← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8622–8661 · переход к 8627.

стр. 8622

شهوته المبتذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي، قال عمر ﵁ إن الذين يشتهون المعاصي ولا يعملون بها أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمد له على تركها، كما قيل: تاركَك الذنب فتاركته ... بالفعل والشهوة في القلب فالحمدُ للذنب على تركِه ... لا لكَ في تركِك للذنب مات شيخ كان مفرطا فرُئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك. وقف شيخ بعرفة والناس يجضّون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال يا رب شيخ يا رب شيخ (١) اهـ. ٤٧٥٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت يا رسول الله أوصني؟ قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية. رواه الطبراني (٢)

стр. 8623

بإسناد حسن إلا أن عطاء لم يدرك معاذا، ورواه البيهقي (١)، فأدخل بينهما رجلا لم يسم. قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم. قوله ﷺ : عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء فأحدث له توبة السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية اهـ. قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٣)، واعلم أن التقوى هو الاتقاء مأخوذ من وقاية الشيء وهو أن يجعل نفسه وقاية نفسه فيجتنب

стр. 8624

هواه ومناه في الحال ليصل إلى راحته في المآل، وأول التقوى تقوى الشرك والكفر [بالله ] عقدا وقولا وذلك أول باب في الهداية، ثم تقوى البدع كلها عقدا وقولا واتباع السنن قولا وفعلا ثم تقوى المحرمات كلها وقيل حقيقة التقوى مجانبة كل ما بعّدك عن الله ، وقيل حقيقتها الوقوف عند الشبهات والفرار من المحظورات، اهـ. قاله الهروي، ولما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، الآية. قيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجحه الطبري والمراد بالحسنات الصلوات الخمس وإليه ذهب عثمان بن عفان وهو مذهب مالك وقال مجاهد الحسنات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذا كله من جهة المثال في الحسنات، وقد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا (٢) من مراسيل محمد بن جبير أن النبي ﷺ لما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله ما أطقت واذكر الله عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث

стр. 8625

عنده توبة إن سرا فسرّ وإن علانية فعلانية. وقال قتادة (١) قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن [حسنة] في علانية لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها، قاله ابن رجب في شرح النواوية (٢). لطيفة فيها تنبيه: قوله في الحديث السر بالسر والعلانية بالعلانية، مراده بالسر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يروه، فإن من علم أن الله تعالى يراه حيث كان وأنه مطلع على ظاهره وباطنه وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب ذلك ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن (٣) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤) اهـ. ٤٧٥٦ - وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله يوم القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب. رواه الأصبهاني (٥).

стр. 8626

قوله: وعن أنس تقدم. قوله ﷺ إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله تعالى حفظته ذنوبه، المراد بالحفظة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ولا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها في أوائل الباب. ٤٧٥٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترن أحدكم بحلم الله ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١). رواه الأصبهاني (٢) من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد.

стр. 8627

قوله وعن ابن عباس تقدم. قوله ﷺ والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، الحديث. [المطيتان تثنية] (١) مطية وهي الناقة التي تصلح للركوب، سميت بذلك لأنه يركب مطاها وهو ظهرها، وقال الأصمعي (٢) المطية التي تمطو في سيرها أي تمُدّ فهي مشتقة من المطو وهو المد وجمعها مطايا ومطيّ اهـ، ولما رأى الشيخ أبو الفضل الجوهري مدينة النبي ﷺ أنشد: رُفع الحجاب لنا فلاح [لناظري] ... قمر تقطّع دونه الأوهام [وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام] قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام الذمام بالذال المعجمة، الحرمة. قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فأحسنوا السير عليهما إلى [آخره] يعني أن الليالي والأيام تسير بالإنسان إلى الآخرة وهو غافل عن ذلك كما قال بعض الحكماء مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد والليل والنهار يبليان كل جديد.

стр. 8628

قوله يبليان أي يخلقان وقد نظم ابن دريد هذا المعنى فقال: إذا استوليا على جديد أدنياه للبلى ... والجديدان الليل والنهار قاله شارح الأربعين الودعانية. قوله واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترنّ أحدكم بحلم الله الحديث، التسويف هو التأخير من وقت إلى وقت والبغتة الغفلة. قوله ﷺ فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله شراك النعل معروف وهو السير الذي يكون على ظهر القدم. قوله رواه الأصبهاني من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد صدوق احتج به البخاري وغيره وفيه مقال. ٤٧٥٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه (١) والطبراني (٢) كلاهما من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه، ورواة الطبراني رواة

стр. 8629

الصحيح، ورواة ابن أبي الدنيا والبيهقي (١) مرفوعًا أيضًا من حديث ابن عباس، وزاد: والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، وقد روي بهذه الزيادة موقوفا، ولعله أشبه. قوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله ﷺ : الموت غنيمة والمعصية مصيبة والفقر راحة و [الغنى] عقوبة والعقل هدية من الله والجهل ضلالة والظلم ندامة والطاعة قرة العين والبكاء من خشية الله النجاة من النار والضحك هلاك [البدن] والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها. ٤٧٥٩ - وعن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أقال النبي ﷺ : الندم توبة؟ قال: نعم. رواه ابن حبان في صحيحه (٢).

стр. 8630

قوله وعن حميد الطويل هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبى حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصرى، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصاري التابعى، وعبيد الله العمرى، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرًا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيت حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (١). قال النبي ﷺ : الندم توبة قال نعم الحديث الندم هو أحد أركان التوبة وأعظمها لقوله ﷺ الحج عرفة (٢).

стр. 8631

قال الجوهري (١) يقال [ندم على] ما فعل ندما وندامة وتندم مثله وأندمه الله تعالى فندم ورجل ندمان أي نادم. ٤٧٦٠ - وعن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود ﵁ فقال له أبي: سمعت النبي ﷺ يقول: الندم توبة؟ قال: نعم. رواه الحاكم (٢)، وقال: صحيح الإسناد.

стр. 8632

قوله وعن عبد الله بن معقل هو عبد الله بن معقل بالعين المهملة والقاف ابن مقرن أبو الوليد، قال أحمد العجلي: كوفي ثقة من خيار التابعين، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: يعدّ في الطبقة الثانية من تابعي الكوفة، قال ابن حبان: مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، فأسند عنه [أنه] صلى بالناس في شهر رمضان فأرسل إليه بحُلّة وخمسمائة فردها، وقال إنا لا نأخذ على القرآن أجرا (١)، اهـ. قوله: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له إني سمعت النبي ﷺ يقول الندم توبة، قال نعم، وتقدم لهذا الحديث نظائر في الأحاديث قبله وكذلك حديث عائشة الذي بعده. ٤٧٦١ - وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه. رواه الحاكم (٢) من رواية

стр. 8633

هشام بن زياد، وهو ساقط (١)، وقال: صحيح الإسناد. قوله: رواه الحاكم من رواية هشام بن زياد أبو المقدام بن أبي هشام البصري، أخو الوليد بن أبي هشام، مولى آل عثمان بن عفان ضعفوه قال النسائي وغيره متروك. ٤٧٦٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل. رواه مسلم (٢). قوله: وعن ابن مسعود تقدم. قوله ﷺ ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله تعالى من أجل ذلك أثنى على نفسه الحديث، وفي حديث آخر لا أحد [أحبذ] إليه المدحة من الله، المدحة [الثناء و] الذكر الحسن، بكسر الميم فإذا أزلت التاء فتحت الميم فقلت المَدح ومعنى ذلك أنه يريدها ويأمر بها

стр. 8634

ويثيب، هذا ما قاله عياض (١) وحقيقة هذا مصلحة للعباد لأنهم يثنون عليه فيثيبهم فينتفعون وهو عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه سبحانه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار. قوله ﷺ ليس أحد أغير الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، الحديث. قال العلماء: الغيرة بفتح الغين وأصلها المنع، والرجل الغيور على أهله أي يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره والغيرة صفة كمال وما يدخل في الغيرة قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (٢)، وقال السري لأصحابه تدرون ما هذا الحجاب، حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته [ فجعل] بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له والغيرة منزلة شريفة عظيمة المقدار وتنقسم قسمين غيرة من الشيء وغيرة عليه فالغيرة من الشيء كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك والغيرة على الشيء هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوزيَّة ثم الغيرة نوعان غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه فأما غيرة الرب

стр. 8635

على عبده فهي أن لا يجعله للخلق بل يجعله لنفسه [عبدا ولا يجعل له فيه شركاء متشاكسين بل يفرده لنفسه] (١) [ويضن به] على غيره وهذا أعلى الغيرتين والغيرة في حق الله تعالى [فقد] فسرها في حديث عمر ﵁ بقوله ﷺ غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه أي غيرة منعه وتحريمه والله أعلم. قوله ﷺ ليس أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل الحديث يعني أنه ليس أحد أحب إليه الإعذار من الله فالعذر هنا بمعنى الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة ولهذا بعث المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) وبه يصح المعنى فقد جاءت المعاذير في الكتاب والسنة بمعنى الإعذار فوجب قبوله وهو جمع معذور بمعنى العذر، فالمعذور على هذا مصدر فكذا المعذور بمعنى العذر فالمعاذير جمع معذور، قاله النووي (٣). وقال القاضي عياض (٤) يحتمل أن يكون المراد به الإعذار أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٥) اهـ.

стр. 8636

٤٧٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم. رواه مسلم (١) وغيره. قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ والذي نفسي بيده الحديث، هذا قسم من النبي ﷺ . قوله ﷺ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم الحديث، والظاهر والله أعلم أن مراده بالاستغفار الاستغفار المقرون بعدم الإصرار على الذنب كما تقدم ذكره عن الشيخ زين الدين بن رجب ويؤيده أيضًا ما رواه ابن أبي الدنيا (٢) والبيهقي (٣) مرفوعا إلى النبي ﷺ من حديث ابن عباس، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه ، تقدم هذا الحديث أيضًا والله أعلم. ٤٧٦٤ - وعن عمران بن الحصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ ، وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا، فأقمه علي، فدعا نبي الله ﷺ ، وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها

стр. 8637

نبي الله ﷺ ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله . رواه مسلم (١). قوله وعن عمران بن الحصين كنيته: أبو نُجَيد بضم النون وفتح الجيم الخزاعي تقدم ذكره. قوله أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه عليّ فدعا رسول الله ﷺ فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل الحديث. وفي لفظ لمسلم (٢) أن النبي ﷺ بعد أن رجم ماعزا الذي أقرّ عنده بالزنا بثلاثة أيام جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي واستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنا، فقال أنت؟ قالت نعم. فقال لها حتى تلدي، فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة قالت ها قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت يا نبي الله ها قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فرماها خالد بحجر في رأسها فنضح بالدم على وجهها فسبَّها فسمع النبي ﷺ سبّه

стр. 8638

إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة [لو تابها] صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى [عليها] ودفنت هذه المرأة الغامدية وغامد بطن [من] جهينة وغامد بغين معجمة ودال مهملة والغامدية قيل اسمها سبيعة وقيل آمنة بنت فرح حكاهما الخطيب وغيره. وروى [البيهقي (١) أن] عمر أمر برجم حامل من الزنا [فقال له علي رضي الله تعالى عنه:] لا سبيل لك على ما في بطنها فقال عمر لولا عليّ [لهلك] عمر، وقيل القائل ذلك لعمر معاذ بن جبل فتحبس الحامل في القصاص إلى أن يمكن الاستيفاء ولو كان عليها الرجم أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح لأنه مبني على التخفيف، وقيل [تحبس] كالقصاص، [وتؤخر] أيضًا وجوبا إلى أن يسقى الولد اللبأ لأنه لا يعيش بدونه غالبا. قال ابن الرفعة: [ولا بد] بعد الولادة من انقضاء [النفاس] أيضًا ثم إن كان هناك غيرها يرضع فلا كلام وإن لم يوجد إلا هي فعن ابن خيران أنها تقتل ولا يبالى بالطفل كما [لو] كان للقاتل عيال [يضيعون] ظاهرا بموته [والصحيح أنها تؤخر] إلى أن توجد مرضع تتم رضاعه أو ما يعيش به ولد البهيمة لكن الأولى أن يؤخر الاستيفاء لأن الولد يتضرر باختلاف اللبن عليه وبشرب لبن البهائم [ويخالف] الرجم فإنه يؤخر حتى يوجد من يكفل ولدها لأن الرجم مختص بحق الله تعالى وليس [في] تأخيره

стр. 8639

ضرر وهنا بخلاف ذلك (١) قاله في الديباجة. وفيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب [الموبقات] وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرر ذلك منه [وانتهاكه] للناس [وأخذ] أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها. وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط ذلك (٢)، والله أعلم. قوله من جهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتانية وبالنون اسم قبيلة، وغامد هي بطن من جهينة. قولها أصبت حدا فأقمه علي، أي أصبت ذنبا أوجب علي حدا أي عقوبة. قوله فدعا رسول الله ﷺ وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها، الحديث. هذا الإحسان له سببان: أحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالإحسان إليها [تحذيرا لهم من ذلك. والثاني أمر صلى الله تعالى عليه وسلم بح رحمة لها إذ قد تابت، وحرّض على الإحسان إليها] لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها [وإسماعه] الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله (٣). قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فإذا وضعت فأتني بها الحديث، وفي

стр. 8640

هذا الحديث أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى يسقى ولدها اللباء ويستغني عنها بلبن غيرها. قوله فأمر بها نبي الله ﷺ فشدت عليها ثيابها، أي جمعت. وقال أبو غالب بن هارون معناه أرسلت عليها ثيابها [أي جمعت]. قاله صاحب المغيث (١)، وفي بعض النسخ فشكت عليها ثيابها أي جمعت عليها ولفت لئلا تنكشف كأنها نظمت وزرت عليها بشوكة أو خلال، وقيل معناه أرسلت عليها ثيابها، والشكّ الاتصال [واللصوق]، قاله ابن الأثير (٢). وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرر اضطرابها (٣). واتفق العلماء على أن المرأة لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهور العلماء على أنه يرجم قائما. وقال مالك قاعدا، وقال غيره يتخير الإمام بينهما (٤). قوله ثم أمر بها فرجمت، وفيه أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل الحديث، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن وفيه أن الحبلى لا ترجم حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو

стр. 8641

غيره وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع، وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه إذا وضعت رجمت ولا تنتظر حصول من يرضعه (١)، والله أعلم. قوله: فرجمت ثم صلى عليها اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك والإمام أحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي الناس، [قالا: ويصلي عليه غير الإمام وغير أهل الفضل]، وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل فأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي وبه قال جماهير العلماء، قالوا فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم. وقال الزهري لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة لا يصلى على ولد الزنا، واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه دلالة [للشافعي] أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم (٢) وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا، وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط

стр. 8642

ذلك وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا. وعن ابن عباس وغيره أنها لا تسقط (١)، [وفيه أن الحمل يعلم ويحكم به [وهذا هو الصحيح في مذهبنا (٢)] (٣). قوله فأمر بها فرجمت، كذا في بعض الروايات وفي بعضها فأمر الناس فرجموها. تتمة: فإن قيل فما بال ماعز والغامدية وهذه المرأة التي [من جهينة التي] (٤) أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا لم يقنعوا بالتوبة وهي [محصلة] لغرضهم وهو سقوط الإثم بل أصروا على الإقرار واختاروا الرجم؟ فالجواب: أن تحصيل البراءة بالحد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي ﷺ وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه فأرادوا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال (٥)، والله أعلم. ٤٧٦٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات، ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله،

стр. 8643

فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته قط، اذهبي فهي لك، وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل. رواه الترمذي (١) وحسنه، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (٢) إلا أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقول: فذكر بنحوه، والحاكم (٣) والبيهقي (٤) من طريقه

стр. 8644

وغيرها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. قوله عن ابن عمر تقدم. قوله كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله. الكفل قال بعضهم أنه النبي الذي ذكر الله وكبرت كلمة وهذا فاسد من أوجه "الأول" أن هذا الكفل وذاك ذو الكفل "الثاني" أن ذلك نبي وهذا رجل أدركته توبة بعد اقتحام الذنب "الثالث" أن هذا رجل متهم في الذنوب وهذه الأوجه تحل عندها مرتبة النبوة فإن قيل كانت النبوة بعد التوبة قلنا لا يصح سمعًا أن يكون بمثل هذه الصفة نبي "الرابع" أن هذا الحديث قد كشف القناع بقوله إن الله غمر للكفل ولو كانت نبوة لكان الفضل في أن يكون بدله أن الله قد نبأ الكفل وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇ وتقدم هذا الحديث في الزنا، وتقدم الكلام على بعض ألفاظه والله أعلم. ٤٧٦٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كانت قريتان إحداهما صالحة، والأخرى ظالمة، فخرج رجل من القرية الظالمة يريد القرية الصالحة، فأتاه الموت حيث شاء الله، فاختصم فيه الملك والشيطان، فقال الشيطان: والله ما عصاني قط فقال الملك: إنه قد خرج يريد التوبة، فقضي بينهما أن ينظر إلى أيهما أقرب، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فغفر له. قال معمر: وسمعت من يقول: قرب الله إليه القرية الصالحة. رواه الطبراني (١) بإسناد

стр. 8645

صحيح، وهو هكذا في نسختي غير مرفوع. قوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله فاختصم فيه الملك والشيطان، الحديث. الاختصام الاختلاف. ٤٧٦٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم من يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، فأتاه ملك الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها. وفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له. وفي رواية: قال قتادة قال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى

стр. 8646

بصدره نحوها. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وابن ماجه (٣) بنحوه. قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلّ على راهب فأتاه فقال أنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس فهل له من توبة، فقال نعم، من يحول بينك وبين التوبة. الراهب واحد رهبان النصارى وهو الخائف والمتعبد والراهب مأخوذ من الرهبة وهي الخوف قال الشيخ أبو العباس القرطبي (٤) قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين أنه لا توبة له دليل على قلة علم ذلك الراهب وعدم فطنته حيث لم يُصِب وجه الفتيا ولا [سلك] طريق التحرز على نفسه ممن كان له القتل عادة معتادة فقد صار مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه فكان حقه أن لا يشافهه [لمنع التورية] مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يُدارى الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه فإنه لما أيأسه من التوبة قتله [بحُكم سبْعِيَّته] ويأَّسه من رحمة الله تعالى وتوبته عليه ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة على السؤال عن حاله فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل

стр. 8647

العالم الفاضل فلما سأله نطق بالحق والصواب فقال له ومن يحول بينك وبينها ثم إنه دلّه على ما [ينفعه] وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك ويحملونه عليه وبهذا يعلم فضل العلم على العبادة فإن الأول غلبت عليه الرهبانية واغتر بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك [غيره، والثاني] كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به فوفق للحق فأحياه الله وفي نفسه وأحيا به، اهـ. أجمع أهل العلم على صحة توبة القاتل عمدا ولم يخالف فيه إلا ابن عباس وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتورية لا أنه يعتقد بطلان توبته وهذا الحديث ظاهر فيه وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وقد ورد به شرعنا وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (١) الآية، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٢) الآية فالصواب من معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى [به] وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل متعمدا مستحلا له بغير

стр. 8648

حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع وإن كان غير مستحل بل متعمدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا [فيها] لكن [بفضل] الله أخبر أنه [لا يخلد] في النار من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا وقد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلا وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار هذا هو الصواب في معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس للآية إخبار بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه أي يستحق أن يجازى بذلك، وقيل المراد من قتل مستحلا وقيل وردت الآية في رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لا الدوام. وقيل معناها هذا جزاؤه لمن جازاه وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية وأما [هذا القول] فإنه شائع على ألسنة كثير من الناس وهو فاسد لا [يقتضي] أنه إذا عفا عنه خرج عن كونها كانت جزاء وهي جزاء [له] لكن ترك الله مجازاته عفوا عنه وكرما، فالصواب ما قدمناه والله أعلم. قوله: "انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله" الحديث. قال العلماء ﵃: في هذا استحباب مفارقة التائب البلدة التي أصاب فيها الذنوب والأخلاء المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين

стр. 8649

ومن يقتدي به وينتفع بصحبته وتتأكد بذلك توبته والله أعلم. قوله: "فانطلق حتى إذا نصف الطريق" وهو بتخفيف الصاد أي بلغ نصفها، قوله: "أدركه الموت"، أي في الطريق، والمراد إدراك أمارات الموت، قوله: "فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم" أي حكما، قوله: "قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له" أي أقرب. قوله: "فقاسوا فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد" أي أقرب. قوله: "وفي رواية: فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي" الحديث، والمراد بهذه أولا القرية المتوجه إليها وبهذه ثانيا القرية المتوجه منها، وقوله: "تقربي" أي إلى الميت، وتباعدي أي عنه، فانظر يا أخي بصَّرك الله تعالى إلى اتساع فضل الله ورحمته وتب إلى الله فإن التوبة تجبّ ما قبلها وابسط رجاءك وعلّق أطماعك بمنة الله فهو الذي منّ عليك بالإيمان وهداك إلى الإسلام ويسّر لك خصالا من الخير جعلها أسبابا لفكاكك من النار وسلامتك من أهوال يوم القيامة وسلما لدخول الجنة والظفر بما أعد الله فيها من النعيم المقيم فهذا هو الفوز العظيم ولمثل هذا فليعمل العاملون. [قوله:] قال قتادة وقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت ناء بصره نحوها الحديث، أي نهض وتقدم ليقرب بذلك القدر من الأرض الصالحة، ويجوز في نآى تقديم الهمزة على الألف وعكسه وتقدم مثل ذلك في حديث الغار في أول هذا التعليق. وهذا الحديث دال على أن توبة القاتل عمدا

стр. 8650

مقبولة. وقول ابن عباس لا تقبل توبة قاتل النفس هذا محمول منه على الاقتداء بسنة الله تعالى في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب قابل للتوبة. ٤٧٦٨ - وعن أبي عبد ربه أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن رجلا أسرف على نفسه فلقي رجلا فقال: إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما، فهل تجد لي من توبة؟ فقال: إن حدثتك أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك، ههنا قوم يتعبدون، فأتهم تعبد الله معهم، فتوجه إليهم، فمات على ذلك فاجتمعت ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال: قيسوا ما بين المكانين، فأيهم كان أقرب فهو منهم، فوجدوه أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له. رواه الطبراني (١) بإسنادين أحدهما جيد، ورواه (٢) أيضًا بنحوه بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتى راهبا آخر فقال: إني قتلت مائة نفس فهل تجد لي من توبة؟ فقال: لقد أسرفت وما أدري، ولكن ههنا قريتان قرية يقال لها: نصرة، والأخرى يقال لها: كفرة، فأما أهل

стр. 8651

نصرة فيعملون عمل أهل الجنة لا يثبت فيها غيرهم، وأما أهل كفرة، فيعملون عمل أهل النار لا يثبت فيها غيرهم، فانطلق إلى أهل نصرة، فإن ثبت فيها، وعملت عمل أهلها، فلا شك في توبتك، فانطلق يؤمها حتى إذا كان بين القريتين أدركه الموت، فسألت الملائكة ربها عنه، فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب، فاكتبوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى نصرة بقيد أنملة فكتب من أهلها. قوله: "وعن أبي عبد ربٍّ" الدمشقي الزاهد، ويقال: أبو عبد ربه، ويقال: أبو عبد رب العزة، مولى ابن غيلان الثقفي، ويقال: مولى بني عذرة، قيل: اسمه عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وقيل: قسطنطين، وقيل: فلسطين، وليس بشيء ال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر كان روميا اسمه قسطنطين فلما أسلم سمي عبد الرحمن روى عن معاوية وفضالة بن عبيد واويس القرني وتبيع الحميري وأبي الأحوص مولى خالد بن يزيد وأم الدرداء الصغرى وعنه ثابت بن ثوبان وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الله بن بجير ومحمد بن عمر الطائي الحربي وسعيد بن عبد العزيز قال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد رب الزاهد لو أن بردا سأل ذهبا وفضة ما أتيتها لآخذ منها شيئا ولو قيل لي من احتضن هذا العمود مات لقمت إليه حتى احتضنته قال سعيد ونحن نعلم أنه صادق وقال أبو حفص التنيسي عن سعيد بن عبد العزيز خرج أبو عبد رب من عشرة آلاف دينار ومن مائة ألف وقال أبو مسهر عن سعيد مات قبل الجراح ومات

стр. 8652

مكحول بعد الجراح وقال معاوية بن صالح عن أبي مسهر مات سنة اثنتي عشرة ومائة قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أيسر أهل دمشق فخرج من ماله كله. قوله: "أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث" معاوية كذا. قوله: "أن رجلا أسرف على نفسه" أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، والسرف الخطأ، والسرف مجاوزة الحد. قوله: "فلقي رجلا فقال إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما" الحديث، الآخر هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة، هكذا رويناه عن كافة شيوخنا وبعض المشايخ يمد الهمزة وهو خطأ وكذا فتح الخاء هنا خطأ ومعناه الأرذل والأبعد والأدنى على الذم، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومرداه نفسه فحقّرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكني بها عن نفسه وغيره إذا أخبر عنه بما يستقبح والله أعلم. قوله: "قيسوا ما بين المكانين فأيهم كان أقرب فهو منهم" الحديث، وأما قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم أو اختلافهم فيه أن يُحكِّموا رجلا ممن يمرّ بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك، قاله القرطبي (١). وفيه على أن الأرض فيها الطيب والخبيث والصالح وضده وبذلك جاءت السنة.

стр. 8653

قوله: "فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة"، وفي الرواية الأخرى: بقيد أنملة، "فغفر له"، أي بقدر أنملة والأنملة طرف الإصبع والله أعلم. مسألة لها تعلق بحديث قاتل النفس: اختلف العلماء هل في الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟ فقال الجمهور التوبة تأتي على كل ذنب وتقبل، وقالت طائفة لا تقبل توبة القاتل، وهذا مذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد ناظر ابن عباس (١) في ذلك أصحابه فقالوا له أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٢)، فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ (٤)، فهذه في أولئك، وأما التي في سورة النساء وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٥) الآية، فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم. وقال زيد بن ثابت (٦) لما نزلت التي في

стр. 8654

الفرقان عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، آية النساء، وباللينة آية الفرقان. قال ابن عباس ﵄ (١) آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء، قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل النفس عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه وقد تعذر. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية، فهذه الآية في حق التائب، وبقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)، فهذه في حق غير التائب لأنه لا فرق بين الشرك وما دونه وعلّق المغفرة بالمشيئة [فخصّص] وعلق وفي التي قبلها عمَّم وأطلق، وبقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ (٤)، فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحًا فالله غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ حديث الذي قتل مائة نفس ثم تاب

стр. 8655

فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج [إليها] وصح عنه ﷺ من حديث عبادة بن الصامت (١) أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا [تسرقوا] ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك. وفي حديث الشفاعة (٢): أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل، وفيه: فيقول الله وعزتي وجلالي لأخرجنّ من النار من قال لا إله إلا الله. وأضعاف هذه النصوص كثيرة تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٤) الآية، وقوله ﷺ : من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، الحديث. ونظائره كثيرة، وقد اختلف العلماء في هذه النصوص على طرق: أحدها: القول بظاهرها

стр. 8656

وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار، وهو قول الخوارج والمعتزلة. ثم اختلفوا: فقالت الخوارج هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فسّاق ومخلدون في النار. هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها لا يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد، وعيد الخلود، اهـ. مسألة ثانية: واختلف العلماء أيضًا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه للمقتول يوم القيامة حق؟ فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها، وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت نفسه ولم يستدرك ظلامته، والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفى غيظ نفسه وأي منفعة حصلت له ذلك وأي ظلامة استوفاها من القاتل، قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فحق الله لا يزول إلا بالتوبة، وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء من القصاص والعفو مجَّانا أو إلى مال فلو أحلّه وأخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا [اقتص] منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين؟ قالوا: ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه لكان يسقط حقه ولم يسقطه فإن قلتم يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه، وإن قلتم لا

стр. 8657

يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه، وهذه حجج كما ترى [قوية] لا تندفع إلا بأقوى منها وأمثالها. فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل وسلم نفسه طوعا إلى الوارث يستوفي منه حق مورِّثه سقط عنه الحقان [وبقي] حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب [لدين] (١) [لله تعالى] ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد [فعفا] عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته ويعوض هذا المقتول، فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٢)، وهاتان المسألتان ذكرهما المسعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس. ٤٧٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من

стр. 8658

أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. رواه مسلم (١)، واللفظ له، والبخاري (٢) بنحوه. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني"، قوله: "أنا عند ظن عبدي بي"، قال القرطبي (٣): قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على [شروطها] تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله، [قال:] ويؤيده قوله ﷺ : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإنه قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن [أنّ] الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى، وهو من أعظم الكبائر. وقال النووي (٤): أنا عند ظن عبدي بي: قال القاضي معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها، وقيل

стр. 8659

المراد به الرجاء وتأميل [العفو] وهذا وضح. قوله: "وأنا معه حين يذكرني" أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، فمعناه بالعلم [والإحاطة]، وفي [حديث آخر: فإن] ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، قال المازري النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان في حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى في نفسي ومنها الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) أي ما في غيبي فيجوز أيضًا أن يكون مراد الحديث أي إذا ذكرني [غالبا أثابه] الله وجازاه بما [سبق] مما لا يطلع عليه أحد. قوله: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على [الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى:] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية إلى قوله ﴿تَفْضِيلًا﴾ (٣)، [فالتقييد] بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء ﵈ أفضل من الملائكة لقوله

стр. 8660

تعالى في بني إسرائيل ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ويتأولون هذا الحديث على أن [الناكرين غالبا] يكونون طائفة [لا] نبي فيهم فإذا ذكر الله تعالى في خلائق [من الملائكة] كانوا خيرًا [من تلك الطائفة] اهـ، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة" الحديث، اللام في لله هي لام الابتداء. قال النووي (٢): قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه، فالفرح ها هنا وفي أمثالها كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى، والمعنى لله أرضى بالتوبة وأقبل لها. قال الإمام المازري (٣): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره. قوله: "يجد ضالته بالفلاة"، والفلاة الأرض الفضاء التي لا ماء بها. [تتمة: قال الزمخشري (٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٥): هذا دليل على أن الرجل إذا كان ببلد لا يتمكن

стр. 8661

فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق من عليه الدين، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة. وعن النبي ﷺ (١): "من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيه محمد"، وقال في آخر سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢)، معنى الآية: أن المؤمن إذا لم تتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمشى له أمر دينه كما يجب فليهاجر عنه إلى بلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، ولعمري أن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرّب أولونا فلم يجدوا فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلتفت وأجم وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله تعالى وجوار بيت الله تعالى، فلله الحمد على ما سهّل ذلك وقدر ورزق من الصبر وأورع من الشكّ، انتهى] (٣). قوله: "ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت به باعا"، [الحديث، هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي. و] الباع والبوع [بضم الباء
следующие страницы →