: سماني اللّه لك؟ قال: "نعم" قال: وقد ذكرت عند رب العزة، قال: "نعم" فذرفت عيناه (٣)، الحديث، ذرفت: بفتح

стр. 882

الراء أي سال منها الدمع، والبكاء للسرور والفرح، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة منها: استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه وأهل العلم به والفضل وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، ومنها: المنقبة الشريفة لأبي بقراءة النبي ﷺ عليه، ولا يعلم أحدًا من الناس شاركه في هذه المنقبة، واختلفوا في الحكمة في قراءة النبي ﷺ على أن يقال بعضهم: إنما قرأ النبي ﷺ على أبي ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه في المنزلة، وقيل: لأن أبيًا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول اللّه ﷺ فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره، وقيل: للتنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه فكان يعده ﷺ رأسًا وإمامًا في إقراء القرآن، ومنها: ذكر اللّه تعالى له ونصه في هذه المنزلة الرفيعة، ومنها: البكاء للسرور والفرح بما يسر الإنسان به ويعطاه من معالى الأمور، وأما قوله ﵁: أسماني اللّه لك؟ إنما سأل أبي ﵁ عن تسمية اللّه تعالى له لجواز أن يكون اللّه تعالى أمره أن يقرأ على رجلٍ من أمته ولم يعينه فأراد أبي أن يتحقق هل نص عليه أو قال: على رجل، فيؤخذ منه: الاستثبات في المحتملات، وفي رواية عن أنس بن مالك أيضًا أن رسول اللّه ﷺ قال لأبي: "إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) " قال: وسماني اللّه لك؟ قال: "نعم" فبكى أبي ﵁، وإنما خص هذه السورة بالقراءة على أبي لكونها

стр. 883

وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإخلاص وتطهير القلب وذكر معادهم من الجنة والنار وتقسيمهم إلى السعداء والأشقياء وخير البرية وشرهم وأحوالهم قبل البعثة وبعدها مع وجازة السورة فإنَّها من قصار المفصل، وكان الوقت يقتضي الاختصار (١)، واللّه أعلم، سماه رسول اللّه ﷺ سيد الأنصار وسماه عمر سيد المسلمين، توفي ﵁ سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين بالمدينة، ومناقبه كثيرة مشهورة، تقدم بعضها. قوله ﷺ : "قام موسى ﷺ خطيبًا في بني إسرائيل" الحديث، هو: موسى بن عمران لا موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب ﵇ لما روي أنه قيل لابن عباس ﵁ إن فلانًا يزعم أن الخضر ليس صاحبه موسى بن عمران وإنما صاحبه موسى بن ميشا، فقال: كذب عدو اللّه، انتهى، واعلم أن لابن عباس في قصة موسى والخضر تماريين، تمار بينه وبين الحر [بن قيس] في صاحب موسى أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي أي في موسى أهو موسى بن عمران أم غيره (٢). نوف البكالي: بفتح النون وسكون الواو وبالفاء، ونوف هذا هو ابن فضالة بن رشيد، وفضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبو يزيد القاص البكالي

стр. 884

الحميري، ينسب إلى بني بكال بكسر الباء وتخفيف الكاف، وقيل: البكالي بفتح الموحّدة وبتشديد الكاف، كان يهوديًّا في جملة من تهود من حمير فأسلم وحسن إسلامه، سكن الشام وسمع الحديث وأتى أصحاب رسول اللّه ﷺ وسمع الحديث منهم وأسنده عنهم، منهم: عبد اللّه بن عمرو بن العاصي وثوبان مولى رسول اللّه ﷺ وهو ابن امرأت كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه وهو منصرف في اللغة الفصيحة وفي بعضها غير منصرف وكتب بدون الألف، وكان يقص بالكوفة وغيرها، انتهى، قاله صاحب العلم المشهور (١). قال ابن بطال (٢): وفيه جواز التماري في العلم إذا كان كلّ واحد يطلب الحقيقة ولم يكن متعنتًا، وفيه الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع. تنبيه: في قول ابن عباس: كذب عدو اللّه، فإن قلت: كيف يكون عدو اللّه وهو مؤمن وكان عالمًا قاصًا إمامًا لأهل دمشق، قلت: قال العُلماء: قاله على وجه التغليظ والزجر عن مثل قوله لا إنه يعتقد أنه عدو اللّه وكذبه حقيقة إنما قاله مبالغة في إنكاره وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة الإنكار، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقا يقينًا، انتهى، قاله الكرماني (٣).

стр. 885

وقال صاحب العلم المشهور وهو ابن دحية الكلبي: وإنما كذبه ابن عباس لأنه خالف رسول اللّه ﷺ (١)، انتهى. قوله: "في بني إسرائيل"، بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇، وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم، ومعناه: في لسانهم صفوة اللّه، وقيل: عبد اللّه (٢). فائدة: بنو إسرائيل ذرية يعقوب ﵇، ويعقوب إسرائيل اللّه وهو اسم أعجمي، فمعناه: عبد اللّه كما تقدم. قال السهيلي: سمي إسرائيل لأنه أسري ذات ليلة حين هاجر إلى اللّه فسمي إسرائيل أي: سرى إلى اللّه (٣)، قال وهب: دخل يعقوب وولده مصر وهم اثنان وتسعون إنسانًا ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى وهم ستمائة ألف مقاتل وخمس مائة وبضع وسبعون رجلًا سوى الذرية والزمنى وكانت الذرية ألف ألف سوى المقاتلة وأقام يعقوب ﵇ بمصر بعد موافاته بأهله وولده أربع وعشرين سنة ثم حضرته الوفاة، فلما احتضر جمع بنيه فقال: ما تعبدون من بعدي، قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ثم قال: يا بني إن اللّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ومات هو وأخوه العيص في يوم واحد، وعمرهما جميعًا

стр. 886

مائة وسبعون وأربعون سنة، وكانا في بطن واحدة (١)، وقال ابن عباس: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ (٢)، انتهى، قاله في الديباجة. قوله: "فسئل: أي الناس أعلم؟ " يعني: أي شخص من أشخاص الإنسان أعلم من غيره. قوله: "فقال: أنا" قال ذلك بسبب اعتقاده، وإلا فكان الخضر أعلم منه كما صرح به في هذا الحديث بقوله: فأوحى اللّه تعالى إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قوله: "فغضب اللّه عليه" إذ لم يرد العلم إليه، أي: إلى اللّه تعالى، وفي بعضها إلى اللّه أي كان حقه أن يقول: اللّه أعلم، فإن مخلوقات اللّه تعالى لا يعلمها إلا هو قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣) ويجوز في يرد العلم وفي أمثاله ضم الدال وفتحها وكسرها (٤). تنبيه: في قوله: "فعتب اللّه عليه" معناه: في هذا الحديث لوم اللّه تعالى له وهو أخذته إياه وتعنيفه بالكلام الموحى إليه حين قال ما قال، وأهل العتب

стр. 887

في اللغة الموحّدة يقال: عتبت عليه عتبًا وعتابًا ومعتبةً بفتح الميم والتاء، وقد تكسر، وعاتبته معاتبة وعتبا أيضًا إذا واخذته بما في نفسك من الموجدة التي كانت عن جنايته ومن أجله، وأعتبته عتابًا وعتبى بالضم مقصورًا إذا أرضيت من موجدته عليك، ومنه: قوله لعله يستعتب أي يعترف ويلوم نفسه ويعتبها، قاله عياض، وقد تكون بمعنى السخط والغضب لكن في غير حديث موسى على نبينا وعليه السَّلام (١)، انتهى، قاله في العلم المشهور (٢). قوله: "فَأوحى اللّه إِلَيْهِ إن عبدا من عبَادي بمجمع البحرين هو أعلم منك" بكسر إن لأن الإيحاء فيه معنى القول، ومجمع البحرين قيل: هما بحرا فارس والروم فبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقيل: هما بحر الكر والرس بديار أرمينية، وقيل: هما بحرا الأردن وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين طنجة آخر ساحل المغرب الآتي من أفريقية ومن جميع الجهات ليس بعدها سوى البحر، وقيل: الزقاق وركوبه لا يستطاع ولا تطاق أمواجه كأنها الجبال وقعره لا يدرك ولا ينال، وقيل: إن اجتماع موسى ﵇ بالخضر ﵇ تحت جبل يعرف بجبل الخلفا بموضع يعرف الآن بماء الحياة على مقربة من مدينة سبتة (٣).

стр. 888

قال ذو النسبين ابن دحية الكلبي مصنف العلم المشهور: وقد وقفت عليه ومشيت على ذلك الساحل والناس يحفرون في الرمل فيستخرجون ماء حلوا عذبًا فراتا، والعجيب أن موج البحر الملح يضرب عليه، ومن ذلك الموضع يجازى الزقاق إلى جزيرة الأندلس (١)، انتهى، وقيل: البحران موسى والخضر كانا بحرين في العلم (٢). قوله: "قال: يا رب، كيف به؟ " أي: وكيف الاجتماع به؟ قوله: "فقيل: احمل حوتا" الحوت السمكة وكانت سمكة مالحة كما صرح به في بعض الروايات. تنبيه: وجمع الحوت أحوات وحوتة وحيتان، قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٣) وهذا يمكنه أن يقع من الحوت بإرسال من اللّه كإرسال السحاب أو بوحي والهام كالوحي إلى النحل أو بإشعار في ذلك اليوم نحو ما يشعر اللّه الدواب يوم الجمعة بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول اللّه ﷺ : "ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقًا من قيام الساعة" الحديث ويحتمل أن يكون ذلك من الحوت شعورًا بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة، قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن

стр. 889

أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثر فلم يبق منه إلا القليل، والقصة في ذلك مشهورة (١). فائدة: فيها أعجوبة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت سمكة بمدينة سبتة من نسل الحوت الذي أكل منه موسى ﷺ وفتاه أي: صاحبه وهو يوشع بن نون (وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه) وأحيا الله نصفه فاتخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبرا واحدًا أحد جانبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها وعينها ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة، قال ابن عطية: وأنا رأيتها كذلك، قال: ومن غريب ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قصص هذه الآية: ما مست شيئا قط إلا حيي، قال: ومن غريبه أيضًا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرًا طريقًا وأن موسى ﵇ مشى عليه تبعا للحوت حتى أفضى به ذك الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها: وجد موسى الخضر، وكان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى ﵇ للمناجاة لم يحتج للطعام، ولما مشى لبشر لحقه الجوع (٢)، انتهى، قاله صاحب العلم المشهور.

стр. 890

سؤال: إن قيل: لمَ لمْ يجع موسى ﵇ في أربعين ليلة وهو قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (١) وصبر، ولم يصبر نصف يوم حتى قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٢) والنصب: التعب. قيل: لأن سفر الخضر سفر تأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل من نصف يوم، وحضوره الجبل سفر اللقاء فأنساه هيبة الموقف الطعام والشراب، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (٣). أعجوبة: روى الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: انْطَلَقَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَرَجُلٌ كَافِرٌ يَصِيدَانِ السَّمَكَ فَجَعَلَ الْكَافِرُ يُلْقِي شَبَكَتَهُ وَيَذْكُرُ آلِهَتَهُ فَيَجِيءُ مُدَفَّقًا، ويُلْقِي الْمُؤْمِنُ وَيَذْكَرُ اللهَ فَلَا يَجِيءُ شَيْءٌ قَالَ: فتعَاوَدَا ذَلِكَ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ ثُمَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ صَادَ سَمَكَةً فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَرَجَعَ الْكَافِرُ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، فَأَسِفَ مَلَكُ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَدْعُوكَ رَجَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَعَبْدُكَ الْكَافِرُ رَجَعَ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، قَالَ اللهُ لِمَلَكِ الْمُؤْمِنِ: تَعَالَ فَأَرَاهُ

стр. 891

مَسْكَنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا يَضُرُّ عَبْدِيَ الْمُؤمِنَ مَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا، وَأَرَاهُ مَسْكَنَ الْكَافِرِ فِي النَّارِ فَقَالَ: هَلْ يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ لا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ. أعجوبة أخرى: في آخر صفوة الصفوة (١) عن أبي العباس بن مسروق قال: كنت باليمن فرأيت صيادًا يصطاد السمك على بعض السواحل وإلى جانبه ابنة له كلما اصطاد سمكة فتركها في درخلة معه ردتها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم يجد شيئًا، فقال: يا بنية، أي شيء عملت بالسمك؟ قالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر الله تعالى"، فلم نحب أن نأكل شيئًا غفل عن ذكر الله تعالى فبكى الرجل ورمى بالصنارة، انتهى، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان (٢). قوله: "في مكتل" المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق وهو القفة الكبيرة، وتجمع على مكاتل، وقيل: المكاتل القفاف، وقيل: المكتل شبه الزنبيل، قال ابن وهب: المكتل تسع من خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وكذا قاله عياض، وقيل: هو خرج من سعف أو حلفا يحمل على الدابة، قال ابن دريد سمى زنبيلا، لأنه يحمل به، والزبل هو العرق المذكور في حديث الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان فأتى بعرق وهو بفتح العين المهملة
следующие страницы →