← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8902–8941 · переход к 8907.

стр. 8902

هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله تعالى، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك فهي عبادة، لقوله ﷺ (١): نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما ويصنع [فيه] معروفا، أو كما قال. وفي الأثر إذا كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قوم وشقي به قوم آخرون.

стр. 8903

ذكره الطوفي (١). ٤٩١٣ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (٢) من رواية الحسن عن عمران، في إسناده إبراهيم بن الأشعث ثقة، وفيه كلام قريب. قوله: "وعن عمران بن حصين" هو الخزاعي البصري، كانت الملائكة تسلم عليه حتى اكتوى فتركوا السلام عليه، ثم ترك الكيّ فعادوا إلى السلام، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها" الحديث،

стр. 8904

وكله هو بالتخفيف أي صرف أمره إليها، وتقدم هذا الحديث. ٤٩١٤ - وروي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا. رواه الطبراني (١)، وتقدم في العدل حديث أبي الدحداح عن النبي ﷺ ، وفيه: ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري، فإني بعثت بخراب الدنيا، ولم أبعث بعمارتها. رواه الطبراني (٢). قوله: "وعن أبي ذر" تقدم. قوله ﷺ : "من أصبح وهمّه الدنيا فليس من الله في شيء" الحديث، وفي أثر إلهي: ما لأوليائي وللهمّ بالدنيا، إن الهمّ يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، وقيل: أكثر الناس هما بالدنيا أكثرهم هما في الآخرة، وأقلّهم هما بالدنيا أقلّهم هما في الآخرة. قوله: "ومن [أعطى] (٣) الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا" أي ليس على طريقتنا وسنتنا وليس مثلنا، وهذا لقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا وأعمالا لستَ مني وكأنه

стр. 8905

من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته مبالغة وليس المراد نفيه عن الملة. ٤٩١٥ - وروي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه تعالى، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله ، ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ، ومن أعطي القرآن فدخل النار فأبعده الله. رواه الطبراني في الصغير (١)، ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال في آخره: ومن قعد أو جلس إلى غني فتضعضع له لدنيا تصيبه ذهب ثلثا دينه، ودخل النار. قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم، قوله ﷺ : "ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ". ولبعض الفضلاء: لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذلك [وهنٌ] منك في الدين

стр. 8906

واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما الرزق بين الكاف والنون واستغن بالدين في الدنيا ... كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين لم ذا أذل لمخلوق على طمع ... هلا سألت الذي أعطاه يعطيني فكسرة من جريش العيش تشبعني ... وشربة من قداح الماء ترويني وخرقة من خشين الثوب تسترني ... إلى الممات وتكفيني لتكفيني ٤٩١٦ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ رحم الله من سمع مقالتي حتى يبلغها غيره: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم، إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا وهي راغمة. رواه ابن ماجه (١).

стр. 8907

وتقدم لفظه وشرح غريبه في الفراغ للعبادة، والطبراني (١) واللفظ له وابن حبان في صحيحه (٢)، وتقدم لفظه في سماع الحديث. قوله: "وعن زيد بن ثابت" هو أبو أسامة زيد بن حارثة، بالحاء، ابن شراحيل، بفتح الشين، ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف بن قضاعة الكلبى نسبا، القريشى الهاشمى بالولاء، الحجازى، رضى الله عنه، ويقع في نسبه اختلاف

стр. 8908

وتغيير وزيادة ونقص، وهو مولى رسول الله ﷺ أشهر مواليه، ويقال له: حب رسول الله ﷺ وأبو حبه. كان أصابه سباء في الجاهلية؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين بن جسر، فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، رضى الله عنها، فوهبته للنبي ﷺ قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وقيل: رآه النبي ﷺ ينادى عليه بالبطحاء، فذكره لخديجة، فقالت له يشتريه، فاشتراه من مالها لها، ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر، رضى الله عنهما: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ (١) الآية. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين جعفر بن أبي طالب، رضى الله عنهما، وكان من أول من أسلم، حتى أن الزهري قال في رواية عنه: أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلاما خديجة، ثم أبو بكر، ثم على، ثم زيد، رضى الله عنهم، وفى المسألة خلاف مشهور، ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف. وهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر، وكان من الرماة المذكورين، وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، رضى الله عنها، ثم طلقها،

стр. 8909

ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، وقصته في القرآن العزيز (١). قوله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله" الحديث، تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق. ٤٩١٧ - وعن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). قوله: "وعن عمرو بن عوف الأنصاري" هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني. كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى:

стр. 8910

﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (١). توفي في آخر خلافة معاوية. له عن النبي ﷺ أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (٢). [قوله: "أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها" الحديث. أبو عبيدة بن الجراح هو الإمام أمير الشام أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضمنة بن الحارث بن فهر بن مالك، يجتمع مع النبي ﷺ في الأب السابع وهو فهر بن مالك القرشي، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الرجلين الذين عينهما أبو بكر يوم السقيفة للخلافة والآخر عمر، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم [واحد] (٣) على يدي الصديق، ولما [هاجروا آخى] رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ وقد شهدا بدرا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وقال رسول الله ﷺ : إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ثبت ذلك في الصحيح (٤). وقال أنس بن مالك (٥): إن أهل اليمن لما قدموا على رسول الله ﷺ سألوه أن يبعث

стр. 8911

معهم رجلا يعلّمهم السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: هذا أمين هذه الأمة؛ وفتح الله تعالى على يد أبي عبيدة بلادا كثيرة وله مع المشركين غزوات كثيرة ووقعات [شهيرة] منها وقعة حمص الأولى. توفي بالطاعون عام عمواس وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وصلى عليه معاذ بن جبل فنزل في قبره هو وعمرو بن العاصي والضحاك بن مزاحم. قاله في مجمع الأحباب] (١). [قوله: "إلى البحرين"، البحران هو اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر، وهكذا يطلق البحرين بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني، والله أعلم] (٢). قوله: "فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ "، أي جاءوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة لأنهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها لا الحرص على الدنيا ولا الرغبة فيها ولذلك قال لهم رسول الله ﷺ : أبشروا وأمِّلوا ما يسركم. وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة و [إشارة] لهم بتعجيل الفتح عليهم. قوله: "فتبسم رسول الله ﷺ " الحديث، التبسم هو ظهور الأسنان عند التعجب بلا صوت، وإن كان مع الصوت فهو إمّا بحيث يسمع جيرانه أم لا [فإن] (٣) كان فهو

стр. 8912

القهقهة وإلا فهو الضحك، اهـ. قاله الكرماني (١). قوله: "أجل يا رسول الله" معناه: نعم. قوله: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم"، [الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم بيخشى، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وفيه ما يدل على أن الفقر أقرب للسلامة والاتساع في الدنيا أقرب إلى الفتنة، نسأل الله تعالى الكفاف والعفاف بمنه وكرمه]، قوله: "ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها" الحديث، كان النبي ﷺ يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم فيخاف عليهم الافتتان بها. قوله: "فتنافسوها" أي فتتنافسوها، فحذفت إحدى التاءين، ومعنى تنافسوها [والتنافس] من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وقيل التنافس التباغض والتحاقد مأخوذ من الشيء النفيس الجيد في نوعه، ونافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا فيه، ونفست به بالكسر أي بخلت، ونفست عليه الشيء نفاسة إذا لم يره له أهلا والله أعلم. وقال بعض العلماء أيضًا: التنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد. وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، فمعنى ذلك أي يتحاسدون فيها [فيختلفون] ويتقاتلون فيهلك بعضهم بعضا كما قد ظهر ذلك ووجد. وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا توسعا

стр. 8913

لقرب ما بينهما، وقال بعضهم أيضًا معناه أي [فترغبون] فيها أي في الدنيا فتكثر أشغالكم في جمعها وتقل طاعتكم وتحصل بينكم العداوة بسبب المال فيقتل بعضكم بعضا وتقعوا في المعاصي. قوله ﷺ : "فتهلككم كما أهلكتهم"، ومعناه تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم، اهـ. ٤٩١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم التعمد. رواه أحمد (١)، ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم (٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.

стр. 8914

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم التكاثر" الحديث، والفقر منصوب بأخشى، وتقدم معنى الحديث في الحديث قبله. ٤٩١٩ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: يجاء بابن آدم كأنه بذج فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك وخولتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك به، فيقول له: أين ما قدمت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك به، فإذا عبد لم يقدم خيرا، فيمضى به إلى النار. رواه الترمذي (١) عن إسماعيل بن مسلم، وهو المكي رواه عن الحسن وقتادة، وقال: رواه غير واحد عن الحسن ولم يسندوه. [قوله: البذج] بباء موحدة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة وجيم: هو ولد

стр. 8915

الضأن، وشبه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة. قوله: "وعن أنس" تقدم، قوله: "يُجاء بابن آدم كأنه بذج"، الحديث. البذج، [وقد ضبطه الحافظ وفسّره، فقال: هو ولد الضأن، وشبّه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة، انتهى. وقال بعض العلماء (١) البذخ] بالذال المعجمة من أولاد الضأن، بمنزلة العتود من أولاد المعز، وجمعه بذجان، والعتود بفتح العين الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة و [عدّات] وأصله عتدان فأدغم، ومعناه أنه يأتي وعليه ذل وليس له منعة كولد الضأن الصغير وهو ضد البذخ بالخاء المعجمة فإنه الفخر والتطاول، اهـ. ٤٩٢٠ - وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: الفقر تخافون أو العوز أم تهمكم الدنيا؟ فإن الله فاتح عليكم فارس والروم، وتصب عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغكم بعد أن زغتم إلا هي. رواه الطبراني (٢) وفي إسناده بقية.

стр. 8916

[العوز] بفتح العين والواو: هو الحاجة. قوله: "وعن عوف بن مالك" هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى. أول مشاهده مع النبي ﷺ خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة. روى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (١). قوله: "قام رسول الله ﷺ في أصحابه" الحديث، معناه: قام فيهم خطيبا يعظهم. قوله ﷺ : "فقال: الفقر تخافون أم العوز أم تهمكم الدنيا" الحديث. العوز قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الحاجة، اهـ. قوله: "فإن الله فاتح

стр. 8917

عليكم فارس والروم" الحديث، ومراده ﷺ ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي يخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض، [و] هذا من أعظم المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم ووقع ما أخبر به النبي ﷺ . ٤٩٢١ - وروي عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك. رواه الطبراني (١). قوله: "عن أبي مالك الأشعري" تقدمت ترجمته، قوله ﷺ : "قال ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا وإن قتلك دخلت الجنة" الحديث، الأعداء على أقسام منها: الشيطان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (٢)، ومنها النفس أيضًا عدوة لأنها الأمارة بالسوء إلا ما رحم الله،

стр. 8918

ومنها الزوجات والأولاد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١)، ومنها المال، لقوله ﷺ في الحديث: أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك، وبقية الأعداء كثيرة تذكر في كتب الوعظ والرقائق. ٤٩٢٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه بهن وأروح: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه، فيمنعه من حقه. رواه الطبراني (٢) بإسناد حسن. قوله: "وعن عبد الرحمن بن عوف" تقدمت ترجمته. قوله: "قال الشيطان: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث أغدو عليه بهن وأروح" الحديث، الغُدوُّ هو والرواح هو. قوله: "إنفاقه في غير حقّ" أي في المعاصي المهلكات. قوله: "وأحببه إليه فيمنعه من حقه" أي من الزكاة والطاعات.

стр. 8919

٤٩٢٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ يُعْطي النَّاس عطاءهم فَجَاءَهُ رجل فَأعْطَاهُ ألف دِرْهَم ثم قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الدِّينَار وَالدِّرْهَم وهما مهلكاكم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (١). ٤٩٢٤ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اطَّلَعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْأَغْنِيَاء وَالنِّسَاء رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٢). وتقدم معنى حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمر اللذين بعده. ٤٩٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. رواه البخاري (٣) ومسلم (٤) في حديث.

стр. 8920

قوله: "عن أبي سعيد الخدري" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إن مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" الحديث. الزهر والزهرة البياض النير، وهو أحسن الألوان مأخوذ من زهرة الأشجار وهو ما يصفرّ من نوارها، والنور هو الأبيض منه، هذا قول ابن الأعرابي، وحكى أبو حنيفة أن النور والزهر سواء، وقد فسّرها ﵊ بأنها بركات الأرض أي ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب، اهـ. قاله القرطبي (١). وزهرة الدنيا حسنها وبهجتها وكثرة خيرها، ففي الحديث التحذير من الاغترار بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها. ٤٩٢٦ - وعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة العراق، فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنيه، فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه، ثم بكى عمر ﵁، فقال له من عنده: لم تبكي، وقد فتح الله عليك، وأظهرك على عدوك، وأقر عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأنا أشفق من ذلك. رواه أحمد (٢) بإسناد حسن والبزار (٣)

стр. 8921

وأبو يعلى (١). [السفط] بسين مهملة وفاء مفتوحتين: هو شيء كالقفة أو كالجوالق. قوله: "وعن أبي سنان الدّؤلي" اسمه يزيد بن أمية ويقال: اسمه ربيعة، روى عن علي وابن عباس وأبي واقد الليثي وعنه زيد بن أسلم ونافع والزهري قال أبو زرعة ثقة وقال أبو حاتم: ولد زمن أحد وذكره ابن حبان في الثقات وقال أراده هشام بن إسماعيل على أن يسب عليا فأبى له في السنن حديثه عن ابن عباس في الحج قلت: وما حكاه ابن حبان ذكره البخاري في تاريخه الكبير بإسناده وذكره في الأوسط في فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين وذكره ابن عبد البر في أسماء الصحابة. قوله: "أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين" الحديث. تقدم الكلام على النفر في مواضع وأنهم من الثلاثة إلى التسعة، والمهاجرون الأولون هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان أو الذين شهدوا بدرا. قوله: "فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة العراق"، الحديث. [السفط] قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو شيء كالقفة أو كالجُوالق اهـ، والجُوالق

стр. 8922

هو الوعاء من جلدو وثياب وغيرها، وهو فارسي معرب، وأصله: كواله، والجمع: الجوالق، بفتح الجيم والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف. وقوله: "أتي به من قلعة العراق" والقلعة بفتح اللام، لا يجوز سوى ذلك والجمع قلاع (١)، ومنه عند أهل النحو سماعا وقياسا رقبة ورقاب وعقبة وعقاب، والذي حكى [الجمع] جماعة من اللغويين منهم الإمام الثقة أبو زيد وكان ابن الأعرابي يقول (٢) إن القلعة لا تجمع قلاعا، والذي قاله من جهة السماع والقياس معا، قال: وإنما تجمع قلعا. والقلعة في اللغة أيضًا السحابة العظيمة، فشبهت بها. قوله ﵁: "وأنا أشفق من ذلك"، الإشفاق الخوف. ٤٩٢٧ - وعن أبي ذر ﵁ قال: بينما النبي ﷺ جالس إذ قام أعرابي فيه جفاء فقال: يا رسول الله أكلتنا الضبع؟ فقال النبي ﷺ : غير ذلك أخوف عليكم حين تصب عليكم الدنيا صبابا، فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب، رواه أحمد (٣) والبزار (٤)، ورواة أحمد رواة الصحيح.

стр. 8923

[الضبع] بضاد معجمة مفتوحة وباء موحدة مضمومة: هي السنة المجدبة. قوله: "وعن أبي ذر" تقدم الكلام عليه. قوله: "إذ قام أعرابي فيه جفاء" الحديث، الأعرابي هو مفرد الأعراب، وهم سكان البادية من جيل العرب، قاله الكرماني (١). قوله: "أكلنا الضبع" الضبع ضبطه الحافظ وفسره فقال هي السنة المجدبة، اهـ. وقال في النهاية (٢) يعني السنة المجدبة وهي في الأصل الحيوان المعروف [كنى به عن سنة الجدب] [والعرب تكني عن سنة الجدب] (٣) ومنه حديث عمر ﵁ خشيت أن [يأكله] الضبع. قوله ﷺ : "فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب" وفي رواية: "الديباج"، والديباج هو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب، وسيأتي الكلام عليه قريبا. ٤٩٢٨ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأنا لفتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء إنكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خضرة. رواه أبو يعلى (٤) والبزار (٥)، وفيه راو لم يسم وبقية رواته رواة الصحيح.

стр. 8924

قوله: "وعن سعد بن أبي وقاص" تقدمت ترجمته. قوله: "وإن الدنيا خضرة حلوة" الحديث، [فأما المال فإنه خضرة حلوة] (١) وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة تقدم الكلام عليها، ومعنى خضرة غضة ناعمة طرية، أي أن هذا المال شيء كالخضرة أو كالبقلة الخضرة كذا في الميسّر. ٤٩٢٩ - وعن أبي ذر ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة، وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول في عباد الله: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، وعن خلفه، ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليل ما هم، ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك، الحديث. رواه البخاري (٢) واللفظ له ومسلم (٣)، وفي لفظ لمسلم (٤) قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله: فداك أبي وأمي

стр. 8925

من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا وهكذا من يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم، الحديث. الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، ورواه ابن ماجه (١) مختصرا: الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا، وكسبه من طيب قوله: "وعن أبي ذر" تقدم الكلام عليه. قوله: "كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة بالمدينة" الحديث، الحرة أرض تركبها حجارة سود. قوله: "فاستقبلنا أحد" أحد اسم جبل بالمدينة [قوله] ﷺ : ما يسّرني أن عندي مثل أحد ذهبا تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار" [إلا شيء أرصده لدين، الحديث. الحرة أرض تركبها حجارة سود، وقوله: "فاستقبلنا أحد"، أحد اسم جبل بالمدينة. قوله: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار"] (٢)، وإنما قيّد ذلك بالثلاث لأنه لا يتأتى تفريق جبل الذهب في أقل من ثلاث ولو استغرق في ذلك أوقاته واستعان بكل أحد. قوله: "إلا شيء أرصده لدين" ومعنى أُرصِده بضمّ الهمزة أي أُعِدُّه من أرصدت كذا العقوبة

стр. 8926

إذا أعددتها له وحقيقته [إذا] جعلتها على طريقه كالمترقبة له كذا في كتاب النهاية (١)، وفيه دليل على تقديم وفاء الدين على الصدقة، ثم يحتمل أن يكون المراد إرصاده لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذ دينه ويحتمل أن يكون المراد إرصاده لوفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفيه، اهـ. وفيه أنه لا ينبغي للمؤمن أن يستغرق في كثير الدين خشية العجز عن أدائه، قاله الكرماني (٢). قوله: "فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة" أي أن الأكثرين مالا [هم] (٣) الأقلون ثوابًا إلا من تصدق بماله في مرضات الله يمينا وشمالا وبين يديه. قوله: "إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم"، والأحاديث من هذه الأنواع كثيرة جدا والمقصود أن من وثق بوعد الله تعالى وتحقق بالتوكل على الله وأيقن بالخلف من الله فيما ينفقه لله فلا يضره إنفاق جميع ماله في سبيل الله كما فعل سيدنا أبو بكر الصديق وبخ بخ ما أعظمها عند الله تعالى من فعلة وما أجلّ ثوابها وأجزل أجرها، ولكن ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وأما من كان ضعيف التوكل واهي اليقين فليترك لعياله بعض ما قال النبي ﷺ لكعب بن مالك حين قال له (٤):

стр. 8927

إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له رسول الله ﷺ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، وكذلك قال لسعد (١): إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس. فإن قلت: فهلا يدل هذا على أن النبي ﷺ استشعر منهما ضعف التوكل كما قدمت. قلت: الواجب أن لا يتوهم مثل هذا في الصحابة وحاشاهم من ذلك ﵃، والظاهر [أنّ] النبي ﷺ إنما أمرهما بذلك ليتأسّى بفعلهم ضعفاء التوكل خشية أن يقتدوا بأفعال الأقوياء مع ضعفهم فيقعوا في الندم بعد الإنفاق فتنقص أجورهم أو تحبط فأصحاب النبي ﷺ كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، فمن كان عنده ضعف في التوكل واليقين فلينفق البعض ويترك البعض اقتداء بمن ذكر ومن قوي توكله فلينفق كيف شاء كما فعل الصديق الأكبر وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأما ترك الإنفاق بالجملة مع القدرة فهو إلقاء باليد إلى التهلكة ولا رخصة فيه البتة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قاله ابن النحاس. قوله في الحديث: "ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك" أي الزم مكانك وفي تتمة الحديث، "ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى. فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عَرض لرسول الله ﷺ فأردت أن آتيه فذكرت قوله لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح حتى أتاني فقلت: لقد سمعت صوتا

стр. 8928

تخوفت، فذكرت، فقال: وهل سمعت له؟ قلت: نعم. فقال: ذاك جبريل ﵇ أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق" رواه البخاري في الرقائق (١) ومسلم في الزكاة (٢) عن أبي ذر. قوله في [الحديث]: فلم أتقارَّ أن قمت، أي [لم] ألبث؛ الحديث. أي لم يمكني القرار والثبات. وأصله: أتقارَرُ فأدغمت الراء في الراء. قوله ﷺ : "قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا" الحديث. فيه الحث على الصدقة في وجوه الخير وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر بل ينفق [في كل وجه من وجوه الخير يمكنه، وأما إشارته ﷺ إلي قدام ووراء والجانبين فمعناها ما ذكرناه أنه ينبغي أن ينفق] متى حضر أمر مهم. وقال بعض العلماء إنما خص الجهات الأربع ولم يذكر فوقه وتحته موافقة لقوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ (٣). قوله ﷺ في رواية ابن ماجه "إلا من قال هكذا وهكذا وكسبه من طيب" المراد بالطيب الحلال. فائدة تتعلق بالتوكل: فإنه تقدم الكلام على بعض معناه. قال الله تعالى:

стр. 8929

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢). (٣) ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤)، وقال [تعالى لرسوله] ﷺ ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (٥)، والآيات في ذلك كثيرة جدا. وقال أبو ثور: سمعت الشافعي ﵁ يقول (٦): نزه الله تعالى نبيه ورفع قدره فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٧)، وذلك أن الناس في التوكل على أحوال شتى، متوكل على نفسه أو على ماله أو على جاهه أو على سلطانه أو على صناعته أو على غلته أو على الناس وكل مستند إلى حي يموت أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع، فنزّه الله تعالى نبيه عن ذلك وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت، اهـ. وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له والتوكل بالقلب عليه إيمان به. قال سهل

стр. 8930

التستري: من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﷺ ، والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، قاله ابن رجب (١). وقال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (٢): ظن بعضهم أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال. قلت: لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب لله لا إخراج صور المال ما قالوا هذا، ولكن قلَّ فهمهم وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتَّجرون ويجمعون الأموال، وما قال مثل هذا أحد منهم، وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة فمن أين أطعم عيالي، اهـ. وقال أهل الحقيقة: اعلم أن معنى التوكل على الله هو الثقة بما عند الله تعالى واليأس عما في أيدي الناس، وقيل التوكل الاعتماد على الحق والتخلي من الخلق، وقيل التوكل الثقة بالوعد وترك التدبير لغد، وقال بعضهم التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وقال سهل التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد ومنهم من يفسره بالرضى فيقول هو الرضا بالمقدور. وقال بشر الحافي رحمة الله عليه (٣): يقول أحدهم توكلت

стр. 8931

على الله يكذب على الله، لو توكل على الله رضي بما يفعل الله. وسئل يحيى بن معاذ (١): متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا. والذي يقوي التوكل ثلاث خصال: حسن الظن بالله تعالى، والثاني نفي التهم عن الله . والثالث: الرضا عن الله فيما [جرى] به التقدير، ولا تنال هذه المنزلة إلا باليقين، فإن اليقين إذا تمّ سمى تمامه توكلًا، قاله الهروي. وقد مدح الله تعالى التوكل وحثّ عليه في كتابه العزيز وقال النبي ﷺ (٢): التوكل نصف العبادة، وروى ابن ماجه (٣) والترمذي (٤) والحاكم (٥) وصححه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لو توكلتم على تعالى حق توكله لرزقكم كما

стр. 8932

يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا، معناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار ممتلئة البطون. قال الإمام أحمد بن حنبل (١) ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد والله أعلم لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل. وفي الإحياء (٢) في أوائل كتاب أحكام الكسب قيل للإمام أحمد ما تقول في الذي يجلس في بيته أو [مسجده] ويقول لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال الإمام أحمد (٣): هذا رجل جهل العلم، [أما] سمع قول النبي ﷺ : (٤)

стр. 8933

إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي. وقوله ﷺ (١) حيث ذكر الطير تغدو خماصا وتروح بطانا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم، اهـ. والله أعلم.

стр. 8934

٤٩٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في نخل لبعض أهل المدينة فقال: يا أبا هريرة هلك المكثرون إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات حثا بكفيه عن يمينه، وعن يساره، ومن بين يديه، وقليل ما هم، الحديث. رواه أحمد (١)، ورواته ثقات وابن ماجه (٢) بنحوه. قوله: "وعن أبي هريرة"، تقدم. قوله: "حثى بكفيه عن يمينه وعن شماله" الحديث. قال أهل اللغة: يقال حثيت أحثي حثيا وحثوت أحثو حثوا لغتان، والحثو هو الحفن باليدين، وقد جاءت اللغتان، قاله صاحب التنقيح. ٤٩٣١ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، وإن الأكثرين هم الأسفلون إلا من قال: هكذا وهكذا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، وبين يديه، ويحسي بثوبه. رواه ابن حبان في صحيحه (٣).

стр. 8935

ورواه ابن ماجه (١) باختصار. وقال في أوله: ويل للمكثرين. [قال الحافظ]: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تدور على هذا المعنى اختصرناها. قوله وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "وإن الأكثرين هم الأسفلون" قال أبو نصر [هو من الحنيفية:] إن كان [الغني] مسلما فهو أسفل درجة في الجنة وإن كان كافرا فهو أسفل درجة في النار. قوله: "إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه ويحثي بثوبه"، تقدم الكلام على معنى هذا الحديث. دل الحديث على كراهية إمساك المال وما أحسن ما قال بعض الفضلاء: إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها ... على الناس طُرًّا قبل أن تتفلّت فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي ولَّت ٤٩٣٢ - وروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من سأل عني، أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة،

стр. 8936

ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغدا السباق، والغاية الجنة أو النار. رواه الطبراني في الأوسط (١). قوله: "وعن عائشة" تقدمت ترجمتها. قوله ﷺ : "من سأل عني أو سرّه أن ينظر إليّ فلينظر إلى أشعث أغبر شاحب مشمر" الحديث. [الأشعث] الأغبر هو البعيد العهد بتسريح شعره ودهنه. قوله: "شاحبا" [الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض من مرض أو جزع أو سفر أو نحوهما، وقد شحب يشحب شحوبا، ومنه حديث ابن الأكوع: رآني رسول الله ﷺ شاحبا] شاكيا؛ وحديث الحسن: لا تلقى المؤمن إلا شاحبا، لأن الشحوب من آثار الخوف وقلة المأكل والتنعم. قاله ابن الأثير في النهاية (٢). قوله: مشمر، التشمير كناية عن الاجتهاد في العبادة. قوله ﷺ : "لم يضع لبنة على لبنة" الحديث، اللبنة [الطوبة] التي يبني بها، وفيها لغتان: إحداهما فتح اللام وكسر [الهاء] وجمعها لبن بإسقاط الهاء كنبقة ونبق. الثانية كسر اللام وسكون الباء وجمعها لبن بكسر اللام وفتح

стр. 8937

الباء كسدرة و [سِدَرَ ذكره] القاضي عياض (١) وأبو العباس القرطبي (٢). قلت وفيها لغة ثالثة وهي بفتح اللام وإسكان الباء كنظائرها، و [قد] ذكرها النووي والله أعلم. ٤٩٣٣ - وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعم الله . رواه الحاكم (٣)، وقال: صحيح الإسناد. "وعن عبد الله بن الشخير" هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الجريش، وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري، وهو والد مطرف، ويزيد. روى له مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ حديثين. روى عنه ابناه (٤).

стр. 8938

قوله ﷺ : "أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعم الله تعالى" الحديث. أحرى معناه أجدر "تزدروا" تحتقروا. قال ابن جرير وغيره هذا حديث جامع لأنواع من الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، وإذا نظر إلى من دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير. [تتمة: عقّب الغزالي في الإحياء (١) هذا الحديث؛ [فقال: مثال للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا، وغفلتهم عن الدنيا وحسراتهم العظيمة بسببها بقوله: اعلم أن أهل الأرض في غفلتهم مثلهم مثل قوم] ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم المقام وخوفهم مرور السفينة واستعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم الحاجة وبادروا إلى السفينة فصادفوا المكان خاليا [فأخذوا] أوسع الأماكن [وأثبتها] وأوفقها لمرادهم. وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أنوارها وأزهارها العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات [أطيارها] [الطيبة] (٢) وألحانها الموزونة الغريبة وصار يلحظ من تربتها وأحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة الألوان السالبة أعين الناظرين بحسن زخرفها

стр. 8939

وعجائب صورها ثم تنبه [لخطر] (١) [لفوات] السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقر فيه. وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزادته الأحجار ضيقا وصارت ثقلا عليه ووبالا فندم على أخذها ولم يقدر على رميها ولم يجد مكانا لها فحملها في السفينة على رقبته وهو يتأسف على [أخذها] ولم ينفعه التأسف. وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومتنزهه [منه] (٢) حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار والتشمم لتلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع وغير خال عن السقطات والنكبات ولا ينفك عن شوك ينشب بثيابه وعصاه يجرح بدنه وشوكه يدخل في رجله وصوت هائل يفزع منه وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لو أراده فلما بلغهم نداء [أهل] (٣) الملاح انصرف بعضهم مثقلا بما معه ولم يجد في المركب موضعا فبقي [على] الشط حتى مات جوعا. وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه [فهام] (٤) على وجهه حتى هلك

стр. 8940

ومنهم من مات في الأوحال ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا كالجيف المنتنة. وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الحجارة المزبرجة فقد استرقّه وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن خمدت ألوان تلك الأحجار وذبلت تلك الأزهار وظهر نتن رائحتها [فصار متأذيا برائحتها] مع كونها مضيقة عليه فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الموطن إلا بعد أن ظهر عليه من الأسقام بتلك الروائح ما [أوفقه] فبلغ سقيما عليلا. ومن رجع قريبا فما فاته إلا سعة المحل فتأذى بضيق المكان مدة ولكن لما وصل إلى الموطن استراح. ومن رجع أولا وجد المكان [واسعا] ووصل إلى الوطن سالما فهذا [مثال أوصاف] أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة [أمرهم] وما أقبح [بمن] يزعم أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت وهي زينة الدنيا وشيء منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله تعالى. اهـ] (١). * * *

стр. 8941

فصل في عيش السلف ٤٩٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض. (١) ٤٩٣٥ - وفي رواية قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا يقول: والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). قوله: "عن أبي هريرة" تقدمت ترجمته. قوله: "ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض" الحديث، آل محمد هو زوجاته وأهل بيته [ونفى الشبع لا يثبت الجوع، والتوسط هو الاختيار] (٤)، والمراد بالطعام الحنطة وهو البرّ فإن البرّ كان بالمدينة قليلًا وكان الغالب عليهم الشعير والتمر، فكان ﷺ يؤثر قوت أهل بلده ويكره أن يخص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه، وهذا هو الأشبه بأخلاقه ﷺ . قوله: "وفي رواية، قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا، والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله ثلاثة
следующие страницы →