← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8272–8311 · переход к 8277.

стр. 8272

تمجَل مجَلا بفتحها فيهما ومجَلت تمجُل بضمها مجْلا بإسكانها لغتان مشهورتان وأمجلها غيرها. قال أهل اللغة والغريب (١) المجل هو التنفط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها ويصير كالقبة فيه ماء قليل، والمراد بذلك خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها، والله أعلم. وأما قوله: "كجمر دحرجته على رجلك فنفط"، أي أطلقته فتدحرج أي يطلق ظهرا لبطن بين يديه والجمر والدحرجة معروفان ونفط بفتح النون وكسر الفاء ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة إما أن يكون ذكَّر نفط اتباعا للفظ الرجل، وإما أن يكون اتباعا لمعنى الرجل وهو العضو. وأما قوله: "فتراه منبترا" أي مرتفعا [أي] قائما أو، موضعه فارغ وأصل هذه اللفظة الارتفاع ومنه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه. قوله: "ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله" هكذا وقع في بعض الأصول بإفراد لفظ الحصاة وهو صحيح، وروي ثم أخذ حصى فدحرجه. قال القاضي عياض (٢) أو النووي هكذا ضبطناه وهو ظاهر ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو الشيء وهو الحصاة. فائدة: قال صاحب التحرير معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو

стр. 8273

أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق الظلمة التي قبلها، شبّه زوال النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى التنفط. والله أعلم. قوله: "فيصبح الناس فيتبايعون" لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، [أي يجري بينهم البيع ولا يحفظون في المعاملات الأمانة] (١). قوله: "حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا" الحديث، للتعجب. فائدة أيضا: لما عرض الله تعالى الأمانة على السموات والأرض والجبال. فقال لها: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ [قالت]: وما فيها. قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت [عوقبتِ]، قالت: [لا]. فقد بان أنّ الإنسان إنما كلف حملها لما ركَّبه الله تعالى فيه من العقل فبالعقل صار الإنسان هو الحامل والمكلف والمخاطب. واعلم أن العقل عقلان عقل إلهي وعقل يكتسبه الرجل بالتجربة والتهديد فمن غلب عقله هواه افتضح ومن زاد علمه على عقله كان وبالا عليه ومن لم ينفعه العلم لم يأمن ضرر الجهل، اهـ ذكره ابن فرحون في كتابه. ٤٥٤٠ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة قال: يؤتى العبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف، وقد ذهبت الدنيا، فيقال: انطلقوا به إلى

стр. 8274

الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج قلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع. قال: يعني زذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا، قال: صدق. أما سمعت الله يقول "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" رواه أحمد (١) والبيهقي (٢) موقوفا، وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد (٣) أنه سأل أباه عنه فقال: إسناد جيد. قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم. قوله: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة" الحديث. تقدم الكلام على الأمانة مبسوطًا واضحًا في الحديث قبله. قوله: "فيقول انطلقوا به إلى الهاوية" قال الله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ و

стр. 8275

هَاوِيَةٌ﴾ (١)، الآية. قوله: "فيهوي في إثرها" الهوي هو السقوط. قوله: "حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه" الحديث. المنكبان هما عظما الكتف. ٤٥٤١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، الحديث. رواه الطبراني (٢)، وتقدم في الصلوات. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم. قوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا صلاة لمن لا طهور له" الحديث. قيل هو على التغليظ، قيل سميت الأمانة أمانة لأنه يؤمن معها من منع [الحق مأخوذة] من الأمن، حكاه في التحصيل، وتقدم الكلام على الأمانة وعلى الطهور والمراد به الوضوء. ٤٥٤٢ - وروي عن علي ﵁ قال: كلنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال يا رسول الله: أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه؟ فقال: ألينه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأشده يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له. الحديث رواه البزار (٣).

стр. 8276

قوله: "وروي عن علي" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام عليه. قوله: "وأشده يا أخا العالية الأمانة" تقدم الكلام على قوله يا أخا العالية في البيوع وعلى الأمانة في أوائل هذا الباب. ٤٥٤٣ - وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة، فقد حل بها البلاء. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولا، وإذا كانت الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمر، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا أو مسخا رواه الترمذي (١)، وقال: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة.

стр. 8277

٤٥٤٤ - وفي رواية للترمذي (١) من حديث أبي هريرة: إذا اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير دين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكلرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع. قال الترمذي: حديث غريب. قوله: "وعن علي" أيضا تقدم. قوله ﷺ : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة فقد حل بها البلاء" الحديث. قوله: "إذا كان المغنم دولا"، قال في الفائق: الدول بالضم والفتح ومعناه ما يدول الإنسان أي يدور من الحظ. قوله: "الأمانة مغنما" أي يرى من في يده أمانة أن الخيانة فيها غنيمة قد غنمها وقال بعض العلماء أيضا أي تذهب الأمناء بودائع الناس وأماناتهم فيتخذونها مغانم. قوله: "والزكاة مغرمًا" أي يرى رب المال أن إخراج زكاته غرامة يغرمها. وقال بعضهم أيضا: أي يعدون الزكاة غرامة أي يشق عليهم أداؤها كما يشق أداء الغرامات. قوله: "وكان زعيم القوم أرذلهم" الزعيم الكفيل الذي يتكفل بأمر القوم ويقوم به. والأرذل بالذال المعجمة هو من كل شيء الرديّ منه، والله أعلم. قوله: "وشربت الخمر"؛ "ولبس الحرير واتخذت القينات -وفي نسخة القيان- والمعازف"، تقدم الكلام على ذلك في بابه.

стр. 8278

["ولعن آخر هذه الأمة أولها" هو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون الصحابة] (١). والمعازف بالعين المهملة والزاي [المزاهر] وهي عيدان الغناء، قاله في المطالع (٢)، وقال في النهاية (٣): هي الدفوف وغيرها مما يضرب به وقيل: إن كل لعب عزف [وتقدم الكلام على ذلك في بابه]. [وشرب الخمر من علامات الساعة فإن قلت شرب الخمر كيف يكون من علاماتها والحال أنه كان واقعا في جميع الأزمان، وقد حدّ رسول الله ﷺ بعض الناس لشربه إياها. قلت: المراد منه أن تشرب شربا فاشيا [إذ] نفس الشرب وحده ليس علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة في الأحاديث] (٤). قوله: "ولعن آخر هذه الأمة أولها" وهو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون أكابر الأمة. قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم] في رواية الترمذي: إذا اتخذ الفيء دولا، والفيء معناه ما اتخذ من الكفار من غير قتال كالمال الذي تركوه فزعا من المسلمين والخراج والجزيو وتقدم الكلام على دولا في [كلام] (٥) الفائق

стр. 8279

ومعناه إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بأموال الفيء ويمنعون عنها مستحقيها. قوله: "وتُعلِّم لغير دين" أي يحملهم على التعلم غير الدين من طلب المقاصد الدنيوية والمناصب الدنيوية، [ولقوله] ﷺ : من تعلم علما لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة أي ريحها كمن يتعلمه للرياسة أو للمال أو لتعظيم الناس له. قال ابن القيم. وهذا من أكبر الكبائر. ومنها كتم العلم مثل أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه. ومنها تفسير القراَن بالرأي لقوله ﷺ من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما [بلجام] من نار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. تفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور والإخبار عن الله بأنه أراد ما لا يتحقق إرادته إياه، اهـ. تنبيه: من علامات الساعة أن يرفع العلم وفي حديث آخر أن يقل العلم [و] ليس المراد منه محوه من صدور الحفّاظ وقلوب العلماء بل رفعه بموت حملته وقبض العلماء. وأما قوله: "أن يقل العلم" فبكسر القاف. فإن قلت: قلة العلم [تقتضي] بقاء شيء منه والرفع عدم بقائه فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: القلة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار الزمانين كما يقال مثلا القلة في ابتداء أمر الأشراط أي العلامات والعدم في انتهائه. قاله الكرماني (١). قوله: "وظهرت الأصوات في المساجد" أي ارتفعت الأصوات فيها باللغط. وفي حديث آخر: سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في

стр. 8280

مساجدهم ليس لله فيهم حاجة، الجلوس في المسجد لحديث الدنيا هو بدعة إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة ولنشر العلم ونحو ذلك، وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في المسجد لا في التحدث بما يتعلق بأحوال الدنيا. فرع: حكم الطرطوشي في كتابه عن مالك أنه كره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد. قال: وهو لمن يحسن العربية أشد. قوله: "فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا" تقدم ذلك في أماكن من هذا التعليق. وفي بعض الأحاديث: فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخًا. قوله: "وآيات تتابع كناظم قد انقطع سلكه فتتابع" الحديث، ضبطناه بتاءين من فوق وألف ثم ياء مثناة من تحت وعين مهملة. وأما قوله: "كناظم قطع سلكه فتتابع" فهو بالباء الموحدة قبل العين، يقال: تتايع بالمثناة من تحت في الشر وتتابع بالموحدة في الخير، والنظام بكسر النون وبالظاء المعجمة المراد به هنا اللؤلؤ المنظوم أي المجموع في الخيط، والسلك بكسر السين المهملة وسكون اللام الخيط. قاله صاحب التنقيح. ٤٥٤٥ - وروي عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث متعلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر. رواه البزار (١).

стр. 8281

قوله: "وروي عن ثوبان" هو مولى رسول الله ﷺ تقدم. قوله ﷺ : "ثلاث متعلقات بالعرش الرحم تقول اللهم إني بك فلا أقطع والأمانة تقول اللهم إني بك فلا أخان والنعمة تقول اللهم إني بك فلا أكفر" الحديث. الرحم هي القرابة وتقدم الكلام على الأمانة، وعلى هذا الحديث في صلة الرحم. ٤٥٤٦ - وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، وتظهر فيهم السمن. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). قوله: "وعن عمران بن حصين" تقدم. قوله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث. المراد من قوله ﷺ : قرني، الصحابة ومن الذين يلونه التابعون ومن الذين يلونهم تابعوا التابعين، قاله في شرح مشارق الأنوار. ٤٥٤٧ - وعن عبد الله بن أبي الحمساء ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ ببيع قبل أن يبعث فبقيت له بقية ووعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم

стр. 8282

ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو مكانه فقال: يا فتى لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك. رواه أبو داود (١) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (٢) كلاهما عن إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه، وقال أبو داود: قال محمد بن يحيى: هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق. وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة فقال: روى حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن ابن شقيق عن أبيه، ويقال عن بديل عن عبد الكريم المعلم، ويشبه أن يكون ما ذكره أبو علي من إسقاط عبد الكريم منه هو الصواب، والله أعلم. قوله: "وعن عبد الله بن أبي الحمساء"، وأبو الحمساء اسمه كذا كذا. فائدة: قوله في آخر الحديث، وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة. [و] ابن السكن هذا يكنى أبا علي واسمه سعيد بن عثمان وهو إمام من الأئمة الحفاظ وهو من كبار أهل هذا الشأن ثقة واسع [الباع] في الحديث. [وكثير الرحلة، سمع بالعراق والشام ومصر وخراسان يُصار إليه من خلائق]، وهو من العلماء [القدماء، مات في المحرم سنة ثلاث

стр. 8283

وخمسين وثلاثمائة]، أصله بغدادي وسكن بمصر ومات بها في نصف المحرم [سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة] (١) وإذا صحح شيئا اعتمده الأئمة. قاله الحصني في سير الملوك والله أعلم. قوله: "بايعت رسول الله ﷺ ببيع قبل أن يبعث"، الحديث، بايعت أي اشتريت منه شيئا قبل أن يوحى إليه وبقي له من ثمن ذلك المبيع شيء. قوله: "فيقت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت يومي والغد فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه" الحديث، أي جئت ذلك المكان فإذا نبي الله ينتظرني بذلك المكان ولم يخرج من ذلك المكان وفاءً بما وعد من لزوم ذلك المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن. قوله: "لقد شققت علي يا فتى أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك" [أي من حينئذ] أي حملت المشقة عليّ وأوصلتها إليّ، اهـ. وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل [بن إبراهيم]﵇ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) فيقال إنه كان وعد إنسانا في موضع فانتظره فيه اثنين وعشرين يوما وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا قال إن شاء الله تعالى، وهو الأولى، ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلابد من الوفاء إلا أن يعتذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهو النفاق فإن اللسان سبّاق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا [وذلك] (٣) من أمارات النفاق، اهـ. قوله: "إبراهيم بن طهمان"، طهمان بفتح الطاء المهملة وسكون

стр. 8284

الهاء، ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد، كان صحيح الحديث كثير السماع حسن الرواية واسع القلب مات سنة ثلاث وستين ومائة بمكة، قاله الكرماني (١). وقوله: "بُديل بن ميسرة"، بُديل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف واللام. ٤٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة لَهُ وَإِن صلى وَصامَ وَزعم أَنه مُسلم (٢). ٤٥٤٩ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيت أنس وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق وَإِن صامَ وَصلى وَحج وَاعْتمر وَقَالَ إِنِّي مُسلم فَذكر الحَدِيث (٣). ٤٥٥٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. رواه البخاري (٤) ومسلم (٥).

стр. 8285

قوله: "وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" تقدمت ترجمته. قوله: "أربع من كن فيه كلان منافقًا خالصًا" فذكره إلى أن قال: "إذا ائتمن خان" تقدم الكلام على الخيانة في الأمانة وتقدم هذا الحديث أيضا في الصدق. ٤٥٥١ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان، رواه مسلم (١) وغيره (٢). ٤٥٥٢ - وفي رواية لمسلم (٣): لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان. قوله: "وعن ابن عمر" المراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم. قوله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان"، وفي رواية لمسلم: يرفع لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان الحديث. والغدر ترك الوفاء، والغادر الذي يواعد على أمر ولا يفي به، يقال غدر يغدر بكسر الدال في المضارع؛ واللواء قال أهل اللغة هو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب الجيش أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له. [قالوا:] (٤) والنصب

стр. 8286

والرفع هاهنا بمعنى واحد فلا فرق بين الروايتين، [قالوا:] فمعنى يرفع لكل غادر لواء أن له علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة وكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحامل والأسواق الحفلة ومواسم الحج وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، ألا ترى إلى قول شاعرهم: أسُميّ ويحكِ هل سمعتِ بغدرة ... رُفع اللواء لنا بهافي المجمَع وفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء كما في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر. وذكر القاضي عياض (١) احتمالين: أحدهما هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته أو للكفار وغيرهم أو غدره الأمانة التي قُلّدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها فمتى [أخافهم] (٢) أو ترك [الشفقة] عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده. والاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق أعليهم، العصا ولا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه. والصحيح الأول. قوله: "بقدر غدرته"، أي إن كانت عظيمة رفع له لواء عظيم أو صغيرة فصغير. قوله: وفي رواية لمسلم أنه ينصب عند إستِه أي عند مقعده لا يفارقه ليمر به الناس فيروه فيعرفوه فيزداد خجلا وفضيحة.

стр. 8287

وقيل الإست العجز، واعلم أنهم لما أخفوا الذنب وهو الغدر عوملوا بنقيض فعلهم فأظهر ذنبهم في الآخرة بل وربما كان سببا لظفر عدوه به لعدم وفائه له بعهده. تنبيه: ففي الحديث حث على الوفاء بالعهد وتحريم نقضه وأن من أمّن حربيا أو عاهده أو عقد له الجزية لا يجوز له قتله ما دام في العهد ويلزمه الكف عنه لأن في نقض العهد [تنفيرا] لأهل الحرب عن الدخول في العهد والأمان فوجب الوفاء به وهذا الوعيد الشديد يدل على أن نقض العهد كبيرة، انتهى. [حكاية لطيفة تتعلق بمعنى الحديث: قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي (١) يروى أن الهادي أمير المؤمين كانت له جارية تسمى غادرا كانت أحظى من عنده وأغلبهم على قلبه وأملكهم لنفسه وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم غناء وكان إبراهيم الموصلي هو الذي رباها وأدبها وباعها بعشرة آلاف دينار فبينما الهادي [يوما] يشرب مع ندمائه وهي تغنيهم من وراء الستر إذ عرض له فكر وسهو وتغير لونه وقطع الشراب، فقال له ندماؤه ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: وقع في فكري أني أموت وأن أخي هارون يلي الخلافة ويتزوج جاريتي غادرا هذه، فقالوا له نعيذك بالله يا أمير المؤمنين، يطيل الله بقاءك ونتقدم نحن وهو بين يديك ونموت قبلك. فقال ليس هذا مما يزيل ما في نفسي، ثم أمر أن يؤتى برأس هارون ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره فعرّفه ما خطر بباله فاستعطفه هارون وجعل يكلمه

стр. 8288

بما يوجب زوال ما في نفسه ويخضع له ويتذلل فلم يقنع بذلك وقال لا أرضى حتى تحلف لي بكل ما أحلفك أني إن مت لم تتزوج جاريتي هذه غادرًا. قالى أفعل. فأحلفه بكل يمين يحلف به الناس من طلاق وعتاق وحج راجلا وغير ذلك من الأيمان المؤكدة أنه لا يتزوجها أبدا. قالى فلم يلبث بعد ذلك إلا شهرًا أو نحوه حتى مات. وولي هارون الخلافة بعده فلما ولي بعث إلى الجارية فخطبها فقالت يا أمير المؤمنين كيف بأيماني وأيمانك قال أكفر عن يميني وأحج راحلا ففعل وتزوجها ووقعت من قلبه أعظم موقع وشغف بها أشد من شغف أخيه الهادي حتى كانت تسكره وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب حتى تنتبه. فبينما هي ليلة نائمة في حجره إذ انتبهت فزعة [مذعورة] فقال لها مالك فديتك؟ فقالت له رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم [وهو ينشدني]: أخلفت أعهدي، بعدما ... جاورت سكان المقابر ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الكذب الفواجر وظللتُ في أهل البلى ... وظللت في الحور الغرائر ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر لا يهنك الإلف الجديـ ... ـد ولا تدر عنك الدوائر ولحقت بي قبل الصبا ... ح وصرت حيث غدوت حائر قالت ثم ولى عني [وكأنها] مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة. فقال لها هارون هذه أحلام الشيطان. فقالت كلا والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت

стр. 8289

بين يديه ولحظت حتى خرجت روحها [بين يديه] تلك الساعة. فلا تسل عن حال هارون وما لقي عليها تلك الساعة. توفي الهادي سنة سبعين ومائة، اهـ] (١). قوله ﷺ : "فيقال هذه غدرة فلان بن فلان" إنما أنث هذه وهي إشارة إلى اللواء وهو مذكر لأنه في معنى العلامة، وفي حديث آخر ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة أي أن غدره أفحش وأعظم إثما، وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. قاله في المفهم ففي هذا الحديث دليل على أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سزا على آبائهم وهذا الحديث خلاف قولهم خرجه البخاري ومسلم وحسبك، اهـ. تنبيه: قال ابن العماد في شرح عمدة الأحكام، ووجه هذا القول الذي يقول أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم بأنهم إذا دعوا بأمهاتهم دخل في ذلك عيسى ابن مريم ﵊ فإنه من غير أب ويدخل فيه أولاد الزنا للستر عليهم ويدخل فيه أولاد فاطمة ﵄ لشرف نسبها فإن أولاد بنات النبي ﷺ ينسبون إليه ﷺ بخلاف أولاد بنات غيره لقول الشاعر: بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد

стр. 8290

ولذلك ينسب أولاد البنات إلى بني هاشم والمطلب ومنع استحقاق الزكاة كما ينسب [إليهم] مواليهم فلا يعطوا منها، ولقوله ﷺ موالي القوم منهم، ولقوله ﷺ : بني أخت القوم من أنفسهم، اهـ. فائدة: وفي هذا الحديث دليل على أن في الآخرة للناس ألوية فمنها ألوية خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم. قال ﷺ لواء الحمد بيدي، وروي: لواء الكرم بيدي، وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة (١) قال: قال رسول الله ﷺ امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار، فعلى هذا من كان إماما ورأسا في أمر [ما] معروفا به فله لواء يعرف به خيرا كان أو شرا وقد يجوز أن يكون للصالحين والأولياء ألوية

стр. 8291

يعرفون بها تنويها بهم وإكراما لهم وإن كانوا غير معروفين في الدنيا. قال ﷺ : رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره. وقد ذكر أبو حامد الغزالي في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة أنه يعقد للمكفوفين راية وتجعل بيد شعيب ﵇ فيصير إمامهم وكذلك الشباب المتعففون يعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد يوسف ﵇ ويصير إمامهم وكذلك وكذلك [المجذومين] تعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ﵇ فيصير إمامهم. وذكر البكائين وأنه يعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة وتجعل بيد نوح ﵇ ويصير إمامهم وكذلك الشهداء يعقد لهم راية عفرة وتجعل في يد يحيى ﵇ ويصير إمامهم وذكر العلماء أنه تعقد لهم راية [بيضاء] تجعل بيد إبراهيم ﵇ ويصير إمامهم والقراء تعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى ﵇ ويصير إمامهم والأغنياء أيضا تعقد لهم راية ملونة (١) وتجعل بيد سليمان ﵇ ويصير إمامهم، هذا معنى ما ذكره مختصرا انتهى. ٤٥٥٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة. رواه أبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤).

стр. 8292

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة" الحديث. بئس كلمة تجمع المساوئ كلها، كما أن نِعْمَ تجمع المحاسن كلها، والخيانة ضد الأمانة والجوع لما كان يلازم صاحبه في المضجع قيل له ضجيع. قال كثير من العلماء إن السجع المذموم في الدعاء هو التكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظا فلا بأس، والله أعلم. قاله في شرح المشارق، وتقدم الكلام على الأمانة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا. ٤٥٥٤ - وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فاكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه العمل، ولم يوفه أجره. رواه البخاري (١). قوله: "وعن أبي هريرة" أيضا تقدم. قوله: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر" الحديث. أعطى بي أي أعطى الأمان باسمي أو بذكري، أو بما شرعته من ديني. وذلك بأن يقول للمستجير: لك ذمة الله ولك عهد الله.

стр. 8293

٤٥٥٥ - وعن يزيد بن شريك قال: رأيت عليا ﵁ على المنبر يخطب فسمعته يقول: لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال رسول الله ﷺ : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا الحديث. رواه مسلم (١) وغيره (٢). [يقال: أخفر بالرجل] إذا غدره ونقض عهده. قوله: "وعن يزيد بن شريك": كذا. قوله: "رأيت عليا على المنبر يخطب" الحديث، هو علي بن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم إلى فتواه وأقواله في المسائل المعضلات أيضا مشهور، وأما زهده فهو مما اشترك في معرفته الخاص والعام، وكان الحاصل من غلته أربعين ألف دينار وكلها جعلها للصدقة، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم أعدها ليشتري بها جارية لأهله، والأحاديث الواردة في الصحاح في فضله كثيرة، ولي الخلافة خمس سنين، بويع له في مسجد رسول

стр. 8294

الله ﷺ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قال ابن المسيب: لما [قيل] (١) قتل عثمان جاء الصحابة وغيرهم إلى دار علي فقالوا [إننا] (٢) نبايعك فأنت أحق بها. فقال: إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضوا به فهو الخليفة، فلم يبق أحد إلا أتى عليا، فلما رآى ذلك خرج إلى المسجد فصعد المنبر فبايعه طلحة ثم بايعه الباقون، فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم وأعاد علينا من بركاتهم أجمعين. تنبيه: قال علي (٣): أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار. وفي رواية: أو المنافقين. أي يلوذ به المؤمنون ويلوذ بالمال الكفار والمنافقون كما يلوذ النحل بيعسوبها وهو مقدمها وسيدها، قاله في النهاية (٤). قول علي ﵁[في الحديث] (٥): والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال رسول الله ﷺ : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله، الحديث. يقال: أخفر بالرجل إذا غدره ونقض عهده، اهـ. قاله الحافظ. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.

стр. 8295

٤٥٥٦ - وعن أنس ﵁: قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له. رواه أحمد (١) والبزار (٢) والطبراني في الأوسط (٣) وابن حبان في صحيحه (٤) إلا أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال في خطبته: فذكر الحديث، ورواه الطبراني في الأوسط (٥) والصغير (٦) من حديث ابن عمر، وتقدم.

стр. 8296

قوله: "وعن أنس" تقدم. قوله: "ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" الحديث، تقدم الكلام على الأمانة والعهد قريبًا. ٤٥٥٧ - وعن بريدة ﵁: عن النبي ﷺ قال: ما نقض قوم العهد إلا كلان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر. رواه الحاكم (١)، وقال صحيح على شرط مسلم.

стр. 8297

قوله: "وعن بُريدة" هو بن الحصيب ومر ترجمته. قوله ﷺ : "ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الموت" الحديث. ظهرت أي فشت وانتشرت، والمراد بالفاحشة هنا الزنا. ٤٥٥٨ - وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم: أن رسول الله ﷺ قال: من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته (١٠)، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة. رواه أبو داود (١). والأبناء مجهولون. قوله: "وعن صفوان بن سليم" الزهري مولاهم المدني الإمام القدوة ومن

стр. 8298

يستسقي بذكره عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر وابن المسيب وعنه مالك والداروردي يقال: إنه لم يضع جنبه أربعين سنة وقيل: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان قانعا لا يقبل جوائز السلطان ثقة حجة ولد سنة ستين وتوفي مائة واثنين وثلاثين. قوله ﷺ : "من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته"، الظلم هو الجور، والمعاهد يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من كان بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما، ومنه الحديث لا يحل لكم كذا وكذا ولا لقطة معاهد أي لا يجوز أن تتملك لقطته الموجودة من ماله لأنه معصوم المال يجري حكمه مجرى حكم الذمي وقد تكرر ذلك العهد في الحديث ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية ولا تخرج الأحاديث الواردة فيه عن أحد هذه المعاني ومنه الحديث (١)، حسن

стр. 8299

العهد من الإيمان، يرد الحفاظ ورعاية الحرمة، قاله في النهاية (١). وتقدم الكلام أيضا على المعاهد. قوله: "فأنا حجيجه يوم القيامة" أي أحاجه وأخاصمه بالحجة وهي الدليل، وقال بعضهم أيضا: أي محاجة ومناظرة، وقيل أي أحاجه وأحاوره فأغلبه بالحجة [أو آخذ عليه] (٢) وأصل الحج الكسر ومنه الحجة لأنه تكسر الخصم، وقال بعضهم أيضا ومعنى حجيجه أي أغلبه بالحجة [والمخاصمة أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس.] وفي حديث آخر: من ظلم ذميا مؤديا لجزيته معترفا بذلته فأنا خصمه يوم القيامة، نقله الشيخ زين الدين العراقي في بعض أماليه (٣). ٤٥٥٩ - وعن عمرو بن الحمق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما رجل أمن رجلا على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرا، رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه (٤)، واللفظ له، وقال ابن ماجه فإنه

стр. 8300

يحمل لواء غدر يوم القيامة. قوله: "وعن عمرو بن الحمق" هو عَمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي هاجر إلى النبي ﷺ بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم عام حجة الوداع، والأول أصح، صحب النبي ﷺ وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة، وانتقل إلى مصر، قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: سكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها، والصحيح أنه انتقل من مصر إلى الكوفة، روى عنه: جبير بن نفير، ورفاعة بن شداد القتباني، وغيرهما (١). قوله ﷺ : "أيّما رجل أمّن رجلا على ذمة ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرا"، وقال ابن ماجه: فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة، وتقدم الكلام على اللواء وهو الراية، فالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا قال في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ

стр. 8301

من قتل نفسا معاهدة بغير حق لم يرح رائحة الجنة، ومعناه مذكور في حديث أبي بكرة الذي بعده. ٤٥٦٠ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام. ٤٥٦١ - وفي رواية: من قتل معاهدا في عهده لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. رواه ابن حبان في صحيحه (١)، وهو عند أبي داود (٢) والنسائي (٣) بغير هذا اللفظ، وتقدم.

стр. 8302

[قوله: لم يرح] قال الكسائي: هو بضم الياء، من قوله: أرحت الشيء فأنا أريحه إذا وجدت ريحه، وقال أبو عمرو: لم يرح بكسر الراء من رحت أريح إذا وجدت الريح، وقال غيرهما: بفتح الياء والراء، والمعنى واحد، وهو شم الرائحة. قوله: "وعن أبي بكرة" اسمه نُفَيع، بصيغة المصغر من المنفعة، ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المفتوحات، الثقفي، كني بأبي بكرة لأنه كان أسلم في حصن الطائف وعجز عن الخروج منه فتدلى في النزول منه إلى رسول الله ﷺ ببكرة. قوله ﷺ : "من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة" الحديث، تقدم الكلام على معنى المعاهد وقد أمر الله تعالى في الكتاب العزيز بالوفاء بعهود المشركين إذا أ أقاموا، على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا، وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من بايعه ورضي به، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له. قاله ابن رجب (١). قوله ﷺ : "لم يرح رائحة الجنة" [أي] لم يشم ريحها، وقد ذكر الحافظ في تصريف الكلمة على ثلاثة أوجه هنا، وتقدم الكلام على شيء من ذلك.

стр. 8303

٤٥٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا من قتل نفسا معاهدة له ذمة الله، وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا. رواه ابن ماجه (١) والترمذي (٢)، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "ألا من قتل نفسا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله وذمة رسوله "، يقال أخفرت بالرجل إذا نقضت عهده. قوله: "لم يرح رائحة الجنة" تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله.

стр. 8304

الترغيب في الحب في الله تعالى والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع ونحوهم لأن المرء مع من أحب ٤٥٦٣ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار". ٤٥٦٤ - وفي رواية: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤). قوله: "عن أنس" تقدم. قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"، الحديث. قال النووي رحمه الله تعالى (٥): هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام. قال [العلماء]: [و] معنى حلاوة الإيمان [استلذاذات] الطاعات وتحمل المشقات في الدين في رضى الله تعالى ورسوله وإيثار ذلك على

стр. 8305

أعراض الدنيا ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك [محبة] رسوله ﷺ . قال: والحب في الله من ثمرات حب الله. قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب ، فيحب ما أحب ويكره ما يكره، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حب الإيمان في قلبه كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمآن الشديد عطشه ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبِر. ذكر ابن المبارك (١) عن أبي الدرداء أنه دخل المدينة فقال لهم: [ما لي] لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان؟ والذي نفسي بيده [لو أنّ] دبّ الغابة وجد طعم الإيمان لرُئِي عليه حلاوة الإيمان. شعر: لو ذاق طعم الإيمان رُضوى ... لكاد من وجده [يميدُ] (٢) قد حمَّلوني تكليف عهد ... يعجز عن حمله الحديدُ وقال آخر: ما كل من زوّق لي قوله ... يغرّني يا صاح تزويقه من حقق الإيمان في قلبه ... لابدّ أن يظهر تحقيقه [وسئل] رُؤيم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، [وأنشد]:

стр. 8306

ولو قلت لي مُتْ مُتُّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ولبعض المتقدمين: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع لو [كان] حبك صادقا لأطعته ... إن المحبّ لمن يحبّ مطيع قاله ابن رجب (١). وقالوا: أوحى الله تعالى إلى داود ليه السلام: يا داود إني حرّمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري، وقال [ :] يا داود إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبها وحبي لا يجتمعان. وذكروا أن معروفا الكرخي رحمة الله عليه رآى في النوم كأنه تحت العرش فقال الله يا ملائكتي من هذا؟ فقالوا وأنت أعلم هذا معروف الكرخي سكر من حبك فلا يفيق إلا بلقائك، قاله في التهذيب [للمسعودي]. قوله ﷺ : "من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" ومحبة العبد لربه فعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول ﷺ . قال القاضي عياض (٢) لا تصح محبة الله ومحبة رسوله حقيقة وحب المرء في الله تعالى وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالطه ودمه فهذا الذي وجد حلاوة الإيمان

стр. 8307

والحب في الله تعالى من ثمرات حب الله تعالى. قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب فيحب ما أحب ويكره ما كره. وقال مالك: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام، وهو دأب أولياء الله تعالى. وقال يحيى بن معاذ الرازي حقيقة المحبة أن لا [تزيد] بالبر ولا [تنقص] بالجفاء، وقال القاضي البيضاوي المراد بالحب هاهنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى، ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه طبعه ويميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما علم أن صلاحه فيه، فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الشارع ﷺ لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل والعقل يقتضي ترجيح جانبه وكماله بأن [تتمرن] نفسه بحيث يصير هواه تبعا لعقله ويلتذ به التذاذا عقليا. قوله ﷺ : ومن يكره أن يعود في الفكر بعد إذ أنقذه منه، الحديث. أي يصير إليه، فالعود قد يكون بمعنى الرجوع إليه بعدما دخل في الإسلام. وقد يكون بمعنى المصير إليه ابتداء، ومنه قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ (١)، قال قوم معناه لتصيرن إلى ملتنا لأن شعيبا لم يكن قط على الكفر. وقيل الخطاب مع أصحاب شعيب الذين دخلوا في دينه واتبعوه بعدما كانوا كفارا. وقوله: "بعد إذ أنقذه الله منه " أي خلّصه ونجاه.

стр. 8308

قوله: "وفي رواية ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه أن يكون الله ورسوله أحب إليها مما سواهما وأن يحب في الله ويبغض في الله"، مقتضى هذا الحديث أن من لم يؤثر رضا الله تعالى ورسوله على رضا الخلق أجمعين ولم يحب في الله ويبغض في الله لا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه، فمن رآى ولده أو أخاه على معصية أوجب الله عليه أن ينهاهما وينكر عليهما بقدر استطاعته فمن ترك الإنكار وأقدم على سخط الله سبحانه بترك ما أوجب عليه وأرضاهما بسكوته عنهما كيف يجد طعم الإيمان؟ والمقصود من هذه الأحاديث أن تعلم أن الحب في الله والبغض في الله [ما] (١) لا يكمل إيمان المرء إلا به، بل هو أوثق عرى الإسلام وأحد دعائم الإيمان وأن المداهنة ليست من الدين في شيء بل المداهن يهلك نفسه ويهلك من داهنه والله أعلم. [قوله: "وعمود الإسلام والعروة الوثقى"، قلت: يريد بالإسلام جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة أو كلمة الشهادة وحدها؛] فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله [ويكره ما يكرهه الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض فمن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله] (٢) أو ترك [بغض] ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه

стр. 8309

والقدرة عليه دلّ ذلك على [نقص] (١) محبته الواجبة عليه، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة عليه، اهـ. قاله ابن رجب الحنبلي (٢). تنبيه: وإن سئل هل تدل معصية الله تعالى على عدم محبته؟ فالجواب: أنها تدل على عدم كمال المحبة لا عدمها وكان نعيمان يؤتى به إلى رسول الله ﷺ فيحده فلعنه رجل فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله. ٤٥٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظمهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. رواه مسلم (٣). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي " الحديث. قوله: "لجلالي" أي لعظمتي وطاعتي لا لدنيا. قوله: "يوم لاظل إلا ظلي" أي أنه لا يكون من له ظل مجازا كما في الدنيا، وجاء في غير مسلم: ظل عرشي. قال القاضي عياض (٤) ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق، قال: وهذا قول الأكثرين.

стр. 8310

وقال عيسى بن دينار: معناه كفه من المكاره فيكرامه وجعله في كنفه وستره ومنه وقولهم السلطان ظل الله في الأرض. وقيل: ويحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم. يقال هو عيش ظليل أي طيب. تنبيه: فأما المحبة فلها معان كثيرة، وكثيرا ما [يشتق] لفظها من فعل [الحبة]، واختلف [فيها] أهل اللغة فقال قوم الحب الإناء الذي يجعل فيه الماء كالخابية وشبهها واشتقت منه المحبة لأنه إذا امتلأ بالماء لم يسع فيه غيره، وكذلك القلب إذا امتلأ بالمحبة لم يسع فيه غير محبوبه، وقيل اشتق اسم المحبة من [قولهم] أحب البعير إذا برك، فلم يقدر على القيام لأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر المحبوب بعد أن وقع في المحبة ولا يقدر على الانفكاك وقيل من [الحبَّةِ] وهو بذر النبات لأن البذور لباب النبات والحب لباب الحياة، وقيل مشتق من الحب بكسر الحاء وهو القرط سمي به إما [لملازمته] ملازمة القرط للأذن فلا يزال سمعه [معمورا] بمناجاته وما يرد عليه من أسرار أحاديث في سره كما يقال الزم من طوقه وأما لاضطراب القلب بالحب كاضطرابه وخفقانه، وقيل اشتق من الحباب بفتح الحاء وهو ما يعلو الماء عند المطر وعند الغليان لأن القلب يغلي ويهتاج ويطفوا عليه مثل الحباب شوقا إلى من يحبه، اهـ. [وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه لحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة [كمحبة] الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه

стр. 8311

المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل فيحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم والإبعاد عن الجحيم وقد أشار بعضهم إلى أن هذا مقصور في حق الله تعالى فإن الخير كله منه . قال مالك وغيره، المحبة [الله من] واجبات الإسلام اهـ.] (١). تنبيه: الحب المهملة وهي الخابية وهو فارسي معرب، وأما الخابية فعربية صريحة وجمعه حباب بكسر الحاء وحببة بفتح الحاء والباء. والله أعلم. ٤٥٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من سره أَن يجد حلاوة الإِيمَان فليحب الْمَرْء لا يُحِبهُ إِلَّا لله رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيقين وَصحح أَحدهمَا (٢).
следующие страницы →