← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 887–926 · переход к 892.

стр. 887

في اللغة الموحّدة يقال: عتبت عليه عتبًا وعتابًا ومعتبةً بفتح الميم والتاء، وقد تكسر، وعاتبته معاتبة وعتبا أيضًا إذا واخذته بما في نفسك من الموجدة التي كانت عن جنايته ومن أجله، وأعتبته عتابًا وعتبى بالضم مقصورًا إذا أرضيت من موجدته عليك، ومنه: قوله لعله يستعتب أي يعترف ويلوم نفسه ويعتبها، قاله عياض، وقد تكون بمعنى السخط والغضب لكن في غير حديث موسى على نبينا وعليه السَّلام (١)، انتهى، قاله في العلم المشهور (٢). قوله: "فَأوحى اللّه إِلَيْهِ إن عبدا من عبَادي بمجمع البحرين هو أعلم منك" بكسر إن لأن الإيحاء فيه معنى القول، ومجمع البحرين قيل: هما بحرا فارس والروم فبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقيل: هما بحر الكر والرس بديار أرمينية، وقيل: هما بحرا الأردن وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين طنجة آخر ساحل المغرب الآتي من أفريقية ومن جميع الجهات ليس بعدها سوى البحر، وقيل: الزقاق وركوبه لا يستطاع ولا تطاق أمواجه كأنها الجبال وقعره لا يدرك ولا ينال، وقيل: إن اجتماع موسى ﵇ بالخضر ﵇ تحت جبل يعرف بجبل الخلفا بموضع يعرف الآن بماء الحياة على مقربة من مدينة سبتة (٣).

стр. 888

قال ذو النسبين ابن دحية الكلبي مصنف العلم المشهور: وقد وقفت عليه ومشيت على ذلك الساحل والناس يحفرون في الرمل فيستخرجون ماء حلوا عذبًا فراتا، والعجيب أن موج البحر الملح يضرب عليه، ومن ذلك الموضع يجازى الزقاق إلى جزيرة الأندلس (١)، انتهى، وقيل: البحران موسى والخضر كانا بحرين في العلم (٢). قوله: "قال: يا رب، كيف به؟ " أي: وكيف الاجتماع به؟ قوله: "فقيل: احمل حوتا" الحوت السمكة وكانت سمكة مالحة كما صرح به في بعض الروايات. تنبيه: وجمع الحوت أحوات وحوتة وحيتان، قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٣) وهذا يمكنه أن يقع من الحوت بإرسال من اللّه كإرسال السحاب أو بوحي والهام كالوحي إلى النحل أو بإشعار في ذلك اليوم نحو ما يشعر اللّه الدواب يوم الجمعة بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول اللّه ﷺ : "ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقًا من قيام الساعة" الحديث ويحتمل أن يكون ذلك من الحوت شعورًا بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة، قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن

стр. 889

أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثر فلم يبق منه إلا القليل، والقصة في ذلك مشهورة (١). فائدة: فيها أعجوبة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت سمكة بمدينة سبتة من نسل الحوت الذي أكل منه موسى ﷺ وفتاه أي: صاحبه وهو يوشع بن نون (وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه) وأحيا الله نصفه فاتخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبرا واحدًا أحد جانبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها وعينها ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة، قال ابن عطية: وأنا رأيتها كذلك، قال: ومن غريب ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قصص هذه الآية: ما مست شيئا قط إلا حيي، قال: ومن غريبه أيضًا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرًا طريقًا وأن موسى ﵇ مشى عليه تبعا للحوت حتى أفضى به ذك الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها: وجد موسى الخضر، وكان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى ﵇ للمناجاة لم يحتج للطعام، ولما مشى لبشر لحقه الجوع (٢)، انتهى، قاله صاحب العلم المشهور.

стр. 890

سؤال: إن قيل: لمَ لمْ يجع موسى ﵇ في أربعين ليلة وهو قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (١) وصبر، ولم يصبر نصف يوم حتى قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٢) والنصب: التعب. قيل: لأن سفر الخضر سفر تأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل من نصف يوم، وحضوره الجبل سفر اللقاء فأنساه هيبة الموقف الطعام والشراب، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (٣). أعجوبة: روى الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: انْطَلَقَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَرَجُلٌ كَافِرٌ يَصِيدَانِ السَّمَكَ فَجَعَلَ الْكَافِرُ يُلْقِي شَبَكَتَهُ وَيَذْكُرُ آلِهَتَهُ فَيَجِيءُ مُدَفَّقًا، ويُلْقِي الْمُؤْمِنُ وَيَذْكَرُ اللهَ فَلَا يَجِيءُ شَيْءٌ قَالَ: فتعَاوَدَا ذَلِكَ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ ثُمَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ صَادَ سَمَكَةً فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَرَجَعَ الْكَافِرُ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، فَأَسِفَ مَلَكُ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَدْعُوكَ رَجَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَعَبْدُكَ الْكَافِرُ رَجَعَ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، قَالَ اللهُ لِمَلَكِ الْمُؤْمِنِ: تَعَالَ فَأَرَاهُ

стр. 891

مَسْكَنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا يَضُرُّ عَبْدِيَ الْمُؤمِنَ مَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا، وَأَرَاهُ مَسْكَنَ الْكَافِرِ فِي النَّارِ فَقَالَ: هَلْ يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ لا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ. أعجوبة أخرى: في آخر صفوة الصفوة (١) عن أبي العباس بن مسروق قال: كنت باليمن فرأيت صيادًا يصطاد السمك على بعض السواحل وإلى جانبه ابنة له كلما اصطاد سمكة فتركها في درخلة معه ردتها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم يجد شيئًا، فقال: يا بنية، أي شيء عملت بالسمك؟ قالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر الله تعالى"، فلم نحب أن نأكل شيئًا غفل عن ذكر الله تعالى فبكى الرجل ورمى بالصنارة، انتهى، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان (٢). قوله: "في مكتل" المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق وهو القفة الكبيرة، وتجمع على مكاتل، وقيل: المكاتل القفاف، وقيل: المكتل شبه الزنبيل، قال ابن وهب: المكتل تسع من خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وكذا قاله عياض، وقيل: هو خرج من سعف أو حلفا يحمل على الدابة، قال ابن دريد سمى زنبيلا، لأنه يحمل به، والزبل هو العرق المذكور في حديث الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان فأتى بعرق وهو بفتح العين المهملة

стр. 892

والراء، هذا الصواب المشهور في الرواية واللغة، وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثير من شيوخنا فوهم بإسكان الراء وليس بشيء وهو جمع عرقة وهي الضفيرة من الخوص يصنع منها القف وغيرها، قاله في العلم المشهور (١)، والفرق عن الفقهاء ما يتسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا، والله أعلم. قوله: "فإذا فقدته" أي: ذهب منك. قوله: "فهو ثمَّ"، هو بفتح الثاء المثلثة أي: هناك إشارة إلى المكان. تنبيه: جعل الله تعالى الحوت له آية أي علامة لمكان الخضر ولقائه ولذلك أنه لما قال موسى: أين أطلبه؟ قال الله على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقيل: أخذ سمكة مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني وكان يمشي ويتبع أثر الحوت، أي: ينتظر فقدانه، فرقد موسى ﵇ فاضطرب الحوت ووقع في البحر. قيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء؛ ويوشع: بضم الياء التحتانية وبفتح الشين المعجمة وإهمال العين ابن نون

стр. 893

وهو مصروف كنوح، وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه، انتهى، قاله الكرماني (١). قوله: "فانطلقا يمشيان على ساحل البحر" أي: يطلبان السفينة. قوله: "فمرت بهما سفينة" فكلموهم أن يحملوهما فعرف الخضر فحملوهما بغير نول هو بفتح النون أي بغير جعل ولا أجر، والنول والنوال بالواو العطاء، والمنال والمنالة الجعل، والنيل بالياء النوال، قاله عياض (٢)، والفعل منه نلته ونولته: بمعنى أعطيته، وفي رواية: "فحملوهما بغير أجر"، والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد وهو الذي ثبت عن رسول الله ﷺ ضبطه، وقيل: في ضبطه غير ذلك، وإنما سمى الخضر خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا تهتز من خلفه خضراء. والفروة بالفاء والراء المهملة، قال ابن الأثير (٣): هي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وقيل: قطعة من حشيش يابس، قاله الحربي، وقال عبد الرزاق: هي الأرض اليابسة يعني الهشيم (٤). وقوله: فإذا هي تهتز من تحته خضراء، يقال: اهتزت الأرض إذا أنبتت، واهتز النبات إذا طال وهزته الريح، قاله الخليل بن أحمد، وقال غيره:

стр. 894

تحركت بالنبات عند وقوع المطر عليها (١)، وهذا من آيات الخضر أنه يجلس على الأرض لا نبات فيها فتنبت لحينها، وعلى حشيش يابس فيخضر من ساعته (٢). وقوله: خضراءً على وزن فعلاء، ومنهم من رواه: خضرًا بفتح الخاء وكسر الضاء، أي: نباتًا أخضر غضا ناعمًا، وفي رواية: خضيرًا وكلاهما صحيح (٣). وكنية الخضر أبو العباس، واختلفوا في اسمه اختلافا كثيرًا، فقيل: اسمه عامر حكاه أبو جعفر النسابة، وقال ابن منبه: اسمه إيليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن ثالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وقيل: اسمه خضرون بن قابيل بن آدم ﵇، وقيل: هو من ولد عيص بن إسحاق وأن أباه ملكا عظيمًا في حكاية يطول ذكرها، وقيل: هو أرميا، وأغرب ما روي في ذلك قول من قال إنه ابن فرعون صاحب موسى على نبينا وعليه السلام، ذكره النقاش في تفسيره، وحكى أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب في تأليفه في أخبار مصر وفضائلها، فذكر الخضر وأنه من فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى ولحق به مع من لحق من بني إسرائيل (٤)، وقيل: من أبناء الملوك

стр. 895

الذين زهدوا في الدنيا، وكان في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقى إلى أيام موسى، قاله جار الله (١). قوله ﷺ : "فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة" الحديث، العصفور: بضم العين، وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب: والشذوذ عصفور بالفتح والأنثى عصفورة، قال حمزة: سمي عصفورًا لأنه عصى وفر وهو أنواع منها ما هو مطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما للرجل والتيس والديك، وليس في الأرض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ فراخها، ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة عن أحلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير. تنبيه: روى البيهقي وابن عساكر بسندهما إلى أبي مالك قال: مَرَّ بِعُصْفُورٍ يَدُورُ حَوْلَ عُصْفُورَةٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ لَهَا؟ قَالُوا: لَا يَا نَبِيَّ اللهِ. قَالَ: إنَّهُ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ وَيَقُولُ لَهَا زَوِّجِينِي نَفْسَك أُسْكِنُكِ أَيَّ غُرَفِ دِمَشْقَ شِئْتِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَذَبَ الْعُصْفُورُ فَإِنَّ غُرَفَ دِمَشْقَ مَبْنِيَّةٌ بِالصُّخُورِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُسْكِنَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنْ كُلُّ خَاطِبٍ كَاذِبٌ. وكان سليمان ﵇ يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها، قال الله حكاية عنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ

стр. 896

الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والله أعلم قاله في حياة الحيوان (١). قوله: "فنقر" أي: العصفور "نقرة أو نقرتين في البحر" فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في هذا البحر، الحديث، قال العلماء ﵃: لفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، وهذا على التقريب إلى الأفهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر، أي: إن علم الله تعالى لا يدخله نقص، وإنما المقصود بذلك التمثيل بعدم النقص إذ كان نقصه العصفور من البحر لا يظهر لرائيه فكأنه لم ينقص منه شيئا فكذلك هذا في علم الله تعالى، وذكر النقص هنا مجاز على كل وجه ومحال في علم الله تعالى ومعلوماته في حقه ، وإنما يتصور في حقنا، وقد جاء في رواية البخاري: ما علمي وعلمك في نجب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره، أي: جنب معلوم الله تعالى، وقد يطلق العلم بمعنى المعلوم وهو من إطلاق المصدر ولإرادة المفعول كقولهم: درهم ضرب السلطان، أي: مضروبه، وقد جاء في طرق الروايات الصحيحة: "ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار غمس هذا العصفور بمنقاره" (٢).

стр. 897

قال الإمام فخر الدين الرازي (١): نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك إلى كلية ذلك الماء مسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى، انتهى. قوله: وفي رواية: "بينا موسى يمشي في ملأ من بني إسرائيل" الملأ بالقصر الجماعة، وهذه القصص التي أخبر الله تعالى بها محمدًا ﷺ عن موسى وصاحبه الخضر عليهما الصلاة والسلام تأديب منه له، وفي هذا الحديث فضل عظيم للخضر لأن كليم الله موسى ﵇ ذهب في الساعة ليتعلم من علمه مع عظم شأنه في أنبياء الله. تنبيه: في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى ﵉ أيضًا: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: دهرًا وزمانًا غير محدود بل يسير أبدًا، وقال ابن عمر: الحقب ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون، وأقل ما قيل فيه أن الحقب سنة (٢)، فهذا نبي الله وصفيه وأشرف الخلق نفسًا وأكملهم عقلًا وأوفاهم عصمة، أعني في زمانه أجمع على أن يمشي طول عمره في طلب زائد علم لا يجب عليه فكيف بطلب علم واجب تفتقر الشريعة إليه، والله أعلم.

стр. 898

وحديث الخضر هذا يشتمل على فوائد كثيرة منها: وجوب التواضع لأن الله تعالى عاتب موسى ﵊ حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، ومنها: استدل العلماء بسؤال موسى السبل إلى لقاء الخضر ﵇ على استحباب الرحلة في طلب العلم واستحباب الإكثار منه، ومنها: أنه يستحب للعالم الرغبة في التزيد من العلم والحرص عليه ولا يقنع بما عنده وإن كان من العلم بمحل عظيم أن يأخذ ممن هو أعلم منه ويسعى إليه في تحصيله كما لم يكتف موسى ﵇ بعلمه، ومنها: حمل الزاد وإعداده للسفر بخلاف قول السادة الصوفية، ومنها: الأدب مع العالم وحرمة المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفة عهدهم، ومنها: إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول الخضر ولي، ومنها: جواز سؤال الطعام عند الحاجة وجواز الإجارة وجواز إجارة السفينة وجواز ركوب السفينة والدابة وسكنى الدار ولبس الثوب ونحو ذلك بغير أجرة برضا صاحبه لقوله ﷺ : "فحملوهما بغير نول"، ومنها: أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجته ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب بل من مروءات الأصحاب وحسن العشرة ودليله حمل فتاه غداءهما، والله أعلم، ومنها: الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى ﷺ (١).

стр. 899

٢٢٧ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يظْهر الْإِسْلام حَتَّى تخْتَلف التُّجَّار فِي الْبَحْر وَحَتَّى تخوض الْخَيل فِي سَبِيل الله ثمَّ يظْهر قوم يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ من أَقرَأ منا من أعلم منا من أفقه منا ثمَّ قَالَ لأصحابه هَل فِي أُولَئِكَ من خير وَقَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُم من هَذِه الْأمة وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضًا من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب (٢). قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على بعض مناقبه مبسوطا، والله أعلم. قوله ﷺ : "يظهر الإسلام حتى يختلف التجار في البحر" التجار بكسر التاء مع تخفيف الجيم وبضم التاء مع تشديد الجيم جمع تاجر، قاله في الصحاح.

стр. 900

قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: عن رسول الله ﷺ أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: "اللهم هل بلغت" ثلاث مرات، الحديث؛ معنى الحديث، والله أعلم، التبليغ واجب عليَّ، وقد بلغت فاشهد لي به، قال ابن بطال (١): لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينهم لأممهم وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر على جميع الأديان وكان في عصره ﷺ فرض عين، وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه. قوله: فقام عمر بن الخطاب ﵁ وكان أواها فقال: اللهم ونعم وحرضت وجهدت ونصحت، اختلفوا في معنى الأواه الذي جاء في الحديث، الأواه: الخاشع المتضرع (٢)، وقال ابن مسعود: الأواه الدعاء، وعليه أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله، وقال كعب الأحبار: الأواه الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم ﵊ يكثر أن يقول: آه من النار قبل أن لا ينفع آه، وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله ، قيل: هو الخائف من النار، وأصله من التأوه، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، قاله البغوي (٣)، وقيل: الأواه الرجاع، وقيل: المراد بالأواه الحزين الذي غلب عليه الخوف

стр. 901

وكأنه اشتق من التأوه وهو التوجع يطلق لفظ الأواه عليه لكثرة قوله آه، ويقال: رقيق القلب ويقال: موقن، وقال أبو عبيدة: الأواه المتأوه شفقا المتضرع يقينا ولزوما للطاعة (١)، وقال الأزهري: الأواه الكثير التأوه خوفا من الله تعالى (٢)؛ سؤال: فإن قيل: ما الحكمة؟ وما معنى التأوه الذي سمى الله به إبراهيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)؟ الجواب عنه: أن يقال إن الله سماه أواها من كثرة ما ينوح على نفسه، والثاني: ما قيل إن الأواه الدعاء وكان إبراهيم ﵊ أكثر الناس دعاء فكذلك سماه أواهًا، الثالث: الأواه: الخائف كما تقدم فلما كان إبراهيم أشد الناس خوفا سماه أواها، الرابع: ما قيل إن الأواه السيد وهو ما روي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : يا سيد، فقال: ذاك أبي إبراهيم ﷺ ، فلذلك سماه أواهًا، والله اعلم، قاله في كشف الأسرار. ٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَامَ لَيْلَة بِمَكَّة من اللَّيْل فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاث مَرَّات فَقَامَ عمر بن الْخطاب وَكَانَ أواها فَقَالَ اللَّهُمَّ نعم وحرضت وجهدت وَنَصَحْت فَقَالَ لَيظْهرَن الْإِيمَان حَتَّى يرد الْكفْر إِلَى مواطنه ولتخاضن الْبحار بالإس وليأتين على النَّاس زمَان يتعلمون فِيهِ الْقُرْآن يتعلمونه ويقرؤونه ثمَّ يَقُولُونَ قد قَرَأنَا وَعلمنَا

стр. 902

فَمن ذَا الَّذِي هُوَ خير منا فَهَل فِي أُولَئِكَ من خير قَالُوا يَا رَسُول الله من أُولَئِكَ قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُم وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). ٢٢٩ - وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر ﵄ لَا أعلمهُ إِلَّا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَالَ إِنِّي عَالم فَهُوَ جَاهِل. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن لَيْث هُوَ ابْن أبي سليم عَنهُ وَقَالَ لا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد (٢). قَالَ الْحَافِظ وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تنتظم فِي سلك هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب بعده إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن مجاهد، هو: مجاهد بن جبر بفتح الجيم وإسكان الموحدة وبالراء أبو الحجاج المكي المقرئ المفسر الإمام مولى السائب بن أبي السائب المخزومي رأى ابن عباس وقرأ عليه القرآن ثلاثين مرة، وروى عن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وغيرهم، قال ابن معين وأبو زرعة وغيرهما: ثقة، وقال ابن عمر له: وددت أن نافعًا حفظ حفظك، وقال الأعمش: ما لهم

стр. 903

يتقون تفسير مجاهد، قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب، وقال: وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر إليها، ذهب إلى حضرموت إلى بئر برهوت، وذهب إلى بابل وعليها وال صديق له، فقال: تعرض عليّ هاروت وماروت فدعا رجلا من الشجرة، فقال: اذهب بهذا، فقال: بشرط أن لا تدعو الله عندهما، قال مجاهد: وذهب بي إلى قلعة فقلع حجرًا، وقال: خذ برجلي فهوي به حتى انتهى إلى جفوة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين العظيمين فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما فاضطربا فكأن جبال الدنيا تدكدكت فغضى علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي فقال: أهلكت نفسك وأهلكتني، مات ﵀ سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. قوله: عن ابن عمر، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ ، الحديث، كان ابن عمر ﵁ شديد الاتباع لآثار رسول الله ﷺ ، ويبرك ناقته في تبرك ناقته ﷺ ، وقيل: إن النبي ﷺ كان يبرك تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، بل قل نظيره في المتابعة لرسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال وفي الزهد في الدنيا، وقال نافع: لما مات ابن عمر كان قد أعتق ألف إنسان أو أكثر من ذلك، وكان ﵁ أكثر أكله مع المساكين، وكان لا توضع له مائدة إلا وعليها يتيم، وكان ﵁ ثوبه إلى نصف الساق، وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة العشاء مع الجماعة أحيا بقية ليله، وسمع ابن عمر رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة فأراه قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر،

стр. 904

فقال: هؤلاء، وكان ﵁ إذا أتى المدينة أتى قبر النبي فسلم عليه ثم سلم على أبي بكر ثم سلم على عمر ثم يبكي ويقول: يا أبتاه يا أبتاه (١)، انتهى، قاله في مجمع الأحباب، وتقدم الكلام على مناقبه في أوائل هذا التعليق مبسوطًا. قوله ﷺ : "من قال إني عالم فهو جاهل" الحديث، كما قيل العالم عالم ما كان يرى نفسه أنه جاهل، فإذا رأى نفسه أنه عالم فقد جهل، بل مسترشد متعلم يقعد مع إخوانه يرشدهم ويسترشد منهم ويعلمهم ويتعلم منهم، انتهى. قوله: رواه الطبراني عن ليث بن أبي سليم، هو: ليث بن أبي سليم، واسمه: (ليث بن أبي سليم بن أبي ذنيم الكوفي القرشي أبو بكير، مولاهم مولى عتبة أو عنبسة بن أبي سفيان، واسم أبي سليم أيمن، ويقال: أنس. روى ليث عن مجاهد، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وابن الزبير، وابن أبي مليكة، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وأبي بردة، وآخرين. روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، وشريك، وزهير بن معاوية، والحسن بن صالح، وإسماعيل بن علية، وأبو إسحاق الفزاري، وآخرون. واتفق العلماء على ضعفه، واضطراب حديثه، واختلال ضبطه. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة، رحمه الله تعالى (٢).

стр. 905

الترهيب من المراء والجدال - وهو: المخاصمة والمحاججة وطلب القهر والغلبة - والترغيب في تركه للمحق والمبطل ٢٣٠ - عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من ترك المراء وَهُوَ مُبْطل بني لَهُ بَيت فِي ربض الْجنَّة وَمن تَركه وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا وَمن حسن خلقه بني لَهُ فِي أَعْلَاهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (٢) من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة لمن ترك المراء وَهُوَ محق وببيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَهُوَ مازح وببيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن حسنت سَرِيرَته.

стр. 906

ربض الْجنَّة: هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا حولهَا. قوله: عن أبي أمامة، هو: الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من ترك المراء وهو مبطل بني له ربض في الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها" الحديث، المراء: الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمترى الحالب اللبن من الضرع (١)، وهو المنازعة في القول أو العمل أو الاعتقاد بقصد الباطل، فإن كان يقصد الحق فهو جدال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) الآية، وحد المراء (٣): كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى، والباعث عليه إما الترفع بإظهار الفضل أو إلى تنقيص الغير، وإنما كان لتارك المراء وهو محق بيتا في الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب على المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثوابًا اشتد حرصه عليه، وينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة، وإذا رأى مبتدعًا تلطف في نصحه في خلوة لا بطرق المجادلة فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه، قال ﷺ : "رحم الله من كف

стр. 907

لسانه عن أعراض الناس" وفي رواية: "رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه" قال هشام بن عروة: كان يردد ﵇ قوله هذا سبع مرات، وكل من تعود أن يجادل الناس مدة وأثنى عليه الناس ووجد لنفسه بسبب ذلك عزا وقبولا تقوت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعًا إذا اجتمع عليه سلطان الكبر والغضب والرياء وحب الجاه والتقدم بالفضل، وآحاد هذه الصفات تشق مجاهدتها فكيف بمجموعها (١). ولما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرا في وسط الجنة، "ومن تركه وهو محق بني له في وسطها" المحق: المتكلم بالحق يعني من ترك المجادلة مع أن ما يقوله حق استحق أن يسكن وسط الجنة (٢)، وربض الجنة: بفتح الراء والباء الموحدة وبالضاد المعجمة وهو ما حولها، انتهى، قاله الحافظ المنذري، وقال ابن الأثير (٣): ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون تحت المدن وتحت القلاع، وقال بعض العلماء أيضًا: ربض الجنة حواليها من داخلها لا من خارجها، والمراد بالبيت هنا القصر. قوله: "ومن حسن خلقه بنى الله له في أعلاها" سيأتي الكلام على حسن الخلق في بابه مبسوطا إن شاء الله تعالى.

стр. 908

قوله ﷺ في رواية الطبراني: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق" الحديث، قال أبو سليمان الخطابي (١): الزعيم في اللغة هو الضامن والكفيل والزعامة الكفالة، والزعيم أيضًا الحميل، ومنه قوله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٢) انتهى. وفي حديث آخر: "الزعيم غارم" [الزعيم: الكفيل،] والغارم الضامن (٣)، والكفيل أيضًا الضامن وكافل اليتيم القائم بأمره والكفالة الحمالة والكفيل والضمين، والزعيم بمعنى (٤). قال الماوردي: غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال والحميل في الديات والزعيم في الأموال العظام والكفيل في النفوس (٥). والكفيل من أسماء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٦) وأجمعت عليه الأمة (٧)، ولهذا استدل البيهقي للكفالة بالبدن بحديث البخاري الذي فيه أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل

стр. 909

أن يسلفه ألف دينار، وفيه: فأتني بالكفيل، فقال: كفى بالله وكيلًا (١)، واستدل به الشيخ في المهذب بصحة الكفالة بالبدن، والمذهب صحة الكفالة بالبدن (٢) وهي أنواع من الضمان لأن المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين وبصحتها قال الأئمة الثلاثة، وكافة العلماء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ (٣) أي كفيلًا عنه، وبحديث الخشبة الذي يقدم، ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، فإذا تكفل ببدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأنه تكفل بالبدن لا بالمال، وقيل: يشترط بناء على أنه إذا مات غرم الكفيل ما عليه من الدين، والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، ومنعها في حدود الله تعالى كحد السرقة والخمر والزنا للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن، والله أعلم (٤). قوله: "وببيت في الجنة لمن حسنت سريرته" السريرة ما يكتم عن الخلق، اعلم أنه لما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرًا في وسط الجنة، وأما تحسين الخلق فإنه أعلى من ذلك رتبة وأعرق منزلة، فكان قصر صاحبه في أعلى الجنة، قال الله تعالى لأشرف المرسلين: ﴿وَإِنَّكَ

стр. 910

لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (١) والخلق بضم لامه وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورتها الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع (٢). قال الغزالي في الإحياء (٣): من الآفة الرابعة من آفات اللسان المراء والمجادلة بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره قال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فإنها ساعات جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته، وقيل: ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا بالجدل، وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء، وقال أيضًا: المراء يقسي القلب ويورث الضغائن، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك، انتهى، قاله في الديباجة. ٢٣١ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وواثلة بن الْأَسْقَع وَأنس بن مَالك ﵃ قَالُوا خرج علينا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا وَنحن نتمارى فِي شَيْء من أَمر الدّين فَغَضب غَضبا شَدِيدا لم يغْضب مثله ثمَّ انتهرنا فَقَالَ مهلا يَا أمة مُحَمَّد إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِهَذَا ذَروا المراء لقلَّة خَيره ذَروا المراء

стр. 911

فَإِن الْمُؤمن لَا يُمَارِي ذَروا المراء فَإِن المماري قد تمت خسارته ذَروا المراء فَكفى إِثْمًا أَن لا تزَال مماريا ذَروا المراء فَإِن المماري لَا أشفع لَهُ يَوْم الْقِيَامَة ذَروا المراء فَأَنا زعيم بِثَلَاثَة أَبْيَات فِي الْجنَّة فِي رباضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وَهُوَ صَادِق ذَروا المراء فَإِن أول مَا نهاني عَنهُ رَبِّي بعد عبَادَة الْأَوْثَان المراء. الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١) عن أبي الدرداء وأبي أمامة ووائلة بن الأسقع وأنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبهم ﵃. قوله: قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضبا شديدًا لم يغضب مثله ثم انتهرنا فقال: "مهلًا يا أمة محمد" الحديث، تقدم الكلام على المماراة في أول الباب وسيأتي الكلام على الغضب في بابه، وتقدم الكلام على تفسير الآية، وسيأتي الكلام عليها أيضًا مبسوطًا في الوضوء، والله أعلم. قوله ﷺ : "ذروا المراء فإن المماري قد نمت خسارته" الحديث، النماء الزيادة. ٢٣٢ - وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وببيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن ترك المراء وَإِن كَانَ محقا وَترك الْكَذِب وَإِن كَانَ مازحا وَحسن خلقه". رَوَاهُ الْبَزَّار

стр. 912

وَالطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثة وَفِيه سُويد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم (١). قوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله. وقوله: "لمن ترك الكذب وهو مازح" الحديث، أشار بذلك إلى أن الكذب قد يكون باطلا، وقد لا يكون كذلك وهو الكذب المضر فإنه باطل، وأما الكذب النافع لإصلاح ذات البين وفي الحرب وعلى المرأة بشرطه، فإنه ليس بباطل، فإن النبي ﷺ وصفه بالصلاح فقال: "ليس يصلح الكذب إلا في ثلاث" (٢) الحديث، وقد يكون الكذب واجبًا وقد يكون مندوبًا وقد يكون حرامًا وقد يكون مكروها، فقوله: "وهو باطل" جملة حالية، أي في حال كونه باطلًا (٣)، ففي الصحيحين عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من

стр. 913

المهاجرات الأول: أن النبي ﷺ قال: "ليس بكذاب من يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرًا" (١) ورخص في الكذب في ثلاث الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين وكذب الرجل على امرأته. تتمة: قوله ﷺ في الحديث قبله وهو حديث أبي الدرداء: "ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها ووسطها وأعلاها" وهو مذكور في حديث معاذ هذا أيضًا، فجعل البيت العلوي جزءا لأعلى المقامات الثلاثة وهو حسن الخلق، والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق، ولا ريب أن حسن الخلق يشتمل على هذا كله (٢)، وقد عد بعض العلماء المراء بالباطل مطلقا من الكبائر (٣)، وفيه حديث ضعيف. قوله في آخر الحديث وَفِيه سُوَيْد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم سويد بن إبراهيم البصري العطار: ضعفه النسائي وغيره ووثقه ابن معين وغيره قال الحافظ ولا بأس به في المتابعات. ٢٣٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: قَالَ: "كُنَّا جُلُوسًا عِنْد بَاب رَسُول الله ﷺ نتذاكر ينْزع هَذَا بِآيَة وَينْزع هَذَا بِآيَة فَخرج علينا رَسُول الله ﷺ كمَا يفقأ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ يَا هَؤُلاءِ بِهَذَا بعثتم أم بِهَذَا أمرْتُم لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا

стр. 914

يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه سُوَيْد أَيْضًا (١). قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على ترجمته. قوله: كنا جلوسا عند باب رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر ينزع هذا بآية وينزع هذا بآية فخرج علينا رسول الله ﷺ كأنما يفقأ في وجهه حب الرمان، ومعنى فقئ في وجهه حب الرمان أنه ﷺ احمر وجهه، وكان كثيرًا ما يتفق له ذلك عند الغضب ﷺ ، وكان ﷺ لا يغضب إلا لله تعالى، روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يعرف رضاه وغضبه بوجهه كان إذا رضي فكأنما [ملاحك الجدر وجهه، وإذا غضب خسف لونه واسود قال أبو بكر: سمعت أبا الحكم الليثي يقول: هي] (٢) المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها في الجدار (٣)، وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك: وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر (٤).

стр. 915

قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" الحديث، رجع هاهنا تستعمل استعمال صار معنى وعملًا، أي: لا تصيروا بعدي كفارًا (١). وقال المظهري في شرح المصابيح (٢): يعني إذا فارقت الدنيا فأثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، وقال محيي السنة (٣): لا تكن أفعالكم شبيهة بأعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين، وقال القاضي عياض (٤): لا ترجعوا بعدي كفارًا، فقال الطبري معناه: أي بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون بعدي أي خلافي أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به أو لأنه يكون تحقق ﷺ أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته. تنبيه: وحجة الوداع: سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب فقال ﷺ : "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٥) انتهى، وقال ابن فارس: سألت موسى بن هارون عن هذا، فقال: هؤلاء أهل الردة وقتلهم أبو بكر ﵁، وقيل: لا

стр. 916

ترجعوا بعدي كفارًا فرقا مختلفين يقتل بعضكم بعضًا كفعل الكفار مضاهين لهم متعادون، والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض، قاله صاحب المغيث (١). قوله: "يضرب بعضكم رقاب بعض" الرواية يضرب بعضكم برفع الباء على الحال أي ضاربا بعضكم رقاب بعض، هذا هو الصواب، وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا، ونقل القاضي عياض (٢) أن بعض العلماء ضبط بإسكان الباء على أنه بدل من ترجعوا أو جزاء الشرط مقدر بعد النهي (٣)، أي: فإن ترجعوا كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض على مذهب الكسائي، قاله في شرح مشارق الأنوار، قال القاضي عياض: (٤) وهو إحالة للمعنى والصواب الضم. تنبيه: فإن قلت: ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها؛ قلت: البعض وإن كان مفردا لكنه يعني الجمع كأنه قال: لا تضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه تفيد التوزيع، أ. هـ، قاله الكرماني (٥).

стр. 917

قال النووي، قدس الله روحه (١): قيل في معنى الحديث ستة أقوال وزاد غيره سابعًا، أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، ثانيها: أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام، ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤتي إليه، رابعها: أنه فعل كفعل الكفار، خامسها، المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تفكروا بل دوموا مسلمين، سادسها: حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إلا لبسه؛ قال الأزهري في كتاب تهذيب اللغة (٢): ويقال للابس السلاح كافر، سابعها: قاله الخطابي معناه (٣): لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا، وأظهر الأقوال الرابع، وهو اختيار القاضي عياض رحمه الله تعالى. ٢٣٤ - وَعَن [أبي أُمَامَةَ] (٤) ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل ثمَّ قَرَأَ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (٥) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (٦).

стр. 918

قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" الحديث، الجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به لا لإظهار الحق، فإن ذلك محمود لقوله تعالى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) قاله ابن الأثير (٢)، وقال بعض العلماء: المراد بالجدل هاهنا المباحثة المفضية إلى الشكوك في المعتقدات وإيغار الصدور، وفي شعب البيهقي عن معروف الكرخي أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل (٣)، انتهى، أما الجدال لإظهار الحق وإفحام أهل الباطل فغير ممنوع بل هو مطلوب، قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ٢٣٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أبْغض الرِّجَال إِلَى الله الألد الْخصم. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٤).

стр. 919

الألد بتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الشَّديد الْخُصُومَة الْخصم بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة هُوَ الَّذِي يحجّ من يخاصمه. قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على فضائلها مبسوطًا. قوله ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم" قال الحافظ ﵀: الألد: بتشديد الدال المهملة هو الشديد الخصومة، انتهى، وقال بعض العلماء: الألد من لديدي الوادي وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر (١)، ومنه حديث علي ﵁: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله ما لقيت بعدك من الأود و اللدد، قاله في النهاية (٢)، ومنه أيضًا حديث عثمان فأنا منهم بين ألسن لداد وقلوب شداد (٣)، وكانت الجاهلية تتمادح بذلك، فذمه رسول الله ﷺ لأنه قل ما يكون في حق قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥] (٤). قوله: الخصم: هو بفتح الحاء وبكسر الصاد المهملة هو الذي يحج من يخاصمه، انتهى، قاله الحافظ، ونقل الشيخ محيى الدين في أذكاره عن بعضهم قال (٥): ما رأيت شيئًا أذهب للدين ولا أنكد للعيش ولا أضيع للذة ولا أنقص

стр. 920

للمروءة من الخصومة، وقال بعض العلماء: أما الخصومة في الحق وطلبه على وجهه والجدال بالتي هي أحسن فغير مذموم، فالمذموم هو الجدال بالباطل في دفع حق أو إثبات باطل كما تقدم، قاله النووي في مسلم (١). تنبيه: قال أبو العباس القرطبي (٢): هذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطريق التي أرشد الله إليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية، ومدار أكثرها على مباحث سوفسطانية (٣) أو مناقشات لفظية لم تكن في القرون الثلاثة، وإنما حدثت بعد المائتين في زمان المأمون، وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة في القرون الثلاثة متمسكين بالكتاب والسنة معرضين عن شبه المحدثين لم ينظروا في الجواهر والعرض، انتهى. ٢٣٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كفى بك إِثْمًا أَن لا تزَال مخاصما. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (٤).

стр. 921

٢٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ المراء فِي الْقُرْآن كفر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث زيد بن ثابت. (٢) قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "المراء في القرآن كفر" الحديث، المراء: الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما أي من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع (٣)، وسبب ذلك أن القرآن قد ظهر صدقه وثبتت معجزته واستقر علمه، فإن نازع فيه منازع كان كافرًا (٤)، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من جحد آية من القرآن فقد حل ضرب عنقه، ومن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده

стр. 922

ورسوله فلا سبيل عليه إلا أن يصيب حدًا فيقام عليه" (١) انفرد به ابن ماجه، وروي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس، والله أعلم؛ قال أبو عبيد ﵀ (٢): ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ، وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله تعالى على نبيه، والتنكير في المراء إيذانًا بأن شيئًا منه كفر فضلًا عما زاد عليه، وقيل: إنما جاء هذا في الجدال والمارء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض منه والباحث عليه وظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز، والله أعلم. وقال في شرح السنة (٣): قيل مع المراء الشك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ (٤) أي: في شك، وقيل: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل في القرآن أداه ذلك إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه ويؤديه ذلك إلى

стр. 923

الجحود فسماه كفرًا باسم ما يخشى من عاقبته إلا من عصمه الله تعالى، وقيل: هو المراء في قراءته وهو أن ينكر الرجل بعض القراءات المروية التي أنزلت على رسول الله ﷺ ، فإذا أنكرها فقد كفر لأنه أنكر القرآن. تنبيه: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): قال علماؤنا: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن أو طلبا لاعتقاد المجسمة كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وايضاح معانيها أو كما فعل صبيغ. القسم الأول (أي الزنادقة والقرامطة) لا شك في كفرهم، وأن حكم الله تعالى فيهم القتل من غير استتابة. الثاني الصحيح: القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد. الثالث: اختلف السلف في جواز ذلك بناء على الجواب في جواز تأويلها. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر ﵁ بصبيغ، أ. هـ. فائدة: قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (٢): يروى من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل

стр. 924

المسائل، أولئك شرار أمتي" (١)، قال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يغمون بها عبد الله (٢)، قال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم العبد بركة العلم ألقى علي لسانه المغاليط، ولقد رأيتهم أقل الناس علمًا (٣)، وقال ابن وهب عن الإمام مالك: أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل (٤)، قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن (٥)، أ. هـ. تنبيه: من البدع الجدل في القرآن وتتبع المتشابه منه، وقد عد العلماء المراء في القرآن من الكبائر، واستدلوا عليه بحديث أبي هريرة المتقدم (٦). ٢٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَن عِيسَى ﵇ قَالَ إِنَّمَا الأمُور ثَلَاَثة أَمر تبين لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر تبين غيهُ فاجتنبه وَأمر اخْتلف فِيهِ فَرده إِلَى عَالم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بأْس بِهِ (٧).

стр. 925

قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله، قال أبو الفرج بن الجوزي (١): ولد عبد الله بن عباس في الشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ﵁ حبر الأمة فسمي البحر لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن مات، ودعا له رسول الله ﷺ فقال: "اللهم فقهه في العلم وعلمه التأويل" (٢). وقال ابن عباس ﵄: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين (٣)، وقال طاووس: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس (٤)، وكانت الدموع قد حفرت في خده أخدودًا من كثرة البكاء، توفي ﵁ بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة، والله أعلم. قوله ﷺ : "أن عيسى ابن مريم" الحديث، رفع عيسى عليه الصلاة

стр. 926

والسلام وهو ابن ثلات وثلاثين سنة (١)، وسيأتي الكلام عليه في مواضع من هذا التطبيق. قوله: "إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه" أي: استبان يعني تبين وظهر، والرشد: الهدى، أي: استقامته، أي: ظاهره، كوجوب الصلاة والصوم فاتبعه. قوله: "وأمر تبين لك غيه فاجتنبه" والغي: ضد الرشد، وهو: الضلال، والاجتناب: التباعد عن الشيء. قوله: "وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه" أي: رده إلى كتاب الله وأعرضه عليه ليتكشف لك حكمة اللّه تعالى بوجود عينه أو بوجود نظيره وشبهه، انتهى، وقال بعض العلماء: ["وأمر اختلف فيه" أي: اختلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم، من غير] أن يبين الله ورسوله حكمة كتعيين وقت القيامة وحكم أطفال الكفار (٢)، فالأمور ثلاثة أنواع، أي: المتعلقة بأحكام الدين ثلاثة، الأول: ما هو صواب ورشد ظاهر فاتبعه كالواجبات الخمس التي هي أصول الدين، والثاني: ما هو ضلالة وغير ظاهر كبطلان دين الإسلام فاجتنبه، والثالث: ما لا يكون للشارع حكم ظاهر فيه كالمتشابه فكل علمه إلى الله تعالى كمتشابهات القرآن والعلم بوقت يوم قيام الساعة وأحوال
следующие страницы →