← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8832–8871 · переход к 8837.

стр. 8832

٤٨٦٠ - وروي عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما تزين الأبرار في الدنيا بمثل الزهد في الدنيا. رواه أبو يعلى (١). قوله: "وروي عن عمار بن ياسر"، ياسر ضد العاسر، دعا له رسول الله ﷺ بأمانه من الشيطان، [وأمّه سمية جارية لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجها ياسر، فولدت له عامر فأعتقه أبو حذيفة فهو مولاه، قاله الكرماني (٢)، والله تعالى أعلم] فهو عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن [الحصين العنسي] بالنون، الشامي الدمشقي كان من السابقين إلى الإسلام، وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن أسلم أولا، وكان إسلام عمار وصهيب في وقت واحد، كان النبي ﷺ في دار الأرقم، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا وكان هو وأبوه وأمه يعذبون في الله على إسلامهم ويمر بهم النبي ﷺ فيقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وقتل أبو جهل سمية ﵂ فهي أول [قتيلة] في الإسلام [وأبوه ياسر أول مقتول في الإسلام] (٣)، وقتل عمار بصفين مع علي بن أبي طالب في شهر ربيع الأول،

стр. 8833

وقيل الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن بضع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بها ولم يغسله، وقال قبل أن يقتل ايتوني بشربة لبن فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، وفي الصحيحين (١) أن النبي ﷺ قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، الفئة الباغية هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام، وأصل البغي مجاوزة الحد، وكان الصحابة يوم صفين يتبعونه حيث توجّه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لهذا الحديث، واستعمله عمر على الكوفة، [وفي] حديث علي بن أبي طالب أنه قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فاستأذن عمار فقال: مرحبا بالطيب المطيب، رواه أحمد (٢) والحاكم (٣) والترمذي (٤) وزاد في الرواية الأخرى أنه ملئ إيمانا

стр. 8834

من قرنه إلى قدمه. ومعنى الطيب المطيب الطاهر المطهر لأنه مطهر من الشرك ومن الغلّ والحسد والأخلاق الذميمة. وقال الحاكم كان عمار وأبوه وأمه أهل بيت إسلام، وكان بنو المخزوم يعذبونهم [وأمّه سمية جارية لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي وزوَّجها يسارا فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فهو مولاه. قاله الكرماني (١) وغيره والله أعلم] (٢). قوله ﷺ : "ما تزين الأبرار بمثل الزهد في الدنيا" الأبرار جمع بار وهو الذي يكثر بره ويتسع إحسانه ويتجنب العقوق والعصيان وتقدم الكلام على الزهد في الدنيا. ٤٨٦١ - وروي عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم من يزهد في الدنيا فادنوا منه، فإنه يلقى الحكمة. رواه أبو يعلى (٣). قوله: "وعن عبد الله بن جعفر" هو ابن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إذا رأيتم من يزهد في الدنيا فادنوا منه"، الدنو القرب. قوله: "فإنّه يُلقَّن الحكمة" تقدم الكلام على الحكمة في كتاب العلم. وروي عن

стр. 8835

أبي ذر ﵁ (١) قال: قال رسول الله ﷺ : ما زهد عبد في الدنيا إلا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصّره عيب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام. ٤٨٦٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ لا أعلمه إلا رفعه قال: صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل. رواه الطبراني (٢)، وإسناده محتمل للتحسين، ومتنه غريب. قوله: "وعن عبد الله بن عمر" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: "لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي ﷺ " ليس شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافي الشك بل جزم

стр. 8836

[برفعه] إلى النبي ﷺ ، اهـ. قوله: "صلاح أول هذه الأمة الزهادة" وفي نسخة: "بالزهد واليقين" تقدم الكلام على الزهد. ٤٨٦٣ - وروي عن أنس ﵁ يرفعه قال: ينادي مناد: دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها. من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه أخذ حتفه، وهو لا يشعر. رواه البزار (١)، وقال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. قوله: "وعن أنس" تقدم، وقوله: "ينادي مناد دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها" الحديث، قيل: دخل قوم إلى الحسن فشكوا الشيطان إليه، قال قد خرج من عندي الساعة وشكى منكم، وقال: قل لهم يتركوا دنياي حتى أترك لهم دينهم، اهـ. قوله: "من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر" الحديث، الحتف الموت، ولا يشعر أي لا يعلم. ٤٨٦٤ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير الذكر الخفي. وخير الرزق أو العيش ما يكفي، الشك من ابن

стр. 8837

وهب. رواه أبو عوانة (١) وابن حبان في صحيحيهما (٢) والبيهقي (٣). قوله: "وعن سعد بن أبي وقاص" تقدم. قوله: "خير الذكر الخفي" الحديث، تقدم الكلام عليه في كتاب الذكر والدعاء. ٤٨٦٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء. رواه مسلم (٤) والنسائي (٥). وزاد: فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.

стр. 8838

قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم. قوله: "إن الدنيا خضرة حلوة" الحديث، ومعناه يحتمل أن المراد به شيئان أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلبا حثيثا فكذا الدنيا، والثاني سرعة فنائها كالفاكهة الخضراء فإنها سريعة الذهاب فشبه الدنيا بالشيء الأخضر في هذين الوصفين الدنيا في الحال حلوة خضرة وفي المآل مرة كدرة، [فنعمت] المرضعة وبئست الفاطمة، "شعر": إنما الدنيا نهار ضوءُهُ ضوء مُعارُ ... بينما عيشك غضٌّ ناعمٌ فيه اخضرارُ إذ رمَاه زمَنَاهُ فإذا فيه اصفرارُ ... وكذلك الليل يأتي ثم يمحوه النهارُ الذي بشّر أمته بفتح الدنيا عليهم حذّرهم من الاغترار بزهرتها وخوفهم من خضرتها وحلاوتها وأخبرهم بخرابها وفنائها وأن بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك ومن لم يقف معها وسار إلى تلك وصل ونجا، قاله ابن رجب (١). قوله ﷺ : "وإن الله مستخلفكم فيها"، الحديث، أي جعلكم خلفا من القرن الذي قبلكم فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم وقيل معنى مستخلفكم فيها جاعلكم فيها أي جاعلكم خلفاء في الدنيا تملكونها وتتصرفون فيها وقيل استخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم وحذرهم من فتنة الدنيا وفتنة النساء خصوصا فإن النساء أول ما ذكره الله تعالى من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ

стр. 8839

حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (١) الآية. تنبيه: في بعض الأحاديث: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، هكذا في جميع النسخ، فاتقوا الدنيا ومعناه اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء، ويدخلن في النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن والله أعلم]. (٢) وفي الحديث تنبيه على التحذر من الدنيا ومن خداعها. قال معاوية ﵁ (٣): أما أبو بكر الصديق فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر ﵁ فقد أرادته ولم يُردها وأما عثمان فقد نالها ونالت منه وأما نحن فقد تمرغنا فيها ظهرا لبطن فلا أدري إلى ما يصير الأمر والله أعلم. ٤٨٦٦ - وعن عمرة بنت الحارث ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها، ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة. رواه الطبراني (٤) بإسناد حسن.

стр. 8840

قوله: "وعن عمرة بنت الحارث" بن أبي ضرار الخزاعي أخت أم المؤمنين جويرية. قوله: "إن الدنيا خضرة حلوة" الحديث، خضرة أي غضة ناعمة طرية، أراد صورة الدنيا ومتاعها حسن المنظر يعجب الناظر وقيل الدنيا حلوة خضرة أي الدنيا حلوة خضرة في ظاهر البصر، مرّة خبيثة في باطن البصيرة، فهي كالحية، مسّها ليّن وسمها قاتل. قوله: "فمن أخذها بحقها بورك له فيها" الحديث، ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه، ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه، فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر، فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق بل هو خير مقيد، فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له وإلا كان شرًّا له. قوله ﷺ : "ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة" الحديث، [ومال الله بيت المال والزكاة والغنيمة والفيء] (١). وأصل الخوض المشي في الماء وتحريكه ثم يستعمل في التلبس بالأمر والتصرف فيه والتخوض بفعل منه أي رب متصرف في مال الله تعالى بما لا يرضاه. وقيل هو [التخليط] (٢) في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن، وفي حديث آخر يتخوضون في مال الله، والمراد بمال الله ورسوله الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها

стр. 8841

وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية، وكذلك أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك؛ وفي هذا تنبيه على أن من يخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها كمال الربا ومال الأيتام والذي من أكله أكل نارا أو المغصوب والسرقة والغش في البيوع والخداع والمكر وجحد الأمانات والدّعاوى الباطلة ونحوها من الحيل المحرّمة أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدا، فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم فما تفي لذتها بتبعتها كما قيل: تفنى اللذاذة [ممن] نال لذتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبّتها ... لا خير في لذة من بعدها النار قاله ابن رجب (١). ٤٨٦٧ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلا النار. رواه الطبراني في الكبير (٢). ورواته ثقات.

стр. 8842

قوله: "عن عبد الله بن عمرو" تقدم، قوله ﷺ : "الدنيا خضرة حلوة" الحديث، وخضرتها بهجة منظرها وحلاوتها طيب طعمها، فلذلك تشتهيها النفوس وتسارع إلى طلبها، وتقدم معنى ذلك مبسوطا في حديث أبي سعيد المتقدم. قوله: "ورب متخوّض فيما اشتهت نفسه"، وتقدم معنى التخوض في الحديث قبله مبسوطا. ٤٨٦٨ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قضى نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلى زينة المترفين كان مهينا في ملكوت السموات، ومن صبر على القوت الشديد صبرا جميلا أسكنه الله من الفردوس حيث شاء. رواه الطبراني في الأوسط (١) والصغير (٢) من رواية إسماعيل بن عمرو البجلي، وبقية رواته رواة الصحيح، ورواه الأصبهاني (٣) إلا أنه قال: كان ممقوتا في ملكوت السموات، والباقي مثله.

стр. 8843

قوله: "وعن البراء بن عازب"، البراء بالمد على المشهور، وقيل بالقصر وهو أبو عُمارة بضم العين ويقال: أبو [عمرو] ويقال: أبو الطفيل بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي الحارثي المدني نزل الكوفة وتوفي بها في أيام مصعب بن الزبير وأبوه عازب بالعين المهملة وبالزاي صحابي أيضًا على الأشهر، قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : "من قضى نهمته من الدنيا" والنهمة بفتح النون وإسكان الهاء أي شهوته ورغبته والنهمة بلوغ الهمة في الشيء. قوله ﷺ : "ومن مدّ عينيه إلى زينة المترفين كان مهينا في ملكوت السماوات والأرض" الحديث. المترفين جمع مترف وهو المنهمك في طيبات الدنيا ولذاتها، وقيل المترفون هم المتنعمون المتوسعون في ملاذ الدنيا وشهواتها ومنه الحديث أن إبراهيم ﵇[فرّ به من جبار مترف] وملكوت السموات والأرض عبارة عن خلق السماوات والأرض. قال مجاهد: ظهرت له السماوات إلى العرش حتى نظر إليها، وظهرت له الأرضون حتى نظر إليها. قوله: "أسكن الله من الفردوس حيث شاء" الفردوس أعلى الجنة، وقوله في رواية الأصبهاني: كان ممقوتا في ملكوت السموات والأرض، المقت هو أشد البغض وتقدم معناه مرارا.

стр. 8844

٤٨٦٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريما. رواه ابن أبي الدنيا (١)، وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعا، والموقوف أصح. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم أنه عبد الله بن عمر حيث أطلق، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في أول حديث الغار من هذا التعليق، وتقدم الكلام على العبادلة منهم. قوله: "لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته" الحديث، قال الفقيه أبو الليث السمرقندي من أصاب شيئا من الدنيا من حلال فلا يكون آثما في أخذه [وإن] تركه كان أنفع لآخرته، لهذا الحديث، وهو قوله: "من أصاب شيئا من الدنيا نقص من درجاته وإن كان على الله كريما". تنبيه: في بعض الأحاديث: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، هكذا في جميع النسخ، فاتقوا الدنيا ومعناه اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء، ويدخلن في النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن والله أعلم. ٤٨٧٠ - وروي عن ثوبان ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا؟ قال ما سد جوعتك، ووارى عورتك، وإن كان لك بيت يظلك فذاك

стр. 8845

وإن كانت لك دابة فبخ. رواه الطبراني في الأوسط (١). قوله: "وعن ثوبان" هو مولى رسول الله ﷺ ، تقدم الكلام عليه. قوله: "وإن كان لك دابة فبخ" الحديث، بخ كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وصلت جررت ونونت فقلت بخ بخ، وربما شددت. وبخبخت الرجل، إذا قلت له ذلك. ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه. وقد كثر مجيئها في الحديث. ٤٨٧١ - وعن أبي عسيب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر ﵀ فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب فقال: لتسألن عن هذا يوم القيامة. قال: فأخذ عمر ﵀ العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم إلا

стр. 8846

من ثلاث: خرقة كف بها عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر. رواه أحمد (١)، ورواته ثقات. قوله: "وعن أبي عسيب"، أبو عسيب اسمه أحمر ووقع في الاستيعاب أحمر بن عسيب، مولى رسول الله ﷺ . قوله: "فانطلق حتى دخل حائطا" الحديث، الحائط هو البستان إذا كان [له] سياج دائر. قوله: فجاء بعذق، العذق بكسر العين العرجون بما فيه من الشماريخ، وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ، والشمراخ الذي عليه البسر، وأما العذق بفتح العين هو النخلة. قوله: "لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة" سيأتي الكلام على هذا السؤال قريبا إن شاء الله تعالى. ٤٨٧٢ - وعن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء. رواه الترمذي (٢).

стр. 8847

والحاكم (١) وصححاه والبيهقي (٢)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : كل شيء فضل عن ظل بيت، وكسر خبز، وثوب يواري عورة ابن آدم فليس لابن آدم فيه حق. قال الحسن. فقلت لحمران: ما يمنعك أن تأخذ؟ وكان يعجبه الجمال، يا أبا سعيد إن الدنيا تقاعدت بي. [الجلف]: بكسر الجيم وسكون اللام بعدهما فاء: هو غليظ الخبز وخشنه، وقال النضر بن شميل: هو الخبز ليس معه إدام. قوله: "وعن عثمان بن عفان" يجوز في عفان الصرف وعدمه وعثمان كنيته أبو عمرو ويقال أبو عبد الله ويقال أبو ليلى، وتقدم الكلام على مناقب عثمان مبسوطا. قوله: "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يكنه وثوب

стр. 8848

يواري عورته وجلف الخبز والماء"، أراد بالحق هنا ما لا يعيش بدونه، فينبغي للإنسان أن لا يضيع عمره في تحصيل المال إلا ما لا بد منه ولو ثوب يكسو به عورته وبيت يسكن فيه يقيه من الحر والبرد وجلف خبز، الحديث، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر كان القلب منصرفا إلى تدبيرها ولا يتفرغ للعبادة. قال الحافظ: الجلف بكسر الجيم وسكون اللام بعدها فاء هو غليظ الخبز وخشنه، وقال النضر بن شميل هو الخبز ليس معه إدام. قاله المنذري في الأصل. وقال الترمذي (١) سمعت أبا داود سليمان بن مسلم البلخي يقول سمعت النضر بن شميل يقول: الجلف الخبز ليس معه إدام. وعن الحسن (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث لا يحاسب العبد بهنّ كسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري عورته، وظل حصن يستظل به. وعن المطلب بن عبد الله قال (٣): لقد دخلت خير نساء العرب على سيد المرسلين أوّل العشاء عروسا وقامت آخر الليل تطحن، وهي أم سلمة ﵂. فائدة: النضر بن شميل المذكور بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شُميل بضم الشين المعجمة المازني أبو الحسن البصري من تابع التابعين، الساكن بمرو. قال ابن المبارك: هو أحد الأحَدَين وهو إمام في العربية

стр. 8849

والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمَروْ وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين. [يروى] أنه دخل على المأمون ووقع بينهما محادثة مآلها إلى الفرق بين السداد بفتح السين الذي هو القصد في الدين وبكسرها الذي هو البلغة، فوصل إليه بهذا الحرف ثمانون ألف دينارا أنعاما والله أعلم، قاله الكرماني (١). وهذه الحكاية مذكورة مبسوطة في كتاب الزكاة في باب السؤال. وقال في النهاية (٢): الجلف الخبز وحده لا أدم معه، وقيل الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام جمع جلفة وهي الكسرة من الخبز. وقال الهروي: الجلف ههنا الظرف مثل الخرج والجوالق يريد ما يترك فيه الخبز، اهـ. وفي النهاية (٣) أيضًا: جرف الخبز أي كسره، الواحدة جرفة بالراء، وهذا التقييد يدل على أن الرواية المأثورة بتسكين اللام. وقال يحيى بن معاذ الرازي للإنسان في ماله عند موته مصيبتان عظيمتان يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. اهـ. ٤٨٧٣ - وعن أبي عبد الرحمن الجبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألست من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال:

стр. 8850

فأنت من الأغنياء. قال: فإني لي خادما؟ قال: فأنت من الملوك. رواه مسلم (١) موقوفا. قوله: "عن أبي عبد الرحمن البجلي" هو منسوب إلى بني [البجلى] (٢) والمشهور في استعمال المحدثين ضم الباء منه والمشهور عند أهل العربية فتحها ومنهم من سكّنها والله أعلم. والحديث واضح، وتقدّم الكلام على الحديث الموقوف. ٤٨٧٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما فوق الإزار، وظل الحائط، وحر الماء فضل يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه. رواه البزار (٣)، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم، وحديثه جيد في المتابعات. قوله: "وعن ابن عباس تقدم" وحديثه واضح أيضًا. قوله: "إلا ليث بن أبي سليم" فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي.

стр. 8851

وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن. وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية. ٤٨٧٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك "٦"، وأروك من الماء البارد. ورواه ابن حبان في صحيحه (١) والحاكم (٢)، وقال: صحيح الإسناد. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة يقال له ألم أصح لك جسمك وأروك الماء البارد" الحديث. قال ابن

стр. 8852

بطال (١): قال المهلب والحكمة في شرب الماء البارد لاستلذاذه ببرودته ولا سيما في اليوم الحار. وفي الحديث (٢): أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأنصار وهو يحول الماء في حائطه فقال: إن كان عندك ماء بات في شن فاسقنا. قال عندي ماء بت في شن، فانطلق وانطلقنا معه إلى العريش فجلب لنا شاة على ماء بات في شن فشرب. رواه البخاري. [وكذلك] صب [له] (٣) اللبن على الماء [ليقوى] برده فيجتمع برد اللبن مع برد الماء البائت. وفيه أنه لا بأس بطلب [الماء] (٤) البارد في سموم الحرّ فإنها من جملة نعم الله تعالى كما [قاله] في أول الحديث: ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد، اهـ. ٤٨٧٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه. رواه الترمذي (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) من

стр. 8853

طريقها وغيرها كلهم من رواية صالح بن حسان، وهو منكر الحديث عن عروة عنها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وذكره رزين فزاد فيه: قال عروة: فما كانت عائشة تستجد ثوبا حتى ترقع ثوبها وتنكسه، ولقد جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحما بدرهم؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت. قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ لعائشة: "وإياك ومجالسة الأغنياء"، ومعنى قوله: "وإياك ومجالسة الأغنياء" هو نحو [ما روى] أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من رآى من فُضل عليه في الخلق والرزق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل هو عليه [أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه]. قال أبو معاوية: رواه مسلم (١) [في آخر مائة] والترمذي في

стр. 8854

الزهد (١)، وقال حديث صحيح. هذا حديث جامع لأنواع من الخير لأن الإنسان إذا رآى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه وهذا هو الموجود في غالب الناس. وأما إذا نظر في أمر الدنيا إلى من هو دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى فشكرها وتواضع حصل له الخير كله والله أعلم. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال (٢): صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر هما مني أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت، [انتهى]، قاله الترمذي. وعقّب [هذا] البغوي في شرح السنة بقوله: قال أنس (٣): رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين قد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبّد بعضها فوق بعض، وعن الحسن (٤) قال خطب عمر وهو خليفة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، اهـ. وتقدم أحاديث نحو هذا في كتاب اللباس والله أعلم. قوله ﷺ : "ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه" تستخلفي، روي بالقاف أي لا تعدينه خلقا، وروي بالفاء من استخلفه أي طلب له خلفا أي عوضا، والله

стр. 8855

أعلم. قوله: "قال عروة فما كانت عائشة تستجد ثوبا حتى ترقع ثوبها وتنكسه" التنكيس عبارة عن كذا. قوله: "ولقد جاءها يومًا من معاوية ثمانون ألفًا فما أمسى عندها درهم" الحديث. وقال عروة أيضًا: وبعث معاوية إلى عائشة بمائة ألف فما قامت من مجلسها حتى وزعتها، فدخل عليها الخادم فقال لو حبست علينا درهما نشتري به لحما، فقالت [هل] ذكرتِ قبل أن أفرقها، وكانت ترقع قميصا لها، وكان معاوية [رضي الله تعالى عنه] يلقى الحسين بن علي بن أبي طالب [رضي الله تعالى عن الثلاثة الأول] فيقول (١): مرحبا بابن رسول الله ﷺ ، فيأمر له بثلاثمائة ألف درهم ويلقى ابن الزبير فيقول: مرحبا بابن عمة رسول الله ﷺ فيأمر له بمائة ألف درهم. تنبيه: معاوية هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي، أسلم في فتح مكة، أحد كتّاب الوحي، ولما بعث أبو بكر الجيش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد فلما مات يزيد استخلفه على عمله فأقره عمر ثم عثمان وكان فيها أيضًا زمان خلافة علي ثم سلم إليه الحسن الأمر حتى مات بدمشق سنة ستين، قاله الكرماني (٢). ٤٨٧٧ - وعن أبي سفين عن أشياخه قال: قدم سعد على سلمان يعوده قال: فبكى، فقال سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسول الله ﷺ ، وهو

стр. 8856

عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك. فقال: ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدا قال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وحولي هذه الأساود، قال: وإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة، فقال: يا سعد: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند يديك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد كذا قال: [قوله: وهذه الأساود حولي] قال أبو عبيد: أراد الشخوص من المتاع، وكل شخص سواد من إنسان أو متاع أو غيره. قوله: "وعن أبي سفيان، قال: قدم سعد على سلمان يعوده، قال: فبكى، فقال سعد: وما يبكيك يا أبا عبد الله" فذكر الحديث إلى أن قال: "ولكن رسول الله ﷺ إلينا [عهد إلينا عهدا] " [الحديث، المراد بقوله: "عهد إلينا عهدا"] أي أوصانا وصية عامة. قوله: "قال لتكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب" الحديث، البلغة الكفاية، البلغة ما يتبلغ به من العيش، أي يكتفى به على قلّته. قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية. وقال صاحب المغيث (٢): أي حياة أحدكم.

стр. 8857

قوله: "وحولي هذه الأساود"، قال أبو عبيد (١): أراد الشخوص من المتاع، وكل شخص سواد من إنسان أو متاع أو غيره، اهـ. قاله الحافظ. وقال ابن الأثير في النهاية (٢) يريد الشخوص من المتاع الذي كان عنده وكل شخص من إنسان أو غيره سواد ويجوز أن يريد الحيات جمع أسود شبهها بها [لاستضرارها] بمكانها. وفيه أي الحديث: أنه قال لعمر انظر إلى هؤلاء الأساود حولك أي الجماعات المتفرقة، يقال مرّ بنا أساود من الناس واسوِدات [كأنها] جمع اسْوِدة واسودة جمع قلة لسواد وهو الشخص لأنه يرى من بعيد أسود، اهـ. والإجّانة التي يغسل فيها الثياب، ويقال لها القصرية، والإجانة شبه المخضب، وقد جاء في الحديث، فأتي بمخضب من حجارة وأجلسوني في مخضب. وفي الرواية الأخرى فصغر أن يبسط يده وهذا يدل أيضًا أنه قد يسمى به ما صغر من ذلك كالتور والقدح كما جاء في هذا الحديث نفسه، فأتي بقدح رحراح أي واسع، اهـ قاله عياض (٣). والجفنة معروفة والمطهرة بفتح الميم وكسرها هي الإناء الذي يتطهر به وقيل: بالكسر: الإناء، وبالفتح: المكان. ٤٨٧٨ - وعن أنس ﵁ قال: اشتكى سلمان فعاده سعد فرآه يبكي فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله ﷺ ، أليس، أليس؟

стр. 8858

قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين ما أبكي ضنا على الدنيا، ولا كراهية الآخرة، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدا ما أراني إلا قد تعديت. قال: وما عهد إليك؟ قال عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت: وعند همك إذا هممت. رواه ابن ماجه (١) ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده. [قال الحافظ]: وقد جاء في صحيح ابن حبان (٢) أن مال سلمان ﵁ جمع، فبلغ خمسة عشر درهما، وفي الطبراني (٣): أن متاع سلمان بيع، فبلغ أربعة عشر درهما، وسيأتي إن شاء الله. قوله: "وعن أنس بن مالك" دعا له رسول الله ﷺ بكثرة المال والولد وقد استجاب الله دعاءه في حقه وأكثره ماله بحيث يحكى أنه كان له بستان

стр. 8859

بالبصرة يثمر في كل سنة مرتين وأكثر ولده فكان يطوف بالبيت ومعه من ذريته أكثر من سبعين نفسا. قالت أم أنس الرميصاء بالراء والمهملة الأنصارية المشهورة بأم سليم [السالم رضي الله تعالى عنها] [تصغير السلم] (١): ادع لخادمك. وقد استجاب الله دعاءه فيه بحيث صار أكثر أصحابه مالا وولدا، كان يطوف بالبيت ومعه أكثر من سبعين نفسا من نسله، قاله الكرماني (٢). قوله: "اشتكى سلمان" [أي مرض، فعاده سعد فرآه يبكي، الحديث] (٣). سلمان هو الفارسي. رُوي عن ابن عباس (٤) عن سلمان أنه قال: كنت من أصبهان من قرية يقال لها جثى بفتح الجيم وشدة الياء، وكان أبي دهقانها، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في غير ما موضع. قوله: "ما أبكي ظنا على الدنيا" أي بخلا بها. قوله: "عهد إلينا عهدا" العهد عبارة عن كذا قوله: "ما أراني إلا قد تعديت" أراني بضم الهمزة. ٤٨٧٩ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم. فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. رواه أحمد (٥) في حديث تقدم، ورواته رواة الصحيح وابن حبان في صحيحه (٦)

стр. 8860

والحاكم (١)، وقال: صحيح الإسناد. ٤٨٨٠ - وروى الطبراني (٢) من حديث فضالة عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير؟ [النجد] هنا: الطريق، ومنه قوله تعالى: وهديناه النجدين: أي الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر. قوله: "وعن أبي الدرداء" تقدم. قوله: "ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان" الحديث، تقدم الكلام عليه في الإنفاق في وجوه الخير.

стр. 8861

٤٨٨١ - وعن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع. رواه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم. قوله: "وعن فضالة بن عبيد" كذا. قوله: "طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع" الحديث، أي ما أطيب عيشه دنيا وأخرى، ولا مرغب في الكفاف كهذا، وإياك والفضول، إياك ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ [وَلَا] أَوْلَادُهُمْ﴾ (٣) الآية، والكفاف الذي ليس فيه فضل عن الكفاية. وروى أبو الشيخ ابن حيّان في كتاب الثواب عن سعيد بن عبد العزيز أنه سئل ما الكفاف من الرزق؟ فقال: شبع يوم وجوع يوم، اهـ. قاله المنذري. وقال بعض العلماء: الكفاف ما يكف عن الحاجات ويدفع

стр. 8862

الضرورات والفاقات ولا يلحق بأهل الترفّهات، ومعنى هذا الحديث أن من فعل تلك الأمور واتصف بها فقد حصل على مطلوبه [وظفر] بمرغوبه في الدنيا والآخرة. قاله القرطبي (١). ففيه تعريف من حصل له ذلك، فما أعظم ذلك من نعمة سعادة الدين بإسلامه والدنيا بكفاية المئونة [وإراحة] القناعة لباله وما أجمع قوله: "قد أفلح". ٤٨٨٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه. رواه مسلم (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). [الكفاف] الذي ليس فيه فضل عن الكفاية. قوله: "وعن عبد الله بن عمرو" تقدم. قوله: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" الحديث. الفلاح الفوز والبقاء، ففيه فضيلة هذه الأوصاف، وقد يحتج به لمذهب من يقول الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنا، وقد تقدم أن هذا مذهب أبي علي الدقاق شيخ القشيري. وقال بعضهم الكفاف حالة متوسطة بين الغنا والفقر. وقد قال النبي ﷺ : خير الأمور أوسطها (٥) وهو حالة سليمة من آفات الغنا المطغي وآفات الفقر المدقع التي

стр. 8863

كان يتعوذ منها النبي ﷺ فكانت أفضل منهما، ثم إن صاحب الكفاف حالته حالة الفقر إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حالته إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقراء من الثواب على الصبر وكفي مرارته ومأثمه، وعلى هذا فأهل الكفاف هم أهل العفاف إن شاء الله صدر [كنية] الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام لأنهم وسطهم والوسط العدل كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) أي عدلا خيارا وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا، ذكره الإمام القرطبي في التذكرة (٢). [وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا وعلى تقلله منها] (٣). وحجة [من] قال أن الكفاف أفضل من الفقر والغنا. و [قد] ذكر في الإحياء (٤) هذا الحديث الذي نحن فيه ثم عقبه بقوله: وقال ﵇ (٥) يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا، ثم ذكر أن النبي

стр. 8864

- ﷺ قال (١): يقول الله تعالى يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فيقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعون بعطائي، [أي] (٢) الراضون بقدري، ادخلوا الجنة، فيدخلونها فيأكلون ويشربون والناس في الحساب يترددون. ثم قال: وهذا في القانع الراضي، ثم قال قال: ولا يخفى أن القناعة مضادّة للطمع، وقد قال [عمر رضي الله تعالى عنه: (٣) إنّ] الطمع فقر واليأس غنى وإنه [من] يئس عما في أيدي الناس وقنع بما في يده، استغنى عنهم. وقال ابن مسعود (٤): ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك. وقيل لبعض الحكماء: ما الغنا؟ قال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك. وقيل: كان إبراهيم ابن أدهم من أهل النعم بخراسان فبينما هو مشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر وبيده رغيف يأكله، فلما أكله نام، فقال إبراهيم لبعض غلمانه: إذا قام من نومه جئتني به، فلما قام جاء به، فقال له إبراهيم: أيّها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع. قال نعم. قال فشبعت. قال نعم. قال ثم نمت طيبا. قال: نعم. فقال إبراهيم في نفسه: فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا

стр. 8865

القدر. ومرّ رجل بعامر بن قيس وهو يأكل بقلا بملح، فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا. فقال: ألا أدلك على من رضي بدون هذا؟ قال: بلى. قال: من رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة. وكان محمد بن واسع يخرج خبزا يابسا فيبله بالماء ويأكله بالملح ويقول: من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد. قال: [ويروى] في بعض كتب الله المنزلة: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن، وقيل في القناعة: اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العزّ في الياس واستغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس [لكان أكثر من المعتاد وإسرافا في حق من لم يكن بتلك المنزلة من التوكل وذوق الطاعة، ولذلك يختلفون الناس في كثرة العيال وقلته فقوت كل أحد يتعلق بقدر عياله، اهـ والله أعلم]. ٤٨٨٣ - وروى أَبُو الشَّيْخ ابْن حيان فِي كتاب الثَّوَاب عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز أَنه سُئِلَ مَا الكفاف من الرزق قَالَ شبع يَوْم وجوع يَوْم (١). ٤٨٨٤ - وعن نقادة الأسدي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل يستمنحه ناقة، فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر يستمنحه، فأرسل إليه بناقة، فلما أبصرها رسول الله ﷺ قال: اللهم بارك فيها وفيمن بعث بها. قال نقادة: فقلت

стр. 8866

لرسول الله ﷺ : وفيمن جاء بها؟ قال: وفيمن جاء بها، ثم أمر بها فحلبت فدرت، فقال رسول الله ﷺ : اللهم أكثر مال فلان للمانع الأول، واجعل رزق فلان يومًا بيوم للذي بعث بالناقة. رواه ابن ماجه (١) بإسناد حسن. قوله: "وعن نقادة الأسدي"، ونقادة هو ابن عبد الله بن خلف الأسدي له صحبة، عداده في أهل الحجاز، سكن البادي، روى عن النبي ﷺ هذا الحديث الواحد، خرّج ابن أبي الدنيا (٢) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده. قوله: "بعثني النبي ﷺ إلى رجل يستمنحه ناقة فرده" الحديث،

стр. 8867

المنحة هي أن يعطى الرجل الرجل ناقة أو شاة ليأكل لبنها أو ينتفع بصوفها ثم يردها إليه، أو أرضا ليزرعها أو ما أشبه ذلك. ٤٨٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. وفي رواية: كفافا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه. قوله: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" الحديث، أي بقدر الحاجة، قال أهل اللغة والغريب معنى قوتا، أي كفايتهم من غير إسراف، وهذا هو الظاهر وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى كفافا وقيل ما يسد الرمق من الطعام، اهـ. أي ما يسمك رمق الإنسان وهو [البلغة من العيش، القيقة] وهو [البلغة] من العيش. وقال بعض العلماء: معنى قوله: قوتا، أي ما يقوتهم ويكفيهم بحيث لا يشوشهم الجهد ولا ترهقهم الفاقة ولا تذلهم المسكنة [ولا] الحاجة ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا والركون إليها وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا وعلى تقلله منها والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك وهو ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال وأسنى

стр. 8868

المقامات والأعمال. شعر: خذ من الرزق ما كفى ... ومن العيش ما صفا كل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا [و] قد علم بهذا الحديث أن القوت لا بد منه والأقل منه مذموم عند بعض الناس والأكثر منه أيضًا مذموم عند الناس، فالنبي ﷺ بيّن ما هو [الأصلح] للعوام والخواص، فهذا الحديث يدخل فيه جميع الناس لأن القوت عبارة عما يحتاج إليه الإنسان والناس يختلفون في القوت فبعضهم اعتاد الأكل في [كل] عشرة أيام يومًا ومنهم من اعتاد فوق ذلك فإذا بلغ الرجل الوقت الذي كان يعتاد فيه الأكل وعلم أنه لو لم يأكل للحقه ضرر فقوته يدفع عن نفسه الضرر في ذلك الوقت، فإن طلب ذلك الشخص [أكثر] (١) مما كان يعتاده من القوت لكان طلبه أكثر من المعتاد إسرافا في حق من لم يكن بتلك المنزلة من التوكل وذوق الطاعة، ولذلك يختلفون الناس في كثرة العيال وقلته فقوت كل أحد يتعلق بقدر عياله، اهـ والله أعلم. ٤٨٨٦ - وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا. رواه ابن ماجه (٢).

стр. 8869

قوله: "وعن أنس بن مالك"، تقدم. قوله ﷺ : "ما من غني ولا فقير إلا ودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا" أي تمنى والقوت القدر الذي يمسك الرمق من الطعام، وتقدم الكلام على القوت مبسوطا في الأحاديث قبله. ٤٨٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من غَنِي وَلا فَقير إِلَّا ود يَوْم الْقِيَامَة أَنه أُوتِيَ من الدُّنْيَا قوتا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). ٤٨٨٧ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يتبع الْمَيِّت ثَلَاث أَهله وَمَاله وَعَمله فَيرجع اثْنَان وَيبقى وَاحِد يرجع أَهله وَمَاله وَيبقى عمله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. (٢) ٤٨٨٨ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من عبد وَلا أمة إِلَّا وَله ثَلَاث أخلاء فخليل يَقُول أَنا مَعَك فَخذ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَذَلِك مَاله وخليل يَقُول أَنا مَعَك فَإِذا أتيت بَاب الْملك تركتك فَذَلِك خدمه وَأَهله وخليل يَقُول أَنا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ خرجت فَذَلِك عمله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه قَالَ

стр. 8870

رَسُول الله ﷺ مثل الرجل وَمثل الْمَوْت كَمثل رجل لَهُ ثَلاثة أخلاء فَقَالَ أحدهم هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت وَأعْطِ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أخدمك فَإِذا مت تركتك وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أَدخل مَعَك وَأخرج مَعَك إِن مت وَإِن حييت فَأَما الَّذِي قَالَ هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَهُوَ مَاله وَالْآخر عشيرته وَالْآخر عمله يدْخل مَعَه وَيخرج مَعَه حَيْثُ كَانَ (١) ٤٨٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مثل ابْن آدم وَمَاله وَأَهله وَعَمله كَرجل لَهُ ثَلَاثَة إخْوَة أَو ثَلَاثَة أَصْحَاب فَقَالَ أحدهم أَنا مَعَك حياتك فَإِذا مت فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك فَإِذا بلغت تِلْكَ الشَّجَرَة فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك حَيا وَمَيتًا. رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٢).

стр. 8871

٤٨٩٠ - وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى ما سوى ذلك، فهو ذاهب، وتاركه للناس. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى" أي أعطى ما يقتني الحديث هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة، فاقتنى بالتاء ومعناه ادخره لآخرته أي ادخر ثوابه، وفي بعض النسخ فأقنى بحذف التاء أي أرضى، قاله النووي في شرح مسلم (٢). قوله: "وما سوى ذلك" بمعنى غير، تقول هذا سوى زيد أي غيره، هذا إذا استعمل لغير الاستثناء، أما إذا استعمل فيه كان ظرفا بدليل وقوعه صلة الموصول في قولك جاء [من] الذي سواك أي مكانك، إذ هو كقولك جاءني الذي أمامك. قال أبو العتاهية (٣): اسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى وراءك مصلح أو مفسد فإذا تركت لمفسد لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد فإن استطعت فكن لنفسك وارثا ... إن المورث نفسه لمسدد [ولمنصور الفقيه بيت:] (٤) كل ما ليس للبر من أيدي باذِليه -
следующие страницы →