← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8867–8906 · переход к 8872.

стр. 8867

المنحة هي أن يعطى الرجل الرجل ناقة أو شاة ليأكل لبنها أو ينتفع بصوفها ثم يردها إليه، أو أرضا ليزرعها أو ما أشبه ذلك. ٤٨٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. وفي رواية: كفافا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه. قوله: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" الحديث، أي بقدر الحاجة، قال أهل اللغة والغريب معنى قوتا، أي كفايتهم من غير إسراف، وهذا هو الظاهر وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى كفافا وقيل ما يسد الرمق من الطعام، اهـ. أي ما يسمك رمق الإنسان وهو [البلغة من العيش، القيقة] وهو [البلغة] من العيش. وقال بعض العلماء: معنى قوله: قوتا، أي ما يقوتهم ويكفيهم بحيث لا يشوشهم الجهد ولا ترهقهم الفاقة ولا تذلهم المسكنة [ولا] الحاجة ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا والركون إليها وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا وعلى تقلله منها والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك وهو ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال وأسنى

стр. 8868

المقامات والأعمال. شعر: خذ من الرزق ما كفى ... ومن العيش ما صفا كل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا [و] قد علم بهذا الحديث أن القوت لا بد منه والأقل منه مذموم عند بعض الناس والأكثر منه أيضًا مذموم عند الناس، فالنبي ﷺ بيّن ما هو [الأصلح] للعوام والخواص، فهذا الحديث يدخل فيه جميع الناس لأن القوت عبارة عما يحتاج إليه الإنسان والناس يختلفون في القوت فبعضهم اعتاد الأكل في [كل] عشرة أيام يومًا ومنهم من اعتاد فوق ذلك فإذا بلغ الرجل الوقت الذي كان يعتاد فيه الأكل وعلم أنه لو لم يأكل للحقه ضرر فقوته يدفع عن نفسه الضرر في ذلك الوقت، فإن طلب ذلك الشخص [أكثر] (١) مما كان يعتاده من القوت لكان طلبه أكثر من المعتاد إسرافا في حق من لم يكن بتلك المنزلة من التوكل وذوق الطاعة، ولذلك يختلفون الناس في كثرة العيال وقلته فقوت كل أحد يتعلق بقدر عياله، اهـ والله أعلم. ٤٨٨٦ - وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا. رواه ابن ماجه (٢).

стр. 8869

قوله: "وعن أنس بن مالك"، تقدم. قوله ﷺ : "ما من غني ولا فقير إلا ودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا" أي تمنى والقوت القدر الذي يمسك الرمق من الطعام، وتقدم الكلام على القوت مبسوطا في الأحاديث قبله. ٤٨٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من غَنِي وَلا فَقير إِلَّا ود يَوْم الْقِيَامَة أَنه أُوتِيَ من الدُّنْيَا قوتا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). ٤٨٨٧ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يتبع الْمَيِّت ثَلَاث أَهله وَمَاله وَعَمله فَيرجع اثْنَان وَيبقى وَاحِد يرجع أَهله وَمَاله وَيبقى عمله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. (٢) ٤٨٨٨ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من عبد وَلا أمة إِلَّا وَله ثَلَاث أخلاء فخليل يَقُول أَنا مَعَك فَخذ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَذَلِك مَاله وخليل يَقُول أَنا مَعَك فَإِذا أتيت بَاب الْملك تركتك فَذَلِك خدمه وَأَهله وخليل يَقُول أَنا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ خرجت فَذَلِك عمله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه قَالَ

стр. 8870

رَسُول الله ﷺ مثل الرجل وَمثل الْمَوْت كَمثل رجل لَهُ ثَلاثة أخلاء فَقَالَ أحدهم هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت وَأعْطِ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أخدمك فَإِذا مت تركتك وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أَدخل مَعَك وَأخرج مَعَك إِن مت وَإِن حييت فَأَما الَّذِي قَالَ هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَهُوَ مَاله وَالْآخر عشيرته وَالْآخر عمله يدْخل مَعَه وَيخرج مَعَه حَيْثُ كَانَ (١) ٤٨٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مثل ابْن آدم وَمَاله وَأَهله وَعَمله كَرجل لَهُ ثَلَاثَة إخْوَة أَو ثَلَاثَة أَصْحَاب فَقَالَ أحدهم أَنا مَعَك حياتك فَإِذا مت فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك فَإِذا بلغت تِلْكَ الشَّجَرَة فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك حَيا وَمَيتًا. رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٢).

стр. 8871

٤٨٩٠ - وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى ما سوى ذلك، فهو ذاهب، وتاركه للناس. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى" أي أعطى ما يقتني الحديث هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة، فاقتنى بالتاء ومعناه ادخره لآخرته أي ادخر ثوابه، وفي بعض النسخ فأقنى بحذف التاء أي أرضى، قاله النووي في شرح مسلم (٢). قوله: "وما سوى ذلك" بمعنى غير، تقول هذا سوى زيد أي غيره، هذا إذا استعمل لغير الاستثناء، أما إذا استعمل فيه كان ظرفا بدليل وقوعه صلة الموصول في قولك جاء [من] الذي سواك أي مكانك، إذ هو كقولك جاءني الذي أمامك. قال أبو العتاهية (٣): اسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى وراءك مصلح أو مفسد فإذا تركت لمفسد لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد فإن استطعت فكن لنفسك وارثا ... إن المورث نفسه لمسدد [ولمنصور الفقيه بيت:] (٤) كل ما ليس للبر من أيدي باذِليه -

стр. 8872

-- فهو للوارث والوزر على مكتَسِبيه. ٤٨٩١ - وعن عبد الله بن الشخير ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. رواه مسلم (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣)، وتقدم أحاديث من هذا النوع في الصدقة وفي الإنفاق. قوله: "وعن عبد الله بن الشخّير" [هو بشين وخاء معجمتين مكسورتين، والخاء فيه مشددة، الصحابي، هو أبو عبد الله بن الشّخير] بن عوف بن كعب بن وفدان بن الجريش وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرسي البصري وهو والد مطرف ويزيد، روى له مسلم في صحيحه حديثين في ذكر جماعة من الصحابة المشهور بالكنا. قوله في الحديث: "أو تصدقت فأمضيت"، الحديث، معناه أي أنفذت فيه عطاءك ولم تتوقف فيه. قاله في النهاية (٤). ٤٨٩٢ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت: فتناوله بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا بدرهم؟

стр. 8873

فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. رواه مسلم (١). قوله: "وعن جابر"، هو ابن عبد الله، تقدم. قوله: "أن النبي ﷺ مرّ بالسوق كنفتيه" أي جانبيه. قاله المنذري. وفي بعض النسخ: كنفيه، و معناه جانبه، ذكره النووي. قوله: "فمرّ بجدي أسك ميّت فتناوله بأذنه" الحديث. الأسك ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الصغير الأذن، اهـ. وقال بعضهم الأذنين الضيق [صماخيهما]، وقيل هو الذي لا يسمع. وقال ابن الأثير (٢) أسك أي مصطلم الأذنين مقطوعهما. وقال ابن الأثير في موضع آخر (٣): أصك ميت، بالصاد، الصكك أن تضرب إحدى الركبتين الأخرى [عند] العدو فيؤثر فيهما أثرا كأنه لما رآه ميتا قد تقلصت ركبتاه وصفه بذلك أو كان شعر ركبتيه قد ذهب من الاصطكاك وانجرد فعرفه به. ويروى بالسين وتقدم، اهـ. قوله: "فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" الدنيا وزنها فُعلى وألفها للتأنيث وهي من الدنو بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٤)، غير أنه قد [أُكثِر] استعماله استعمال الأسماء، فاستغنى عن

стр. 8874

[وصفها] كما جاء في الحديث، والمراد الدار الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى أو الحياة الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله أنه لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار رحلة وبلاء وأنه ملّكها في الغالب الكفرة والجهال وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وقد أوضح النبي ﷺ هذا المعنى بقوله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى [كافرا منها شربة] ماء وحسبك بها هوانا أن الله تعالى [قد] صغرها وحقرها وذمّها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها، اهـ. ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي (١) عن النبي ﷺ أنه قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم. وقال حديث حسن غريب. ٤٨٩٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها. رواه أحمد (٢) بإسناد لا بأس به.

стр. 8875

قوله: "وعن ابن عباس" تقدم. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" تقدم معنى هوانها على الله تعالى في الحديث قبله. ٤٨٩٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: مر النبي ﷺ بدمنة قوم فيها سخلة ميتة فقال: ما لأهلها فيها حاجة؟ قالوا: يا رسول الله لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدًا منكم. رواه البزار (١) والطبراني في

стр. 8876

[الكبير] (١) من حديث ابن عمر بنحوه، ورواتهما ثقات، ورواه أحمد (٢) من حديث أبي هريرة ولفظه: أن رسول الله ﷺ مر بسخلة جرباء قد أخرجها أهلها، فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها. ٤٨٩٥ - وفي رواية للطبراني (٣) من حديث ابن عمر أيضًا نحوه، وزاد فيه: ولو كانت تعدل عند الله مثقال حبة من خردل لم يعطها إلا لأوليائه وأحبابه من خلقه. [الدمنة] بكسر الدال: هي مجتمع الدمن، وهو السرجين الملبد بعضه على بعض [والسخلة] الأنثى من ولد الضأن. [وقوله: فلا ألفينها] بالفاء وتشديد النون: أي فلا أجدنها. قوله: "وعن أبي الدرداء" تقدم. قوله: "مرّ النبي ﷺ بدمنة قوم فيها سخلة ميتة" الحديث، الدمنة، هي مجتمع الدمن وهو السرجين الملبّد

стр. 8877

بعضه على بعض، انتهى، قاله المنذري. وقال في النهاية (١) الدمنة مجتمع الدمن وهو ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تُلبده في مرابضها وهو السرجين والسرقين بكسر السين وفتحها عجمي معرب وهو الزبل. قوله: "فيها سخلة ميتة" الحديث، السخلة الأنثى من ولد الضأن، اهـ. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء السخلة ولد الشاة من المعز والضأن ذكرًا كان أو أنثى، والجمع سخل وسخلة وسخال. قال الشاعر: فللموت تعدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها من الضأن والمعز جميعًا ذكرًا كان أو أنثى سخلة ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى وجمعها بهم فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهي جفار واحدها جفر والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود. فرع له تعلق بالسخلة الجلالة: بمعنى السخلة المربّاة بلبن كلبة لها حكم الجلالة يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح، وقال ابن إسحاق والقفال كراهة تحريم ورجحه الإمام والغزالي وسئل سحنون المالكي عن خروف أرضعته خنزيرة فقال لا بأس بأكله. قال الطبري (٢): العلماء مجمعون على أن الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة لا يكون حراما ولا خلاف أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة وسواء كانت الجلالة من الإبل أو البقر أو الغنم أو

стр. 8878

الدجاج والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإذا علقت مدة إلى أن زال نتنها فلا كراهة وإن لم تعلق لم يزل المنع بغسل اللحم ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة، ويكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب وبينها ويطهر جلدها بالدباغ والأصح أنه كاللحم لا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس والله تعالى أعلم. قوله: "لو كان لأهلها فيها حاجة فانبذوها" الحديث، النبذ الطرح. قوله: "فقال والله للدنيا أهون على من هذه السخلة على أهلها"، الحديث. قال الإمام القرطبي (١): قال علماؤنا معنى هوان الدنيا على الله تعالى هو أنه لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه كما تقدم، ومع هوانها لا بد للإنسان منها لأنه السبيل المقصود والطريق المقصود. قال ﷺ : لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرّ، وذم رجل الدنيا عند علي ﵁ فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. وقال محمود الوراق (٢): لا تتبع الدنيا وأيامها ذما ... وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخرة قوله: "لا ألفينها" ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي فلا أجدنها. ٤٨٩٦ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لو كانت الدنيا

стр. 8879

تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. رواه ابن ماجه (١) والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن صحيح. قوله: "وعن سهل بن سعد"، تقدم قوله ﷺ : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، الحديث. قال الشاعر: إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من أنت عبده [وأشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده وأنشدوا في معناه] (٣): تمتع من الدنيا إن كنت حازما ... فإنك منها بين ناه وآمر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما مات من شيء فليس بضائر وإن تعدل الدنيا جناح [بعوضة] ... ولا وزن [زق] من جناح لطائر [فما رضي الدنيا ثوابًا لمؤمن ... ولا رضي الدنيا جزاء لكافر] (٤) فائدة: والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء منه فإن الفيل أربعة أرجل وخرطومان وذنبا وله مع هذه الأعضاء رجلان [زائدتان] وأربعة

стр. 8880

أجنحة وخرطوم الفيل مصمَت وخرطومه مجوف نافد الجوف فإذا طعن جسد الإنسان [استقر] الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم فلذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. قال الراجز: مثل السقاة دائما طنينها ... ركب في خرطومها [سكينها] والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله في مقدّم دماغها قوة الحفظ وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر وخلق لها حاسة البصر وحاسة اللمس وحاسة الشم وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة وخلق لها جوفا وأمعاء وعظاما، فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئًا من المخلوقات سدى. أنشد الزمخشري في تفسير سورة البقرة: يا من يرى مدّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها من لحمها ... والمخ من تلك العظام النّحّل امنن عليّ بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول [وقال الزمخشري:] ونقل ابن خلكان (١) عن بعض الفضلاء أنّ الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره، وتوفي في ليلة عرفة [سنة] ثمان وثلاثين وخمسمائة، و [قد] (٢) تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه الله فيها من الأسرار، اهـ. قاله في حياة

стр. 8881

الحيوان (١). لطيفة: روى البخاري في الأدب (٢) والترمذي (٣) في مناقب الحسن والحسين ﵄ من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن دم البعوض فقال فمن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: انظروا إلى هذا [يسألني] عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ . وسمعته ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا. وقال: ولم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن والحسين، وروى ابن حبان (٤) والترمذي (٥) عن علي ﵁ قال: كان الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه بالنبي ﷺ ما كان أسفل من ذلك اهـ، قاله

стр. 8882

في حياة الحيوان (١). ٤٨٩٧ - وَعَن سلمَان ﵁ قَالَ جَاءَ قوم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُم ألكم طَعَام قَالُوا نعم قَالَ فلكم شراب قَالُوا نعم قَالَ وتبردونه قَالُوا نعم قَالَ فَإِن معادهما كمعاد الدُّنْيَا يقوم أحدكُم إِلَى خلف بَيته فَيمسك أَنفه من نَتنه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢). ٤٨٩٨ - وعن الضحاك بن سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: يا ضحاك: ما طعامك؟ قال: يا رسول الله اللحم واللبن. قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت. قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا. رواه أحمد (٣)، ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان.

стр. 8883

"وعن الضحاك بن سفيان" هو أبو سعيد، الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة الكلابي العامري. عداده في أهل المدينة وكان ينزل بنجد، وولاه النبي ﷺ على من أسلم من قومه، وهو الذي كتب إليه النبي ﷺ ليورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. روى عنه ابن المسيب، والحسن البصري، ويقال: إنه كان لشجاعته يعد بمائة فارس، وكان يقوم على رأس النبي ﷺ بالسيف. قوله ﷺ : "فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا" لخستها وحقارتها فالمطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه وتحسينه يعود إلى حال يستقذر فكذا الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها ترجع إلى خراب وإدبار وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ثم يرمون به حيث رأيتم وقد قال الله فلينظر الإنسان إلى طعامه قال ابن عباس إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك وأستحي قال فلا تستحي واسأل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه قال نعم إن الملك يقول له انظر إلى ما بخلت به انظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.

стр. 8884

٤٨٩٩ - وعن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير؟ رواه عبد الله بن أحمد (١) وابن حبان في صحيحه (٢). [قوله: قزحه] بتشديد الزاي: هو من القزح، وهو التابل يقال: قزحت القدر: إذا طرحت فيها الأبزار. [وملحه] بتخفيف اللام: معروف. قوله: "عن أبي بن كعب" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزّحه وملحه" الحديث. قزّحه بتشديد الزاي من [القزح] وهو [التبائل، انتهى قاله المنذري، وقال ابن الأثير في النهاية (٣): أي توبَّله] الذي يطرح في القدر أي [يطيّبه] بالأبازير [كالكمون والكزبرة ونحو ذلك، يقال قزحت القدر إذا تركت فيها الأبازير] (٤)، اهـ. وملحه بتخفيف

стр. 8885

اللام وهو معروف، اهـ. قاله المنذري. قال في النهاية (١): وملحه، أي ألقى فيه الملح بقدر الإصلاح، يقال منه ملحت القدر بالتخفيف وأملحتها وملّحتها إذا أكثرت ملحها حتى تفسد، اهـ. قوله: "وضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا" الحديث، فأما تمثيل النبي ﷺ بما يخرج من الإنسان فبيّن المعنى وقد مثّل الدنيا بعض الفضلاء بالجيفة التي تجتذبها الكلاب. للقرطبي فقال: ما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب هَمُّهُنَّ اجتذابها فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها ... مغلّقة الأبواب مرخى حجابها والمعنى أن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته [وتطييبه] (٢) فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها وثظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار. قاله في النهاية (٣). ٤٩٠٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم. رواه ابن ماجه (٤) والبيهقي (٥) والترمذي (٦)، وقال: حديث حسن.

стр. 8886

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه" قيل معناه ما تابعه من اتباع أمره ونهيه، قيل وسُئل سهل عن هذا الحديث فقال: المراد بذكر الله هنا الزهد في الحرام وهو أنه إذا استقبله حرام يذكر الله تعالى ويعلم أنه مطلع عليه فيجتنب ذلك الحرام. قوله: "وعالم أو متعلم" في كثير من النسخ بالرفع والوجه النصب نسقا على ذكر الله والله أعلم. فقوله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها" الحديث، هو حديث حسن غريب. قال أبو العباس القرطبي (١): لا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، [وفي حديث أبي موسى هذا:] إن العبد إذا قال لعن الله الدنيا، قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه؛ خرّجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي، ورواه الطبراني في الدعوات (٢) من حديث ابن مسعود إلى قوله: وبها ينجو من الشر. فقال: وبها ينجو من النار. وقال علي ﵁ (٣): لا تسبوا الدنيا فيها تصلون وفيها تصومون وفيها تعملون، فشبّه الدنيا بالمطيّة

стр. 8887

لأن المؤمن مسافر عليها إلى الآخرة، وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها. فإن قيل كيف الجمع بينهما. قال العلماء: [وجه] الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما شغلك عن الله من مال أو ولد فهو عليك مشئوم، وهو الذي نبّه على ذمه بقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ (١)، الآية. وأما ما كان من الدنيا يقرب من الله تعالى ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يُسبّ بل يرغّب فيه ويُحبّ وإليه الإشارة بالاستثناء، حيث قال: "إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم" وهو المصرح به [في] قوله: نعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين والله أعلم. ٤٩٠١ - وعن المستورد أخي بني فهر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم اصبعه في هذه اليم، وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة، فلينظر بم يرجع؟ رواه مسلم (٢). قوله: "وعن المستورد أخي بني فهد" المستورد هو ابن شدّاد بن عمرو القرشي الفهري له ولأبيه صحبة، سكن الكوفة روى عنه البصريون والكوفيون والمصريون وغيرهم، استشهد به البخاري في الصحيح، [وروى]

стр. 8888

له في الأدب وروى له الباقون. قوله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم - وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة - فلينظر بم يرجع" الحديث. وفي رواية لمسلم: وأشار إسماعيل بالإبهام؛ وإسماعيل هو ابن أبي خالد، هكذا هو في نسخ بلادنا. بالإبهام وهي الإصبع العظمى المعروفة، مؤنثة، والجمع الأباهيم، قاله الجوهري (١). [وقال] القاضي عياض (٢): رواية السبابة أظهر من رواية الإبهام، وأشبه بالتمثيل لأن العادة الإشارة بها لا بالإبهام، ويحتمل أنه أشار بهذه مرة وبهذه مرة، قاله النووي في شرح مسلم، وفي رواية له أيضًا وأشار يحيى بن سعيد بالسبّابة ويحيى بن سعيد هو أحد رواة هذا الحديث، عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن المستورد. قوله: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم" الحديث، [اليم] هو البحر الذي لا يدرك قعره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣)، وقيل هو لجة البحر ومعظم مائه، اهـ. قوله: "فلينظر بم يرجع" ضبطوا ترجع بالمثناة فوق جعلوا الفعل للإصبع وهي مؤنثة، ورواه أهل البصرة بالمثناة تحت جعلوا الفعل لليم والأول أشهر، فمن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم ومن رواه بالمثناة فوق أعاد الضمير إلى الأصبع وهو الأضهر، ومعناه لا يَعلقُ بها شيء كثير من الماء.

стр. 8889

[معنى] الحديث ما الدنيا بالنسبة [إلى الآخرة] في قصر مدتها وفناء لذتها ودوام الآخرة ودوام لذتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي اليم، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (١). وقال في سلاح المؤمن، معنى الحديث: إنما قدر الدنيا في الآخرة في المساحة، والقدر والقلة في جنب الآخرة وكثرة خيرها إذ قد يُعطى الواحد من أهل الجنة وهو أدناهم منزلة مثل الدنيا وعشرة أمثالها إلى ما ورد من [غير] (٢) هذا وقد يكون ذلك تمثيلا لزوال الدنيا وفنائها وحقارة لذتها الفانية في جنب أمر الآخرة ونعيمها الدائم ولذاتها الباقية، اهـ. قال [بعض العلماء وهو] صاحب تهذيب النفوس الحنفي: قلت: لا شيء في تحقير الدنيا يبلغ هذا المبلغ وما أحسن عقل من نوّر الله من نوّر الله قلبه ووسّع عليه عقله وفتح بصيرته حتى يعرف هذه النسبة التي نسبها الذي لا ينطق عن الهوى فتظهر له حقارة الدنيا وخسّتها ونفاسة الآخرة وشرفها وعلوها، وقال عمر بن الخطاب ﵁ (٣) والله ما الدنيا من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام فرأى في منامه شيئا عجبا فاستيقظ فإذا هو لا شيء، قال الشاعر: إنما الدنيا كظل زائل ... أو كضيف بات ليلًا فارتحل أو كنوم قد رآه حالم ... فإذا ما ذهب النوم بطل

стр. 8890

يصبح الإنسان فيها فرحا ... ربما أمسى إلى القبر انتقل ٤٩٠٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع. رواه البخاري (١)، وتقدم مع شرح غريبه في الرباط. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم" تقدم الكلام على غريب هذا الحديث، ومعناه في الجهاد والله أعلم. ٤٩٠٣ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى. رواه أحمد (٢) ورواته ثقات، والبزار (٣) وابن حبان في صحيحه (٤) والحاكم (٥)

стр. 8891

والبيهقي في الزهد (١) وغيره، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. [قال الحافظ]: المطلب لم يسمع من أبي موسى (٢)، والله أعلم. قوله: "وعن أبي موسى الأشعري" الصحابي واسمه عبد الله بن قيس هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة ثلاث هجرات، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله ﷺ : "من أحب دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه" الحديث، وفي الأثر (٣):

стр. 8892

أوحى الله تعالى إلى داود ﵊: يا داود إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري. وقال [ ]: يا داود إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حبّ الدنيا من قلبك فإن حبّها وحبي لا يجتمعان. قوله في الكلام على الحديث "المطلب بن عبد الله بن حنطب" هو أبو الحكم المطلب بن عبد الله بن حويطب، هكذا جاء في نسخ "الموطأ" وهو غلط، والصواب ابن حنطب. كذا أصلحه ابن وضاح، وقال: وهو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، وقيل: هو المطلب بن عبد الله بن حنطب. يُعد في أهل الحجاز. قال البخاري: وقال بعضهم: هو عبد الله بن المطلب، وكان من وجوه قريش. سمع عمر بن الخطاب، وأبا هريرة. روى عنه محمد بن عباد بن جعفر الأوزاعي. والذي ذهب إليه ابن وضاح هو الصحيح والمشهور في الكتب. ٤٩٠٤ - وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة. رواه الحاكم (١)، وقال:

стр. 8893

صحيح الإسناد. قوله: "وعن أبي مالك الأشعري" تقدم. قوله: "حلوة الدنيا مرّة الآخرة ومرّة الدنيا حلوة الآخرة" معناه لا تجتمع الرغبة فيها والرغبة في الله والآخرة بها ولا يسكن هاتان الرغبتان في محل واحد إلا طردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن فإن النفس واحدة والقلب واحد فإذا اشتغلت بشيء انقطع عن ضده قال الإمام الرازي: الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله يمكن المكلف من تحصيل أيهما شاء فإذا أشغله بتحصيل أحدهما فقط فقد فوت الأجر على نفسه. ٤٩٠٥ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أشرب حب الدنيا التاط منها بثلاث: شقاء لا ينفد عناه، وحرص لا يبلغ غناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، فالدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يدركه الموت فيأخذه، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه رواه الطبراني (١) بإسناد حسن.

стр. 8894

قوله: "وعن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله ﷺ : "من أُشرب حبّ الدنيا" الحديث. ومعنى أشرب حب الدنيا دخل فيه دخولا تاما وحلّ منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (١) أي حبّ العجل، ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها. قوله: "التاط منها بثلاث" الحديث، معناه التصق [قلبه من حب الدنيا بثلاث، يقال لاط الشيء بقلبه يلوط لوطا، ويليط ليطا، أي التصق]، واللوط والليط الحب اللازق بالقلب. قوله: "شقاء لا ينفد عناه وحرص لا يبلغ غناه وأمل لا يبلغ منتهاه" يجوز في شقاء وحرص وأمل الجر على أنها عطف بيان والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أخذها شقاء. قوله ﷺ : "فالدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة" الحديث. قوله: "إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان" يعني أن الدنيا تطلب أبناء الآخرة ويطلبها أبناؤها، فصارت أيضًا طالبة [ومطلوبة، والآخرة تطلب أبناء الدنيا ويطلبها أبناؤها، فصارت أيضًا طالبة ومطلوبة]، اهـ.

стр. 8895

قاله شارح الأربعين الودعانية (١). ٤٩٠٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) (٣). قال: في الدنيا رواه ابن حبان في صحيحه (٤) وهو في مسلم (٥) بمعناه في آخر حديث يأتي إن شاء الله تعالى. قوله: "عن أبي سعيد الخدري" تقدم. قوله: " ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (٦)، قال في الدنيا، وتقدم. ٤٩٠٧ - وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه. رواه الترمذي (٧) وقال: حديث حسن صحيح وابن

стр. 8896

حبان في صحيحه (١). قوله: "وعن كعب بن مالك" تقدم. قوله: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"، الذئبان مثنى الذئب، والذئب يهمز ولا يهمز ويسمى الخاطف والسيد والسرحان والسمسام وكنيته أبو مذقة لأن لونه كذلك، قال الشاعر: حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ومن كناه الشهيرة أبو جعدة. قوله: "على المال والشرف لدينه" وقد نص الله تعالى على ذم الحرص بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (٢)، وتقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب البيوع مبسوطًا. لطيفة: وروى ابن عدي (٣) عن عمرو بن خليف الحتاوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت: أذئب في الجنة؟ قال: أكلت ابن شرطي. قال ابن عباس: هذا وإنما أكل ابنه فلو أكله رفع في عليين، ثم رأيته كذلك، [بنيسابور] للحاكم، وهو حديث موضوع قاله في حياة

стр. 8897

الحيوان (١)، الشرطي هو الواحد من أعوان الظلمة، وحديث ابن عمرو حديث أنس بعده بمعناه. ٤٩٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مَا ذئبان ضاريان جائعان باتا فِي زريبة غنم أغفلها أَهلهَا يفترسان ويأكلان بأسرع فِيهَا فَسَادًا من حب المَال والشرف فِي دين الْمَرْء الْمُسلم" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وإسنادهما جيد (٢). ٤٩٠٩ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ذئبان ضاريان فِي حَظِيرَة يأكلان ويفسدان بأضر فِيهَا من حب الشّرف وَحب المَال فِي دين الْمَرْء الْمُسلم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (٣).

стр. 8898

٤٩١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس يرفعهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحد يمشي على المَاء إِلَّا ابتلت قدماه قَالُوا لا يَا رَسُول الله قَالَ كَذَلِك صَاحب الدُّنْيَا لا يسلم من الذُّنُوب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد (١). ٤٩١١ - وعن كعب بن عياض ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال. رواه الترمذي (٢)، وقال: حديث حسن

стр. 8899

صحيح، وابن حبان في صحيحه (١)، والحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن كعب بن عياض" ذكره البخاريّ، وقال: له صحبة، عداده في أهل الشّام، وقال ابن السّكن: له صحبة، وقال مسلم: تفرد عنه جبير بن نفير بالرواية، وتبعه ابن السّكن والأزديّ، وأفاد ابن عبد البرّ أن جابر بن عبد الله روى عنه. وقال البغويّ: ما له غير حديث واحد. قوله ﷺ : "لكل أمة فتنة"، [الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم:] هذا خبر منه ﷺ بأن كل الأمم افتتنت فأمم منهم افتتنوا عن توحيده بالأصنام فعبدوها وقوم بالشمس وقوم بالقمر قوم بالكواكب وقوم بنبي كان فيهم وهم اليهود عبدوا عزيرا، وقالوا هو ابن الله و [منهم] من افتتن بالعجل فعبدوه والنصارى افتتنوا بعيسى فقال قوم منهم هو إله وآخرون منهم قالوا هو ابن الله، وجعل فتنة هذه الأمة المال في حب الدرهم والدينار فغلب على أكثرهم حب المال فكدّر عليهم عبودية الكبير المتعال كما غلب على أكثر الأمم فتنة شرك الأسباب في توحيد رب الأرباب، فالمال إذا شغل عن ذكر الله تعالى وعن القيام [بحقوقه] فبئس

стр. 8900

المال وإذا لم يمنع من ذلك فنعم المال كما قال ﵊: نعم المال الصالح للرجل الصالح. لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك نادرة والفتن والآفات من ذلك غالبة تعيّن التقليل منه والفرار وأن لا يأخذ المرء منه إلا ما يكفيه عند الحاجة والإضرار، وقد قال أرباب الفهوم كل ما يشغلك عن الله من أهل ومال فهو عليك مَشُوم قاله في كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة (١) والله أعلم. ٤٩١٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له. رواه أحمد (٢) والبيهقي (٣). وزاد: ومال من لا مال له. وإسنادهما جيد. قوله: "وعن عائشة" تقدمت ترجمتها، قوله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له" الحديث، وروي أن جبريل ﵊ نزل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يقرأ

стр. 8901

عليك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل لك هذه الجبال ذهبا وفضة وتكون معك حيث ما كنت؟ فأطرق ساعة ثم قال: يا جبريل إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له يجمع لها من لا عقل له، فقال له جبريل ﵊: يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت. روى بعضه الترمذي وبعضه الإمام أحمد في مسنده (١). قاله في الديباجة] (٢). شعر: ألا يا جامع الأموال حرصا ... على الدنيا ألم تَخَفِ السؤالا أتجمعها وتكسبها حراما ... وتتركها لوارثها حلالا فيسعد من جمعت له وتشقى ... ألا أقبِحْ بذاكَ المالِ مالَا تنبيه: فحب الدنيا رأس كل خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها وإن الدنيا لعب ولهو، والله تعالى لا يحب اللهو واللعب، ولأن القلب بيت الرب ، [والله ] (٣) لا شريك له فلا [يحب] أن يشركه في بيته حب الدنيا، وبالجملة [فنحن] نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب له ، ومحبة الدنيا المكروهة

стр. 8902

هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله تعالى، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك فهي عبادة، لقوله ﷺ (١): نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما ويصنع [فيه] معروفا، أو كما قال. وفي الأثر إذا كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قوم وشقي به قوم آخرون.

стр. 8903

ذكره الطوفي (١). ٤٩١٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (٢) من رواية الحسن عن عمران، في إسناده إبراهيم بن الأشعث ثقة، وفيه كلام قريب. قوله: "وعن عمران بن حصين" هو الخزاعي البصري، كانت الملائكة تسلم عليه حتى اكتوى فتركوا السلام عليه، ثم ترك الكيّ فعادوا إلى السلام، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها" الحديث،

стр. 8904

وكله هو بالتخفيف أي صرف أمره إليها، وتقدم هذا الحديث. ٤٩١٤ - وروي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا. رواه الطبراني (١)، وتقدم في العدل حديث أبي الدحداح عن النبي ﷺ ، وفيه: ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري، فإني بعثت بخراب الدنيا، ولم أبعث بعمارتها. رواه الطبراني (٢). قوله: "وعن أبي ذر" تقدم. قوله ﷺ : "من أصبح وهمّه الدنيا فليس من الله في شيء" الحديث، وفي أثر إلهي: ما لأوليائي وللهمّ بالدنيا، إن الهمّ يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، وقيل: أكثر الناس هما بالدنيا أكثرهم هما في الآخرة، وأقلّهم هما بالدنيا أقلّهم هما في الآخرة. قوله: "ومن [أعطى] (٣) الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا" أي ليس على طريقتنا وسنتنا وليس مثلنا، وهذا لقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا وأعمالا لستَ مني وكأنه

стр. 8905

من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته مبالغة وليس المراد نفيه عن الملة. ٤٩١٥ - وروي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه تعالى، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله ، ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ، ومن أعطي القرآن فدخل النار فأبعده الله. رواه الطبراني في الصغير (١)، ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال في آخره: ومن قعد أو جلس إلى غني فتضعضع له لدنيا تصيبه ذهب ثلثا دينه، ودخل النار. قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم، قوله ﷺ : "ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ". ولبعض الفضلاء: لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذلك [وهنٌ] منك في الدين

стр. 8906

واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما الرزق بين الكاف والنون واستغن بالدين في الدنيا ... كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين لم ذا أذل لمخلوق على طمع ... هلا سألت الذي أعطاه يعطيني فكسرة من جريش العيش تشبعني ... وشربة من قداح الماء ترويني وخرقة من خشين الثوب تسترني ... إلى الممات وتكفيني لتكفيني ٤٩١٦ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ رحم الله من سمع مقالتي حتى يبلغها غيره: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم، إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا وهي راغمة. رواه ابن ماجه (١).
следующие страницы →