← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9147–9186 · переход к 9152.

стр. 9147

فَبَيْنَمَا هُوَ كذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْأَقْرَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (١). ٥٠٧١ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا ابْن آدم وَهَذَا أَجله وَوضع يَده عِنْد قَفاهُ ثمَّ بسطها وَقَالَ وَثمّ أمله وَثمّ أمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن مَاجَه بِنَحْوهِ (٢). ٥٠٧٢ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل تَدْرُونَ مَا مثل هَذِه وَهَذِه وَرمى بحصاتين قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذَا الأمل وَذَاكَ الْأَجَل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٣). ٥٠٧٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا نزداد مِنْهُم إِلَّا بعدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْترَبت السَّاعَة وَلَا يزْدَاد النَّاس على الدُّنْيَا إِلَّا حرصا وَلَا تزدادون من الله إِلَّا بعدا (٤).

стр. 9148

٥٠٧٤ - وعن عبد الله عن النبي ﷺ قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك. رواه البخاري (١) وغيره. [قوله: " ... " ابن مسعود، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ... "، الحديث الشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل، وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم.]. [قوله: "وهذا أمله" الأمل بفتح الميم هو ما يحدّث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه. قاله عياض (٢)] (٣). ٥٠٧٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ الْفقر الْحَاضِر وصل صَلَاتك وَأَنت مُودع وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤).

стр. 9149

٥٠٧٦ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ أَتَى رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله حَدثنِي بِحَدِيث واجعله موجزا فَقَالَ النَّبِي ﷺ صل صَلَاة مُودع فَإنَّك إِن كنت لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك وايأس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس تكن غَنِيا وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ (١). ٥٠٧٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن رجل من بني النخع قَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ أحدثكُم حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ سمعته يَقُول اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِيَّاك ودعوة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تستجاب الحَدِيث (٢). ٥٠٧٨ - وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا من المدائن على فرسخ، فلما جاءت الجمعة حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق،

стр. 9150

فقلت لأبي: أيسبق الناس غدا؟ قال: يا بني إنك لجاهل، إنما يعني: العمل اليوم والجزاء غدا، فلما جاءت الجمعة الأخرى حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن أبي عبد الرحمن السّلمي" هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي. تابعي، ولأبيه حبيب صحبة. وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم. صحب علي بن أبي طالب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وروى عنه أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن عبيدة، وزيد بن عطاء، وإبراهيم النخعي، يقال: صام ثمانين رمضان. حديثه عند الكوفيين. مات سنة خمس ومائة، وله تسعون سنة قال أبو إسحاق السبيعي اقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة وقال العجلي كوفي تابعي ثقة وقال أبو داود كان أعمى وقال النسائي ثقة وقال عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن صمت لله ثمانين رمضان قلت: ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين وقال روى عن أبيه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ليس تثبت روايته عن علي فقيل له سمع من عثمان قال روى

стр. 9151

عنه ولم يذكر سماعا وقال إسحاق بن منصور عن أبي معين لم يسمع من عمر وقال البخاري في تاريخه الكبير سمع عليا وعثمان وابن مسعود وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث وقال غيره عن الواقدي: شهد مع علي صفين ثم صار عثمانيًا ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك وكان من أصحاب بن مسعود وقال ابن عبد البر هو عند جميعهم ثقة. قوله: "نزلنا من المدائن على فرسخ" الحديث، المدائن اسم بلدة كانت دار مملكة الأكاسرة والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية منسوبة إلى هاشم جد النبي ﷺ والميل اسم لمسافة معلومة والله أعلم. قوله: "ألا إن الدنيا قد آذنت بفراق" الحديث، آذنت بمد الهمزة أي أعلمت. ٥٠٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلمة"، ومعنى المبادرة بالأعمال الانكماش في الأعمال الصالحة والاهتمام بها قبل وقوعها، وقطع الليل المظلمة طائفة منه وقطعة وجمع القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها. وفي حديث آخر: إن بين يدي الساعة أهوالا وأمورا شدادا، أي الحديث، أي أمامها وقبلها، والأهوال

стр. 9152

الأفزاع، والمراد بالأمور الشداد والأهوال العظام ما يحدث في آخر الزمان من الفتن والبدع وفساد الناس، قاله شارح الودعانية. قوله في الحديث: "يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا" الحديث. معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف ﷺ نوعا من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم. ٥٠٨٠ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة. رواه مسلم (١). قوله: "وعنه" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها" تقدم في كتاب التوبة. قوله: "أو الدخان" فأما الدخان فقد سئل رسول الله ﷺ عنه فقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخره وأذنيه ودبره. وعن علي ﵁ أنه قال: يأتي من السماء، قاله شارح مشارق الأنوار. [وروى حذيفة عن النبي ﷺ (٢) أن الدخان يمكث في

стр. 9153

الأرض أربعين يوما ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين الآثار، فروى حذيفة أيضا عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما. قال الشيخ: ويؤيد هذا في الآية: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١) قاله في الديباجة] (٢). قوله: "أو الدجال"، والدجال هو المذكور في الحديث وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية وفعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس، قاله في النهاية (٣). وعن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأنّ وجوههم المجان المطرقة. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث حسن غريب. وقد رواه عبد الله بن شوذب عن أبي التياح ولا يعرف إلا من حديثه، قاله النووي.

стр. 9154

خراسان إقليم عظيم معروف وهو موطن الكثير أو الأكثر من علماء المسلمين. قال أبو الفتح الهمداني، ويقال له أيضا خرسان بحذف الألف وإسكان الراء. قوله: "أو الدابة"، والدابة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، الآية. قال المفسرون: قيل إنها دابة عظيمة طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر. وقيل: هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات [ينصدع] (١) جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع والناس سائرون إلى منى فهذه الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة، قاله عبد الله بن عمر، وكان يقول: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وعن قتادة أنها تخرج من تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح ﵇، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث خرجات وروي أنها دابة كثيرة الشعر. وعن ابن عمر أنها على هيئة الآدميين رأسها في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وعن عمرو بن العاصي أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال والجساسة بفتح الجيم وتشديد السين الأولى قيل سمت نفسها بذلك لتجسسها أخبار الدجال والفحص عنه ومنه الجاسوس، وعن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب، وقد اختلف في صورتها وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. وقال بعض المتأخرين من

стр. 9155

المفسرين، الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. وأما كيفية صفتها وخلقتها وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك. قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" وفي رواية من "قعرة عدن" وهكذا هو في الأصول بالهاء والقاف مضمومة ومعناه من أقصى عدن، وفي رواية من أرض الحجاز وعدن، مدينة مشهورة باليمن، قال الماوردي: سميت عدنا من العدون وهي الإقامة لأن تبعا كان يحبس فيها أصحاب الجرائم، وهذه النار الخارجة من قعر عدن واليمن هي الحاشرة الناس كما صرح به الحديث. قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون [ابتداء خروجها] من اليمن وظهورها من الحجاز، اهـ. وقيل تخرج من الحجر وقيل من أرض الطائف؛ وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان ﵉ لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصى وتكتب في وجهه مؤمن وتطبع الكافر [بالخاتم] وتكتب في وجهه كافرا، كذا رواه الحاكم في آخر المستدرك، وفي رواية فتسم المؤمن بين عينيه وتكتب مؤمن وتسم الكافر بين عينيه وتكتب كافر، وفي رواية معها عصى موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقولون هذا يا مؤمن وهذا يا كافر.

стр. 9156

وروي عن ابن الزبير أنه وصفها فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيل والأيل هو التيس الجبلي وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، وفي رواية اثنا عشر ذراعا بذراع آدم ﵇، وعن أبي هريرة فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للراكب. وروي لا يخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ الحساب. وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاتة أيام، وسئل النبي ﷺ من أي [مكان] تخرج الدابة فقال من أعظم المساجد، يعني المسجد الحرام. قال السدي: أنها تكلم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وروى السهيلي أن النبي ﷺ سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس فأخرجها الله له من الأرض فرآى منظرا هاله وأفزعه فقال أي رب ردها فردها. وروي: أنها تخرج حين ينقطع الخير ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ولا يبقى منيب ولا تائب. وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط ولم يعين الأول منهما وكذلك الدجال، وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر أن الدابة التي تخرج [هي] (١) واحدة، وروي أنها تخرج من كل بلد دابة مما هو [مبثوث نوعها] في الأرض وليست بواحدة فيكون قوله: ﴿دَابَّةٍ﴾ اسم جنس. وعن ابن عباس أنها الثعبان

стр. 9157

الذي كان في جوف الكعبة واختطفه العقاب حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها ألقاها بالجون فالتقمتها الأرض فهي الدابة التي تخرج تكلم الناس وتخرج عند الصفا. وفي الميزان للذهبي عن جابر الجعفي أنه كان يقول: دابة الأرض علي بن أبي طالب، قال: وكان جابر الجعفي شيعيا يرى بالرجعة أي أن عليا يرجع إلى الدنيا، اهـ. تنبيه: الرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم ومذهب طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء يقولون أن الميت يرجع إلى الدنيا ويكون فيها حيا كما كان ومن جملتهم طائفة من [الرافضة] يقولون أن علي بن أبي طالب مستتر في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء اخرج مع فلان، ويشهد لهذا المذهب السوء قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (١) الآية. يريد الكفار، نحمد الله على الهداية والإيمان. قاله في النهاية (٢). قوله في الحديث: "أو خاصة أحدكم" وفي حديث آخر: "أو خويصة أحدكم" يعني الموت يعني نفسه وهو تصغير خاصة ويروى خاصة أحدكم، قيل يريد موته بهذا فسره هشام الدستوائي، وكذا قوله إن خويصة أي خاصة أي خاصة صغرها ومعناها [ههنا] أي ما يختص به، اهـ. قاله عياض (٣)،

стр. 9158

والصاد مشددة وسكون الياء لأن ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة وهي التي [اختصصت] لنفسك والمراد منها حادثة الموت التي تخص المرء وصغرت لاستصغارها في جنب سائر الحوادث العظام من البعث والحساب وغيرهما، ويجوز أن يكون صغرت للتعظيم. وقوله: يعني الموت، هو من قول هشام الدستوائي كذا في الفائق، وذكر في الميسر: لو قيل هي ما يختص به الإنسان من الشواغل المقلقة في نفسه وماله وما يهتم به فله وجه بل أوجه. وقال في النهاية (١) وخويصة أحدكم يريد به حادثة الموت التي تخص كل إنسان وهي تصغير خاصة وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك. وفي تأنيث البيت إشارة إلى أنها مصائب، ودواه ومنه حديث أم سليم وخويصتك أنس، أي الذي يختص بخدمتك وصغرته لصغر سنه يومئذ. اهـ. قوله: "أو أمر العامة" يريد به ﷺ القيامة الكبرى لأنها تعم الخلق بالموت أي بادروا بالأعمال موتَ أحدكم والقيامة. قاله في النهاية (٢). وكان قتادة يقول (٣): إذا قال وأمر العامة قال: أي أمر الساعة، رواه مسلم من طريق زياد بن رياح بكسر الراء وبالمثناة وهو زياد بن رياح [العبسي]، وقاله البخاري بالمثناة وبالموحدة وقال الجماهير: بالمثناة لا غير، وهو تابعي ثقة

стр. 9159

ذكره ابن حبان في الثقات، رواه مسلم والنسائي وابن خزيمة، اهـ. ٥٠٨١ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ -قال: بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا أو موتا مجهزا، أو الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر. رواه الترمذي (١) من رواية محرر، ويقال: محرز بالزاي، وهو واه عن الأعرج عنه وقال: حديث حسن. [قوله: "وعنه أيضا" تقدم. قوله ﷺ : "بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا" الحديث، الفقر المنسي أي لشدة فقره ينسى طاعة ربه. قوله: "أو غنى مطغيا" الطغيان مجاوزة الحد وأطغاه المال إذا جعله طاغيا من البطر والغرور.

стр. 9160

قوله: "أو مرضا مفسدا" والمرض المفسد الذي يفسد بدنه. وقوله: "أو هرما مفندا" والهرم الكبر، وقد هرم يهرم فهو هرم، والفند ضعف الرأي من الهرم، قاله الجوهري (١). وقال في النهاية (٢): الهرم المفند من أخوات قولهم نهاره صائم، جعل المفند الهرم والفند في الأصل الكذب وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمحرّف من الكلام عن سَنَن الصحة، وأفنده الكبر إذا أوقعه في الفند، ومنه حديث أم معبد (٣): لا عابس

стр. 9161

ولا مفند، أي لا فائدة في كلامه لكبر أصابه، اهـ. [والمفند] الكلام المنحرف لأنه إذا هرم تكلم على غير سنين الصحة. قوله: "أو موتا مجهزا" أي موتا سريعا [بغرق] أو هدم، يقال: أجهز عليه الجرح يجهز إذا أسرع قتله [وخوره]. قوله: "والدجال فشر غائب ينتظر" تقدم الكلام على الدجال في الحديث قبله وسيأتي الكلام عليه أيضا مبسوطا. قوله: "أو الساعة فالساعة أدهى وأمر"، أي علامة الساعة أدهى [إذ هي] أشق [أي] أعظم بلية وأمرّ من عذاب الدنيا، والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال فبعضها يشغل عنه أما في خاصة الإنسان كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدخال وكذا الفتن المزعجة كما جاء في حديث آخر (١): "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم"، وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٢) الآية. قاله ابن رجب (٣)، فهذا الحديث يقتضي إنهاض الهمم إلى معاملة الله والحث على المبادرة إلى طاعته ومسابقة العوارض والقواطع قبل ورودها، قاله ابن عطاء الله، وقال

стр. 9162

بعضهم معنى الحديث: يقول الرجل في الدنيا واقع في الحالات المذكورات وبعد ما هو أشد وأمر وهو الساعة الموعودة، فالسعيد من اشتغل بأداء فرائضه وسننه قبل [وقوع وقعته] (١). ومن أشراط الساعة أيضا إذا وسد الأمر إلى غير أهله أي أسند وجعل إليه وقلدوه يعني الإمارة يعني إذا سُوِّد وشُرف غير المستحق للسيادة والشرف وقيل هو من الوسادة أي إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقيها وتكون إلى بمعنى اللام. قاله في النهاية (٢). زمنها تقارب الزمان، قيل تقارب الزمان استواء ليله ونهاره في وقت الاعتدال فعبر بالزمان عن ذلك لأنه وقت من السنة معلوم وأهل العبادة [يقولون:] تقارب أمر انقضاء الدنيا ودنت الساعة وهو أولى لقوله في حديث آخر [وتقدم:] إذا كان آخر الزمان، وقد يتناول هذا على زمن الخريف، وفي أشراط الساعة تقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، فقيل المراد ظاهره أي تقصر مدته وقيل لطييه، وفي الحديث: يتقارب الزمان وتكثر الفتن، قيل على ظاهره [بقرب] الساعة، وقيل المراد أهل الزمان تقصر أعمارهم وقيل هو تقارب أهله وتساويهم في الأحوال [والأخلاق السيئة] والتمادي على الباطل، ومنها (٣): لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه،

стр. 9163

سئل الحسن عنه فقال (١): ما بال زمن عمر بن عبد العزيز بعد زمان الحجاج، فقال: لا بد من للناس من تنفيس [يعني أن الله تعالى ينفس عن عباده وقتا ما ويكشف البلاء عنهم، وفيه أنّ لهذا القرآن شرة، ثم للناس عنه فترة. الشرة: النشاط والرغبة (٢)، ومنه الحديث الآخر (٣): لكل عابد شرة، ومنها (٤): "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" يعني لئيم بن لئيم، ولكع بضم اللام وفتح الكاف، ويراد بلكع الذمّ أيضا]. ومنها (٥): يأتي على الناس زمان [يستحل] فيه [الربا] بالبيع والخمر [بالنبيذ] والبخس بالزكاة، البخس ما يأخذه الولاة باسم العشر والمكوس يتأولون فيه الزكاة والصدقة. قوله في الكلام على الحديث: رواه الترمذي من رواية محرر بن هارون، ومحرر براءين مهملتين، وسماه ابن أبي حاتم محرز بزاي وهو واه، عن

стр. 9164

الأعرج، والأعرج اسمه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج تابعى مدنى قريشى، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال: مولى عمر بن ربيعة. سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وابن بحينة، وسمع جماعة من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصارى، ويحيى بن أبى كثير، ومحمد بن يحيى بن حبان، وأبو الزناد، وهو مكثر عنه. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفى بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشر، والصحيح الأول. ٥٠٨٢ - وروي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا. رواه ابن ماجه (١).

стр. 9165

قوله: "وروي عن جابر بن عبد الله" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: "بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا" الحديث، تقدم الكلام عليه في كتاب الجمعة. ٥٠٨٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك. رواه الحاكم (١) وقال:

стр. 9166

صحيح على شرطهما. قوله: "وعن ابن عباس" تقدم الكلام عليه. قوله: "اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك" الحديث، الهرم هو الكبر تقدم الكلام عليه، قوله: "وصحتك قبل سقمك" السقم المرض، يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها [السقم، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ... " يعني اغتم الأعمال الصالحة قبل أن يحول بينك وبينها الموت]، وفي الحديث أيضا: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، أي لا يعرف قدرهما كثير من الناس، يعني لا يعملون في حال الصحة والفراغ من الأعمال الصالحة ما يحتاجون إليه في معادهم حتى تتبدل الصحة بالمرض والفراغ بالاشتغال فحينئذ يندمون على تضييع أعمالهم ولا ينفعهم الندم، اهـ. ٥٠٨٤ - وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله. رواه ابن ماجه (١) والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن.

стр. 9167

قوله: "وعن شداد بن أوس" تقدم الكلام عليه. قوله: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" الحديث، والكيس العاقل، ودان نفسه، قال أبو عبيد (١): دان نفسه أي [أذلها أي قهرها واستعبدها]، يقال دنت القوم أدينهم إذا فعلت ذلك بهم، والمراد ذل النفس وتواضعها وانقيادها لصحابها إلى كل خير وتكرها التجبر والتكبر والعزة والأخلاق الردية، وقيل حاسبها. قاله في النهاية (٢). وقال في شرح السنة (٣): معناه أنه يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة. قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من يحاسب نفسه في الدنيا. ويروى عن ميمون بن مهران (٤) أنه قال: لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب

стр. 9168

نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه، اهـ. قوله ﷺ : "والعاجز من أتبع نفسه هواها" الحديث، والعاجز ضد الكيس وهو الأحمق والعاجز المقصر في الأمور فهو مع تقصيره في طاعة ربه واتباع شهوات نفسه متمن على الله أن يغفر له وهذا هو الاغترار فإن الله تعالى أمره ونهاه. قال الحسن يعني البصري (١): إن أقواما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلى قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢) الآية، وقال سعيد بن جبير: الغرّة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة والله أعلم، ذكره القرطبي في "التذكرة" (٣). ٥٠٨٥ - وعن مصعب بن سعد عن أبيه، قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن رسول الله ﷺ قال: التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة. رواه أبو داود (٤)

стр. 9169

والحاكم (١) والبيهقي (٢)، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. [قال الحافظ]: لم يذكر الأعمش فيه من حدثه، ولم يجزم برفعه. [التؤدة] بفتح المثناة فوق وبعدها همزة مضمومة ثم دال مهملة مفتوحة وتاء تأنيث هي التأني والتثبت وعدم العجلة. قوله: "وعن مصعب بن سعد عن أبيه" هو مصعب بن سعد بن أبى وقاص الزهري، وهو مدنى سمع أباه، وعلى بن أبى طالب، وابن عمر. روى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. توفى سنة ثلاث ومائة (٣). قوله: "قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن رسول الله ﷺ " الأعمش اسمه كذا قوله ﷺ : "التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة" الحديث. التؤدة هي التأني والتثبت وعدم العجلة. قاله الحافظ، ومعنى الحديث أن التأني في

стр. 9170

كل شيء مستحسن إلا في عمل الآخرة. قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة مواضع فإنها من سنة رسول الله ﷺ : إطعام الطعام في حق الضيف قد قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١) أن إكرامهم كان بتعجيل الطعام لهم وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب، والله أعلم. ٥٠٨٦ - وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع. رواه الترمذي (٢) والبيهقي في الزهد (٣). قوله: "وروي عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ما من أحد يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنا ندم

стр. 9171

أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع"، وفي حديث آخر (١): ندم أن لا يكون استعتب، الحديث. إذا كان المحسن يندم عند موته على ترك الزيادة فكيف يكون حال المسيء؟ غاية أمنيّة الموتى في قبورهم حياة ساعة يستدركون بها ما فاتهم من توبة وعمل صالح وأهل الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهب أعمارهم في الغفلة [ضياعا]، ومنهم من يقطعها بالمعاصي. قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير، يعني أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة ليتوبا فيها ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيل لهم إلى ذلك. شعر: لو قيل لقوم ما مناكم طلبوا ... حياة يوم ليتوبوا فاعلم ويحك يا نفس ألا تيقظ يقع ... قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في توان وهوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي فإذا كان الأمر على هذا [فيتيعن] على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره، ولهذا قيل إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له. وقال سعيد بن جبير (٢) كل يوم يعيشه المؤمن [غنيمة]. وقال بكر المزني (٣): ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي. ولمحمود الوراق: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا ... وأعقبه يوما عليك جديد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثَنِّ بإحسان وأنت حميد

стр. 9172

فيومك إن اغتنمته عاد نفسه ... عليك وماضٍ بالأمس ليس يعود ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد وتقدم معنى قوله نزع وهو مذكور في الاستغفار. وأما قوله: "ندم أن لا يكون استعتب" أي رجع عن الإساءة وطلب الرضى واستعتب طلب أن يرضى عنه كما تقول استرضيته فأرضاني ومنه الحديث ولا بعد الموت مستعتب أي بعد الموت من استرضاء لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل اهـ. [ومنه] الحديث لا يعاتبون في أنفسهم، يعني لعظم ذنوبهم وإصرارهم عليها، وإنما يعاتب من [ترجى] عنده العتبى أي الرجوع عن الذنب والإساءة، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة. فقوله: "فإن كان مسيئا فلعله أن يستعتب" أي يطلب العتبى وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنب فقد قال الله تعالى [في حق الكافرين]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (١)، وقد قال النبي ﷺ : لك العتبى حتى ترضى. ٥٠٨٧ - وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا اسْتَعْملهُ قيل كَيفَ يَسْتَعْمِلهُ قَالَ يوفقه لعمل صَالح قبل الْمَوْت رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا. ٥٠٨٨ - وعن عمرو بن الحمق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أحب الله عبدا عسله. قالوا: ما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا بين

стр. 9173

يدي رحلته يرضى عنه جيرانه، أو قال: من حوله رواه ابن حبان في صحيحه (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣) من طريقه وغيرهما. [عسله] بفتح العين والسين المهملتين من العسل: وهو طيب الثناء، وقال بعضهم: هذا مثل، أي وفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه إذا أطعمه العسل. قوله: "وعن عمرو بن الحمق" هو عمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي هاجر إلى النبي ﷺ بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم عام حجة الوداع، والأول أصح، صحب النبي ﷺ وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة، وانتقل إلى مصر، قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: سكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها، والصحيح أنه انتقل من مصر إلى الكوفة، روى عنه:

стр. 9174

جبير بن نفير، ورفاعة بن شداد القتباني، وغيرهما (١). قوله ﷺ : "إذا أحب الله عبدا عسله. قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا" الحديث. عسله بفتح العين والسين المهملتين وهو طيب الثناء مأخوذ من العسل، يقال عسل الطعام يعسله إذا جعل فيه العسل شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذي يجعل في الطعام فيحلو به ويطيب، ومنه الحديث: إذا أراد الله بعبد خيرا عسله في الناس. أي طيب ثناءه فيهم. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال (٢) لامرأة رفاعة القرظي: حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا. وقال ابن قتيبة (٣): تقول عسلت الطعام أعسِله وأعسُله إذا جعلت فيه العسل، وكذلك سمنته أسمُنه بالضم لا غير إذا جعلت فيه السمن، فهو طعام مربوب ومسمون إذا جعل فيه ذلك، والمعنى والله أعلم [عسله] جعل فيه كالعسل من العمل الصالح كما يعسل الطعام إذا جعل فيه العسل، اهـ. وقال بعضهم: هذا مثل، أي يوفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه بالعسل إذا أطعمه، والله تعالى أعلم.

стр. 9175

٥٠٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. رواه البخاري (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: "أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة" الحديث، قال البخاري في باب من بلغ الستين فقد أعذر، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٢)، يعني الشيب، ثم روى الحديث المتقدم: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. قال ابن بطال (٣): قال علي وابن عباس وأبو هريرة: العمر الذي يتذكر فيه من تذكر [ستون] سنة. قال النووي في رياضه (٤): قال العلماء معناه لم يترك له [عذرا] إذا أمهله هذه المدة، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: يريد والله أعلم قطع معذرته إن اعتذر بجهل لأنه عمر ما يجوز أن يعلم فيه [ويعمل] (٥). وقال ابن الأثير (٦): أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، اهـ. ومنه يقال: أعذر من أنذر.

стр. 9176

٥٠٩٠ - وعن سهل مرفوعا: من عمر من أمتي سبعين فقد أعذر الله إليه في العمر. رواه الحاكم (١) وقال: صحيح على شرطهما. [قوله: "وعن سهل" كذا قوله ﷺ : "من عمّر من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" تقدم معنى أعذر الله إليه في العمر في الحديث قبله] (٢). وقال بعضهم أيضا أعذر الله إلى امرئ: أي أظهر حجته عليه ولم يبق له عذرا يتمسك به، اهـ. وقال بعضهم أيضا: أي أعذر الله غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنايا وهي سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله تعالى وترقب المنية ولقاء الله فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم لطفا من الله تعالى بعباده حين نقلهم من حالة الجهل

стр. 9177

إلى حالة العلم وأعذر إليهم مرة بعد أخرى ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج الظاهرة وإن كانوا قد جبلوا على حب الدنيا وطول الأمل فلم يتركهم مهملين دون إعذار وتنبيه وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم [والخلف و] السلف في النذير، فقيل محمد ﷺ ، قاله علي. وعن ابن عباس أنه الشيب، وحجة الأول أن الله بعث الرسل مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعا لحجتهم بقوله [تعالى:] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١)، فأعذر الله إلى عباده ثلاث مرات: الأولى ببعثة النبي ﷺ ، والمرتان في الأربعين وفي الستين لتتم حجته عليهم وهذا أصل الإعذار من الحاكم إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، اهـ، قاله في الديباجة. ٥٠٩٠ - م- وعن سهل مرفوعا: من عمر من أمتي سبعين فقد أعذر الله إليه في العمر. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما. قوله: "وعن سهل" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه النبى ﷺ سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين، قال الزهري: سمع من النبى ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبى ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من

стр. 9178

أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيره (١). قوله ﷺ : "من عمّر من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" تقدم معنى أعذر الله إليه في العمر في الحديث قبله، وفي الترمذي: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، وفي رواية حصاد أمتي من بلغ الخمسين فقد تنصف المائة فماذا ينتظر. شعر: لهفي على خمسين عاما مضت ... كانت أمامي ثم خلفتها لو كان عمري مائة هدّني ... تذكري أني تنصفتها في بعض الكتب السالفة (٢) أن لله مناديا ينادي كل يوم أبناء الخمسين زرع دنا حصاده، أبناء الستين هلموا إلى الحساب، أبناء السبعين ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء الثمانين لا عذر لكم. وفي حديث مرفوع (٣) إن لكل شيء حصادا وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين: وما حالاتنا إلا ثلاث ... شباب ثم شيب ثم موت وآخر ما يسمى المرء شيخا ... ويتلوه من الأسماء ميت وقال وهيب (٤): إن لله مناديا ينادي في السماء الرابعة كل صباح أبناء

стр. 9179

الأربعين زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الستين لا عذر لكم. وفي حديث أن الله تعالى يقول للحفظة ارفقوا بعبدي ما دامت حداثته فإذا بلغ الأربعين حقّقا وتحفظا فكان بعض روايته يبكي عند روايته ويقول: حين كبرت السنّ ورقّ العظم وقع التحفظ. وقال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك. قال النخعي (١) كان يقال لصاحب الأربعين احتفظ بنفسك، وكان كثير من السلف إذا بلغ الأربعين تفرغ للعبادة، اهـ. قاله ابن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف (٢). ٥٠٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بِخَيْرِكُمْ قَالُوا نعم قَالَ خياركم أطولكم أعمارا وَأَحْسَنُكُمْ أعمالا. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (٣). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث جَابر وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٤). ٥٠٩٢ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله: أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره

стр. 9180

وساء عمله. رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني (٢) بإسناد صحيح والحاكم (٣) والبيهقي في الزهد (٤) وغيره. قوله: "وعن أبي بكرة" أبو بكرة اسمه نفيع مصغر النفع، وكني به لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبي ﷺ ببكرة وكان أسلم في الحصن وعجز عن الخروج منه إلا بهذا الطريق وتسور الحائط أي تسلقه. قاله الكرماني (٥). وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "خيركم من طال عمره وحسن عمله" الحديث، وهذان قسمان من

стр. 9181

أربعة طرفان بينهما وواسطة لأن الإنسان إما طويل العمر أو قصيره وعلى التقديرين إما حسن العمل أو سيئه فطويل العمر حسن العمل وطويل العمر سيء العمل طرفان شرهما الثاني وقصير العمر حسن العمل وقصير [العمر] سيء العمل واسطتان خيرهما الأول، قاله في شرح مشارق الأنوار (١). ٥٠٩٢ - وَعَن عبد الله بن بسر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير النَّاس من طَال عمره وَحسن عمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (٢). ٥٠٩٣ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بخياركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ خياركم أطولكم أعمارا إِذا سددوا رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن (٣). ٥٠٩٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله عبادا يضن بهم عن القتل، ويطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء. رواه الطبراني (٤)، ولا يحضرني الآن إسناده.

стр. 9182

قوله: "وعن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله: "إن لله عبادا يضن بهم عن القتل ويطيل أعمارهم في حسن العمل" الحديث، يضن بالضاد المعجمة معناه يبخل ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ على إحدى القراءتين، وتقدم هذا الحديث، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده وحديث عبد الله بن شداد في الصلاة. ٥٠٩٦ - وَعَن أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رجلَانِ من بلي حَيّ من قضاعة أسلما مَعَ رَسُول الله ﷺ فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن عبد الله فَرَأَيْت الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخل الْجنَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلَيْسَ قد صَامَ بعده رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكْعَة وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَة صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن حبَان في آخِره فَلَمَّا بَينهمَا أبعد مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض (٢).

стр. 9183

٥٠٩٧ - وَعَن عبد الله بن شَدَّاد أَن نَفرا من بني عذرة ثَلَاثَة أَتَوا النَّبِي ﷺ فأسلموا قَالَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ من يكفيهم قَالَ طَلْحَة أَنا قَالَ فَكَانُوا عِنْد طَلْحَة فَبعث النَّبِي ﷺ بعثا فَخرج فِيهِ أحدهم فاستشهد ثمَّ بعث بعثا فَخرج فِيهِ آخر فاستشهد ثمَّ مَاتَ الثَّالِث على فرَاشه قَالَ طَلْحَة فَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا عِنْدِي فِي الْجنَّة فَرَأَيْت الْمَيِّت على فرَاشه أمامهم وَرَأَيْت الَّذِي اسْتشْهد أخيرا يَلِيهِ وَرَأَيْت أَوَّلهمْ آخِرهم قَالَ فداخلني من ذَلِك فَأتيت النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ وَمَا أنْكرت من ذَلِك لَيْسَ أحد أفضل عِنْد الله من مُؤمن يعمر فِي الْإِسْلَام لتسبيحه وتكبيره وتهليله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح وَفِي أَوله عِنْد أَحْمد إرْسَال كَمَا مر وَوَصله أَبُو يعلى بِذكر طَلْحَة فِيهِ (١). ٥٠٩٨ - وعن أم الفضل ﵂ أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: يا عباس عم رسول الله ﷺ لا تتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا، فإن تؤخر تستعتب من إساءتك خير لك، لا تتمن الموت. رواه أحمد (٢) والحاكم (٣)

стр. 9184

واللفظ له، وهو أتم وقال: صحيح على شرطهما. قوله: "وعن أم الفضل" واسمها لبابة بنت الحارث فأم الفضل هي زوجة العباس بن عبد المطلب، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي فيها: ما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل نعلمه وسهل كسته من بطن أم الفضل ... عم النبي المصطفي ذي الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل ... أكرم بها من كهلة وكهل قوله أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت، الحديث. يشتكي معناه في مرضه الذي توفي فيه. قوله ﷺ للعباس: "لا يتمنى الموت" الحديث. احتجت الشافعية بهذا الحديث على كراهة تمني الموت، وإنما نهى عن تمني الموت لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله تعالى في أمر ينفعه في آخرته، والحكمة في ذلك أن الإنسان إما أن يكون مطيعا أو عاصيا فإن كان مطيعا [توجب له الزيادة في

стр. 9185

الحسنات، وإن كان عاصيا] (١) فلعله يتوب قبل أن يموت، فأما الدعاء بالموت فلم تظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد. أشار النبي ﷺ إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به وهو انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه فما دام معه الإيمان فالحياة خير له، واستثنى العلماء من تمني الموت لفتنة في الدين فمتى خشي على نفسه أن يفتتن فلا كراهة في تمني الموت والحالة هذه وتمني الموت يقع على وجوه منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد فينهى حينئذ عن تمني الموت، ووجه كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا للاستراحة من ضره [وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت فلعله إلى خبر أعظم من ضرّه] فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال (٢): إنما يستريح من غفر له، فلهذا لا ينبغي

стр. 9186

له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ، ومنها [تمنيه] (١) خوف فيجوز حينئذ، وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام، وفي حديث المنام: وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، ومنها تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحصولها يجوز ذلك أيضا، وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام، ومنها تمنيه لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله فهذا يجوز أيضا وقد فعله كثير من السلف. قال أبو الدرداء (٢) أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وقد دل على ذلك قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) الآية. قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٤) إلى قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾، فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم فدل على أنه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف
следующие страницы →