← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9112–9151 · переход к 9117.

стр. 9112

وعيد]. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد كذا قال. قوله: "وعن ابن عباس" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "يا فتى قل لا إله إلا الله، فقالها، فبشره بالجنة" وروي في سنن أبي داود (٢) وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وفي حديث: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. رواه مسلم (٣) وزاد ابن أبي

стр. 9113

الدنيا (١): فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده [إلى الآخرة، وما أحسن ما] اتفق للحافظ أبي زرعة الرازي (٢) عبد الله بن عبد الكريم لما حضرته الوفاة كان عنده أبو حاتم الرازي ومحمد بن مسلمة فاستحييا أن يلقناه فتذاكرا التلقين فارتج عليهما فبدا أبو زرعة وهو في النزع فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ثم خرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول دخل الجنة، ونقل في الروضة عن الجمهور الاقتصار على لا إله إلا الله. وعن جماعة من الأصحاب أنه يضيف محمد رسول الله لأن المقصود ذكر التوحيد والمراد موته مسلما وهو لا يسمى مسلما إلا بهما والأول أصح [أما] لا إله إلا الله إذا كان المحتضر كافرا فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين لأنه لا يصير مسلما إلا بهما. قالوا: وينبغي أن يكون الملقن غير وارث حتى لا يتهمه باستعجال موته فإن لم يكن عنده إلا الورثة لقّنه أبرّهم به وأحبهم إليه. ومعنى قوله: "لقنوا موتاكم" أي [قولوا] لهم ذلك. وذكروهم به عند الموت، وسماهم موتى لأن الموت قد حضرهم، وتلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون ليختم لهم بالسعادة فيدخلوا الجنة.

стр. 9114

قال العلماء: فإن لم يقل هو لا إله إلا الله لقّنه من حضره، ويلقنه برفق مخافة من أن [يضجر فيردها، وإذا قالها مرة لا يعيدها عليه إلا أن] (١) يتكلم بكلام آخر [ولا يلح على التلقين كما تقدم لئلا يضجر فيمتنع من ذلك، ولا يقول له: قل لا إله إلا الله، بل يقول بحضرته ذلك، حتى يسمع ليتفطن فيقولها، فإن تكلم بعدها أعيد التلقين ليختم له بها أقواله. وقيل للجنيد عند الموت: قل لا إله إلا الله، فقال: ما نسيته فأذكره، انتهي]. ٥٠٤٦ - وروي عن أنس ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: [وقودها الناس والحجارة] فقال: أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهيبها قال: وبين يدي رسول الله ﷺ رجل أسود فهتف بالبكاء فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة، وأثنى عليه معروفا، قال: فإن الله يقول: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة، رواه البيهقي (٢) والأصبهاني. قوله: "وعن أنس" تقدم. قوله: "قال رجل من الحبشة" الحبشة اسم إقليم

стр. 9115

مشهور وهي أرض واسعة شمالها الخليج البربري، وجنوبها البر، وشرقها الزنج، وغربها البجة. الحر بها شديد جدًا، وسواد لونهم لشدة الاحتراق، وأكثر أهلها نصارى يعاقبة، والمسلمون بها قليل. وهم من أكثر الناس عددًا وأطولهم أرضًا، لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلة الأمطار، وطعامهم الحنطة والدخن، وعندهم الموز والعنب والرمان، ولباسهم الجلود والقطن. ٥٠٤٧ - وروي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. رواه أبو الشيخ ابن حيّان في الثواب والبيهقي (١) واللفظ له. ٥٠٤٨ - وفي رواية له (٢) قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ تحت شجرة

стр. 9116

فهاجت الريح، فوقع ما كان فيها من ورق نخر وبقي ما كان من ورق أخضر فقال رسول الله ﷺ : ما مثل هذه الشجرة؟ فقال القوم: الله ورسوله أعلم فقال: مثل المؤمن إذا اقشعر من خشية الله وقعت عنه ذنوبه، وبقيت له حسناته. قوله: "وروي عن العباس بن عبد المطلب" العباس هو أحد أعمام رسول الله ﷺ وأعمامه حمزة والعباس والحارث وأبو طالب عبد مناف وأبو لهب عبد العزى والزبير وعبد الكعبة وضرار وقثم والمقوم والمغيرة ولقبه حجل والغيداق واسمه مصعب وقيل نوفل [وزاد بعضهم العوام، أسلم منهم حمزة والعباس ﵄، وأسنّهم الحارث، وأصغرهم سنا العباس، وجعل بعضهم عبد الكعبة والمقوم واحدا، وبعضهم الغيداق وحجلا واحدا، والله تعالى أعلم]. قوله: "فهاجت الريح فوقع ما كان فيها من ورق نخر وبقي ما كان من ورق أخضر". الحديث. النخر هو الناشف.

стр. 9117

الترغيب في ذكر الموت وقصر الأمل والمبادرة بالعمل، وفضل طول العمر لمن حسن عمله، والنهي عن تمني الموت. ٥٠٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت. رواه ابن ماجه (١) والترمذي (٢) وحسنه، ورواه الطبراني في الأوسط (٣) بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه (٤) وزاد: فإنه ما ذكره أحد

стр. 9118

في ضيق إلا وسعه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه. قوله: "عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه". قوله ﷺ : "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" يعني الموت، والهاذم بالذال المعجمة القاطع، [وهذا كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه من تمنيها في المستقبل وزهده فيما كان منها مؤمل ولكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعظ وتزويق الألفاظ وإلا ففيما ذكرته من قوله ﵇: أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت ما يلقى السامع له ويشغل الناظر فيه. وقال أبو الدرداء (١): من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده. وكان ابن سيرين إذا ذكر عنده الموت مات كل عضو منه على حدته وقال [التيمي] شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت وذكر الوقوف بين يدي الله تعالى. وقال عمر بن عبد العزيز (٢): لو فارق ذكر الموتي قلبي ساعة لفسد وقال لعنبسة: أكثر ذكر الموت فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك. وكان يزيد الرقاشي يقول (٣): أيها الناس ألا تبكون ألا تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، من الموت موعده والقبر بيته والثرى فراشه والدود أنيسه وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون

стр. 9119

حاله. ويروى أن عيسى كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة يقطر جسده دما (١). وعن داود ﵇ أنه كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة وبكى حتى تنخلع أوصاله (٢)، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة (٣)، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير (٤) أن هذا الموت نغص على أهل النعيم نعيمهم [فطلبوا] نعيما لا موت فيه، فكيف ووراءه يوم يعدم فيه الجواب وتدهش فيه الألباب وتفنى في شرحه الأقلام والكُتاب ويترك النظر فيه والاهتمام به الأولياء [والأحباب]. واعلم أن كثرة ذكر الموت تردع عن المعاصي وتلين القلب القاسي ويذهب الفرح في الدنيا وتهون المصائب فيها، اهـ. قاله في كتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلي (٥). فائدة في ذكر الموت: هو مفارقة الروح الجسد. قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار وهو من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة في قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦)،

стр. 9120

فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وقلة التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن افتكر، فقد قال النبي ﷺ : لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا. فيستحب للإنسان كثرة ذكر الموت لأنه أزجر عن المعاصي وأدعى إلى فعل الطاعات] (١)، وفي رواية ابن حبان فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه وما ذكره في سعة إلا ضيّقها [عليه] (٢)، الحديث. وفي حديث ابن عمر الذي رواه الطبراني (٣) فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا قليل إلا جزاه، أي في كثير من الأمل وقليل من العمل. وقد أمر النبي ﷺ بكثرة ذكر الموت فقال: أكثروا ذكر هاذم اللذات، وفي حديث مرسل (٤) أنه

стр. 9121

- ﷺ : مرّ بمجلس قد استعلاه الضحك فقال: شوبوا مجلسكم بذكر مكدِّر اللذات الموت. وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد منها: أن يحث على الاستعداد له قبل نزوله، ومنها أن يقصر الأمل، ومنها أن يرضى بالقليل من الرزق، ومنها أن يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ومنها أن يهون مصائب الدنيا، ومنها أن يمنع من الأشر والبطر، ومنها أن يمنع من التوسع في لذات الدنيا، اهـ. قاله ابن رجب (١). ٥٠٥٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَكْثِرُوا ذكر هاذم اللَّذَّات يَعْنِي الْمَوْت فَإِنَّهُ مَا كانَ فِي كثير إِلَّا قلله وَلَا قَلِيل إِلَّا جزأه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). ٥٠٥١ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ مر بِمَجْلِس وهم يَضْحَكُونَ فَقَالَ أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات أَحْسبهُ قَالَ فَإِنَّهُ مَا ذكره أحد فِي ضيق من الْعَيْش إِلَّا وَسعه وَلَا فِي سَعَة إِلَّا ضيقه عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ

стр. 9122

بِاخْتِصَار (١) وَتقدم فِي بَاب التَّرْهِيب من الظُّلم حَدِيث أبي ذَر وَفِيه قلت يَا رَسُول الله فَمَا كَانَت صحف مُوسَى ﵇ قَالَ كَانَت عبرا كلهَا عجبت لمن أَيقَن بِالْمَوْتِ ثمَّ هُوَ يفرح عجبت لمن أَيقَن بالنَّار ثمَّ هُوَ يضْحك عجبت لمن أَيقَن بِالْقدرِ ثمَّ هُوَ ينصب عجبت لمن رأى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا بِأَهْلِهَا ثمَّ اطْمَأَن إِلَيْهَا وَعَجِبت لمن أَيقَن بِالْحِسَابِ غَدا ثمَّ لَا يعْمل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره. ٥٠٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى ناسا كأنهم يكتشرون فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات أشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا أما إن كنت أحب من يمشي على ظهري أي فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك قال فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر فقال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه قال: فأخذ رسول الله ﷺ بأصابعه، فأدخل

стр. 9123

بعضها في جوف بعض قال: ويقيض له سبعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يفضى به إلى الحساب قال رسول الله ﷺ : إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. رواه الترمذي (١) واللفظ له والبيهقي (٢) كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واه، عن عطية وهو العوفي عن أبي سعيد، وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قوله: "وعن أبي سعيد" هو الخدري تقدم. قوله: "دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرآى ناسا كأنهم يكتشرون" الحديث، [يكتشرون هو بالشين المعجمة، قال ابن الأثير: الكشر ظهور الأسنان عند الضحك، أي يبتسمون] يقال كشر أي كشف عن أسنانه، الاكتشار انكشاف الأسنان عند الضحك وكاشره إذا ضحك في وجهه وابتسم [في وجهه] (٣). قوله: "فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى الموت" أي من الضحك. قوله ﷺ : "فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الدود" الحديث.

стр. 9124

لطيفة: روى البيهقي في الشعب (١) عن صدقة بن يسار قال: كان داود ﵇ في محرابه فأبصر دودة صغيرة قال ففكر في خلقها وقال: ما يعبؤا الله جل ذكره بخلق هذه، قال: فأنطقها الله فقالت يا داود تعجبك نفسك لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢)، اهـ، [قوله في القبر: "فإذ وليتك وصرتَ إليّ فسترى صنيعي بك" الحديث، الصنيع الفعل الحسن، وقوله: وصرت إلي أي مقهورا تحت أمري، ولم تبق قوة وقدرة لك] (٣). قوله: "فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه" الحديث، أي تختلط، وهذا صريح في أن البدن يعذب، قاله ابن القيم الجوزية (٤). قوله: "ويقيض له سبعون تنينا لو أنّ واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا" الحديث، يقيض معناه كذا والتنين ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها وهو أيضا نوع من السمك. وقال القزويني: أنه شر من الكوسج في فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر

стр. 9125

العينين [مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين] (١) يبتلع كثيرا من الحيوان، تخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته، فأول أمره يكون حية متمردة يأكل من دواب البر ما ترى فإذا كثر فسادها احتملها ملك وألقاها في البحر فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعل بدواب البر فيعظم بدنها فيبعث الله ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج. وروى عن بعضهم أنه رآى تنينا طوله نحو من فرسخين ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس [السمك] بجناحين عظيمين على هيئة جناحي السمك ورأسه كرأس الإنسان لكنها كالتل العظيم وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا، اهـ، قاله صاحب حياة الحيوان (٢). قوله: "حتى يفضي به إلى الحساب" أي يوصل. قوله ﷺ : "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" الحديث. قال الإمام القرطبي في التذكرة (٣): قلنا هذا محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز وإن القبر يملأ على المؤمن خضرا أي نعما غضة خضرا ومنه الحديث (٤): إن الدنيا حلوة خضرة أي غضة ناعمة طرية وهو العشب من النبات وقد عيّنه عبد الله بن عمرو بن العاصي فقال: هو الريحان

стр. 9126

كما في حق الكافر يفرش له لوحان من نار وقد حمله بعض علمائنا على المجاز، والمراد خفة السؤال على المؤمن وسهولته عليه وأمنه فيه وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجنة، والنعيم بالرياض، يقال فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش وقد رفع الله عن عينيه الحجاب حتى يرى مدّ بصره كما في الخبر، وأراد بحفرة النار ضغطة القبر وشدة المسائلة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والأول أصح لأن الله يقص الحق ولا استحالة تلزم من ذلك اهـ، والله أعلم. ٥٠٥٣ - وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: ما يأتي على هذا القبر يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق: يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه، ثم قال رسول الله ﷺ : القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. رواه الطبراني في الأوسط (١). قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق يا ابن آدم نسيتني"

стр. 9127

الحديث، ذلق بالذال المعجمة، قال الجوهري (١) في صحاحه لسان طلق ذلق وطليق ذليق وطُلُق ذلُق وطُلَق ذُلَق أربع لغات، اهـ. قوله: "يقول القبر يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق. الحديث. وفي كتاب العاقبة (٢) عن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله ﷺ : يقول القبر للميت إذا وضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الدود، ما غرّك إذ كنت تمر بي متبخترا؟ قال: فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: فإني أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا وتصعد روحه إلى رب العالمين، ذكر هذا الحديث الحاكم في كتاب الكني، وروى ابن المبارك (٣) أن أول ما يُكلم الميت قبره فيقول: ماذا أعددت لي؟ اهـ. [لطيفة: قد ورد أن الميت يجد ألم الموت في قبره، ولعل ذلك خاص ليس بعام، فروى ابن أبي الدنيا (٤) بإسناد وفيه نظر: عن كعب أنه قال: لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره، وإنه لأشد ما يمر على المؤمن

стр. 9128

وأهون ما يصيب الكافر. وعن الأوزاعي (١) قال: بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره، أو قال ما لم يبعث في قبره. فائدة: قال مجاهد (٢): البرزخ هو ما بين الموت إلى البعث. وقال عطاء الخراساني (٣): البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة. وصلى أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه على جنازة، فلما وضعت في لحدها قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. وقيل للشعبي (٤): مات فلان. فقال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في برزخ. وسمعت رجلا يقول: مات فلان فأصبح من أهل الآخرة. فقال: لا تقل من أهل الآخرة، ولكن قل من أهل القبور] (٥). ٥٠٥٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت (٦). والطبراني في

стр. 9129

الصغير (١) بإسناد حسن، ورواه ابن ماجه (٢) مختصرا بإسناد جيد، والبيهقي في الزهد (٣)، ولفظه: أن رجلا قال للنبي ﷺ : أي المؤمنين أفضل؟ قال أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس، وذكره رزين في كتابه بلفظ البيهقي من حديث أنس، ولم أره. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم الكلام على ترجمته. قوله: "يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس" الحديث. أي [من] (٤) أعقل الناس وأحزم الناس الناس من الحزم وهو ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة من قوله حزمت الشيء أي شددته، وقيل الحزم إحكام الرأي وأصله من الحِزَام. قوله: أكثرهم

стр. 9130

استعدادا للموت، الاستعداد للشيء التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه، قاله الكمال الدميري (١). ٥٠٥٥ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ قَالَ مَاتَ رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَجعل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يثنون عَلَيْهِ ويذكرون من عِبَادَته وَرَسُول الله ﷺ سَاكِت فَلَمَّا سكتوا قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل كَانَ يكثر ذكر الْمَوْت قَالُوا لَا قَالَ فَهَل كَانَ يدع كثيرا مِمَّا يَشْتَهِي قَالُوا لَا قَالَ مَا بلغ صَاحبكُم كثيرا مِمَّا تذهبون إِلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسنَاد حسن (٢) وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس قَالَ ذكر عِنْد النَّبِي ﷺ رجل بِعبَادة واجتهاد فَقَالَ كَيفَ ذكر صَاحبكُم للْمَوْت قَالُوا مَا نَسْمَعهُ يذكرهُ قَالَ لَيْسَ صَاحبكُم هُنَاكَ (٣). ٥٠٥٦ - وروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : على المنبر والناس حوله: أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء، فقال رجل: يا رسول الله إنا لنستحيي من الله تعالي، فقال: من كان منكم مستحييا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ البطن وما وعي، والرأس

стр. 9131

وما حوي، وليذكر الموت والبلي، وليترك زينة الدنيا. رواه الطبراني في الأوسط (١). قوله: "وروي عن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها. قوله: "استحيوا من الله حق الحياء" إلى قوله "وليترك زينة الدنيا" وفي حديث ابن مسعود (٢): ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، الحديث. قوله: "ليحفظ البطن وما وعى والرأس وما حوى" أي ما جمع فيه من الطعام والشراب حتى يكونا من حلهما، [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا"]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، الآية، [و] قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ

стр. 9132

وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١)، ونظير هذا من السنة قوله: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها"، الحديث. وقوله أيضا ﵊ (٢): "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال بركات الأرض". والمعنى أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالتمر المستحلى المعجب المرأى فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا أي من أزهد الناس فيها وأترك لها ولا سبيل للعباد إلى بغض ما زينه الله إلا بمعونة على ذلك، ولهذا كان عمر ﵁. فيما ذكر البخاري (٣): اللهم لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه، [فدعا الله تعالى أن يعينه على الفاقة في حقه]، وهذا معنى قوله ﵇ (٤): فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع، وهذا هو المكثر من الدنيا، لا يقنع بما يحصل له منها بل همه جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله، فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة كما تقدم، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، اهـ، قاله القرطبي (٥).

стр. 9133

٥٠٥٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحيي وَالْحَمْد لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان والصباح مُخْتَلف فيهمَا وَقد قيل إِن الصَّباح إِنَّمَا رفع هَذَا الحَدِيث وهما مِنْهُ وَضعف بِرَفْعِهِ وَصَوَابه مَوْقُوف (١) وَالله أعلم. ٥٠٥٨ - وعن الضحاك ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلي، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفني، ولم يعد غدا من أيامه، وعد نفسه من الموتى رواه ابن أبي الدنيا (٢)، وهو مرسل. [قوله: وعن الضحاك: تقدم. قوله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى وترك أفضل زينة الدنيا، الحديث، وفي آخره: وعد نفسه من الموتي، يعني أنه لا يغتر بالبقاء في دار الفناء فإن الحياة فيها في الحقيقة كزيارة

стр. 9134

طيف أو سحاب صيف، والله أعلم] (١). ٥٠٥٩ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كفى بِالْمَوْتِ واعظا وَكَفى بِالْيَقِينِ غنى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. ٥٠٦٠ - وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة فَجَلَسَ على شَفير الْقَبْر فَبكى حَتَّى بل الثرى ثمَّ قَالَ يَا إخْوَانِي لمثل هَذَا فأعدوا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن. ٥٠٦١ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقسوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا. رَوَاهُ الْبَزَّار. ٥٠٦٢ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ لَا أعلمهُ إِلَّا رَفعه قَالَ صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهادة وَالْيَقِين وهلاك آخرهَا بالبخل والأمل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني كِلَاهُمَا من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نجا أول هَذِه الْأمة بِالْيَقِينِ والزهد وَيهْلك آخر هَذِه الْأمة بالبخل والأمل. ٥٠٦٣ - وَرُوِيَ عَن أم الْوَليد بنت عمر قَالَت اطلع رَسُول الله ﷺ ذَات عَشِيَّة فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَلا تستحيون قَالُوا مِم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ تجمعون مَا لَا تَأْكُلُونَ وتبنون مَا لَا تعمرون وتأملون مَا لَا تدركون أَلا تستحيون من ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.

стр. 9135

٥٠٦٤ - وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت قدحا إلى في، فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل (١)، وأبو نعيم في الحلية (٢)، والبيهقي (٣) والأصبهاني (٤). قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار" الحديث، تقدم الكلام على أسامة بن زيد والوليدة الجارية. قوله: "ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفريّ لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي" الحديث، [شفريّ مثنى شفر] والأشفار جمع شفر وهو بالضم، وقد يفتح. حرف [جفن] العين الذين ينبت عليه الشعر.

стр. 9136

٥٠٦٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري (١) والترمذي (٢) ولفظه: قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور، وقال لي: يا ابن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا ورواه البيهقي (٣) وغيره نحو الترمذي. قوله: "وعن عبد الله بن عمر" يعني ابن الخطاب، تقدمت ترجمته. قوله: "أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي" المنكب بفتح الميم وكسر الكاف مجمع العضد والكتف. قال ابن الفاكهاني [وروايتي] في الحديث، منكبيّ على التثنية، وفيه مسّ المعلم أعضاء المتعلم عند التعليم، والموعوظ عند الوعظ، وهذا عندي كقول ابن مسعود علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه وذلك للتأنيس والتنبيه والتذكير إذ محال في العادة أن ينسى عبد الله من عمر

стр. 9137

أو ابن مسعود ﵄ مس النبي ﷺ لهما [ولا يتذكراه و] (١) لا يكاد الإنسان يفعل ذلك بها الغالب إلا بمن يميل قلبه إليه، فذلك دليل على محبته ﷺ لهما، وفي الحديث الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن يطلب ذلك، وفيه حرصه ﷺ على أصل الخير لأمته ﷺ إذ كان هذا الكلام لا يخص ابن عمر في الحقيقة بل ذلك مخاطبة لجميع الأمة من حيث المعنى. قوله: "فقال كن في الدنيا كأنك غريب" أي كالغريب لا يستقر في دار الغربة ولا يسكن إليها بل لا يزال مشتاقا إلى وطنه عازما على السفر إليه، [أي] لا تركن [إليها أي] الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب بها غير وطنه ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله ولا شك أن الإنسان إنما خلق ليمتحن بالطاعة والمعصية ليكون من أهل الثواب أو العقاب ومن أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال بدليل قوله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وحينئذ هو كعبد أرسله سيده في حاجة إلى بلد غريبة فهو فيها غريب [عابر سبيل] فشأنه أن يبادر [بقضاء] ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه. فمعنى الحديث: اعمل في حياتك ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادر أيام صحتك فإن المرض قد يطرأ فيمنعك من العمل فتقدم المعادَ بغير زاد ومن

стр. 9138

قدر في نفسه أنه يعيش عشر سنين أو عشرين سنة فإنه يصير عبدا لهذه الأوصاف الذميمة فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه. فهذا الحديث أصل في الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها بالاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن منها ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم. قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾، فكأن النبي ﷺ يقول: ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، اهـ. قاله ابن رجب (١). لما كانت الدنيا دار مجاز إلى الآخرة فينبغي للمؤمن أن يكون فيها كالغريب المجتاز الذي لا يحدث نفسه في منزل نزله أو مرحلة حل فيها بأن يبني فيها دارا بل يكفيه فيها مبيت ليلة ثم إن الغريب نازع إلى الوطن ماد عينيه إلى أهله شاخص أمله إلى وقت الارتحال متى ينادى بالرحيل فيرتحل، فكلما قطع مرحلة هاج شوقه ينتظر نهاية المسافة فإذا بلغ آخر مرحلة قلق وضاع ذرعا فإذا وقع بصره على وطنه رق ودمعت عيناه من طول الغربة ومقاساة الشدة ثم بكى فرحا بوصوله إلى الوطن ونظره إلى الأحباب، قاله صاحب شرح مشارق الأنوار.

стр. 9139

قوله: "أو عابر سبيل" ومنه المسافر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ هو في أحد الوجهين، السبيل هو الطريق، والمسافر في الطريق يمر صادقا، كل عزمه وقصده إلى بلوغ مقصده غير ملتفت إلى [جزئيات] الطريق ولا معرّج عليها، اهـ. قوله ﷺ لابن عمر "فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا" أي لا تعلم اسمك غدا حي فتقدر على العمل وتستدرك فيه ما فاتك بالأمس أو اسمك ميت [فتقع] في الحسرة والندامة التي لا آخر لها. اهـ. [وقال ابن رجب. (١) معناه: يعني لعلك غدا من الأموات دون الأحياء. وقد روي معنى هذه عن النبي ﷺ ، قال (٢): نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ. وقال بعض العلماء أبياتا في المعني، وهو ابن قيم الجوزية: وحيّ على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيّم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلّم وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم وقد زعموا أن الغريب إذا نئا ... وشطّت به أوطانه ليس يُنعّم فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة ... من العمر إلا بعدها يتألم

стр. 9140

وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور، فهو مسافر في صورة قاعد: ما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد وأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد والغريب في الناس كما قال القائل: تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني وقد قال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا هذا كأنه شاهده: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت خلف يزكي بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور أبُنَيّ إن من الرجال بُهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله ... فإذا أصيب بدينه لم يشعر فسل اللبيب تكن لبيبا مثله ... من يسع في علم بلبّ يظفر (١). اهـ] قول ابن عمر: إذا أمست فلا تنتظر الصباح، الحديث فيه الحض على تقصير الأمل لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التواني والكسل فإن من طال أمله ساء عمله وقصر الأمل هو حقيقة الزهد في الدنيا، كذا قالوه، والحق أنه سبب للزهد لا الزهد [هو] (٢) نفسه لأن من قصر أمله زهد في هذه الدار

стр. 9141

الفانية وطول الأمل يتولد منه أربعة أشياء أحدها ترك الطاعة والكسل فيها، والثاني التسويف بالتوبة، والثالث الرغبة في الدنيا، والرابع القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل نسيت الموت والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة وزلازلها وأهوالها وأقبلت على أسباب الدنيا وصحبة [الخلق] فيقسو القلب ضرورة فإنما رقة القلب وصفاؤه بذكر الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال علي (٣): ارتحلت الدنيا مدبرة وأقبلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. قوله: "وخذ من صحتك لمرضك" الحديث، أي اغتنم العمل حال الصحة فإن المرض مانع منه إذ لا قوة تعين عليه حينئذ فاستسلف وبادر قبل هجومه ففيه حض على اغتنام أيام الصحة فيمهد فيها لنفسه خوفا من مرض يمنعه من العمل، وكذلك قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم]: خذ من حياتك لموتك؛ فبالموت ينقطع العمل، فينبغي للإنسان أن يقدر أنه مات ثم يبعث فينظر كيف كان عمله، ففيه تنبيه على اغتنام أيام الحياة ولا يمر عمره باطلا في سهو

стр. 9142

وغفلة لأن من مات فقد انقطع عمله وفاته أمله وحضره على تفريطه ندمه. قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحك. ٥٠٦٦ - وَعَن معَاذ ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَاذْكُر الله عِنْد كل حجر وَعند كل شجر وَإِذا عملت سَيِّئَة فاعمل بجنبها حَسَنَة السِّرّ بالسر وَالْعَلَانِيَة بالعلانية. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا بَين أبي سَلمَة ومعاذ (١). ٥٠٦٧ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أطين حائطا لي أنا وأمي فقال: ما هذا يا عبد الله؟ فقلت: يا رسول الله وهى فنحن نصلحه فقال: الأمر أسرع من ذلك. ٥٠٦٨ - وفي رواية قال: مر علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نعالج خصا لنا وهي، فقال: ما هذا؟ فقلنا: خص لنا وهي، فنحن نصلحه فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك. رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وقال: حديث حسن

стр. 9143

صحيح وابن ماجه (١) وابن حبان في صحيحه (٢). قوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم. قوله: "مرّ بي رسول الله ﷺ ونحن نعالج خصا لنا وَهَي، فقال ما هذا يا عبد الله قلنا نعالج خصى لنا وَهَى فنحن نصلحه" الحديث، الخصّ بيت يعمل من الخشب والقصب مثل الأزج وجمعه خصاص وقال الزهري جمعه أخصاص وخصوص سمى به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأنقاب ومنه الحديث أن أعرابيا أتى باب النبي ﷺ [فألقم عينه خصاصة الباب أي فرجته، فبصر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم]، فقام إليه بمشقص الحديث، قاله في النهاية (٣)، يريد عليه الصلاة

стр. 9144

والسلام تعجيل الأمر [وتقريبه] وخوف نفسه والحذر من نجاته، وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد ألا تغسل ثوبك، فقال الأجل أعجل من ذلك، وكان الحسن البصري قصير الأمل طويل الخوف. [قوله: "وَهَى" أي خرب أو كاد. قوله: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك"] (١) وقصر الأمل بناؤه على أمرين تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم تقايس بين الأمرين وتؤثر أولاهما بالإيثار، اللهم ارزقنا قلوبا واعية نعقل بها دوام الآخرة وانقضاء الدنيا ونعمل لكل منهما على ما يليق بها إنك على كل شيء قدير. ٥٠٦٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا. رواه البخاري (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥). وهذا صورة ما خط ﷺ ص ٣٦٧ - ٢ ... ع

стр. 9145

قوله: "عن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله: "خط النبي ﷺ خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخطّ خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من .. " [الحديث]، يريد ﵇ أن الإنسان قد أحاط به أجله وأنه دائر به فحيث ما توجّه لقيه وإن محن الدنيا [وفتنتها] تعترضه وتنتهشه وتتلقاه وتستقبله وهو مع ذلك بعيد الأمل مصروف البصر إليه. واعلم أن طول الأمل داء عضال ومرض مزمن ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه [واشتدّ] علاجه ولم يفارقه داء ولا ينجع فيه دواء بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء. وقد ورد في طول الأمل وذمه وفي التحريض على العمل والترغيب فيه ما في بعضه الكفاية وما بأقل منه يوصل إلى المقصود [مع عون] الله . قوله: "فإن أخطاه هذا" أي فإن تجاوزه، وقوله: "نهشه هذا" أي لدغه، قوله: "وهذا أمله" الأمل [لرجاء]، يقال أمل خيره يأمله أملا وكذلك التأميل. قوله: "خط النبي ﷺ خطا مربعا وخط خارجا من الخط المربع، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الإنسان الخط المربع، وخط خارجا من الخط وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه من كل مكان فإن أخطاه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط والخط الخارج الأمل". قال ابن بطال (١): مثّل النبي ﷺ في هذا الحديث أمل ابن آدم وأجله وإعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط فجعل أجله الخط المحيط

стр. 9146

وجعل أمله وأعراضه خارجة عن ذلك الخط، ومعلوم في العقول أن ذلك الخط المحيط به وهو أجله أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه ألا ترى قوله ﷺ في حديث أنس بن مالك فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأول يريد أجله، وفي هذا تنبيه من النبي ﷺ لأمته على تقصير الأمل واستشعار للأجل خوف بغتة ومن غُيّب عنه أجله فهو حريّ بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة ونعوذ بالله من ذلك، فليُرض المؤمن نفسه على استشعار ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك فإن ابن آدم مجبول على الأمل كما قال عليه [الصلاة والسلام: لا] يزال قلب الكبير شابا على حب الدنيا وطول الأمل. وقال الطبري (١) في قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ (٢)، يعني ذر المشركين يا محمد يأكلوا في هذه الدنيا ويتمتعوا من شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذي أجلت لهم ويلهيهم الأمل عن الأخذ بطاعة الله تعالى فيها وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم لربهم فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينوا عذاب الله أنهم كانوا في تمتعهم بلذات الدنيا في خسار وضلال، اهـ. ٥٠٧٠ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ خطّ رَسُول الله ﷺ خطا وَقَالَ هَذَا الأَمَلُ وَخط إِلَى جنبه خطا وَقَالَ هَذَا أَجله وَخط آخر بَعيدا مِنْهُ فَقَالَ هَذَا الأمل

стр. 9147

فَبَيْنَمَا هُوَ كذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْأَقْرَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (١). ٥٠٧١ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا ابْن آدم وَهَذَا أَجله وَوضع يَده عِنْد قَفاهُ ثمَّ بسطها وَقَالَ وَثمّ أمله وَثمّ أمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن مَاجَه بِنَحْوهِ (٢). ٥٠٧٢ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل تَدْرُونَ مَا مثل هَذِه وَهَذِه وَرمى بحصاتين قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذَا الأمل وَذَاكَ الْأَجَل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٣). ٥٠٧٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا نزداد مِنْهُم إِلَّا بعدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْترَبت السَّاعَة وَلَا يزْدَاد النَّاس على الدُّنْيَا إِلَّا حرصا وَلَا تزدادون من الله إِلَّا بعدا (٤).

стр. 9148

٥٠٧٤ - وعن عبد الله عن النبي ﷺ قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك. رواه البخاري (١) وغيره. [قوله: " ... " ابن مسعود، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ... "، الحديث الشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل، وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم.]. [قوله: "وهذا أمله" الأمل بفتح الميم هو ما يحدّث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه. قاله عياض (٢)] (٣). ٥٠٧٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ الْفقر الْحَاضِر وصل صَلَاتك وَأَنت مُودع وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤).

стр. 9149

٥٠٧٦ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ أَتَى رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله حَدثنِي بِحَدِيث واجعله موجزا فَقَالَ النَّبِي ﷺ صل صَلَاة مُودع فَإنَّك إِن كنت لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك وايأس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس تكن غَنِيا وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ (١). ٥٠٧٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن رجل من بني النخع قَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ أحدثكُم حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ سمعته يَقُول اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِيَّاك ودعوة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تستجاب الحَدِيث (٢). ٥٠٧٨ - وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا من المدائن على فرسخ، فلما جاءت الجمعة حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق،

стр. 9150

فقلت لأبي: أيسبق الناس غدا؟ قال: يا بني إنك لجاهل، إنما يعني: العمل اليوم والجزاء غدا، فلما جاءت الجمعة الأخرى حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن أبي عبد الرحمن السّلمي" هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي. تابعي، ولأبيه حبيب صحبة. وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم. صحب علي بن أبي طالب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وروى عنه أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن عبيدة، وزيد بن عطاء، وإبراهيم النخعي، يقال: صام ثمانين رمضان. حديثه عند الكوفيين. مات سنة خمس ومائة، وله تسعون سنة قال أبو إسحاق السبيعي اقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة وقال العجلي كوفي تابعي ثقة وقال أبو داود كان أعمى وقال النسائي ثقة وقال عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن صمت لله ثمانين رمضان قلت: ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين وقال روى عن أبيه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ليس تثبت روايته عن علي فقيل له سمع من عثمان قال روى

стр. 9151

عنه ولم يذكر سماعا وقال إسحاق بن منصور عن أبي معين لم يسمع من عمر وقال البخاري في تاريخه الكبير سمع عليا وعثمان وابن مسعود وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث وقال غيره عن الواقدي: شهد مع علي صفين ثم صار عثمانيًا ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك وكان من أصحاب بن مسعود وقال ابن عبد البر هو عند جميعهم ثقة. قوله: "نزلنا من المدائن على فرسخ" الحديث، المدائن اسم بلدة كانت دار مملكة الأكاسرة والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية منسوبة إلى هاشم جد النبي ﷺ والميل اسم لمسافة معلومة والله أعلم. قوله: "ألا إن الدنيا قد آذنت بفراق" الحديث، آذنت بمد الهمزة أي أعلمت. ٥٠٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلمة"، ومعنى المبادرة بالأعمال الانكماش في الأعمال الصالحة والاهتمام بها قبل وقوعها، وقطع الليل المظلمة طائفة منه وقطعة وجمع القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها. وفي حديث آخر: إن بين يدي الساعة أهوالا وأمورا شدادا، أي الحديث، أي أمامها وقبلها، والأهوال
следующие страницы →