стр. 8587
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 660
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حسن بن علي الفيومي
Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8587–8626 · переход к 8592.
стр. 8588
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الترغيب في التوبة والمبادرة بها
تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع من هذا التعليق.
الترغيب في التوبة والمبادرة بها، وأصل التوبة في اللغة الرجوع، يقال تاب وثاب بالمثلثة وآب وأناب بمعنى رجع، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الذنب، ولها ثلاثة أركان الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لا يعود إليها [أبدا، فإن كانت] المعصية [بحق] آدمي [فلها ركن] رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، والله أعلم.
ووجوبها عند أهل السنة بالشرع وعند المعتزلة بالعقل، ولا يجب على الله تعالى قبولها إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لأنه قبلها [منّة وفضلا]، وتصح التوبة من الذنب وإن كان مصرا على ذنب آخر [إذا تاب] توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك كتب عليه الذنب الثاني ولم تبطل توبته، وهذا مهذب أهل السنة في المسألتين وخالفت المعتزلة فيهما. قال أصحابنا ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت، وتوبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما [سواها] من سائر أنواع
стр. 8589
التوبة فهل قبولها مقطوع به أو مظنون فيه، فيه خلاف لأهل السنة. [واختار إمام الحرمين أنه مظنون فيه، وهو الأصح (١)، انتهى. قاله في الديباجة].
٤٧٤٠ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم (٢) والنسائي (٣).
قوله عن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس الأشعري تقدم ذكره.
قوله ﷺ أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، الحديث هو إشارة إلى نشر رحمته وكثرة عطائه وإجابته وإسباغ نعمته (٤)، فبسط اليد مجاز [عن الجود و] حتى قيل للملك الذي يطلق [عطاياه بالأمر] والإشارة مبسوط اليد وإن كان لم يعط منها شيئًا بيده ولا بسطها به البتة، ومنه قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥)، فإن المراد به الجود والإنعام لا غير من غير تصوير يد ولا بسطها لأن قولهم مبسوط اليد وجواد معبران عن معنى واحد والمعنى أن الله جواد بالغفران يقبل التوبة من المسيئين نهارا وليلا حتى تطلع الشمس من مغربها ولا يختص قبولها بوقت
стр. 8590
وبسط اليد استعارة في قبول التوبة واليد [قد تطلق] في اللغة على النعمة وهذا المعنى المشهور [في] اللسان [يقارب] ما قلناه [لأن ما يفعله] من قبول توبة عباده [من إحدى نعمه عليه، وكذلك ما يفعله من] النعم بالتائبين (١).
وقال الإمام المازري (٢) المراد قبول التوبة [على التائب] (٣) وإنما ورد لفظ بسط اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه. وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله . والقبض والبسط من صفات الأجسام. قوله ﷺ حتى تطلع الشمس من مغربها. غاية لهذا الأمر إذا التوبة بعدها لا تقبل والله أعلم.
[تنبيه: وفي حديث آخر (٤) أن الله تعالى واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل، أراد بالوضع ها هنا البسط وقد صرح به في الرواية الأخرى أن الله باسط يده ليتوب مسيء الليل وهو مجاز في البسط واليد كوضع أجنحة الملائكة، وقيل أراد بالوضع الإمهال وترك [المعاجلة] بالعقوبة يقال وضع يده عن فلان إذا كفّ عنه وتكون اللام بمعنى عن أي
стр. 8591
يضعها عنه أو لام أجل أي يكفها لأجله والمعنى في الحديث أنه يتقاضى المذنبين بالتوبة ليقبلها منهم (١) والله أعلم.
٤٧٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. رواه مسلم (٢).
قوله عن أبي هريرة تقدمت ترجمته. قوله ﷺ من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، الحديث. التوبة [الرجوع] من الذنب وأما كيفية طلوع الشمس من مغربها فروي في حديث مطول معروف قال العلماء هذا حد لقبول التوبة وقد جاء في الحديث الصحيح أن للتوبة بابا مفتوحا فلا تزال مقبولة حتى [يغلق] فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٣) الآية، ومعنى قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] تاب الله عليه، قبل توبته ورضيها. قاله النووي في شرح مسلم (٤). وقيل بمعنى وفقه للتوبة فتاب العبد لقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٥)، ومعنى التوبة عود الإنسان إلى الطاعة، اهـ] (٦).
стр. 8592
وفي الحديث عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (١)، رواه الجماعة إلا الترمذي (٢)، معنى هذا أنها إذا طلعت ورآها الناس آمن من على وجه الأرض وصدّقوا تصديقا ضروريا بأمور الآخرة الذي لا [يكلف] به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا [بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى]. وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه فإذا كان [ذلك و] طبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان أخرج الله تعالى الدابة تُعرِّف بما في بواطن الناس من إيمان أو كفر فتكلمهم بذلك [وتَسِمُ] وجوههم به حتى يتعارف الناس بذلك فيقول المؤمن للكافر بكم سلعتك يا كافر، ويقول الكافر للمؤمن بكم سلعتك يا مؤمن، تم يبقى الناس على ذلك ما شاء الله ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد على وجه الأرض ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا [قبضته] كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو، والله أعلم. قاله في الديباجة.
стр. 8593
٤٧٤٢ - وعن صفوان بن عسال ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه الله للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي (١) في حديث والبيهقي (٢)، واللفظ له، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٤٧٤٣ - وفي رواية له (٣) وصححها أيضًا، قال: زر، يعني ابن حبيش: فما برح يعني صفوان يحدثني حتى حدثني أن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٤) الآية. وليس في هذه الرواية ولا الأول تصريح برفعه كما صرح البيهقي، وإسناده صحيح أيضًا. للجنة ثمانية أبواب، الحديث.
قوله وعن صفوان بن عسال تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم. قوله ﷺ إن من قبل المغرب لَبَابًا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه
стр. 8594
الله للتوبة، الحديث. التوبة أحد قواعد الإسلام وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة. قال العلماء ولها شروط ثلاثة سيأتي ذكرها في الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى.
٤٧٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : للجنة ثمانية أبواب: سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه. رواه أبو يعلى (١) والطبراني (٢) بإسناد جيد.
قوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله في الحديث وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه الحديث. قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها وترفع الحفظة والعمل وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا، وقال سفيان الثوري إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها، فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر
стр. 8595
عليها ويحال بينه وبينها إما بمرض أو بموت أو تدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه وتمني الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، والله أعلم. قاله ابن رجب الحنبلي (١).
٤٧٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لو أخطأتم حتى تبلغ السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم. رواه ابن ماجه (٢) بإسناد جيد.
قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم، الحديث. قال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب والتوبة قسمان توبة من الله تعالى على العبد وتوبة من العبد إلى الله تعالى فتوبة الله تعالى على العبد أن يحبب له الطاعة ويكره إليه المعصية ويوفقه للعمل بما حبب الله إليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٣) الآية. فهذه [هي] التوبة من الله تعالى على العبد وعن هذه التوبة تنشأ توبة العبد، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٤)، أي تاب عليهم لأجل أن يتوبوا وما لم يتب الله على العبد لم تقع من العبد التوبة وهذا معنى قولهم العناية قبل الولاية والسعادة قبل
стр. 8596
الولادة [واللواحق] مبنية على السوابق، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ (١)، أي يصرف عن الإيمان والقرآن وسماعه وفهمه من صرف في القدم [وقضي عليه بالشقاوة والحرمان] قبل أن يخلق وللتوبة من العبد شروط فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي [فلها] شروط الأول الندم على ما سلف منه في الماضي [أي وقع منه سواء ندم بعد الإقلاع أو قبله] (٢).
الثاني الإقلاع عنه في الحال [أي] بقلبه عن الذنب الذي هو عليه والإقلاع عن الأمر هو الكف عنه والإمساك، يقال أقلع فلان عما كان عليه أي فرغ قلبه منه.
الثالث العزم على أن لا يعاوده في المستقبل أبدًا كما لا يعود اللبن إلى الضرع، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. [في الحاشية:] هذا محل قوله بالورقة بعده ما نصه: فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي إلى قوله في السطر الثامن: ولو قذف و] (٣) [يعفو لئلا يضع حقه، وهذه الشروط الأربعة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ (٤)، وبيان ذلك أن العبد المسلم إذا أذنب فذكر الله تعالى ندم على ما فعل، وأما الإقلاع والعزم على ترك العودة
стр. 8597
[ورد الظلامة] فمأخوذ من قوله [تعالى:] ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) لأن من لم يقلع عن الذنب فهو مصر عليه ومن أقلع عنه وعزم على العود إليه فقد أصر على العود إليه ومن أقلع وعزم على ترك العود إلى الغصب مثلا لكنه أمسك ما غصبه فقد أصر على ما فعل، وعلى هذا فلا تصح توبة المكاس حتى يرد أموال الناس إليهم، وكذلك لا [تقبل] توبة سائر الظلمة والسارق حتى يرد أموال الناس إليهم.
الخامس أن يكون الإقلاع [والعزم] على ترك العود [خوفًا من] الله تعالى [فإن كان لأجل الخوف على سقوط منزلته عند الناس أو خوفا على عزلة من ولاية ونحوها لم تصح التوبة].
السادس أن يكون إقلاعه مع القدرة على العود [فإن عجز] على العود كالزاني إذا جبّ ذكره فتاب لأجل فقد ذكره [وذهاب] جماعه لم يتحقق بذلك صحة توبته كما ذكره الغزالي ونقله عن ابن التلمساني.
السابع شرط جماعة من الصوفية وقاله الزمخشري: [أن يفارق موضع المعصية]، وقال بعضهم والثياب التي عصى الله تعالى فيها، وقد استحسنه الشيخ في [التنبيه] حيث قال في كتاب الحج: ويستحب أن يغير ما [في المكان الذي جامعها فيه. قال الرافعي: وإنما] استحب ذلك لأن [معهد الوصال] مشوق. [والثامن:] أن لا تطلع الشمس من مغربها [لقوله]
стр. 8598
تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (١) الآية، وفي الآية دليل على أن المكلف يرتفع عنه التكليف بطلوع الشمس وأن الناس لا يكلفون العمل بعد طلوعها وأن من عمل عملا لا يثاب عليه بدليل رد التوبة التي هي من أفضل الأعمال، وذكر بعضهم أن من طلعت عليه الشمس وهو مجنون قبلت توبته بعد طلوع الشمس.
التاسع أن لا تبلغ الروح الحلقوم، فإذا انتهت إلى هذه الحالة لم تقبل التوبة لقوله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى قوله ﴿الْآنَ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ تقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وكذلك لو أخرجت حشوته وقطع بموته أو حصل في بحر يعلم أنه ينجو منه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (٣).
العاشر شرط [القاضي أبو بكر الباقلاني أنه لا يعود إلى الذنب المستقبل، فإن عاد بطلت توبته السابقة وانتقضت]، وخالفه النووي وصحح [في الروضة] أنها تقبل وتظهر فائدة الخلاف فيمن تاب وعقد له النكاح ثم عاد إلى الذنب فعلى قول القاضي يتبين بطلان النكاح لظهور الفسق حال العقد.
الحادي عشر شرط بعضهم أن يجدد التوبة كلما [ذكر الذنب] والصحيح خلافه والله أعلم.
стр. 8599
الثاني عشر أن يكون أهلا للعبادة فإن لم يكن أهلا للعبادة كالسكران لم تصح توبته لأن الإقلاع والندم والعزم على ان لا يعود لا يتأتي منه في حال السكر وهذا بخلاف ما لو أسلم فإنه [يصح] لأن التلفظ بالإسلام لا يحتاج إلى النية، اهـ قاله ابن العماد في كتابه تسهيل المقاصد [لزوار المساجد (١)، والله تعالى أعلم بالصواب] (٢)
[الرابع] فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي [فشروطها أربعة]، الثلاثة المذكورة، ورد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه. [ويرد العين المغصوبة على مالكها حتى لو تلفت عنده وكان مفلسا وجب عليه الكسب والأداء لتصح التوبة كما نقله ابن الرفعة عن أبي الفضل الفزاري]. ومثله ما قاله النووي في الأذكار (٣) أن من اغتاب إنسانا وجب عليه أن يعلمه بما قال عليه ولا يكفي أن يقول اغتبتك بل لا بد أن يبين له ما قال عنه لأن الشخص قد يسمح بالقليل دون الكثير وبعيب دون آخر والعرض كالمال ولو فرض أن إنسانا أتلف على غيره ماله وهو لا يعلمه وجب على المتلف إعلامه [بذلك لئلا يضيع حقه].
قال الرافعي: ولو قذف [إنسان إنسانا بحضرة الحاكم، وجب على
стр. 8600
الحاكم إعلامه فيبعث إلى المقذوف ويخبره ليقتص أو]، وإن كان حدّ القذف ونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي الباقي هكذا ذكره النووي، والله أعلم.
٤٧٤٦ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرزقه الله الإنابة. رواه الحاكم (١)، وقال: صحيح الإسناد.
قوله وعن جابر تقدم. قوله من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله تعالى الإنابة، الإنابة هي الرجوع إلى الله، يقال أناب إلى الله تعالى أي أقبل وتاب، قال الله تعالى ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (٢)، الآية، والإنابة إنابتان، إنابة لربوبيته وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر
стр. 8601
والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (١) الآية (٢)، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ (٣) فهذا حالهم بعد إنابتهم.
والإنابة الثانية إنابة [الأولياء] وهي إنابة لإلهيته عبودية ومحبة وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم فالمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه ثم نزل القلب منه منزلة التذكير (٤) اهـ.
فائدة: الناس في التوبة على أقسام، فمنهم من لا يوفق لتوبة نصوح بل [يتيسر له عمل السيئات] من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا عليها، وهذه حالة الأشقياء وأقبح من ذلك من يُسِّر له من أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه كما في الحديث الصحيح (٥): إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة الحديث. وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه وهذه [حالة] من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة
стр. 8602
فيدخلها، الأعمال بالخواتيم، إذا أراد الله بعبد خيرا عسله، قالوا وما عسّله؟ قال يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، وبقي ها هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبّه على قرب الأجر ليجدّ في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح [للقاء] ويكون خاتمة للعمل، قال ابن عباس ﵄ (١) لما نزلت على النبي ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ (٢) نعيت لرسول الله ﷺ نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة، قالت أم سلمة ﵂ (٣) كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده، فذكرت ذلك له فقال إني أمرت بذلك، وتلى هذه السورة. إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة والإحسان فكيف يكون حال المسيء، اهـ، قاله ابن رجب (٤).
٤٧٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب. رواه أبو يعلى (٥)، ورواته رواة
стр. 8603
الصحيح إلا يوسف بن ميمون.
[الدائب]: بهمزة بعد الألف: هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.
قوله وعن عائشة تقدم الكلام عليها. قوله من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب قوله من سره أن يسبق الدائب، قال الحافظ بهمزة مكسورة بعد الألف هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.
٤٧٤٨ - وروي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المؤمن واه راقع، فسعيد من هلك على رقعه. رواه البزار (١) والطبراني في
стр. 8604
الصغير (١) والأوسط (٢) وقال: معنى واه: مذنب، وراقع يعني تائب مستغفر.
قوله وروي عن جابر تقدم. قوله ﷺ المؤمن واه راقع، قال الحافظ معنى واه يعني مذنب وراقع بمعنى تائب مستغفر، اهـ. وقال بعض العلماء المؤمن واه راقع أي مذنب تائب [شبَّهَه] بمن يهي فيرقعه وقد وهى الثوب يهي وهيا إذا بلى وتخرق والمراد بالواهي ذو الوهي ويروي المؤمن مُوهٍ راقع كأنه يوهي دينه بمعصيته ويرقعه بتوبته من رقعت الثوب إذا رممته والله أعلم. والظاهر أنه في النهاية (٣).
٤٧٤٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع، فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين. رواه ابن حبان (٤) في صحيحه.
стр. 8605
[الآخية] بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مثناة تحت مشددة: هي حبل يدفن في الأرض مثنيا، ويبرز منه كالعروة تشد إليها الدابة، وقيل: هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة.
قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله ﷺ مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل فرس في آخيته يجول وثم يرجع الحديث. قال الحافظ الآخية بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مشددة مثناة [تحت] هي حبل يدفن في الأرض [مثنيا] ويبرز منه كالعروة [وتشدّ إليه] الدابة. وقيل هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة، اهـ. معنى الحديث أنه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانه ثابت فيقرب بالآخية إليه بالندم والتوبة ويتلافى تقصيره والله أعلم. قاله في النهاية (١).
٤٧٥٠ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. رواه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣)
стр. 8606
والحاكم (١) كلهم من رواية علي بن مسعدة، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قوله وعن أنس تقدم. قوله ﷺ كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، الحديث. يقال رجل خطاء إذا كان ملازما للخطايا غير تارك لها، والله أعلم.
٤٧٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن عبدا أصاب ذنبا، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره، فقال له ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي. قال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء
стр. 8607
الله، ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، فقال ربه: غفرت "٦" لعبدي فليعمل ما شاء. رواه البخاري (١) ومسلم (٢).
[قوله: فليعمل ما شاء] معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه، ولم يعد إليه بدليل.
قوله: ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين.
قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال له ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ثم مكث ما شاء الله فذكر الحديث وفي آخره: فليعمل ما شاء اهـ.
وفي رواية اعمل ما شئت فقد غفرت لك، معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك. قوله فليعمل ما شاء.
قال الحافظ: معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه ولم [يعد] إليه بدليل قوله ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره لا لأنه يذنب الذنب فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعود إليه فإن هذه توبة الكذابين، اهـ.
стр. 8608
стр. 8609
والترمذي (١) والله أعلم.
تنبيه: وأصل الغفران التغطية، يقال غفر الله لك، والمغفرة إلباس الله تعالى المغفرة للمذنبين فالمستحب للعبد أن [يكثر] الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار وحقيقة الاستغفار طلب المغفرة وهو ستر الله تعالى على العبد وإذا ستره رحمه.
وروى ابن السني (٢) وشيخه النسائي في عمل اليوم والليلة (٣) عن [مسلم]
стр. 8610
بن السائب عن خباب بن الأرت قال: سألت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله كيف [نستغفر؟ قال: قل اللهم اغفر] لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
تنبيه: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط؟ شرط بعض الناس عدم معاودة الذنب، وقال متى عاد إليه تبينا أن توبته كانت باطلة غير صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وأنه إذا أقلع عن الذنب وندم وعزم على ترك العود عزما جازما صحت توبته فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة واحتج لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ (١)، قال المفسرون يعلم أنهم يعودون إلى الذنب، ولكنه تعالى قبل توبتهم لأنهم تابوا توبة صحيحة بشرائطها. قالوا والله تعالى أكرم من أن يغفر لعبد ثم يعود في مغفرته. وفي المسند (٢) مرفوعًا إلى النبي ﷺ إن الله يحب العبد
стр. 8611
المفتن التواب (١)، اهـ.
وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته، قالوا وقد علّق الله تعالى قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ (٢)، والإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى [ظفر] (٣) به فهذا الذي يمنع مغفرته (٤)، اهـ. قاله في تهذيب النفوس.
تنبيه أيضًا: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره وسرّ المسألة أن التوبة هل تتبعض كالمعصية وقال بعض [العلماء:] والذي عندي أن التوبة لا تصح من
стр. 8612
ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما توبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه تصح كما إذا تاب من الزنا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الزنا صحيحة وأما إذا تاب من ربا النسيئة ولم يتب من ربا الفضل أو بالعكس أو تاب عن الحشيشة وأصرّ على الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها أو عن شرب مسكر عصير العنب وهو مصر على غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل من نوع إلى نوع بخلاف من عدل إلى جنس آخر إما لأن وزره أخف أو لغلبة دواعي الطبع أو لغير ذلك والله أعلم. قاله في تهذيب النفوس (١).
فائدة: وفي بعض الآثار أن العبد إذا أذنب فقال يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرته عليّ وأنت حكمت عليّ وأنت كتبت عليّ فيقول الله تعالى وأنت عملت وأنت جنيت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه، وإذا قال يا رب أنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله أنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعت يقول الله تعالى وأنا أعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني وأنت وفقتني وأنت مننت علي يقول الله تعالى وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها (٢) اهـ.
стр. 8613
٤٧٥٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقل "٥" منها، وإن زاد زادت (٦) حتى يغلف بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: [كلا بل ران على قلوبهم]. رواه الترمذي (١) وصححه النسائي (٢)، وابن ماجه (٣) وابن حبان في صحيحه (٤) والحاكم (٥)، واللفظ له من طريقين قال في أحدهما: صحيح على شرط مسلم. ولفظ ابن حبان وغيره: إن العبد إذا أخطأ خطيئة ينكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه الحديث.
стр. 8614
قوله عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه الحديث. تقدم الكلام على النكتة في الاستغفار وأنها بالتاء المثلثة وأنه شبه [الوسخ] في المرآة.
٤٧٥٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فإن أصبح ذهبا اتبعناك، فدعا ربه فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة. رواه الطبراني (١)، ورواته رواة الصحيح.
قوله عن ابن عباس تقدم. قوله قالت قريش للنبي ﷺ ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فإن أصبح ذهبا اتبعناك الحديث. قريش اسم قبيلة، أبوهم النضر ولقبه قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، قال
стр. 8615
الجوهري (١): سميت قريشا، وكنانة حمسا، والحمس جمع الأحمس لأنهم تحمسوا في [دينهم] أي تشددوا [وتصلبوا] والحماسة الشدة لأنه كانوا لا [يستظلون] أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وغير ذلك، اهـ. والصفا جبل بمكة متصل بأبي قبيس بالقرب من باب الحرم ومن المسعى.
٤٧٥٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. رواه ابن ماجه (٢) والترمذي (٣) وقال حديث حسن.
стр. 8616
[يغرغر] بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة: معناه ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به.
قوله وعن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر الحديث، ويغرغر بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراءين مهملتين أي ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم [ويردد] إلى أصل الحلق ولا يبلع، قاله في النهاية (١)، أي وعند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا إيمان كما قال في محكم البيان ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (٣)، فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح والملائكة وذلك عند غرغرته بالروح وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلق فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فاعلم ذلك، قاله القرطبي في التذكرة (٤). دلّ هذا الحديث على قبول توبة الله لعبده ما دامت روحه في جسده ما لم تبلغ روحه الحلقوم والتراقي، وروى
стр. 8617
ابن أبي الدنيا (١) بإسناده عن الحسن قال أشد ما يكون الموت على العبد إذا بلغت الروح التراقي، قال فعند ذلك يضطرب ويعلو نفسه ثم بكى الحسن وقد دل القرآن على مثل [ذلك] أيضًا، قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (٢)، وعمل السوء إذا انفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وأما التوبة من قريب [فالجمهور] على أن المراد بها التوبة من قبل الموت فالعمر كله قريب والدنيا كلها قريب ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ومن مات ولم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل:
فهم جِيرةُ الأحياء أما مزَارُهم ... فدانٍ وأمّا الملتقى فبعيد
فالحي قريب والميت بعيد من الدنيا على قربه منها فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب ولقاؤه لا يرجى في الدنيا، فمن تاب قبل أن يغرغر فقد تاب من قريب فتقبل توبته، وروي عن ابن عباس ﵄ (٣) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أفضل أوقات التوبة وهو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، وأيضا
стр. 8618
فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت فكأن من لا يتوب إلا في مرضه قد استفرغ صحته وقوته في شهوات نفسه وهواه ولذات دنياه فإذا أيس من الدنيا والحياة فيها تاب حينئذ وترك ما كان عليه فأين توبة هذا من توبة من يتوب وهو صحيح قوي قادر على المعاصي فيتركها خوفا من الله ورجاء لثوابه وإيثارا لطاعته على معصيته.
دخل قوم على بشر الحافي (١) وهو مريض [فقالوا] له ماذا عزمت؟ قال عزمت أني إذا عوفيت تبت، فقال له رجل منهم فهلا تبت الساعة، فقال يا أخي أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن في رجله القيد وفي رقبته الغل، إنما يقبل الأمان ممن هو راكب الفرس والسيف مجرد بيده، فبكى القوم جميعا، ومعنى هذا [أن] التائب في صحته بمنزلة من هو راكب على متن جواده وبيده سيف مشهور فهو يقدر على الكرّ والفرّ والقتال والهرب من الملك وعصيانه فإذا جاء على هذه الحال إلى بين يدي الملك ذليلا له طالبا [لأمانه] صار بذلك من خواص الملك وأحبابه لأنه جاء طائعا مختارا له راغبا في قربه وخدمته وأما من هو في أسر الملك وفي رجله قيد وفي رقبته غل فإذا طلب الأمان من الملك فإنما طلبه خوفا على نفسه من الهلاك وقد لا يكون محبا للملك ولا مؤثرا لرضاه فهذا مثل من لا يتوب إلا في مرضه عند
стр. 8619
موته والأول بمنزلة من يتوب في صحته وقوته وشبيبته لكن ملك الملوك [ ﷻ وعزّ سلطانه] أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وكل خلقه أسير في قبضته لا يعجزه هارب ولا يفوته ذاهب ومع هذا فكل من طلب من عذابه من عباده أمنه على أي حال كان إذا علم منه الصدق في طلبه. شعر:
الأمان الأمان وزري ثقيل ... وذنوبي إذا عددت تطول
أوبقتني وأوثقتني ذنوبى ... فتُرى لي إلى الخلاص سبيل
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية، المراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء ومعاينة المحتضر أمور الآخرة ومشاهدة الملائكة فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب فإذا كشف الغطاء وصار الغيب شهادة لم ينفع الإيمان ولا التوبة في تلك الحال.
وروى ابن أبي الدنيا (٢) بإسناده عن علي ﵁ قال لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ. وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر (٣) التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت، وعن الحسن ﵁ قال التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ الموت بكظمه، وعن بكر المزني قال (٤) لا تزال التوبة للعبد مبسوطة ما لم
стр. 8620
تأته الرسل فإذا عاينهم انقطعت المعرفة، وعن أبي مجلز (١) قال لا يزال العبد في توبة ما لم يعاين الملائكة، وروي أيضًا في كتاب الموت بإسناده عن أبي موسى الأشعري قال إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة، وعن حصين قال بلغني أن ملك الموت إذا غمز وريد الإنسان حينئذ يشخص بصره ويذهل عن الناس، وخرج ابن ماجه حديث أبي موسى الأشعري (٢) مرفوعًا قال سألت النبي ﷺ متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال إذا عاين وفي إسناده مقال [والموقوف] أشبه وقد قيل أنه إنما منع من التوبة حينئذ لأنه إذا انقطعت معرفته وذهل عقله لم يتصور منه ندم ولا عزم فإن الندم والعزم إنما يصح مع حضور العقل وهذا ملازم لمعاينة الملائكة كما دلت عليه الأخبار، والله أعلم. وقد أحسن محمود الوراق حيث يقول:
قدّم لنفسك توبة مذخورة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن
стр. 8621
بادر بها فوت النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن (١) اهـ
تنبيه: توبة الشاب أحسن وأفضل من توبة الشيخ في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا (٢): أن الله يحب الشاب التائب، قال عمير بن هاني (٣) تقول التوبة للشاب أهلًا ومرحبًا وتقول للشيخ نقبلك على ما كان منك، الشاب ترك المعصية مع قوة الداعي إليه والشيخ قد ضعفت [قوته] (٤) شهوته وقل داعيه فلا يستويان. في بعض الآثار (٥) يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك
стр. 8622
شهوته المبتذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي، قال عمر ﵁ إن الذين يشتهون المعاصي ولا يعملون بها أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمد له على تركها، كما قيل:
تاركَك الذنب فتاركته ... بالفعل والشهوة في القلب
فالحمدُ للذنب على تركِه ... لا لكَ في تركِك للذنب
مات شيخ كان مفرطا فرُئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك. وقف شيخ بعرفة والناس يجضّون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال يا رب شيخ يا رب شيخ (١) اهـ.
٤٧٥٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت يا رسول الله أوصني؟ قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية. رواه الطبراني (٢)
стр. 8623
بإسناد حسن إلا أن عطاء لم يدرك معاذا، ورواه البيهقي (١)، فأدخل بينهما رجلا لم يسم.
قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم. قوله ﷺ : عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء فأحدث له توبة السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية اهـ. قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٣)، واعلم أن التقوى هو الاتقاء مأخوذ من وقاية الشيء وهو أن يجعل نفسه وقاية نفسه فيجتنب
стр. 8624
هواه ومناه في الحال ليصل إلى راحته في المآل، وأول التقوى تقوى الشرك والكفر [بالله ] عقدا وقولا وذلك أول باب في الهداية، ثم تقوى البدع كلها عقدا وقولا واتباع السنن قولا وفعلا ثم تقوى المحرمات كلها وقيل حقيقة التقوى مجانبة كل ما بعّدك عن الله ، وقيل حقيقتها الوقوف عند الشبهات والفرار من المحظورات، اهـ. قاله الهروي، ولما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، الآية. قيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجحه الطبري والمراد بالحسنات الصلوات الخمس وإليه ذهب عثمان بن عفان وهو مذهب مالك وقال مجاهد الحسنات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذا كله من جهة المثال في الحسنات، وقد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا (٢) من مراسيل محمد بن جبير أن النبي ﷺ لما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله ما أطقت واذكر الله عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث
стр. 8625
عنده توبة إن سرا فسرّ وإن علانية فعلانية. وقال قتادة (١) قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن [حسنة] في علانية لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها، قاله ابن رجب في شرح النواوية (٢).
لطيفة فيها تنبيه: قوله في الحديث السر بالسر والعلانية بالعلانية، مراده بالسر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يروه، فإن من علم أن الله تعالى يراه حيث كان وأنه مطلع على ظاهره وباطنه وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب ذلك ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن (٣) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤) اهـ.
٤٧٥٦ - وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله يوم القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب. رواه الأصبهاني (٥).
стр. 8626
قوله: وعن أنس تقدم. قوله ﷺ إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله تعالى حفظته ذنوبه، المراد بالحفظة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ولا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها في أوائل الباب.
٤٧٥٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترن أحدكم بحلم الله ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١). رواه الأصبهاني (٢) من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد.