← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 922–961 · переход к 927.

стр. 922

ورسوله فلا سبيل عليه إلا أن يصيب حدًا فيقام عليه" (١) انفرد به ابن ماجه، وروي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس، والله أعلم؛ قال أبو عبيد ﵀ (٢): ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ، وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله تعالى على نبيه، والتنكير في المراء إيذانًا بأن شيئًا منه كفر فضلًا عما زاد عليه، وقيل: إنما جاء هذا في الجدال والمارء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض منه والباحث عليه وظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز، والله أعلم. وقال في شرح السنة (٣): قيل مع المراء الشك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ (٤) أي: في شك، وقيل: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل في القرآن أداه ذلك إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه ويؤديه ذلك إلى

стр. 923

الجحود فسماه كفرًا باسم ما يخشى من عاقبته إلا من عصمه الله تعالى، وقيل: هو المراء في قراءته وهو أن ينكر الرجل بعض القراءات المروية التي أنزلت على رسول الله ﷺ ، فإذا أنكرها فقد كفر لأنه أنكر القرآن. تنبيه: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): قال علماؤنا: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن أو طلبا لاعتقاد المجسمة كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وايضاح معانيها أو كما فعل صبيغ. القسم الأول (أي الزنادقة والقرامطة) لا شك في كفرهم، وأن حكم الله تعالى فيهم القتل من غير استتابة. الثاني الصحيح: القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد. الثالث: اختلف السلف في جواز ذلك بناء على الجواب في جواز تأويلها. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر ﵁ بصبيغ، أ. هـ. فائدة: قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (٢): يروى من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل

стр. 924

المسائل، أولئك شرار أمتي" (١)، قال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يغمون بها عبد الله (٢)، قال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم العبد بركة العلم ألقى علي لسانه المغاليط، ولقد رأيتهم أقل الناس علمًا (٣)، وقال ابن وهب عن الإمام مالك: أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل (٤)، قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن (٥)، أ. هـ. تنبيه: من البدع الجدل في القرآن وتتبع المتشابه منه، وقد عد العلماء المراء في القرآن من الكبائر، واستدلوا عليه بحديث أبي هريرة المتقدم (٦). ٢٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَن عِيسَى ﵇ قَالَ إِنَّمَا الأمُور ثَلَاَثة أَمر تبين لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر تبين غيهُ فاجتنبه وَأمر اخْتلف فِيهِ فَرده إِلَى عَالم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بأْس بِهِ (٧).

стр. 925

قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله، قال أبو الفرج بن الجوزي (١): ولد عبد الله بن عباس في الشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ﵁ حبر الأمة فسمي البحر لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن مات، ودعا له رسول الله ﷺ فقال: "اللهم فقهه في العلم وعلمه التأويل" (٢). وقال ابن عباس ﵄: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين (٣)، وقال طاووس: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس (٤)، وكانت الدموع قد حفرت في خده أخدودًا من كثرة البكاء، توفي ﵁ بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة، والله أعلم. قوله ﷺ : "أن عيسى ابن مريم" الحديث، رفع عيسى عليه الصلاة

стр. 926

والسلام وهو ابن ثلات وثلاثين سنة (١)، وسيأتي الكلام عليه في مواضع من هذا التطبيق. قوله: "إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه" أي: استبان يعني تبين وظهر، والرشد: الهدى، أي: استقامته، أي: ظاهره، كوجوب الصلاة والصوم فاتبعه. قوله: "وأمر تبين لك غيه فاجتنبه" والغي: ضد الرشد، وهو: الضلال، والاجتناب: التباعد عن الشيء. قوله: "وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه" أي: رده إلى كتاب الله وأعرضه عليه ليتكشف لك حكمة اللّه تعالى بوجود عينه أو بوجود نظيره وشبهه، انتهى، وقال بعض العلماء: ["وأمر اختلف فيه" أي: اختلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم، من غير] أن يبين الله ورسوله حكمة كتعيين وقت القيامة وحكم أطفال الكفار (٢)، فالأمور ثلاثة أنواع، أي: المتعلقة بأحكام الدين ثلاثة، الأول: ما هو صواب ورشد ظاهر فاتبعه كالواجبات الخمس التي هي أصول الدين، والثاني: ما هو ضلالة وغير ظاهر كبطلان دين الإسلام فاجتنبه، والثالث: ما لا يكون للشارع حكم ظاهر فيه كالمتشابه فكل علمه إلى الله تعالى كمتشابهات القرآن والعلم بوقت يوم قيام الساعة وأحوال

стр. 927

أطفال الكفار (١). تلخيصه: ما علمت كونه ثابتًا بالنص فاعمل به وما علمت كونه باطلا بالنص فلا تعمل به، وما لم يثبت حكمه بنفي ولا إثبات بالنص فتوقف فيه وكِل علمه إلى الله تعالى ولا تقل فيه شيئًا (٢)، انتهى.

стр. 928

كتاب الطَّهَارَة التَّرْهِيب من التخلي على طرق النَّاس أَو ظلهم أَو مواردهم وَالتَّرْغِيب فِي الانحراف عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها الكتاب في اللغة، مصدر، يقال: كتب يكتب كتبًا وكتابًا وكتابةً، وجمعه كتب بضم التاء وإسكانها، وأصل الكتب: الضم، ومنه كتيبة الخيل لاجتماعها وانضمامها، ثم أطلق الكتاب على المكتوب كذا بضم حروفه، وفي اصطلاح الفقهاء: ما يجمع أمورًا من علم، ثم منهم من يعبر عنها تارة بالأبواب وتارة بالفصول، والطهارة: بفتح الطاء تستعمل من حيث اللغة بإزاء النظافة والتنقي من الأدناس الحسية كالأنجاس والمعنوية كالمآثم يقال: ثوب طاهر ونفس طاهرة، وأما الطهارة بالضم فعند بعض أهل اللغة: فضل ما تطهر به، وهي بالفتح في اصطلاح الفقهاء عبارة عن: رفع الحدث وإزالة النجس، ويشبه أن يكون إطلاق الطهارة على ما لا يرفع حدثا ولا يزيل خبثًا كالغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والأغسال المسنونة وطهارة المتيمم والمستحاضة من مجاز السنة كما أطلق على التراب وضوءًا في قوله ﷺ : "الصعيد وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" (١)، واعلم أن

стр. 929

قولهم إزالة النجاسة قد يوهم اعتبار تعاطيها منا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإنه لو مر سيل على متنجس أو وقع ثوب في ماء كثير وزال به أثر النجاسة طهر، فلو قيل وزوال النجس لانتفى التوهم المذكور (١)، انتهى، قاله ابن الأبياني شارح التبريزي. فائدة: قال أبو الفرج بن الجوزي، قدس الله روحه (٢): اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب، الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات، والثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام، والثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، والرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، انتهى. تنبيه: وأما الباب: فهو ما يتوصل منه إلى الشيء، وجمعه: أبواب، قال الزمخشري: وإنما بوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم لأن القارئ إذا ختم بابًا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان

стр. 930

أنشط له وأهز لعطفه وأبعث على الدرس والتحصيل بخلاف ما لو استمر على الكتاب طوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلًا وطوى فرسخًا وانتهى إلى رأس بريد ونشط للمسير، ومن ثم كان القرآن سورًا، وجزأه القراء أسباعًا وعشورًا وأخماسًا وأجزاءًا، انتهى، قاله الكمال الدميري (١).

стр. 931

التَّرْهِيب من التخلي على طرق النَّاس أَو ظلهم أَو مواردهم ٢٣٩ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اتَّقوا اللاعنين قَالُوا وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (١). قَوْله: "اللاعنين" يُرِيد الْأَمريْنِ الجالبين اللَّعْن وَذَلِكَ أَن من فعلهمَا لعن وَشتم فَلَمَّا كَانَا سَببا لذَلِك أضيف الْفِعْل إِلَيْهِمَا فَكَانَا كَأَنَّهُمَا اللاعنان. قوله: "عن أبي هريرة"، تقدم. قوله ﷺ : "اتقوا اللاعنين" قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، الحديث، قال النووي (٢): وقع في صحيح مسلم: "اللعانين"، وفي رواية: "اللاعنين" والروايتان صحيحتان ظاهرتان، وفي الترمذي وأبي داود: "الملاعن"، وفي المفهم (٣): "اللاعنين" يروى هكذا وصحيح روايتنا: "اللعانين" بالتشديد على المبالغة؛ واللعن: الطرد والبعد، وقد فسرهما بالتخلي في الطرق والظلال، وقد فسر الحافظ ﵀ اللاعنين فقال: يريد الأمرين الجالبين للعن، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم فلما كانا وسببا لذلك أضيف الفعل

стр. 932

إليهما فكانا كأنهما اللاعنان، انتهى؛ قال النووي، قدس الله سره (١): يعني عادة الناس لعنه وشتمه، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود، وأما رواية مسلم فمعناها والله أعلم: اتقوا فعل اللاعنين. قوله: قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، قال: "الذي يتخلى في طرق الناس"، وفي رواية ابن منده: "في طريق المسلمين ومجالسهم" (٢)، وذلك محمول على المواضع المشتركة التي لا تختص بأحد، أما ما اختص بالمستنجي فلا شك في جوازه، وما اختص به غيره فلا شك في تحريمه حتى لو تجمر بجدار الغير أو بجدار موقوف ونحوه فإنه حرام، وهو مما يتساهل الناس فيه، وحينئذ فيجب تطهيره والتحلل من صاحبه إن أضر ذلك به، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام. والتخلي: الجلوس للحاجة فمعناه يتغوط في موضع يمر الناس فيه، وعبر عنه بالتخلي لأنه لا يكون إلا خاليًا ولم يذكر البول (٣)، وقد صرح النووي في الروضة بكراهته من زياداته (٤)، والله أعلم.

стр. 933

قوله: "أو في ظلهم" سيأتي الكلام على الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا، ونهى عن التخلي في الظل والطريق لما في ذلك من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره، وقد صرح الخطابي وغيره بتحريم ذلك، وقد عدوه من الصغائر (١)، والله أعلم. ٢٤٠ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث البرَاز فِي الْمَوَارِد وقارعة الطَّرِيق والظل". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا عَن أبي سعيد الْحِمْيَرِي عَن معَاذ وَقَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُرْسل يَعْنِي أَن أَبَا سعيد لم يدْرك معَاذًا (٢). الْملَاعن: مَوَاضِع اللَّعْن. قَالَ الْخطابِيّ: وَالْمرَاد هُنَا بالظل هُوَ الظل الَّذِي اتَّخذهُ النَّاس مقيلا ومنزلا ينزلونه وَلَيْسَ كل ظلّ يحرم قَضَاء الْحَاجة تَحْتَهُ فقد قضى النَّبِي ﷺ حَاجته تَحت حايش من النّخل وَهُوَ لَا محَالة لَهُ ظلّ انْتهى. قوله: عن معاذ، تقدم الكلام عليه، وتوفي ﵁ شهيدًا بالطاعون سنة ثماني عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وآخى رسول الله ﷺ بين معاذ بن جبل وبين ابن مسعود، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون

стр. 934

حديثا، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا. قوله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث" الحديث، الملاعن مواضع اللعن أي: اتقوا الأمور التي هي سبب اللعن الحاملين للناس عليه والداعين إليه (١). والملاعن: جمع ملعنة كمقبرة ومجزرة موضع القبر والجزر، وهي الفعلة التي يُلعن بها فاعلها كأنها مكان للعن ومحل له (٢)، وسميت ملاعن: لأن الناس يلعنون فاعل ذلك فهو مواضع اللعن (٣)، وما ذاك إلا أنه مرافق المسلمين، فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول: لعن الله من فعل هذا، والنبي ﷺ بأمته رؤوف رحيم فنهاهم أن يفعلوا ما يلعنون بسببه (٤)، وقد قال ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم (٥): اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها، انتهى. قوله: "البراز في الموارد" البراز: بفتح الباء، وأكثر الرواة يقولونه بكسر الباء وهو غلط اسم للفضاء الواسع من الأرض، ثم سمي به الحدث، ومنه الحديث: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز أبعد" (٦) فكنوا به عن قضاء الغائط كما كنوا بالخلاء عنه لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس،

стр. 935

ويبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة (١)، وهو عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي (٢)؛ وفي الحديث: "كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته فأتيته بالماء فيتغسل به" (٣) قوله "يتبرز" فمعناه يأتي البراز بفتح الباء (٤)، وتقدم الكلام عليه، قوله "فيتغسل به" فمعناه يستنجي به ويغسل محل الاستنجاء (٥)، والله أعلم. وأما البراز بكسر الباء فهو مصدر المبارزة يقال: بارزته في الحرب مبارزة وبرازا، قاله المغيث في غريب القرآن والحديث (٦)، وروى الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي "المبارزة" في الدعوات الكبير من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد قضاء الحاجة أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قَالَ: وَلَبِسَ أَحَدَهُمَا، فَجَاءَ طَائر فَأَخَذَ خُفَّهُ الْآخَرَ فَحَلَّقَ بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَاسْتُلِبَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي

стр. 936

عَلَى رِجْلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ" (١). قوله: "في الموارد" أي: المجاري والطرق إلى الماء، واحدها مورد وهو مفعل من الورود، يقال: وردت الماء أرده وروده إذا أحضرته لشرب، والمورد الماء الذي يرد عليه، قاله في النهاية (٢)، وقال بعضهم: الموارد: طرق الماء (٣)، وقيل: المواضع التي يرد الناس إليها (٤)، قال العلماء: يكره التغوط والبول في الموارد وبقرب المياه وإن لم يصل إليها لعموم النهي ولما فيه من إيذاء المارة بالماء ولما يخاف من وصوله إلى المياه (٥). قوله: "وقارعة الطريق" قال ابن الأثير في النهاية: وإنما أطلقت القارعة على الطريق لما فيها من القرع وهو الذي بالجرار والنعال

стр. 937

وغيرهما (١)، انتهى، وقارعة الطريق أعلاه، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما (٢)، وقيل: وسطه (٣)، وقيل: صدره، وقيل: ما برز منه، وكله متقارب (٤)، والمراد شارع المارين وهو نفس الطريق، والمعنى فيه: تأذي المارة، والمراد بالطريق هنا المسلوك، وأما الطريق المهجور فلا منع فيه، وفي البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقٍ عَامِرٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللهِ" (٥)

стр. 938

الحديث، السخيمة: الغائط (١). قوله: "والظل" المراد هنا بالظل هو: الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا ومنزلًا، فإن قيل: ليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة تحته فقد قضى النبي ﷺ حاجته حائش من نخل وهو لا محالة له ظل، انتهى، قاله الحافظ نقلًا عن الخطابي (٢)، والحائش النخل الملتزق المجتمع كأنه لالتفافه يحوش شيء بعضه بعضًا (٣)، وهذا محمول على ما ليس له ثمر وكان ممن لا ينتفع به يكره ذلك، ولا فرق بين شجر يملكه أو لا يملكه، ولا بين وقت الثمرة أو غيره، نعم القائل بتحريمه تحت الثمرة لا يقول بذلك عند عدم الثمرة، لأن التنجيس لم يتحقق (٤)، قال شيخنا جمال الدين الإسنوي: والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يكره البول تحت شجرة لا ثمر لها وإذا كانت مثمرة قبل طلوع الثمرة، وفي الشرح الصغير للرافعي بحث في أن النهي عن الغائط تحت المثمرة أضر منه على البول لأن الغائط يظهر في التراب أو يغسل، ولعل هذا الحديث محمول على حالة الثمرة أو على الحالة الأولى قبل أن يتخذ الكنف ونحو ذلك.

стр. 939

وفيه من الفقه: اسْتِحْبَابُ الاِسْتِتَارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِحَائِطٍ أَوْ هَدَفٍ أَوْ وَهْدَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَغِيبُ جَمِيعُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَهَذ سُنَّةٌ متأكده (١)، والواجب ستر العورة عنهم فقط وسبب مجيئه ﵊ للحايش أكثر من غيره ما فيه من زيادة الستر من غالب الجوانب ومن القبلة من الجهتين وعن الشمس أو القمر وقد يكون في الهدف نحو من ذلك، لسبب استدارته أو ارتفاعه، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. قوله: رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الحميري، اسمه: أبو سعيد (لحميري شامي، قال ابن القطان: مجهول. وروايته عن معاذ مرسلة). ٢٤١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول اتَّقوا الْملاعن الثَّلاث قيل مَا الْملاعن الثَّلاث يَا رَسُول اللّه قَالَ أَن يقْعد أحدكُم فِي ظلّ يستظل بِهِ أَو فِي طَرِيق أَو نقع مَاء" رَوَاهُ أَحْمد (٢). قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث" الحديث، تقدم الكلام على الملاعن الثلاث، وتقدم الكلام أيضا على الظل في الحديث قبله ومواضع الظل في الشتاء ومواضع الظل في الصيف، وكذلك المتحدث بفتح الدال موضع الحديث الذي جرت عادة الناس التحدث فيه، ويسمى النادي، وفي معناه:

стр. 940

كلّ موضع يقصد لمعيشة أو لمقيل مسافر ومبيته ونحو ذلك إلا أمكنة المكس فإنها أسوأ حالًا من الأخلية (١)، واللّه أعلم. قوله: "أو في نقع ماء" قيل: النقع الماء الناقع وهو المجتمع (٢). ٢٤٢ - وَعَن حُذَيْفَة بن أسيد ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من آذَى الْمُسلمين فِي طرقهم وَجَبت عَلَيْهِ لعنتهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٣). قوله: عن حذيفة بن أسيد، هو حذيفة بن أسيد (بن خالد بن الأغوس بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل، قاله خليفة، وقال ابن الكلبي: حذيفة بن أسيد بن الأغوز بن واقعة بن حرام بن غفار، فقال خليفة: الأغوس بالغين المعجمة والسين، وقال الكلبي مثله إلا أنه جعل عوض السين زايا، وقال عوض وقيعة: واقعة، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، ونزل الكوفة، وتوفي بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبر عليه أربعا، روى عنه: أبو الطفيل، والشعبي، والربيع بن عميلة، وحبيب بن حماز، وهو بكنيته أشهر (٤).

стр. 941

قوله ﷺ : "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" الحديث. تنبيه: هل يجوز لعن فاعل ذلك؟ ظاهر الحديث جوازه، وهذا معنى قول القرطبي العادي والشرعي (١)، واقتصر النووي على قوله عادة لأنه محل نظر (٢)، فإن اللعن الوارد في السنة غالبًا في أهل الكبائر، وهذا قد يقال إنه لا ينتهي إلى التحريم فضلًا أن يكون كبيرة لكن يحرم الرافعي في الشهادات نقلًا عن صاحب العدة بأن التغوط حرام في الطريق وارتضاه (٣) وتبعه عليه في الروضة (٤)، وأما في شرحيه لمسلم والمهذب فقال: ظاهر كلام الأصحاب أن الكراهة للتنزيه، وينبغي أن يكون محرما لهذه الأحاديث الواردة، وفي كلام الخطابي والقرطبي إشارة إليه لما فيه من إيذاء المسلمين (٥)، وقد روى البيهقي عن ابن سيرين كما سيأتي قال: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كلّ شيء، يوشك أن تفتينا في الخراء، فقال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين" لكن قال شيخنا الذهبي: هو حديث منكر، وضعفة، نعم لا يجوز لعن المعين على ما صححه الجمهور ولو كان كافرًا لاحتمال وفاته على الإسلام والتوبة، وأما أبو بكر بن العربي

стр. 942

فصحح الجواز (١)، وقال النووي في الأذكار: وظواهر الأحاديث يقتضي جوازه (٢) واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. ٢٤٣ - وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين ﵁: قَالَ: قَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة أفتيتنا فِي كلّ شَيْء يُوشك أَن تفتينا فِي الخراء فَقَالَ: سَمِعت رَسول اللّه ﷺ يَقُول: "من سل سخيمته على طَرِيق من طرق الْمُسلمين فَعَلَيهِ لعنة اللّه وَالْمَلائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ (٣). قَوْله: "يُوشك" بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَفتحهَا لغية، مَعْنَاهُ: يكَاد ويسرع والخراء والسخيمة الْغَائِط.

стр. 943

قوله: عن محمد بن سيرين، هو: محمد بن سيرين الأنصاري التابعي الإمام في التفسير والحديث وتعبير الرؤيا والمقدم في الزهد والورع، واسم أم محمد بن سيرين: صفية مولاة أبي بكر الصديق، طيبها ثلاث من أزواج النبي ﷺ ودعين لها وحضر أملاكها ثمانية عشر بدريًّا منهم أبي بن كعب يدعو لهم بالبنون، وأولادها ستة: محمد هذا ومعبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة، وكلهم روات ثقات، وحبس ﵁ بدين كان عليه، قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وإذا أصبحت فتعال، فقال: لا واللّه، لا أعينك على خيانة الملك، وكان حبسه في دين له في ثمرة زيت ابتاعه فوقع فيه ما نجسه وكانت قيمته أربعين ألفًا وكان يقول: عيرت رجلًا بشيء من ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به، وكانوا يرون أنه كثير الفقر، كثير البكاء بالليل، مر يومًا برواس قد أخرج رأسًا مشويًا فأغمي عليه وادعى رجل عليه بدرهمين، فقيل له: أتحلف؟، قال: نعم، قيل: على درهمين، قال: نعم ولا أطعمه حراما، وأنا أعلم، وهو مولى أنس بن مالك، كلفه أنس بن مالك على عشرين ألفًا فأداها إليه وعتق، وكان له ثلاثون ولدًا، وقيل: أربعون من امرأة واحدة، فماتوا في حياته إلا عبد اللّه، وقضى ما على أبيه من الدين المذكور فلم يمت حتى ملك ثلثماثة ألف درهم، توفي محمد بن سيرين بالبصرة سنة عشر ومائة، وكانت وفاته بعد الحسن البصري بمائة يوم وهو ابن نيف وثمانين سنة، ومناقبه كثيرة مشهورة (١).

стр. 944

قوله: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كلّ شيء، يوشك أن تفتنيا في الخراء، الحديث؛ يوشك: معناه يكاد ويسرع، وفي حديث سلمان قال له الكفار: إن نبيكم يعلمكم كلّ شيء حتى الخراءة (١)، قال: قال أجل، الحديث؛ الخراءة بالكسر وتخفيف الراء وهي اسم لهيئة المحدّث، وأما نفس المحدّث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها (٢)، وفي النهاية: الخراءة التخلي والقعود للحاجة (٣)، قال الخطابي: وأكثر الرواة يفتحون الخاء (٤)، وقال الجوهري: إنها الخراءة بالفتح والمد، يقال خرى خراءة مثل كره كراهة (٥)، ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم (٦). قوله: أجل، معناه: نعم، وهو بتخفيف اللام، ومراد سلمان ﵁: أنه علمنا كلما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت آنفًا أيها القائل فإنه علمنا أدائها فنهانا فيها عن كذا وكذا (٧).

стр. 945

قوله: "من سل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين" الحديث، والسخيمة: بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة، وجمعها سخائم، والمراد بها هنا الغائط (١)، وتقدم تفسير اللعنة في الباب، وفي حديث آخر في أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس في حديث معلول أن النبي ﷺ كان يدعوا فيقول: "واسلل سخيمة قلبي" (٢)، فالمراد بالسخيمة في هذا الحديث: الحقد في النفس (٣)، وفي حديث آخر: "نعوذ بك من السخيمة" والسخائم أي الحقود (٤)، ومقتضى حديث ابن سيرين المتقدم أن يكون هذا الفعل كبيرة، لكن منده ضعيف، قاله ابن النحاس في تنبيهه (٥). ٢٤٤ - وَعَن جَابر بن عبد اللّه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إيَّاكُمْ والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن" رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرُوَاته ثِقَات (٦).

стр. 946

قوله: عن جابر بن عبد اللّه، كنيته: أبو عبد اللّه، استشهد يوم أحد، قال جابر: غزوت مع رسول اللّه ﷺ تسع عشرة غزوة، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا. قوله ﷺ : "إيَّاكُمْ والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإنَّهَا الْملَاعن" الحديث، التعريس هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح (١)، وقد نص الشافعي ﵀ على تحريم التعريس على قارعة الطريق، وليس فيه إلا إرشاد المسافر إلى مصلحته وصونه عما يرد بالطريق من الهوام ونحوها، فقضاء الحاجة في الطريق أولى بالتحريم مع ما فيه من القبح بالأذى وجلب اللعن والنهي الشديد، والملاعن: جمع ملعنة وهي مواضع اللعن (٢) وسيأتي الكلام على هذا الحديث مبسوطا في بابه إن شاء اللّه تعالى. ٢٤٥ - وَعَن مَكْحُول ﵁ قَالَ نهى رَسُول اللّه ﷺ أَن يبال بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (٣). قوله: عن مكحول، هو مكحول الدمشقي، أسند عن عدة من الصحابة منهم: أنس بن مالك وروى عن حذيفة وعبد اللّه بن عمرو بن العاصي

стр. 947

وآخرين (١)، وقال القشيري (٢): كان الغالب على مكحول الحزن، فلما كان في مرض موته وجدوه ضاحكًا، فقيل له في ذلك، فقال: ولم لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت أحذره وقدومي على ما كنت أرجوه وآمله وهو اللّه تعالى. قوله: نهى رسول اللّه ﷺ أن يبال بأبواب المساجد، الحديث؛ قال العُلماء: ينبغي أن تعظم المساجد وتحترم لأنها بيوت اللّه تعالى في الأرض وأن لا يبال بأبوابها للنهي الوارد في الحديث، قال النووي: حائط المسجد محترم من خارجه وداخله له حكم المسجد في وجوب صيانته وتعظيمه وتعظيم حرماته وتحريم البصاق فيه والاستنجاء والبول في أصل جداره ونحو ذلك، وكذلك سطحه والبئر الذي فيه وكذا رحبته، وقد نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف في رحبة المسجد وسطحه وصحة صلاة المأموم فيها مقتديا بمن في المسجد (٣)، ورحبة المسجد: هو المكان الرحب أي المتسع الذي يجعل غالبًا أمام باب المسجد وهو المكان المحوط لأجل المسجد وهو أخص من الحريم، وقال صاحب الشامل والبيان: المراد بالرحبة ما كان مضافًا إلى المسجد محجورًا عليه (٤).

стр. 948

فائدة: لا ينبغي لأحد تصغير المسجد، وقد روى الإمام [أبو] (١) أحمد بسنده عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تقولوا مسيجد ولا مصيحف" (٢) ونهى عن تصغير الأسماء، قال عبد الحق: إنه موضوع (٣). وقال النووي: قال الصيمرى وغيره من أصحابنا: لا بأس بإغلاق المسجد في غير أوقات الصلوات لصيانتها وحفظها، قال: وهذا إذا خيف إستهانتها وضياع ما فيها ولم تدع حاجة إلى فتحها، أما إذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمة وكان فتحها رفقا بالناس فالسنة فتحها، ولم يغلق مسجد رسول اللّه ﷺ في زمنه ولا بعده، ولو كان في المسجد بئر مسبلة أو سقاية ماء للشرب لم يجز غلقه ومنه الناس من الاستقاء والشرب، انتهى، قاله في تسهيل المقاصد لزوار المساجد (٤). تنبيه: قال العُلماء تكره الصلاة في قارعة الطريق لهذا الحديث، وفي حديث آخر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت اللّه

стр. 949

العتيق، رواه الترمذي (١)، واختلفوا في معني النهي فقيل: لغلبة النجاسة، وقيل: لأن مرور الناس يشغله، وفي قول إن الصلاة في الشارع باطلة تغليبا لحكم الظاهر على الأصل (٢)، انتهى، قاله في الديباجة. قوله: في حديث مكحول: رواه أبو داود في مراسيله، اسمه: سليمان بن الأشعث، قال النووي: هو الإمام أبو داود السجستاني بكسر السين وفتحها، والكسر أشهر، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما، واتفق العُلماء على الثناء عليه ووصفه بالعلم والحلم والحفظ التام والإتقان والورع والفهم الثاقب في الحديث، و قال الحافظ أبو نعيم: كان أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة وسمع بمصر والحجاز والشام والعراق وخراسان، وقال موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، وقال محمد بن مخلد: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث فلما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه، وقال أبو داود: كتبت عن رسول اللّه ﷺ خمس مائة ألف حديث، انتخبت منها هذا الكتاب يعني: كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، وقال النووي: روينا عن الحسن بن محمد بن

стр. 950

إبراهيم الرازي قال: رأيتُ النبي ﷺ في المنام فقال: "من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود"، ولد أبود داود سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (١)، قاله في مختصر مجمع الأحباب. فرع: قال العُلماء: يحرم البول في المسجد وإن كان في إناء على الراجح، وكذلك يحرم البول على القبور المتحرمة كما يحرم الجلوس عليها، ويكره بقربها، واللّه أعلم (٢). فرع آخر أيضًا: يحرم عليه أن يستجمر بجدار المسجد من خارج لأنه يحترم، وكذلك جدار الغير، ويكره في جدار نفسه، قال ابن الحاج المالكي في كتابه (المدخل) (٣): ويحرم عليه أن يستجمر بحائط الوقف أو باصبعه ويمسح ما أصابه في الحائط، وهذا النوع قد كثر وهو محرم، واللّه أعلم. ٢٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من لم يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلم يستدبرها فِي الْغَائِط كتب لَهُ حَسَنة ومحي عَنهُ سَيِّئَة. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٤)، قَالَ الْحَافِظ وَقد جَاءَ النَّهْي عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها

стр. 951

فِي الْخَلَاء فِي غير مَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور تغني شهرته عَن ذكره لكَونه نهيا مُجَردا وَاللّه أعلم. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومحي عنه سيئة"، قال الحافظ ﵀: وقد جاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الخلاء في غير حديث نهيا مجردًا، واللّه أعلم، لما روي الشافعي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللّه ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول" قال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، هذا كلام بسط وتأنيس للمخاطبين لئلا يستخشنونه ولا يستحيوا من مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كما لا يستحيي الولد من مسألة الوالد فيما عز وعرض له من أمر، قال: وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وأن الواجب عليهم تأديب الأولاد وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، وفيه دليل على أنه مختص بالصحراوية، صرح أصحاب الشافعي لأن الغائط بها يكون دون البنيان. وقوله: في هذا الحديث: "فإذا ذهب أحدكم" يدلّ عليه لأن الذاهب إنما يطلق على التوجه إلى الصحراء ويقال في البنيان دخل، قال النووي (١): وقد

стр. 952

اختلف العُلماء في النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط على مذاهب أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا مروي عن العبَّاس بن عبد المطلب وعبد اللّه بن عمر وعن الشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، والمذهب الثاني: إنه لا يجوز ذلك لا في البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو ثور وأحمد في رواية، والمذهب الثالث: جواز ذلك في الصحراء والبنيان جميعًا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيع شيخ مالك وداود الظاهري؛ والمذهب الرابع: لا يجوز الاستقبال لا في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حينفة وأحمد رحمهما اللّه، واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، واحتج من أباح مطلقا بحديث ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة، وبحديث عائشة أن النبي ﷺ بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال ﷺ : "أو قد فعلوها" حولي بمقعدتي، أي: إلى القبلة، رواه أحمد وإسناده حسن، واحتج من أباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان، واحتج من حرج الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان حديث ابن عمر وحديث عائشة وبحديث جابر وبحديث مروان الأصفر، فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة

стр. 953

وغيرها وردت بالنهي، فتحمل على الصخر التجمع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العُلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينهما والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرنا فوجب المصير إليه، واللّه أعلم. قوله: "أو قد فعلوا" هو بفتح الواو وهي واو العطف، وهو استفهام توبيخ وتقريع (١)، والمقعدة موضع القعود لقضاء حاجة الإنسان (٢)، انتهى، قاله في الديباجة. مسائل أربع، لما تعلق بما تقدم، ذكرها النووي في شرح مسلم (٣): المسألة الأولى: حيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من أصاحبنا هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه إن كان عليه مشقة في كيف التحرف عن القبلة فلا كراهة، وغن لم يكن مشقة فالأولى تجنبه للخروج من خلاف العُلماء، ولا يطلق عليه الكراهة للأحاديث الصحيحة. المسألة الثانية: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز، واللّه أعلم. المسألة الثالثة: لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا استدباره بالبول والغائط، لكن يكره، واللّه أعلم.

стр. 954

المسألة الرابعة: يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود، واختلف فيه أصحاب مالك فجوزه ابن القاسم وكرهه ابن حبيب، والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد فيه نهي، واللّه أعلم. فائدة: والفرق من حيث المعنى بين الصحاري والبيوت، أن الصحاري لا تخلوا عن مصل من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع بصره على فرجه فيتأذى به، وأما الحس في البنيان فموضع الشياطين، وأيضًا لا مشقة في تجنبه في الصحراء بخلاف البيوت، وهذه الأدلة تدل على عدم التحريم في البنيان لكن الأدب أن يتوقى ذلك، وفي أثر: "أن للّه خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فلا قبلة لها" (١). فائدة أيضًا: واختلفوا في علة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها فالأصح أنه لاحترام عين الكعبة لما روى من حديث سراقة بن مالك عن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة اللّه ولا يستقبل القبلة" (٢) وعلى هذا فيحرم استقبال المصحف واستدباره بالبول والغائط لأنه أعظم حرمة من الكعبة (٣)، واللّه أعلم.

стр. 955

الترهيب من البول في الماء والمغتسل والحجر ٢٤٧ - عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن جابر، تقدم الكلام عليه. قوله: نهى رسول اللّه ﷺ أن يبال في الماء الراكد، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الناقع" (٢) انفرد به ابن ماجة، الناقع: الطويل المكث، وفي حديث آخر: "الذي لا يجري" (٣) تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها، فالراكد هو الدائم الساكن (٤) قال بعض العُلماء: وإنما نهى عن البول في الماء الراكد لأنه ما دون القلتين فيتنجس بملاقاة البول، وإن كان قلتين فلعله يتغير ويبول فيه واحد بعد واحد فيؤدي إلى التغير (٥)، واللّه تعالى أعلم).

стр. 956

ففي هذا الحديث دليل على أن البول في الماء الراكد مكروه أو حرام وأصحاب الشافعي فصلوا فقالوا إن كان الماء الراكد كثيرًا يكره ولا يحرم، ولو قيل يحرم لم يكن بعيدًا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين، والأكثر من أهل الأصول وفيه من المعنى أنه يقذره، لأن النفوس تعافه، ويحدّث بسبب ذلك لها الوسواس في الطهارة، وربما أدى إلى تنجسه بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحريك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحاب الشافعي أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف بالميتة ويضر غيره باستعماله (١). قال النووي (٢): قال أصحابنا وغيرهم من العُلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه وأفحش من البول، وفي الليل أشد كراهة لما قيل إن الجن بالليل تأوي إليه فتخشى من آفة تصيبه من جهتهم (٣)، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، وكذلك إذا بال بقرب البئر بحيث يجري إليه فجرى إليه لعموم نهي النبي ﷺ عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، وكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل ولم يختلف في هذا أحد من العُلماء (٤).

стр. 957

تنبيه: وملخص الحكم في المسألة إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم يتغير في ذلك مذاهب السلف أشهرها إن كان قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دونهما ينجس وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وإسحاق (١). فرع في حد القلتين: قال بعضهم: إن أردت أن تعرف القلتين في موضع يكون قدر ذلك ذراعًا وربعًا في ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا، هذا إذا كان الموضع مربعًا، وإن كان ممدودًا فذراعان طولًا في عرض ذراع، واللّه أعلم (٢). والثاني: إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، وإليه ذهب عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ومحمد بن المنكدر؛ والثالث: إن بلغ ذنوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس وعكرمة؛ والرابع: إن بلغ أربعين دلوا لم ينجس روي عن أبي هريرة؛ والخامس: إن كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر ينجس وإلا فلا؛ والسادس: لا يتحرك كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكي عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعكرمة والأوزاعي وسفيان الثوري وداود النخعي، قال ابن المنذر: بهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في الإحياء والروماني في الحلية، وقال في البحر: وأما إحكام المسألة هو اختياري

стр. 958

واختاره جماعة رأيتهم بخراسان والعراق، قال النووي: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا (١)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة. فائدة: روى الزهري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خمس تورث النسيان، أكل التفاح الحامض، والبول في الماء الراكد، والحجامة على نقرة القفا، وإلقاء القمل في التراب، وأكل سؤر الفأرة، قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (٢). تنبيه: قال العُلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك يكره الاغتسال في العين الجارية، قال الشافعي في البويطي: أكره للرجل الجنب أن يغتسل في البئر معينة كان أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: سوءا قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه، هذا نصه، وكذا صرح الأصحاب وغيرهم بمعناه، وهذا كلّه على كراهة التنزيه ولا للتحريم، وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملًا؟ فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو إن كان قلتين فصاعدًا لم يصر مستعملًا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وإنما إذا كان الماء دون قلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملًا (٣) واللّه أعلم، قاله في الديباجة.

стр. 959

٢٤٨ - وَعنهُ قَالَ: "نهى رَسُول اللّه ﷺ أَن يبال فِي المَاء الْجَارِي" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد. قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه. قوله: نهى رسول اللّه ﷺ أن يبال في الماء الجاري، الحديث؛ وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يكره البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتبابه وإن كان قليلا جاريًا يكره فقد قال جماعة من أصحابنا، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره، وشذ غيره فيستعمله مع أنه نجس (١)، والمختار أنه لا يحرم، وفي المسألة اضطراب للنووي، واللّه أعلم. ٢٤٩ - وَعَن بكر بن مَاعِز قَالَ: سَمِعت عبد اللّه بن يزِيد يحدّث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع وَلا تبولن فِي مغتسلك" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢).

стр. 960

قوله: عن بكر بن ماعز (بكر بن ماعز بن مالك الكوفي، كنيته أبو حمزة، روى عن: الربيع بن خثيم، وعبد اللّه بن يزيد الأنصاري الخطمي وله صحبة، روى عنه: سعيد بن مسروق الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وأبو طعمة نسير بن ذعلوق الثوري، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وثقه ابن مَعين والعجلى وابن حبان (١). قوله: سمعتُ عبد اللّه بن يزيد يحدّث عن رسول اللّه ﷺ ، هو: عبد اللّه بن يزيد (عبد اللّه بن يزيد، بن زيد بن حصين بن عمرو الحارث بن خطمة، واسمه: عبد اللّه بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى الخطمي، وإنما سمي خطمة، لأنه ضرب رجلًا على خطمه، شهد الحديبية مع رسول اللّه ﷺ ، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين، والنهروان مع علي بن أبي طالب، وكان أميرا على الكوفة روى عنه: ابنه موسى، وعدي بن ثابت الأنصاري، وهو ابن ابنته، وأبو بردة بن أبي موسى، والشعبي، وكان الشعبي كتابه، وكان من أفاضل الصحابة، وصحب أبوه النبي ﷺ وشهد أحدا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة (٢). قوله: "لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع" الحديث، والمراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة في دون الحفظة، فإنهم لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال (٣).

стр. 961

فائدة: قال أبو الليث السمرقندي: اختلف الناس في ذكر الحفظة وهم الكرام الكاتبون، فقال بعضهم: يكتبون جميع أفعال بني آدم وأقوالهم، وقال بعضهم: لا يكتبون إلا ما كان فيه أجر أو إثم، وقال بعضهم: يكتبون الجميع، فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر ولا إثم عليه، ومعنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١) يمحو ما لا أجر فيه ولا إثم عليه، ويثبت ما فيه أجر أو إثم، ثم روى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢) قال: يكتب من قول ابن آدم الخير والشر ولا يكتب ما سوى ذلك، قال هشام: نحو قولك: يا غلام اسقني ويا غلام اعلف الدابة. وقال الحسن البصري: يكتب جميع ما يلفظ به، وقال ابن جريج: هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لا يكتب إلا بشهادة صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، وقال بعضهم: هم أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل، [وقال عبد اللّه بن المبارك: هم خمسة اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة] والخامس لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، واختلف في الكفار هل يكون عليهم حفظة قال بعضهم: لا يكون عليهم حفظة لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (٣)
следующие страницы →