← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8692–8731 · переход к 8697.

стр. 8692

والطبراني (١)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يؤتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا، وهي راغمة. رواه في حديث بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢) بنحوه، وتقدم لفظه في العلم. [قوله: شتت عليه ضيعته] بفتح الضاد المعجمة، وإسكان المثناة تحت: معناه فرق عليه حاله وصناعته ومعاشه، وما هو مهتم به، وشعبه عليه ليكثر كده، ويعظم تعبه. قوله: "وعن زيد بن ثابت" تقدم. قوله ﷺ : "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه" الحديث، فمن كان فقره بين عينيه لم يزل خائفا من الفقر لا يستغني قلبه بشيء ولا يشبع من الدنيا، فإن الغنا غنا القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرجه الطبراني مرفوعا الغنا في القلب والفقر في القلب ومن كان الغنا في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها إونما يضر نفسه. وعن عيسى عليه

стр. 8693

[وعلى نبينا] أفضل الصلاة والسلام قال: مثل طالب الدنيا كشارب البحر كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله. قال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ومن كان غناه في كسبه لم يزل فقيرا ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما، ويشهد لهذا كله الحديث الصحيح (١) عن النبي ﷺ : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ولو تذكر [الجائع] إلى فضولها مآلها لشبع. شعر: هب أنك قد ملكت الأرض طُرًّا ... ودان لك العبادُ فكان ماذا أليس مصيرك جوف تُرْبٍ ... [ويحثي الترب] هذا ثم هذا [ذكره ابن رجب (٢) في شرح النواوية (٣)، [وقال في] الديباجة، روى الترمذي الحكيم في نوادره (٤) عن [دريد] بن نافع المدني أن النبي ﷺ قال: إن الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسم به يقول: وعزتي وجلالي وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني من آثر هواي على هواه لأجمعنّ له شمله ولأكفينّه ما أهمّه ولأجعلنّ غناه في قلبه ولأضمننّ السموات والأرض

стр. 8694

رزقه ولأتجرنّ له من وراء تجارة كل تاجر، ومن آثر هواه على هواي لأشتتن عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنّه همومه الحاضر منها والغائب والقديم منها [والحادث] حتى لا يدري من أين تجيئه ومن أيت تأخذه. قال الغزالي حجة الإسلام (١): [اعلم] أن ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها؛ [ثم قال:] دنياك وأخراك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك [فالقريب] الداني منها يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت، [والمتراخي] المتأخر يسمى آخرة وهو [ما بعد] الموت فكل مالك [فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة] ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ [فليس] مذموم بل هو ثلاثة أقسام: القسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك [ثمرته] بعد الموت [و] هو العلم والعمل فقط، وأعني (٢) بالعلم العلم بالله وصفاته [وأفعاله] وملائكته وكتبه ورسله وملكوت سماواته وأرضه والعلم بشريعة نبيه ﷺ ، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله تعالى. والقسم الثاني وهو كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة والحاجة [الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة]

стр. 8695

من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث [والغلمان والجواري و] الحيوان والمواشي والقصور [والدور] ورفيع الثياب ولذيذ الأطعمة [فحظ] العبد [من ذلك] كله من الدنيا المذمومة. والقسم الثالث وهو متوسط بين [الطرفين، كل حظ معجل يعين على أعمال الآخرة كالقوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، فإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا، ولا يبقى مع العبد عند الموت] إلا ثلاث صفات طهارة القلب عن أدناس الدنيا وأنسه بذكر الله تعالى وحبه لله تعالى وهذه الصفات الثلاث [هي المنجيات] المسعدات بعد الموت [وهي] الباقيات الصالحات. وسالك طريق الآخرة هو المواظب على هذه الصفات الثلاث، فالقدر الذي لا بد منه لهذه الثلاث إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا [وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم كما من أبناء الدنيا] (١) والراغبين في حظوظها ثم أطال في تقرير ذلك ﵀ ورضي عنه، قاله صاحب الديباجة [ذكره ابن رجب في شرح النواوية]. قوله ﷺ : "وأتته الدنيا وهي راغمة" الحديث، راغمة معناه كارهة، قوله: "وشتت عليه ضيعته"، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه وفرق عليه حاله وصناعته ومعاشه وما هو مهتمّ به وشعَّبه عليه ليكثر كدّه ويعظم تعبه، اهـ.

стр. 8696

وتقدم في حديث آخر: من كانت الدنيا همه، وفي حديث: هرمه وسدمه أي بغيته وشهوته، هكذا رواه بعضهم والمحفوظ: همه [وسدمه]، قاله في النهاية (١). والسدم بفتح المهملتين الهم والحرص على الشيء واللهج به. ٤٧٨٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له. رواه الترمذي (٢) عن يزيد الرقاشي عنه، ويزيد قد وثق، ولا بأس به في المتابعات، ورواه البزار (٣)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : من كانت نيته الآخرة

стр. 8697

جعل الله ﵎ الغنى في قلبه، وجمع له شمله. ونزع الفقر من بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة، فلا يصبح إلا غنيا، ولا يمسي إلا غنيا، ومن كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، فلا يصبح إلا فقيرا، ولا يمسي إلا فقيرا. رواه الطبراني (١) بلفظ تقدم في الاقتصاد. قوله: "وعن أنس"، تقدم معنى الحديث. قوله: "وعن يزيد الرقاشي"، ويزيد الرقاشي كذا. ٤٧٩٠ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ بن حيّان (٢)

стр. 8698

والبيهقي (١) من رواية الحسن عن عمران، واختلف في سماعه منه. قوله: "وعن عمران بن حصين" تقدم، قوله ﷺ : "من انقطع إلى الله كفاه الله مؤنته" الحديث، تقدم في طلب الرزق وتقدم باقي أحاديث الباب في أماكن متفرقة. ٤٧٩١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من جعل الْهم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبته الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة الدُّنْيَا هلك رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَغَيرهَا وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود.

стр. 8699

٤٧٩٢ - وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا قَالَ سَمِعت نَبِيكُم ﷺ يَقُول من جعل الهموم هما وَاحِدًا هم الْمعَاد كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبت بِهِ الهموم أَحْوَال الدُّنْيَا لم يبال الله فِي أَي أوديته هلك (١). ٤٧٩٣ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أصبح وهمه الدُّنْيَا فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٢). ٤٧٩٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أصبح حَزينًا على الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٣). قَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِي الاقتصاد فِي طلب الرزق وَغَيره غير مَا حَدِيث يَلِيق بِهَذَا الْبَاب وَيَأْتِي فِي الزّهْد إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَحَادِيث أخر.

стр. 8700

الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان ٤٧٩٥ - عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: [عليكم أنفسكم]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، وح عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله. رواه ابن ماجه (١) والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود (٣)،

стр. 8701

وزاد: قيل يا رسول الله: أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم. قوله: "عن أبي أمية الشعباني"، أبو أمية الشعباني اسمه يحمد وقال أبو أحمد العسكري: ويحمد، الياء مضمومة والحاء ساكنه غير معجمة والميم مكسورة، هكذا يقول المحصلون من أصحاب الحديث، ومن يتسامح يقول بفتح الميم، وكذلك قيده أبو نصر بن ماكولا بضم الياء وكسر الميم. ووجد بخط الحافظ أبي عبد الله الصوري بفتح الياء وكسر الميم، وقيل: إن اسمه عبد الله بن أخامر ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم أدرك الجاهلية. قال: "سألت أبا ثعلبة الخشني"، قال أبو داود: واسم أبي ثعلبة جرثوم، هذا آخر كلامه، وفي اسم ثعلبة اختلاف كثير، قيل جرثوم، وقيل جرهم، وقيل عمرو، وقيل الأشتر. قوله: "قلت: يا أبا ثعلبة. . . في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) [الحديث] أي الزموا حفظ أنفسكم لا يضركم معاصي غيركم وإنما لا يضر الرجل معاصي غيره إذا عجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاغترار والإعجاب [والمذكورات]: فدعهم

стр. 8702

ولا تأمرهم، واشتغل بإصلاح نفسك كي لا تقع معهم في المحارم والشبهات. قوله: "ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا" الحديث، فهذا قد ورد فيما يستدل به على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم القبول والانتفاع به. قوله: "حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا"، والشح المطاع هو الذي يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله عليه أو [ندب] إليها كمنع الزكاة [والنفقة] الواجبة وصدقة التطوع وما أشبه ذلك (١). قوله: "وهوى متبعا"، الهوى المتبع هو الذي يتبعه صاحبه (٢). قوله: "ودنيا مؤثرة" أي مختارة مقدمة على الآخرة، ويحرصون على جمع الأموال ويتركون الأعمال الصالحات (٣). قوله: "وإعجاب كل ذي رأي برأيه"، يعني يجد كل أحد فعل نفسه حسنا وإن كان قبيحا ولا يراجع العلماء فيما فعل بل يفتي نفسه، وقيل المغتر بأفعاله فعله القبيح حسنا، معناه عليك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن رأيت (٤). قوله: "عليك نفسك"، هو اسم فعل أي الزم نفسك. قوله ﷺ : "فإن وراءكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر" الحديث، أي فإن [قدامكم

стр. 8703

أياما صعابا شديدة] على المؤمنين الصبر فيها أفضل، فمن صبر في تلك الأيام عن القبائح والمعاصي واشتغل بعبادة الله تعالى [استحق] بمشقة الصبر ما يستحق القابض جمرة من النار بمشقته في إمساكها من الثواب، اهـ. [الصبر] فيهن: [مثل القبض على الجمر الحديث، الصابر فيهن] يعني على العبادة [و] مخالفة ما الناس عليه والقيام بالعبادات كأنما قبض على الجمر [والجمر هو الحطب المحترق قبل أن يخمد تارة، يعني كما أن أخذ النار بالكف الشديد، فكذلك الصبر مع أهل ذلك للزمان] للمشقة الحاصلة بسبب ذلك والله أعلم. قوله ﷺ : "للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله"، وزاد أبو دواد: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم. الحديث. ولهذا جعل له إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة، وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلم هؤلاء المخالفين وأهوائهم وآرائهم، فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله تعالى بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم [عن] الصراط المستقيم فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وازدرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم كما كان الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدعة، غريب في صلاته لسوء ضلالتهم. وبالجملة فهو غريب

стр. 8704

في [أمور] دنياه وآخرته، لا يجد مساعدا ولا معينا فهو عالم بين قوم جهال، صاحب سنة بين أهل البدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف (١)، اهـ. قاله في تهذيب النفوس. فائدة: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا، رواه الترمذي (٢). وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد. قلت رجاله ثقات سوى نعيم بن حماد [المذكور]، فوثقه أحمد وابن معين وأبو زكرياء وغيرهم وضعفه أبو داود والنسائي وغيرهما، ذكره الحافظ الدمياطي.

стр. 8705

٤٧٩٦ - وعن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: عبادة في الهرج كهجرة إلي. رواه مسلم (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣). قوله: "وعن معقل بن يسار" تقدم. قوله ﷺ : "العبادة في الهرج كهجرة إليّ"، الحديث. قال الحافظ الهرج هو الاختلاف والفتن، وقد فسّر في بعض الأحاديث بالقتل لأن الفتن والاختلاف من أسبابه فأقيم المسبب مقام السبب، اهـ. وخرجه الإمام أحمد ولفظه: العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ. وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ مؤمنًا [به] متبعا لأوامره مجتنبًا لنواهيه، اهـ قاله [الحافظ] ابن رجب (٤). وقال النووي (٥): المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد، [قال الشيخ أبو العباس القرطبي: المستمسك بالعبادة في ذلك

стр. 8706

الوقت والمنقطع إليها والمعتزل عن الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه ، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه تعالى، وفرّ من جميع خلقه، [انتهى]، والله تعالى أعلم. فائدة يختم بها الباب: قال عبد الواحد بن زيد استبطأ معاذ بن جبل ﵁ نفسه في الطاعة لله فغضب يوما على نفسه وخرج إلى البقيع فاتزر وألقى ثيابه وجعل [يتقلب] في الرمضاء وهو يبكي ويقول: ذوقي يا نفس جيفة بالليل بطالة بالنهار، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد من هذا الذي باهى الله به الملائكة من أصحابك في هذا اليوم؟ فقال: ما أدري. قال: فانطلق معي أركه، فجاء به إلى بقيع الغرقد فلما بصُر بهما [لبس] ثيابه وجعل يعتذر إليهما، فقال له النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله إن نفسي أعيتني فأردت أن أذكرها عذاب الله ، قال: فإن الله قد باهى بك الملائكة فلك عند الله دعوة مستجابة فادع لإخوانك. فقال: اللهم اجمع على الهدى أمرنا. فقال رسول الله ﷺ : زدهم. فقال: اللهم اجعل التقوى زادنا. قال: زدهم. قال: اجعل الجنة مآبنا. قال: آمين آمين وجبت (١)، ذكره أيضًا صاحب تهذيب النفوس [والله تعالى أعلم بالصواب].

стр. 8707

الترغيب في المداومة على العمل ٤٧٩٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يحجزه بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل (١). ٤٧٩٨ - وفي رواية (٢): وكان آل محمد إذا عملوا عملا وأثبتوه. ٤٧٩٩ - وفي رواية (٣) قالت: إن رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل. ٤٨٠٠ - وفي رواية (٤): أن رسول الله ﷺ قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. رواه البخاري (٥) ومسلم (٦). ولمالك (٧) والبخاري (٨) أيضًا: قالت: كان أحب

стр. 8708

الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه. ولمسلم (١): كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وكانت عائشة ﵂ إذا عملت العمل لزمته. ورواه أبو داود (٢)، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكان إذا عمل عملا أثبته. ٤٨٠١ - وفي رواية له (٣) قال: سألت عائشة ﵂ كيف كان عمل رسول الله ﷺ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع. ورواه الترمذي (٤) ولفظه: كان أحب الأعمال إلى رسول الله ﷺ ما ديم عليه. ٤٨٠٢ - وفي رواية له (٥): سئلت عائشة وأم سلمة ﵄: أي العمل كان أحب إلى رسول الله ﷺ قالا: ما ديم عليه وإن قل. [يحجره]: أي يتخذه حجرة وناحية ينفرد عليه فيها. [يثوبون]: بثاء مثلثة ثم واو ثم باء موحدة: أي يرجعون إليه، ويجتمعون عنده. أحب العمل ما داوم عليه العبد.

стр. 8709

قوله: "عن عائشة"، تقدمت ترجمتها. قولها: "كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يحجزه بالليل فيصلي عليه" الحديث، يحجزه: قال صاحب النهاية (١) أو غيره: بضم الياء وفتح الحاء وكسر الجيم المشددة، اهـ، أي يتخذه [حجزة] وناحية ينفرد عليه فيها كذا فسره المنذري. وفي رواية كان لرسول الله ﷺ حصير يبسطه بالنهار ويحجزه بالليل وفي رواية يحتجزه أي بجعله لنفسه دون غيره ومنه يقال حجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك ومنه حجر القاضي على المفلس وغيره وأصله المنع، ذكره ابن الأثير، وكذا صاحب المغيث (٢)، وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ من الزهادة في الدنيا والإعراض عنها والإجزاء من متاعها ما لا بد منه. قوله: "فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ يصلون بصلاته"، ضبطه الحافظ وفسره فقال أي يرجعون إليه ويجتمعون عنده، اهـ. قوله ﷺ : "خذوا من الأعمال ما تطيقون" الحديث، أي ما تطيقون من الدوام عليه بلا ضرر وفيه دليل على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا بالصلاة بل هو عام في جميع أعمال البر. قوله: "فإن الله لا يمل حتى تملوا"، هو بفتح الميم فيها، وفي الرواية الأخرى: لا يسأم حتى تسأموا، وهما بمعنى قال العلماء: الملل والسآمة

стр. 8710

المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويل الحديث، قال المحققون معناه لا يعاملكم معاملة المالّ فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا [أعمالكم]، وقيل معناه لا يمل إذا مللتم، قاله ابن قتيبة وغيره. [وفي هذا الحديث كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتثمر العبادة بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشقّ فإنه بصدد أن يتركه كله أو بعضه أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم، وقد ذمّ الله من اعتاد عبادة ثم فرط فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١). وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاصي على تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ في تخفيف العبادة، [و] مجانبة التشديد بقوله يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ] (٢). فإن قلت الملال لا يصح لا على الله تعالى فما وجهه. قلت الملال كناية عن عدم القبول أي فإن الله يقبل طاعتكم حتى تملوا فإنه لا يقبل ما يصدر منكم على سبيل الملالة وأطلق الملال على طريقة المشاكلة وقال

стр. 8711

الخطابي: هو كناية عن الترك، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل، قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : "إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قلّ"، [وفيه] الحث على المداومة على العمل وأن قليله خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة والله أعلم. قوله: "وكان آل محمدا إذا عملوا عملًا أثبتوه"، [أي لازموه وداوموا عليه] (٢)، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته وخواصه ﷺ من أزواجه وقرابته ونحوهم. قوله: "وفي رواية قالت: أن رسول الله ﷺ سئل أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قلّ"، قال بعض السلف: أدركت من أصحاب النبي ﷺ أكثر من سبعين فما رأيت قوما أهون سيرة ولا أقلّ تشديدا منهم. والمعنى [في] ذلك أن النفس [بدوام] العبادة على وجه القلة تألف ولا يحصل لها ملال وسآمة يفضي إلى ترك تلك العبادة فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره [من] قوته وضعفه استقام سيره ومن حمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث

стр. 8712

له مرض يمنعه من العمل بالكلية وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير كالمنبت فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. قوله: "في رواية أبي داود: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون"، اكلفوا بفتح اللام معناه خذوا وتحملوا، يقال كلفت بهذا الأمر أكلف به إذا [أولعت] وأحببته، قاله في النهاية (١). قوله: "فإن الله لا يمل حتى تملوا"، الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء فيوجب الكلال والإعراض عنه، فمعنى الحديث والله أعلم: اعملوا حسب طاقتكم فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط فإذا فترتم فاقعدوا فإنكم إذا مللتم عن العبادة وأتيتم بها على فتور كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول عنكم والداعي إلى [هذا] التجوز قصد الازدواج وله في القرآن نظائر، ومعناه فإن الله لا يمل أبدا وإن مللتم فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم والله أعلم. قوله: "كان عمله ديمة"، بكسر الدال وإسكان الياء [أي يدوم عليه ولا يقطعه والديمة المطر الدائم في سكون] (٢)، شبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد، [بديمة] المطر الدائم، ومنه حديث حذيفة، وذكر الفتن فقال: إنها

стр. 8713

لآتيتكم [ديمة] (١)، ديما أي أنها تملأ الأرض في دوام ودِيَم جمع ديمة المطر والله أعلم. ٤٨٠٣ - وعن أم سلمة قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى كان أكثر صلاته، وهو جالس، وكان أحب العمل ما داوم عليه العبد وإن كان شيئا يسيرا رواه ابن حبان في صحيحه (٢). قوله: "وعن أم سلمة": تقدمت ترجمتها. قولها: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كان أكثر صلاته وهو جالس" الحديث. فرع: قال العلماء: يجوز فعل النوافل قاعدا مع القدرة على القيام بالإجماع لقوله ﷺ : من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد، رواه البخاري (٣) ولمسلم (٤) نحوه. [ولحديث أم سلمة هذا قيد عند النسائي وهو قولها إلا المكتوبة - وفي رواية:

стр. 8714

إلا الفريضة -] وفي جوازه مضطجعا ومومئا وجهان أصحهما لا يجوز مؤمئا ويجوز مضطجعا إذا أتى بالركوع والسجود. ونقل الخطابي وابن عبد البر الإجماع على منع الاضطجاع فيها وهو غريب فقد جوزه الحسن البصري كما حكاه الترمذي عنه ولا فرق بين الرواتب وغيرها. وقال ابن كج لا يصلي العيد والكسوف والاستسقاء قاعدا كالجنازة (١) [والله تعالى أعلم بالصواب].

стр. 8715

الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم ٤٨٠٤ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا ينجو منها إلا كل مخف. رواه البزار (١) بإسناد حسن. قوله: "عن أبي الدرداء" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن بين أيديكم عقبة كؤودا" الحديث، العقبة الكئود بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة هي العقبة الصعبة. قاله الحافظ المنذري. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابح: الكئود هي العقبة الوَعِرة الصعبة المرتقى. قوله: "لا ينجو منا إلا كلّ مخف"، المخف الخفيف الحال يقال أخف الرجل إذا خفت حاله. ٤٨٠٥ - وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قال: قلت له: مالك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة. رواه الطبراني (٢) بإسناد صحيح.

стр. 8716

[الكؤود] بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة: هي العقبة الصعبة. قوله: "وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء"، أم الدرداء هي خيرة بفتح الخاء المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان ﵁. قاله الكرماني (١). وتقدم الكلام على ترجمة أبي الدرداء. قوله ﷺ : "إنّ من وراءكم عقبة كئودا" أي أمامكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٢)، لأن العقبة إذا كانت أمام المسافر وقدامه هي التي يخافها لأنه يحتاج إلى أن يقطعها فأما التي تكون خلفه فإنه لا يبالي بها. والكئود الشاقة [الصعبة]، وتقدم ذلك. قاله شارح الأربعين الودعانية. قوله: "لا يجوزها المثقلون"، الحديث، وفي حديث آخر خففوا أثقالكم الحديث الأثقال جمع ثقل بفتحتين وهو متاع المسافر ومتاع البيت وجمع ثِقْل أيضًا بوزن حِمل. قال الله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ (٣)، والمراد بها في الحديث الخطايا والأوزار، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (٤)، والمراد بتخفيف الأثقال تقليل الذنوب والخطايا والله أعلم. قوله:

стр. 8717

"فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة" الحديث. يقال أخف الرجل فهو مُخِف وخفّ وخفيف إذا خفت حاله ودابته وإذا كان قليل الثقل يريد به المخف من الذنوب وأسباب الدنيا وعلقها ومنه الحديث الآخر: نجا المخفّون، ومنه حديث ابن مسعود أنه كان خفيف ذات اليد، أي فقيرا قليل المال والحظّ من الدنيا، ويجمع الخفيف على أخفاف، اهـ، قاله في النهاية (١). ٤٨٠٦ - وروي عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يوما وهو آخذ بيد أبي ذر، فقال: يا أبا ذر: أعلمت أن بين أيدينا عقبة كؤودا لا يصعدها إلا المخفون. قال رجل: يا رسول الله أمن المخفين أنا أم من المثقلين؟ قال: عندك طعام يوم؟ قال: نعم، وطعام غد. قال: وطعام بعد غد؟ قال: لا. قال: لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين. رواه الطبراني (٢). قوله: "وروي عن أنس"، تقدم. قوله: "خرج رسول الله ﷺ يوما وهو آخذ بيد أبي ذر"، وفي الحديث ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر، الحديث. الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض. توفي ﵁ بالربذة وهي بلدة معروفة على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق، وتقدمت ترجمته ﵁. وتقدم الكلام على حديثه في الحديثين قبله.

стр. 8718

٤٨٠٧ - وعن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنعة ليس عليها أثر المحاسن، ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وإنا أن تأتي عليه، وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه، ونحن مواقير. رواه أحمد (١)، ورواته رواة الصحيح. [الدحض] بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضًا، وآخره ضاد معجمة: هو الزلق. قوله: "وعن أبي أسماء" اسمه عمرو بن مرثد الرحبى الشامى الدمشقى قال ابن سميع: اسم أبيه أسماء روى عن ثوبان وأبي ذر وشداد بن أوس ومعاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني وعمرو البكالي وأبي الأشعث الصنعاني إن كان محفوظا روى عنه أبو الأشعث الصنعاني وأبو قلابة الجرمي وشداد بن عمار ومكحول الشامي وراشد بن داود الصنعاني ويحيى بن الحارث الذماري وربيعة بن يزيد القصير وصالح بن جبير. قال

стр. 8719

العجلي: شامي تابعي ثقة ذكره بن حبان في الثقات وقال ابن زبر: الرحبي نسبة إلى رحبة دمشق قرية من قراها بينه وبين دمشق ميل رأيتها عامرة قلت وذكر أبو سعد بن السمعاني أنه من رحبة حمير وقال: مات في خلافة عبد الملك بن مروان ويروي عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله. قوله: "أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنعة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق" الحديث. المشنعة القبيحة، يقال: منظر شنيع وأشنع ومشنع، قاله ابن الأثير في النهاية (١)، وفي بعض نسخ الترغيب: وعنده امرأة سوداء شعثة، ولعله تصحيف، والشعثة بكسر العين المهملة الشعثاء وهي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر، قاله الكرماني (٢). قوله: "ليس عليها أثر المجاسد" هي جمع مجسد بضم الميم وهو المصبوغ المشبع بالجسد وهو الزعفران أو العصفر. قاله في النهاية (٣). وقال صاحب المغيث (٤) المجاسد هي جمع مجسد بضم الميم وهو الثوب المصبوغ المشبع بالجساد وهو الزعفران والعصفر أيضًا والمجسد بكسر الميم الثوب الذي يلي الجسد، اهـ. وقال بعضهم أيضًا المجاسد الثياب الحمر واحدها مجسد، اهـ. والخلوق بفتح الخاء المعجمة طيب يخلط

стр. 8720

بزعفران. قوله: "ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء" يعني امرأته، "تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم" الحديث. السويداء تصغير السوداء، والعراق إقليم معروف. كذا قوله: "وإن خليلي ﷺ عهد إلي أنّ دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة" الحديث، عهد إليّ: أوصاني. وقوله: "طريقا ذا دحض ومزلة" الدحض بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضًا، وآخره صاد معجمة، هو الزلق، قاله الحافظ. والمزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان بالكسر والفتح، هو المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت. قوله: "وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير" الحديث. قوله: وأحرى، بالحاء المهملة، مقصورا معناه أولى وأوجب والمواقير جمع موقر وهو الذي حمل فوق طاقته، قاله الحافظ الدمياطي، والوِقر بكسر الواو الحمل وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار، والله أعلم. ٤٨٠٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله ليحمي (١١) عبده المؤمن الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب (١٢). رواه الحاكم (١)، وقال: صحيح الإسناد.

стр. 8721

قوله: "وعن أبي سعيد" تقدم. قوله: "إنّ الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب" الحديث، أي كما تمنعون مريضكم الطعام والشراب، والحمية المنع، فأشار إلى الحمية والحمية الدينية، الحمية أصلها من حميته حماية أي دافعت [عنه]، تقول حميت المريض الطعام حمية وحموة واحتميت من الطعام احتماء. قال الشيخ أبو عبد الله القرطبي (١)، في شرح الأسماء الحسنى: حكي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن حسين ليس في كتابكم من علم الطيب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له علي: قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا، فقال: ما هي؟ فقال: قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢)، فقال النصراني: لا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ فقال علي: رسولنا ﷺ جمع الطيب في كلمات يسيرة، قال: ما هي؟ قال: المعدة بيت الأدواء والحِمْيَة رأس الدواء، وأعطِ كل جسد ما عودته. فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. ثم قال: قال علماؤنا: يقال أن معالجة المريض نصفان نصف دواء ونصف حمية، فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برئ وصح وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية وقد تنفع الحمية مع ترك الدواء، ويقال أن الهند جل معالجتهم بالحمية؛ [يمتنع] المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة [عدة

стр. 8722

أيام، فيبرأ و] يصح، وقال بعض الحكماء أكبر الدواء تقدير الغذاء وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى بيانًا شافيًا يغني عن كلام الأطباء فقال: ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، الحديث. قال العلماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه، وقالوا ليس للبطنة أنفع من جوعة [تتبعها]، اهـ. قاله في الديباجة. ٤٨٠٩ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. رواه الطبراني (١) بإسناد حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم (٣) بلفظ

стр. 8723

من حديث أبي قتادة وقال الحاكم: صحيح الإسناد. قوله: "وعن رافع بن خديج" تقدم. قوله ﷺ : "إذا أحبّ الله عبدا حماه الدنيا" تقدم معناه في الحديث قبله. ٤٨١٠ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، ورواه أحمد (٣) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو إلا أنه قال فيه: واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء. قوله: "وعن ابن عباس" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" الحديث، الاطلاع عبارة كذا. ٤٨١١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن موسى صلوات الله وسلامه عليه قال: أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا؟ قال: فيفتح له باب من الجنة فينظر إليها، قال له: يا موسى: هذا ما أعددت له، فقال موسى: أي رب وعزتك وجلالك لو كان أقطع اليدين والرجلين يسحب على

стр. 8724

وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط. قال: ثم قال موسى: أي رب عبدك الكافر توسع عليه في الدنيا؟ قال: فيفتح له باب من النار، فيقال له: يا موسى! هذا ما أعددت له. فقال موسى: أي رب وعزتك وجلالك لو كان له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره كأن لم ير خيرا قط. رواه أحمد (١) من طريق ابن لهيعة عن دراج. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم. قوله ﷺ : "عن موسى ﷺ أنه قال أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا" الحديث، التقتير عبارة عن التضييق في الرزق، ضد التوسع في الرزق. قوله: "لم ير بؤسا قط" البؤس والبأس هو الشدة. قوله في آخر الحديث: "من طريق ابن لهيعة" وابن لهيعة اسمه عبد الله تقدم الكلام عليه. تنبيه: قال ابن عباس ﵄: شكى نبي من الأنبياء إلى ربه فقال: يا رب أطيعك وأجتنب معاصيك وتزوي عني الدنيا وتعرض لي البلاء، والكافر يعصيك وتبسط له الدنيا. فأوحى الله تعالى إليه: إن العباد لي والبلاد لي وكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته ويكون للكافر حسنات فأبسط له الدنيا وأزوي عنه البلاء جزاء بحسناته وزيادة

стр. 8725

في درجاته، اهـ. تنبيه: قال القاضي عياض (١): انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم والله أعلم كذا كذا كذا. ٤٨١٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني، ولا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار رواه أحمد (٢) والبزار (٣)، ورواتهما ثقات، وابن

стр. 8726

حبان في صحيحه (١). قوله: "وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" تقدم. قوله ﷺ : "هل تدرون أو من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الفقراء المهاجرون" الحديث، وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنا مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته. فائدة: مراد القوم وهم السادة الصوفية بالفقر تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تنافيه الجِدَة ولا الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذورته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل ﵊ كان أبا الضيفان وكانت له المواشي والأموال وكذلك كان سليمان ﵇ وكذلك داود وكذلك نبينا ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٢) فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم،

стр. 8727

فالفقر الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه. وقيل: أركان الفقر أربعة: ذكر يؤنسه وورع يحجزه ويقين يحمله وعلم يسوسه. وقال الشبلي: حقيقة الفقر أن لا تستغني بشيء دون الله (١)، قاله في تهذيب النفوس. قوله: "المهاجرون" المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة لإظهار دين الله تعالى. قوله: "تُسدّ بهم الثغور"، [الثغور] جمع ثغر وهو الموضع الذي يكون حدا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار؛ وهو موضع المخافة من أطراف البلاد. قوله: "وتتقى بهم المكاره" جمع مكره وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره بالضم والفتح: المشقة. ٤٨١٣ - وعن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إن حوضي ما بين عدن إلى عمان أكوابه عدد النجوم، ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، وأكثر الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. قلنا: يا رسول الله صفهم لنا قال: شعث الرؤوس دنس الثياب الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد الذين يعطون ما عليهم، ولا يعطون ما لهم. رواه الطبراني (٢)،

стр. 8728

ورواته رواة الصحيح، وهو في الترمذي (١) وابن ماجه (٢) بنحوه. [السدد] هنا: هي الأبواب. قوله: "وعن ثوبان" هو مولى رسول الله ﷺ ، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن حوضي ما بين عدن إلى عمان" الحديث، عدن بلدة معروفة في اليمن مما يلي البحر سميت برجل من حمير عدن بها أي أقام وهي مدينة لطيفة وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى [البحرين]. ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها [تجلب] بضائع هذه الأقاليم ويحيط بها من شمالها جبل دائر [من] البحر إلى البحر [وفي طرفيه نقبان] كالبابين يدخل منهما ويخرج وبينهما [وبين] البابين مدينة [الزنج] مسيرة أربعة أيام وعمّان البلقاء بتشديد الميم وفتح العين [فهي] قرية من عمل دمشق بالشام وسميت بعمّان بن لوط بن هاران كان سكنها فيما ذكروا وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض أبسط من هذا.

стр. 8729

قوله: "أكوابه عدد النجوم" [الأكواب] جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض. تنبيه: قال النووي (١): الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم وقال القاضي عياض (٢) هذا إشارة إلى كثرة العدد وغاية الكثرة من باب قوله ﷺ : لا يضع العصى عن عاتقه والله، وسيأتي ذلك في أحاديث الحوض، والله أعلم. قوله: "قلنا يا رسول الله صفهم لنا. قال: شعث الرءوس دنس الثياب"، الحديث، الشعب بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسله وتسريح شعره، والدنس ثيابا بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ. قوله: "ولا تفتح لهم السّدد" قال الحافظ: السدد هنا هي الأبواب، اهـ، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم. ٤٨١٤ - وعن أبي سلام الأسود أنه قال لعمر بن عبد العزيز: سمعت ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأوانيه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم السدد. قال عمر: لكني قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك،

стр. 8730

وفتحت إلي السدد، لا جرم أني لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ. رواه الترمذي (١)، وابن ماجه (٢) والحاكم (٣)، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن أبي سلام الأسود" كذا. قوله: "أنه قال لعمر بن عبد العزيز" الحديث. وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي التابعي الخليفة الراشد وهو أشج [بني أمية]، أجمع على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على المسلمين، صلى أنس بن مالك خلف قبل خلافته ثم قال ما رأيت أحدا

стр. 8731

أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما نحو خلافة الصديق ﵁ فملأ الأرض قسطا وعدلا ولي الأمر بعهد من سليمان بن عبد الملك له وذلك أنه لما توفي سليمان [صاح النساء عليه، تحيَّر الناس]، فخرج [إليهم] (١) رجاء بن حيوة ومعه ابن معبد فقال رجاء إن سليمان مات وقد أعلمتكم في حياته [أنه قد عهد] عندي عهدا وها هو [ففضّ] فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان أمير المؤمنين إلى أمة محمد ﷺ سلام عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على محمد ﷺ ، وقد استخلفت عليكم عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك من بعده اسمعوا لهما وأطيعوا، والسلام. بكى عمر بن عبد العزيز يوما فبكت زوجته فاطمة لبكائه وبكت أهل الدار معهما ثم قالت له زوجته يا أمير المؤمنين [مم] بكيت؟ قال: يا فاطمة ذكرت منصرف القوم بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير ثم خر وغشي عليه. وقال ﵁ لها: تمت حجة الله على ابن الأربعين فمات لها عمر لعشر [ليال] بقين من رجب وقيل لست سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر. وتوفي بدير سمعان من أرض حمص وقبره هناك، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد
следующие страницы →