← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8657–8696 · переход к 8662.

стр. 8657

يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه، وهذه حجج كما ترى [قوية] لا تندفع إلا بأقوى منها وأمثالها. فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل وسلم نفسه طوعا إلى الوارث يستوفي منه حق مورِّثه سقط عنه الحقان [وبقي] حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب [لدين] (١) [لله تعالى] ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد [فعفا] عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته ويعوض هذا المقتول، فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٢)، وهاتان المسألتان ذكرهما المسعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس. ٤٧٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من

стр. 8658

أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. رواه مسلم (١)، واللفظ له، والبخاري (٢) بنحوه. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني"، قوله: "أنا عند ظن عبدي بي"، قال القرطبي (٣): قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على [شروطها] تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله، [قال:] ويؤيده قوله ﷺ : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإنه قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن [أنّ] الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى، وهو من أعظم الكبائر. وقال النووي (٤): أنا عند ظن عبدي بي: قال القاضي معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها، وقيل

стр. 8659

المراد به الرجاء وتأميل [العفو] وهذا وضح. قوله: "وأنا معه حين يذكرني" أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، فمعناه بالعلم [والإحاطة]، وفي [حديث آخر: فإن] ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، قال المازري النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان في حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى في نفسي ومنها الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) أي ما في غيبي فيجوز أيضًا أن يكون مراد الحديث أي إذا ذكرني [غالبا أثابه] الله وجازاه بما [سبق] مما لا يطلع عليه أحد. قوله: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على [الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى:] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية إلى قوله ﴿تَفْضِيلًا﴾ (٣)، [فالتقييد] بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء ﵈ أفضل من الملائكة لقوله

стр. 8660

تعالى في بني إسرائيل ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ويتأولون هذا الحديث على أن [الناكرين غالبا] يكونون طائفة [لا] نبي فيهم فإذا ذكر الله تعالى في خلائق [من الملائكة] كانوا خيرًا [من تلك الطائفة] اهـ، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة" الحديث، اللام في لله هي لام الابتداء. قال النووي (٢): قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه، فالفرح ها هنا وفي أمثالها كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى، والمعنى لله أرضى بالتوبة وأقبل لها. قال الإمام المازري (٣): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره. قوله: "يجد ضالته بالفلاة"، والفلاة الأرض الفضاء التي لا ماء بها. [تتمة: قال الزمخشري (٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٥): هذا دليل على أن الرجل إذا كان ببلد لا يتمكن

стр. 8661

فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق من عليه الدين، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة. وعن النبي ﷺ (١): "من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيه محمد"، وقال في آخر سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢)، معنى الآية: أن المؤمن إذا لم تتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمشى له أمر دينه كما يجب فليهاجر عنه إلى بلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، ولعمري أن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرّب أولونا فلم يجدوا فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلتفت وأجم وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله تعالى وجوار بيت الله تعالى، فلله الحمد على ما سهّل ذلك وقدر ورزق من الصبر وأورع من الشكّ، انتهى] (٣). قوله: "ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت به باعا"، [الحديث، هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي. و] الباع والبوع [بضم الباء

стр. 8662

والبوع بفتحها، كله بمعنى] سواء هو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، قال الباجي: هو قدر أربعة أذرع، وهو ها هنا مثل لقرب ألطاف الله من العبد إذا تقرّب إليه بالإخلاص والطاعة، قاله في النهاية (١). قوله: "وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه هرولة" الهرولة المشي [والعدو] وهو كناية عن سرعة إجابة الله تعالى وقبول توبة العبد ولطفه ورحمته ومعنى الحديث: من تقرّب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي، [وتوفيقي وعنايتي]، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه رحمتي وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، اهـ، قاله النووي في الرياض (٢). [والمراد أنّ جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقرّبه]. ٤٧٧٠ - وعن يزيد بن نعيم قال: سمعت أبا ذر الغفاري ﵁، وهو على المنبر بالفسطاط يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: من تقرب إلى الله شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أقبل إلى الله ماشيا أقبل إليه مهرولا، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل. رواه أحمد (٣) والطبراني (٤)، وإسنادهما حسن.

стр. 8663

قوله: "وعن يزيد بن نعيم" هو زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي قال ابن يونس: وينسب إلى جده روى عن زياد بن الحارث الصدائي وحبان بن بح الصدائي وأبي ذر وأبي أيوب وابن عُمر وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وبكر بن سوادة والحارث بن يزيد الحضرمي ويزيد بن عمرو المعافري قال العجلي: تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن يونس: عن الحسن بن العدّاس مات سنة خمس وتسعين كذا قال قلت حديثه في زياد بن الحارث ووثقه يعقوب بن سفيان أيضًا. قوله: "سمعت أبا ذر الغفاري وهو على المنبر بالفسطاط" وأبو ذر تقدم الكلام عليه، توفي: بالربذة وهي قرية معروفة بها [قبر أبي ذر، منها إلى المدينة مسيرة تلاثة أيام، والله تعالى أعلم]، والفسطاط تقدم الكلام عليه في فضل سُكنى الشام قوله: "من تقرب إلي شبرا" الحديث، تقدم الكلام عليه. ٤٧٧١ - وعن شريح هو ابن الحرث قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقول: قال النبي ﷺ : قال الله : يا ابن آدم قم إلي أمش إليك، وامش إلي أهرول إليك. رواه أحمد (١) بإسناد صحيح.

стр. 8664

قوله: "وعن شريح" هو ابن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي الكوفى التابعى، ويقال: شريح بن شرحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، والصحيح الأول. أدرك النبي ﷺ ولم يلقه، وقيل: لقيه، والمشهور الأول. قال يحيى بن معين: كان في زمن النبي ﷺ ولم يسمع منه، روى عن عمر بن الخطاب، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة البارقى، رضى الله عنهم. وروى عنه قيس بن أبي حازم، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، ومرة، والنخعى، والشعبي، وآخرون، قال الأكثرون: استقضاه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على الكوفة، وأقروه بعده، فبقى على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قالوا: وولى القضاء لعمر ﵁، من سنة ثنتين وعشرين. روى عن حفص بن عمر، قال: قضى شريح ستين سنة. وروى ميسرة، عن شريح، قال: وليت القضاء لعمر، وعثمان، وعلى، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ولعبد الملك إلى أيام الحجاج، فاستعفيت الحجاج، وكان له يوم استعفائه مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، وقال على بن المديني: ولى شريح البصرة سبع سنين في زمن زياد،

стр. 8665

وولى الكوفة ثلاثا وخمسين سنة. وقال على بن أبي طالب لشريح، رضى الله عنه: أنت أقضى العرب. وقال أبو الشعثاء: قدم علينا شريح البصرة، فقضى فينا سنة، فما رأينا مثله قبل ولا بعد، وقال ابن قتيبة في المعارف، والشيخ أبو إسحاق في طبقاته: ولى شريح القضاء خمسا وسبعين سنة. وروى البيهقي في كتابه في مناقب الشافعي في باب الجرح والتعديل، أن الشافعي قال: لم يكن شريح قاضيا لعمر بن الخطاب. قال البيهقي: وقد اختلفوا فيه. قال: وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وأنكر آخرون قول الشافعي. قالوا: وتوليته القضاء لعمر فمن بعده مشهور، واتفقوا على توثيق شريح، ودينه، وفضله، والاحتجاج برواياته، وذكائه، وأنه أعلمهم بالقضاء (١). وتقدم معنى هذا الحديث أيضًا. ٤٧٧٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله بأرض فلاة. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). ٤٧٧٣ - وفي رواية لمسلم (٤): لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه، وعليها طعامه وشرابه،

стр. 8666

فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح. قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم. قوله ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم. . . بأرض فلاة"، [أي فقده وأضاعه ولم يجده بموضعه، رباعي، وضللت الشيء بفتح اللام وكسرها نسيته، والفتح أشهر. وفي الرواية الأخرى: "كان على راحلته بأرض فلاة"، والفلاة المفازة أي أن الله تعالى أرضى بتوعيده من واجد ضالته بالفلاة، قاله الكرماني (١)]، الحديث، الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر [المدرّب على الركوب والسير والحمل ومثاله في الإبل قلبك، وكذلك النجيب، وقد سمي الجمل أيضًا راحلة، قاله عياض (٢)]، وقال ابن [قتيبة (٣)]: الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في الإبل عرفت وسميت الراحلة لأنها ترحل أي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة. وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة كما يقال نسابة وعلامة [حق الله

стр. 8667

تعالى]. قوله: "فأخذ بخطامها": الخطام ما يقاد به الدابة. قوله: "ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح". فائدة: في شعب البيهقي (١): عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : تعبَّد رجل في صومعة فمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا يرعى فقال يا رب لو كان لك حمار رعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما أجازي العباد على قدر عقولهم، اهـ. ٤٧٧٤ - وعن الحارث بن سويد عن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله تعالى: قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣).

стр. 8668

[الدوية] بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعا: هي الفلاة القفر والمفازة قوله: "وعن الحارث بن سويد" هو أبو عائشة الحارث بن سويد التيمي الكوفي من تيم الرباب. من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم. قال أحمد بن حنبل - وقد سئل عنه -: مثل هذا يسأل عنه، يعني الجلالة قدره وعلو منزلته. روى عن ابن مسعود، روى عنه: إبراهيم التيمي، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير (١). قوله: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويَّة مُهلِكة" الحديث. قال العلماءُ: فرح الله تعالى رضاه، قال المازري (٢): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد الضالة بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا للمعنى في نفس السامع ومبالغة في تقريره. وأما الدوية فقال الحافظ بفتح الدال المهملة وتشديد الواو والياء جميعا هي الفلاة القفر والمفازة، اهـ. قال العلماء: الأرض القفر هي الخالية لا ماء به والجمع قفار بالكسر، والقفار بالفتح أيضًا، القفر، وأقفر فلان من [أهله] والمكان من سكانه والجسد من اللحم والرأس من الشعر إذا انفرد وخلا، قاله صاحب المغيث. وقال الإمام القرطبي (٣) في قوله: في أرض دوية مهلكة،

стр. 8669

أما دوية فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال وبتشديد الواو والياء جميعا كما ذكره الحافظ، وذكر مسلم في الرواية وهي رواية أبي بكر بن أبي شيبة أرض داوية بزيادة ألف وهي بتشديد الياء أيضًا وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية. وقال الخليل: هي المفازة. قالوا: ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوبة إلى الدو بتشديد الواو وهي التربة التي لا نبات بها وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طيء طائي وأما المهلكة فهي بفتح الميم وبفتح اللام وكسرها وهي موضع خوف الهلاك ويقال لها مفازة وقيل أنه من [قولهم] فوز الرجل إذا هلك، اهـ. [ومهلكة أي يهلك سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة]. ٤٧٧٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. رواه الطبراني (١) بإسناد حسن. قوله: "وعن أبي ذر" تقدم. قوله ﷺ : "من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى" الحديث، يعني من أحسن فيما بقي من عمره بالطاعات وكثرة الخيرات غفر له ما مضى من ذنوبه السالفات. قوله: "ومن أساء فيما بقي"

стр. 8670

أي من عمره أي بكثرة المعاصي القبيحات، "أخذ بما مضى وما بقي" أي حوسب على ما مضى من ذنوبه وما سيفعله من الخطيئات. ٤٧٧٦ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى تخرج إلى الأرض. رواه أحمد (١) والطبراني (٢) بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح. قوله: "وعن عقبة بن عامر" تقدم. قوله: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة"، الحديث. الدرع واحدة الدروع وهي قميص النساء وهو أيضًا لبوس الحديد. ٤٧٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله: أوصني. قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، قال: يا رسول الله زدني، قال: إذا أسأت فأحسن وليحسن خلقك. رواه ابن حبان في صحيحه (٣)،

стр. 8671

والحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. ٤٧٧٨ - ورواه الطبراني (٢) بإسناد، ورواته ثقات: عن أبي سلمة عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر، والعلانية بالعلانية. وأبو سلمة لم يدرك معاذا.

стр. 8672

ورواه البيهقي في كتاب الزهد (١) من رواية إسماعيل بن رافع المدني عن ثعلبة بن صالح عن سليمان بن موسى عن معاذ قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ ، فمشى قليلا، ثم قال يا معاذ: أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحم اليتيم، وحفظ الجوار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السلام، ولزوم الإمام والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلما، أو تصدق كاذبا، أو تكذب صادقا، أو تعصي إماما عادلا، وأن تفسد في الأرض. يا معاذ اذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل ذنب توبة. السر بالسر، والعلانية بالعلانية. قوله: "وعن عبد الله بن عمرو" تقدم. قوله: "أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله أوصني، قال: إذا أسأت فأحسن، وليحسن خلقك"، الحديث. وقد جعل النبي ﷺ حسن الخلق أحسن خلق الإيمان كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا.

стр. 8673

وأخبر النبي ﷺ (١) أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:] "اعبد الله كأنك تراه" هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال ﷺ اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك. قوله: "واعدد نفسك في الموتى" أي اقطع أطماعك في الدنيا وأهلها واخمل ذكرك واخف شأنك كما أن الموتى قد انقطعت أطماعهم من الدنيا وأهلها واشهد مشاهد القيامة وعد نفسك ضيفا في بيتك وروحك عارية في بدنك خاشع القلب متواضع النفس بريء من الكبر تنظر إلى الليل والنهار

стр. 8674

فتعلم أنها في هدم عمرك ومن عقد قلبه على ذلك استراح من الهموم وانزاحت عنه الغموم. قوله: "يا معاذ أوصيك بتقوى الله تعالى" الحديث، فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، فإنّ حقّ الله على عباده أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله لقوله ﴿وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١). وفيها آيات كثيرة فإذا أضيفت التقوى إليه فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، فهو سبحانه أهل أن يُخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله [و] إلى مكانه كالنار أو إلى زمانه كيوم القيامة، قاله ابن رجب الحنبلي (٢).

стр. 8675

قوله ﷺ : "اذكر الله عند كل حجر وعند كل شجرة وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة" تقدم الكلام على ذلك. ٤٧٧٩ - وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. رواه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن. ٤٧٨٠ - وروى أحمد (٢) بإسناد جيد عن أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄: أن النبي ﷺ قال: ستة أيام، ثم اعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن،

стр. 8676

ولا تسألن أحدا شيئا، وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة. قوله: "وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل" تقدم الكلام عليهما ﵄. قوله ﷺ : "اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها" الحديث، قال بعض السلف لمن ودعه للحج: أوصيك بما وصى به النبي ﷺ معاذا حين ودعه: اتق الله حيث ما كنت، الحديث. وهذه وصية جامعة [لخصال] البر كلها، لأبي الدرداء [شعر]: يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا قاله ابن رجب (١). قوله: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، ظاهر الحديث أن السيئات تمحى بالحسنات وأن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملها بعدها، قال عطية العوفي: بلغني أن من بكى على خطيئته محيت عنه وكتبت له حسنة فإن الإنسان إذا أتى بسيئة بقلبه أو لسانه أو جارحته أتبعها بحسنة من صلاة ركعتين أو صدقة وإن قلت أو ذكر الله ولو أن يقول سبحان الله وبحمده فإنه أحب الكلام إلى الله ، والحمد لله تملأ الميزان، وفي الصحيح (٢): كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده [سبحان الله العظيم]، فلا تعجزن عن إتباع

стр. 8677

السيئة بنحو هذا الكلام المبارك تمحها إن شاء الله تعالى فإن كانت السيئة صغيرة كفاها الحسنة اليسيرة والذكر اليسير وإن كانت السيئة كبيرة فأكثِر مما يمحوها من ذلك والله أعلم. قوله: "وخالق الناس بخلق حسن" هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له بالأمر بإحسان العشرة للناس فإن معاذا كان بعثه النبي ﷺ إلى اليمن معلِّما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه [يحتاج] إلى مخالقة الناس بخلق حسن [مما] لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به؛ والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين، ذكره ابن رجب (١). ٤٧٨١ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أوصني. قال: إذا عملت سيئة، فأتبعها حسنة تمحها. قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أفضل الحسنات. رواه أحمد (٢) عن شمر بن عطية عن

стр. 8678

بعض أشياخه عنه. قوله: "وعن أبي الدرداء" تقدم، وتقدم أيضًا معنى الحديث. قوله: "وعن شمر بن عطية"، شمر بن عطية هو الأسدي الكاهلي الكوفي روى عن خريم بن فاتك ولم يدركه وزر بن حبيش وأبي وائل وشهر بن حوشب والمغيرة بن سعيد بن الأخرم وأبي حازم البياضي وسعيد بن جبير وغيرهم روى عنه أبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه والأعمش وعاصم بن بهدلة وفطر بن خليفة وعمرو بن مرة وغيرهم قال الآجري: قلت لأبي داود كان عثمانيًا قال جدًّا وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وسمى جده عبد الرحمن وقال: مات في ولاية خالد على العراق وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وابن معين والعجلي (١). ٤٧٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلا أصاب من امرأة قبلة وفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض في ما شئت، فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: ولم يرد عليه النبي ﷺ شيئا،

стр. 8679

فقام فانطلق، فأتبعه النبي ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (١). فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. رواه مسلم (٢) وغيره. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "أن رجلا أصاب من امرأة قبلة"، وفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني عالجت امرأة في أقصا المدينة وإني أصبتها منها ما دون أن أمسّها، الحديث. والقبلة معروفة. وقوله: "إني عالجت امرأة في أقصى المدينة"، معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها ولكن بمدافعة ومشقة، والمعالجة المسارعة. [وقال عياض (٣): المعالجة الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ومعالجة المريض بالدواء حتى يقبل عليه، انتهى. وفي رواية: "عافست امرأة" الحديث، المعافسة المعالجة والممارسة والملاعبة، قاله في النهاية (٤)]. وقوله: "وإني أصبت منها ما دون أن أمسها" المراد به الجماع، يريد أنه لم يجامعها، ومعناه [استمتاع] بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلى الجماع والمس والمساس الجماع. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 8680

طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١)، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (٢): يقال مسستُ الشيء أمسّه مسًّا إذا لمسته بيدك ثم استعير للأخذ والضرب لأنهما باليد واستُعير للجماع لأنه لمس وللمجنون كأن الجنّ لمسته يقال به مس من جنون، اهـ. قاله في النهاية (٣). قوله: "فقام الرجل فانطلق فاتبعه النبي ﷺ فدعاه فتلى عليه هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤). الآية". المراد بقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صلاة الصبح والظهر والعصر، والمراد بقوله ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والثالث العصر والرابع المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر، قاله الحسن وقتادة والضحاك، وقيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجّحه الطبري. [واختلف الناس في] (٥) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فعن جماعة من الصحابة والتابعين أن المراد بالحسنات الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة.

стр. 8681

وقال مجاهد هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر. ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقًا، وفي هذا الحديث تصريح بأنّ الحسنات تكفر السيئات. تنبيه: وفي حديث آخر جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أصبتُ حدا فأقمه عليّ وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ وفيه أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ثم شهدت الصلاة معنا، فقال في آخر الحديث فقد غفر لك. قال النووي (١) فقوله: أصبت حدا أي أصبت معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي هنا من الصغائر [لأنها] كفرتها الصلاة وليس المراد أنه أتى بما يوجب الحدّ كالزنا وشرب الخمر ونحوهما فإنّ هذه الحدود لا تكفرها الصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحد لا تسقط حدودها بالصلوات، هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث، ولا يجوز للإمام أن يدعها كذا قال العلماء في هذا الحديث، فقد جاء مبينا في غير هذا الحديث، فالمراد تكفير الصغائر دون الكبائر كما هو مبين في الحديث الصحيح (٢) من قوله ﷺ : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما لم يغش الكبائر، انتهى. قاله الحافظ الدمياطي وغيره. تنبيه: الرجل المذكور في الحديث هو عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري [الخزرجي] والد الحجاج بن عمرو بن غزية [هكذا قاله] ابن

стр. 8682

عباس وقيل أنه [نبهان] اليمان وهو مروي عن ابن عباس [أيضًا]، وقيل [نزلت في] أبي اليسر [كعب بن عمرو وقيل] اسمه [كذا] والله أعلم. [وحكى] (١) القاضي عياض (٢) عن بعضهم: أن المراد به الحد المعروف. قال: وإنما لم يحد لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبي ﷺ عنه إيثارا للستر بل استحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا بقوله لعلك قبلت أو لمست مبالغة في الستر على المسلمين فقد كان بهم رءوفا رحيما صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. قاله في الحواشي. قوله في حديث أبي هريرة فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. قال الجوهري (٣): والكافة الجميع من الناس يقال لقيتهم كافة أي كلهم وذكر أنها خففت في الشعر ضرورة. وقال الهروي: ومعنى كافة في اللغة الإحاطة ولا تثنى كافة ولا تجمع، اهـ. وقال غيره وهكذا تستعمل كافة حالا أي كلهم ولا [تضاف] فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم. ٤٧٨٣ - وعن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت من عمل الذنوب كللها، ولم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن

стр. 8683

لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى. رواه البزار (١) والطبراني (٢) واللفظ له، وإسناده جيد قوي، وشطب قد ذكره غير واحد في الصحابة (٣) إلا أن البغوي ذكر في معجمه (٤) أن الصواب عن عبد

стр. 8684

الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا. أن رجلا أتى النبي ﷺ طويل شطب. والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل، والله أعلم. قوله: "وعن طويل شطب الممدود"، وشطب قد تكلم الحافظ عليه فقال: قد ذكره غير واحد في الصحابة إلى آخره. قوله: "أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها" الحديث. هكذا جاء في رواية بالتشديد. قال الخطابي (١): الحاجّة القاصدون البيت، والداجّة الراجعون، والمشهور [التخفيف] وأراد بالحاجة الحاجة الصغيرة وبالداجة الحاجة الكبيرة. قاله ابن الأثير، ومعناه ما تركت شيئا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته وداجة اتباع لحاجة والألف فيها منقلبة عن الواو، قاله في النهاية (٢). قوله: "وغدراتي وفجراتي"، الغدرات جمع غدرة وهي نقض العهد. والفجرات جمع فجرة وهي الميل إلى الفساد وقيل الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور.

стр. 8685

الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى والترهيب من الاهتمام بالدنيا والإقبال عليها ٤٧٨٤ - عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يدك رزقًا. يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرًا، واملأ يدك شغلًا. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "عن مع معقل بن يسار" هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر بن حُراق بن لأى بن كعب بن عبد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزني البصري، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان،

стр. 8686

ونزل البصرة، وبها توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله ﷺ أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصري (١). قوله: "يا ابن آدم لا تباعد مني" الأصل لا تتباعد مني بتاءين مثناتين من فوق، والبعد عبارة عن المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة لا على الوجه المشروع. ٤٧٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ : من كان يريد حرث الآخرة الآية. قال: يقول الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك. رواه ابن ماجه (٢) والترمذي (٣)، واللفظ له، وقال: حديث حسن، وابن حبان في صحيحه (٤) باختصار إلا أنه قال: ملأت يدك شغلا، والحاكم (٥) والبيهقي في كتاب الزهد (٦)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

стр. 8687

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "تلى رسول الله ﷺ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية. (١)، المراد بالحرث العمل والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمر: واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ومنه سمي الرجل حارثا. والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر. "ومن كان يريد حرث الدنيا" أي طلب بالمال الذي آتاه الله رئاسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾. وقيل: "نزد له في حرثه" نوفقه للعبادة ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة الطاعة، أي من أطاع فله الثواب. وقيل: "نزد له في حرثه" أي نعطيه الدنيا مع الآخرة. وقيل: الآية في الغزو، أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب، ومن

стр. 8688

أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، يوسع له في الدنيا، أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقى. وقال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. ٤٧٨٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي- ﷺ قال: ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان إنهما يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل لممسك تلفًا. رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحة (٢) والحاكم (٣)، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي (٤) من طريق الحاكم، ولفظه: قال رسول الله

стр. 8689

- ﷺ : ما من يوم طلعت شمسه إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه ما خلق كلهم غير التقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم. إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا، وأنزل الله في ذلك قرآنا في قول الملكين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل الله في قولهما: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾. قوله: "وعن أبي الدرداء" تقدم. قوله ﷺ : "ما طلعت الشمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين" الحديث، تقدم في الإنفاق في وجوه الخير، وتقدم الكلام على غريب ألفاظه. ٤٧٨٧ - وروي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير

стр. 8690

أسرع. رواه الطبراني في الكبير (١) والأوسط (٢) والبيهقي في الزهد (٣). وروي عن أبي الدنيا قوله ﷺ : فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه الحديث، أي [كثّر] عليه معاشه ليشغله عن [الآخرة] (٤). قوله: "وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفِد إليه بالود والرحمة" - والمراد بالإقبال إلى الله تعالى بالقلب هو إزالة الخواطر والشواغب والوساوس الملهية الشاغلة. قوله: "تفد إليه بالود" المراد بذلك تسرع إليه بالود والرحمة والمعنى أن من تفرغ من هموم الدنيا أقبل قلبه على الله بكليته أي حبا ومعرفة وخوفا فدل على أن هذا الإقبال ممكن وثمرته عاجلة أن يجعل الله تعالى له محبة ورحمة في قلوب خواص عباده ثم بين أثر ذلك بقوله تفد إليه بالود أي تقبل على

стр. 8691

مهماته وخدمته محبة له ثم أكد ذلك بغاية المنى فقال: "وكان الله تعالى بكل خير إليه أسرع" أي إلى حبه وكفايته ومعونته من جميع عباده ليعرف بركة فراغ قلبه ومن الخير الذي يسرع الله به إليه ما قال المصطفى ﷺ من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هموم الدنيا والآخرة ومن كانت الدنيا أكبر همه تخوف بأحوالها وتقلبها ورغب في الجمع والمنع وذلك سم قاتل فمن رفض ذلك انكشف له الغطاء فوجد الله كافيا له في كل أمر فرفع باله عن التدبير لنفسه وأقبل على ملاحظة تدبير الله واستراح وسخر إليه الناس وأفاض عليه الخير بغير حساب ولا قياس. ٤٧٨٨ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. رواه ابن ماجه (١)، ورواته ثقات،

стр. 8692

والطبراني (١)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يؤتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا، وهي راغمة. رواه في حديث بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢) بنحوه، وتقدم لفظه في العلم. [قوله: شتت عليه ضيعته] بفتح الضاد المعجمة، وإسكان المثناة تحت: معناه فرق عليه حاله وصناعته ومعاشه، وما هو مهتم به، وشعبه عليه ليكثر كده، ويعظم تعبه. قوله: "وعن زيد بن ثابت" تقدم. قوله ﷺ : "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه" الحديث، فمن كان فقره بين عينيه لم يزل خائفا من الفقر لا يستغني قلبه بشيء ولا يشبع من الدنيا، فإن الغنا غنا القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرجه الطبراني مرفوعا الغنا في القلب والفقر في القلب ومن كان الغنا في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها إونما يضر نفسه. وعن عيسى عليه

стр. 8693

[وعلى نبينا] أفضل الصلاة والسلام قال: مثل طالب الدنيا كشارب البحر كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله. قال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ومن كان غناه في كسبه لم يزل فقيرا ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما، ويشهد لهذا كله الحديث الصحيح (١) عن النبي ﷺ : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ولو تذكر [الجائع] إلى فضولها مآلها لشبع. شعر: هب أنك قد ملكت الأرض طُرًّا ... ودان لك العبادُ فكان ماذا أليس مصيرك جوف تُرْبٍ ... [ويحثي الترب] هذا ثم هذا [ذكره ابن رجب (٢) في شرح النواوية (٣)، [وقال في] الديباجة، روى الترمذي الحكيم في نوادره (٤) عن [دريد] بن نافع المدني أن النبي ﷺ قال: إن الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسم به يقول: وعزتي وجلالي وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني من آثر هواي على هواه لأجمعنّ له شمله ولأكفينّه ما أهمّه ولأجعلنّ غناه في قلبه ولأضمننّ السموات والأرض

стр. 8694

رزقه ولأتجرنّ له من وراء تجارة كل تاجر، ومن آثر هواه على هواي لأشتتن عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنّه همومه الحاضر منها والغائب والقديم منها [والحادث] حتى لا يدري من أين تجيئه ومن أيت تأخذه. قال الغزالي حجة الإسلام (١): [اعلم] أن ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها؛ [ثم قال:] دنياك وأخراك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك [فالقريب] الداني منها يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت، [والمتراخي] المتأخر يسمى آخرة وهو [ما بعد] الموت فكل مالك [فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة] ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ [فليس] مذموم بل هو ثلاثة أقسام: القسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك [ثمرته] بعد الموت [و] هو العلم والعمل فقط، وأعني (٢) بالعلم العلم بالله وصفاته [وأفعاله] وملائكته وكتبه ورسله وملكوت سماواته وأرضه والعلم بشريعة نبيه ﷺ ، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله تعالى. والقسم الثاني وهو كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة والحاجة [الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة]

стр. 8695

من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث [والغلمان والجواري و] الحيوان والمواشي والقصور [والدور] ورفيع الثياب ولذيذ الأطعمة [فحظ] العبد [من ذلك] كله من الدنيا المذمومة. والقسم الثالث وهو متوسط بين [الطرفين، كل حظ معجل يعين على أعمال الآخرة كالقوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، فإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا، ولا يبقى مع العبد عند الموت] إلا ثلاث صفات طهارة القلب عن أدناس الدنيا وأنسه بذكر الله تعالى وحبه لله تعالى وهذه الصفات الثلاث [هي المنجيات] المسعدات بعد الموت [وهي] الباقيات الصالحات. وسالك طريق الآخرة هو المواظب على هذه الصفات الثلاث، فالقدر الذي لا بد منه لهذه الثلاث إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا [وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم كما من أبناء الدنيا] (١) والراغبين في حظوظها ثم أطال في تقرير ذلك ﵀ ورضي عنه، قاله صاحب الديباجة [ذكره ابن رجب في شرح النواوية]. قوله ﷺ : "وأتته الدنيا وهي راغمة" الحديث، راغمة معناه كارهة، قوله: "وشتت عليه ضيعته"، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه وفرق عليه حاله وصناعته ومعاشه وما هو مهتمّ به وشعَّبه عليه ليكثر كدّه ويعظم تعبه، اهـ.

стр. 8696

وتقدم في حديث آخر: من كانت الدنيا همه، وفي حديث: هرمه وسدمه أي بغيته وشهوته، هكذا رواه بعضهم والمحفوظ: همه [وسدمه]، قاله في النهاية (١). والسدم بفتح المهملتين الهم والحرص على الشيء واللهج به. ٤٧٨٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له. رواه الترمذي (٢) عن يزيد الرقاشي عنه، ويزيد قد وثق، ولا بأس به في المتابعات، ورواه البزار (٣)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : من كانت نيته الآخرة
следующие страницы →