← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9182–9221 · переход к 9187.

стр. 9182

قوله: "وعن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله: "إن لله عبادا يضن بهم عن القتل ويطيل أعمارهم في حسن العمل" الحديث، يضن بالضاد المعجمة معناه يبخل ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ على إحدى القراءتين، وتقدم هذا الحديث، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده وحديث عبد الله بن شداد في الصلاة. ٥٠٩٦ - وَعَن أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رجلَانِ من بلي حَيّ من قضاعة أسلما مَعَ رَسُول الله ﷺ فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن عبد الله فَرَأَيْت الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخل الْجنَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلَيْسَ قد صَامَ بعده رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكْعَة وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَة صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن حبَان في آخِره فَلَمَّا بَينهمَا أبعد مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض (٢).

стр. 9183

٥٠٩٧ - وَعَن عبد الله بن شَدَّاد أَن نَفرا من بني عذرة ثَلَاثَة أَتَوا النَّبِي ﷺ فأسلموا قَالَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ من يكفيهم قَالَ طَلْحَة أَنا قَالَ فَكَانُوا عِنْد طَلْحَة فَبعث النَّبِي ﷺ بعثا فَخرج فِيهِ أحدهم فاستشهد ثمَّ بعث بعثا فَخرج فِيهِ آخر فاستشهد ثمَّ مَاتَ الثَّالِث على فرَاشه قَالَ طَلْحَة فَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا عِنْدِي فِي الْجنَّة فَرَأَيْت الْمَيِّت على فرَاشه أمامهم وَرَأَيْت الَّذِي اسْتشْهد أخيرا يَلِيهِ وَرَأَيْت أَوَّلهمْ آخِرهم قَالَ فداخلني من ذَلِك فَأتيت النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ وَمَا أنْكرت من ذَلِك لَيْسَ أحد أفضل عِنْد الله من مُؤمن يعمر فِي الْإِسْلَام لتسبيحه وتكبيره وتهليله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح وَفِي أَوله عِنْد أَحْمد إرْسَال كَمَا مر وَوَصله أَبُو يعلى بِذكر طَلْحَة فِيهِ (١). ٥٠٩٨ - وعن أم الفضل ﵂ أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: يا عباس عم رسول الله ﷺ لا تتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا، فإن تؤخر تستعتب من إساءتك خير لك، لا تتمن الموت. رواه أحمد (٢) والحاكم (٣)

стр. 9184

واللفظ له، وهو أتم وقال: صحيح على شرطهما. قوله: "وعن أم الفضل" واسمها لبابة بنت الحارث فأم الفضل هي زوجة العباس بن عبد المطلب، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي فيها: ما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل نعلمه وسهل كسته من بطن أم الفضل ... عم النبي المصطفي ذي الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل ... أكرم بها من كهلة وكهل قوله أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت، الحديث. يشتكي معناه في مرضه الذي توفي فيه. قوله ﷺ للعباس: "لا يتمنى الموت" الحديث. احتجت الشافعية بهذا الحديث على كراهة تمني الموت، وإنما نهى عن تمني الموت لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله تعالى في أمر ينفعه في آخرته، والحكمة في ذلك أن الإنسان إما أن يكون مطيعا أو عاصيا فإن كان مطيعا [توجب له الزيادة في

стр. 9185

الحسنات، وإن كان عاصيا] (١) فلعله يتوب قبل أن يموت، فأما الدعاء بالموت فلم تظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد. أشار النبي ﷺ إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به وهو انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه فما دام معه الإيمان فالحياة خير له، واستثنى العلماء من تمني الموت لفتنة في الدين فمتى خشي على نفسه أن يفتتن فلا كراهة في تمني الموت والحالة هذه وتمني الموت يقع على وجوه منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد فينهى حينئذ عن تمني الموت، ووجه كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا للاستراحة من ضره [وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت فلعله إلى خبر أعظم من ضرّه] فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال (٢): إنما يستريح من غفر له، فلهذا لا ينبغي

стр. 9186

له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ، ومنها [تمنيه] (١) خوف فيجوز حينئذ، وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام، وفي حديث المنام: وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، ومنها تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحصولها يجوز ذلك أيضا، وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام، ومنها تمنيه لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله فهذا يجوز أيضا وقد فعله كثير من السلف. قال أبو الدرداء (٢) أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وقد دل على ذلك قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) الآية. قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٤) إلى قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾، فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم فدل على أنه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف

стр. 9187

القدوم عليها، ومنها تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة [فقد] (١) اختلف العلماء في كراهيته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف وكرهه آخرون. اهـ، قاله ابن رجب (٢). [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: وإن كان مسيئا فلعله أن يستعتب، أي يطلب العتبى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع من الذنب، فقد قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "لك العتبى حتى ترضى"]. [قوله في الحديث: "وإن كنت مسيئا فأن تؤخر تستعتب من إساءتك" الحديث، تستعتب بفتح التاء أي ترجع عن الإساءة وتطلب الرضى، يقال استعتب إذا طلب أن يرضى عنه، كما تقول استرضيته فأرضاني [فالاستعتاب الاسترضاء، وهو طلب أن يرضى عنه كما تقول: استرضيته فأرضاني، فالاستعتاب الاسترضاء وهو طلب الرضا والعفو، والاستعتاب أيضا الاستقالة، يقال استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني] أي فرضي عني أو استقلته فأقالني. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ (٣) الآية، أي وإن يسترضوا أو يستقيلوا فما هم من المرضيين ولا من المقالين، يقال عتبة يعتبه عتبا، والأمم المعتبة

стр. 9188

بالفتح والكسر من الموحدة والغضب والعتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي والمقصود أن يطلب رضى الله تعالى بالتوبة ورد المظالم] (١). [قال سهل بن عبد الله التستري (٢): لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت أو رجل يفر من أقدار الله عليه أو مشتاق محب للقاء الله. روي أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم الخليل ﵊ ليقبض روحه فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت إلى ربه تعالى، فقال قل له: هل رأيت خليلا يكره لقاء ربه؟ فرجع إليه، فقال: [فاقبض] روحي الساعة ... جزى الله عنا الموت خيرا لأنه أبرّ منا من والدينا وأرأف ... تعجّل راحات النفوس من الردى ويدني [لي] (٣) إلى الدار التي هي أشرف اهـ قاله في الديباجة] (٤).

стр. 9189

٥٠٩٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، ويرزقه الله الإنابة. رواه أحمد (١) بإسناد حسن والبيهقي (٢). قوله: "وعن جابر" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "لا تتمنوا الموت" تقدم الكلام على النهي عن تمني الموت في الحديث قبله. قوله ﷺ : "فإن هول المطلع" بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام وهو موضع الاطلاع من الإشراف إلى [الإنجذاب]، شبه ذلك به والمطلع بفتح الميم واللام موضع الطلوع وبكسر اللام وقت الطلوع، وقيل بالوجهين فيهما، قاله عياض؛ وهول المطلع هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من أهوال الآخرة وشدائدها التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا، يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف من أمر الآخرة من رؤية الملائكة ورؤية أعماله من خير

стр. 9190

أو شر وما يبشر به عند ذلك من الجنة أو النار مع ما يلقاه من شدة الموت وكربه وغصصه فشبه بالموضع الذي يشرف عليه من موضع عال. جزع الحسن بن علي ﵄ عند موته وقال: أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه قط، وبكى الحسن البصري عند موته، وقال: نفيسة ضعيفة وأمر هول عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط وأسلك طريقا ما سلكته قط وأزور سيدي ومولاي وما [رأيته] قط وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط فهذا كله من هول المطلع الذي قطع قلوب الخائفين حتى قال عمر عند موته (١): لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، ومن هول المطلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر، فإن الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار وما يلقون من ضمة القبر وضيقه وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك. رئي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله فأنشأ يقول: وليس يعلم ما في القبر داخله ... إلا الإله وساكن الأجداث [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم] في الحديث (٢) وإن من السعادة أن

стр. 9191

يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة الحديث، الإنابة الرجوع والتوبة من ذنوبه السالفة والاجتهاد في العمل الصالح فإذا تمنى الموت فقد تمنى انقطاع عمله الصالح فلا ينبغي له ذلك. وروي إبراهيم الحربي من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن ابن المطلب عن أبيه (١) أن النبي ﷺ قال: السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله تعالى. قال الكرماني (٢): قلت: المراد بطوله الممدوح ما لم ينتكس ويبقى على عمله ويقوى على طاعته، اللهم اجعلنا من السعداء، اهـ. وقد روي معنى الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري (٣) عن أبي

стр. 9192

هريرة عن النبي ﷺ : لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، الحديث. وفي مسند الإمام أحمد (١) عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكّرنا ورقّقنا فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت. فقال النبي ﷺ : يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك، وفي هذا المعنى أحاديث وكلها تدل على النهي عن تمني الموت بكل حال وأن طول عمر المؤمن خير له فإنه يزداد فيه خيرا، وهذا قيل أنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله تعالى. فائدة: واختلف السالكون أيما أفضل من تمني الموت شوقا إلى لقاء الله أو من تمني الحياة رغبة في طاعة الله أو من فوض الأمر إلى الله ورضي باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا، واستدل طائفة من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقوله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (٢)، ولكن

стр. 9193

الأحاديث الصحيحة تدل على أن عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك مما له عند الله من الخير فلا ينبغي له أن يتمنى انقطاع ذلك، اللهم إلا أن يخشى الفتنة على دينه فإنه إذا خشي الفتنة على دينه فقد خشي أن يفوته ما عند الله من الخير ويتبدل ذلك بالشر عياذا بالله من ذلك والموت خير من الحياة على هذه الحال. قال ميمون بن مهران (١): لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدرجات يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات والعامل يجتهد في علو الدرجات ومن عداهما فهو خاسر كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) السورة كلها، فأقسم الله تعالى أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه [الأوصاف] الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحق، فهذه السورة ميزان للأعمال يزن المؤمن [به] نفسه [فيبين] له بها ربحه من خسرانه و [لهذا] قال الإمام الشافعي ﵁ لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم، اهـ. قاله ابن رجب (٣). فائدة أخرى: قال الحسن (٤) لو علم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحا لشق عليه أن يأتيه الموت لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله، فكيف وهو لا

стр. 9194

يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم؟ بكى النخعي عند احتضاره وقال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار، فالمتمني للموت كأنه يستعجل [حلول] البلاء وإنما أمرنا بسؤال العافية، وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت فقال: لا تتمن الموت فإنك ميت ولكن سل الله العافية. قال إبراهيم بن أدهم (١): إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقعها. وقال أبو العتاهية (٢): ألا للموت كأس أي كأس ... وأنت لكأسه لا بد حاسي إلى كم والممات إلى قريب ... تذكّر بالممات وأنت ناسي ٥١٠٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. رواه البخاري، واللفظ له (٣) ومسلم. ٥١٠١ - وفي رواية لمسلم (٤): لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدعوا به من قبل أن يأتيه، وإنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم.

стр. 9195

قوله ﷺ : "لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد" الحديث. إما محسنا هو بكسر الهمزة على أنها عاطفة ومحسنا إما خبر كان المحذوفة أي إما أن يكون محسنا أو حال تقديره إما أن يتمناه محسنا. وقوله: "يستعتب" بفتح الياء أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضى. يقال: استعتب إذا طلب أن يرضى عنه، وتقدم الكلام على الاستعتاب في حديث أم الفضل وقبله. قوله: "وفي رواية لمسلم لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه" الحديث. أشار بقوله من قبل أن يأتيه إلى أن في الدعاء بالموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للمقدور والمحتوم. فإن قلت: وسائر الأدعية كذلك لأنها إما مقدرة فلا فائدة في سؤالها لوقوعها لا محالة أو غير مقدرة ففي سؤالها اعتراض ومراغمة للقدر، هذا يؤدي إلى سدّ باب الدعاء وهو باطل. قلت: أما الدعاء بالمغفرة والرحمة والأمور الأخروية ففيه إظهار الافتقار والمسكنة والخضوع والتذلل والاحتياج. وأما الدعاء بالموت فلم يظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد. أشار النبي ﵇ إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (١). قوله ﷺ في الحديث أنه إذا مات انقطع عمله، قال النووي رحمه الله تعالى (٢) هكذا هو في بعض نسخ مسلم وفي كثير منها

стр. 9196

أمله وكلاهما صحيح، والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث. ٥١٠٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥). قوله: "وعن أنس" تقدم. قوله ﷺ : "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به" الحديث، قال النووي (٦) في هذا الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به ومطلق الضر يتناول الدنيوي والأخروي لكن المراد إنما هو الضرر الدنيوي من مرض أو فاقة أو محنة من عدو ونحو ذلك من مشاق الدنيا كما هو مبين في رواية النسائي وابن حبان فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا، وهو الذي أراده أيوب ﵊ في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٧) وإخوة يوسف ﵇ في قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، فأما إذا خاف ضررا في دينه أو فتنة فيه فالظاهر أنه لا بأس معه بالدعاء بالموت،

стр. 9197

[وتمنيه لمفهوم] هذا الحديث وغيره ويدل لذلك قوله ﷺ في الحديث: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه وليس به الدين إلا البلاء، وقد فعل هذا [الثاني] (١) خلائق من الصحابة والسلف عند خوف الفتنة في أديانهم، وفيه أنه إن [خالف] ولم يصبر على حاله في بلواه بالمرض ونحوه فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، الدعاء المذكور في الحديث، [والأفضل] الصبر والسكون للقضاء، قاله في شرح الأحكام. فائدة: فإن قيل الآجال مضروبة قد فرغ منها فكيف يردد السؤال [في أمر] فرغ منه، وكيف ينهى عن تمنيه مع أنه لا يفيد القطع بأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قلنا: فائدة الدعاء برفع الآفات وطلب المسرات وقد وقع من ذلك كثير من خوارق العادات وفيه ربط الأسباب بالمسببات وفائدة التمني وقوع المخالف في الإثم وجعل الآخر للمبتلى وفائدة التمني المحبوب حصول الثواب والانتظام في سلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اهـ. قاله في شرح الإلمام. تنبيه: يختم به الباب: قوله في الحديث: "فإن كان لا بد فاعلا" هو حال وتقديره إن كان أحدكم فاعلا كونه لا بد له من ذلك.

стр. 9198

فإن قلت كيف جاز الفعل بعد النهي؟ قلت: موضع الضرورة مستثنى من جميع الأحكام، والضرورات تبيح المحظورات أو النهي عن الموت معينا، وهذا تجويز في أحد الأمرين لا على التعيين أو النهي إنما هو فيما إذا كان منجِّزا مقطوعا به وهذا معلق لا منجز. اهـ، قاله الكرماني في شرح البخاري (١).

стр. 9199

الترغيب في الخوف وفضله ٥١٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فذكرهم إلى أن قال: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله. رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، وتقدم بتمامه. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" تقدم الكلام على هذا الحديث في مواضع كثيرة من هذا التعليق. ٥١٠٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى اذهبي فلك ما أعطيتك، ووالله ما أعصيه بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوب على بابه: إن الله قد غفر للكفل فعجب الناس من ذلك. رواه الترمذي (٣) وحسنه،

стр. 9200

والحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن ابن عمر" حيث أطلق ابن عمر فالمراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، وتقدم الكلام على مناقبه في مواضع من هذا التعليق أيضا. قوله: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله" الحديث، الكفل كذا وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇. قوله: "فقال: وتفعلين أنت هذا من مخالفة الله فأنا أحرى" أي فأنا أولى وأحق بهذا الخوف منك. ٥١٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلهم فأصابتهم السماء فلجؤوا إلى جبل فوقعت

стр. 9201

عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يعلم بمكانكم إلا الله، فادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت علي فجعلت لها جعلا، فلما قربت نفسها تركتها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما، فإذا أتيتهما وهما نائمان قمت حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شربا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا يوما فعمل لي نصف النهار، فأعطيته أجرا فسخطه ولم يأخذه فوفرتها عليه حتى صار من ذلك المال، ثم جاء يطلب أجره فقلت: خذ هذا كله، ولو شئت لم أعطيه إلا أجره الأول، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزال الحجر وخرجوا يتماشون. رواه ابن حبان في صحيحه (١)، ورواه البخاري (٢)

стр. 9202

ومسلم (١) وغيرهما من حديث عمر بنحوه وتقدم. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لأهليهم" الحديث، النفر من الثلاثة إلى التسعة بخلاف الرهط فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وتقدم الكلام على ذلك مرارا مبسوطا ومختصرا. قوله: "فلجئوا إلى جبل" الحديث، معناه انضموا إليه. قوله: "عفا الأثر ووقع الحجر" معنى عفا الأثر تقدم، وتقدم الكلام على بقية غريب هذا الحديث في أول الكتاب في حديث الغار، وتقدم لفظ هذا الحديث أيضا بحروفه في بر الوالدين أيضًا. ٥١٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: كان رجل يسرف على نفسه لما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك ففعلت، فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له. ٥١٠٧ - وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا به ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر أن يجمع ما فيه، ثم قال: لم

стр. 9203

فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله تعالى له. رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، ورواه مالك (٣) والنسائي (٤) ونحوه. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "كان رجل يسرف على نفسه" الحديث، أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، وقال القرطبي (٥) السرف مجاوزة الحد، يقال أسرف أي بالغ في السرف وغلا في المعاصي. قوله في الحديث: "فلما حضره الموت قال لبنيه" أي لأولاده "إذا متّ" الحديث. قوله: "فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح"، الحديث، ذروني بالذال المعجمة، يقال: ذرته الريح وأذرته الريح تذروه وتُذريه إذا [أطارته] الريح ومنه تذرية الطعام. قال ابن الأثير: وقال في الصحاح ذريته طيّرته وأذهبته وذرت الريح الترابَ وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي سفته ومنه قوله ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (٦) بالذال المعجمة. وإنما أوصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله تعالى.

стр. 9204

قوله: "فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا" الحديث، اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة لا يصح حمل هذا الحديث على أنه أراد نفي قدرة الله تعالى إحيائه وإعادته كما هو ظاهر الحديث، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر مع كون الحديث يدل على إسلامه من وجهين: أحدهما إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى. والثاني إخباره ﵊ بأن الله غفر له والكافر لا يغفر له. قالوا: هؤلاء فيكون للحديث تأويلان: أحدهما أن معناه لئن قدر الله علي العذاب وعدم العفو أي [حكم] وقضى، يقال منه قدر بالتخفيف وقدّر بالتشديد بمعنى واحد. والثاني إن قدر هنا بمعنى ضيّق عليّ، فقوله: لئن قدر الله علي أي لئن ضيّق، ومنه قوله تعالى ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ (١)، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وقالت طائفة اللفظ على ظاهره وذكروا له تأويلات: أحدها أن هذا الرجل قال هذا الكلام وهو غير ظابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف والجزع الشديد بحيث ذهب تيقظه وتدبره ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته فقال: أنت عبدي وأنا ربك أخطأ

стр. 9205

من شدة الفرح ولم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو الثاني من التأويلات أن هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) فصورته صورة شك والمراد به اليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف فصورته صورة شك والمراد به اليقين. الثالث من [التأويلات] أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء ﵃ في تكفير جاهل الصفة فمن كفره بذلك [محمد] بن جرير الطبري؛ وقال به الشيخ أبو الحسن الأشعري أولا وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو موسى الأشعري وعليه استقر قوله، ونقل هذا القول عن الأشعري أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة وعليه قيل: عباراتنا شتى وحسنك [واحد] ... وكل إلى ذاك الجمال يشيرُ فليس أحد منهم إلا ويدّعى بما قام عليه من الدليل [وشبهة] الدليل أنه على الحق مع اتفاقهم على التوحيد وهذا لا يقتضي الخروج عن الملة الإسلامية والله أعلم. الرابع من التأويلات أنه كان في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا

стр. 9206

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). الخامس من التأويلات: أنه يجوز أنه كان متمسكا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢) وغير ذلك من الأدلة. السادس من التأويلات: إن قلت في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ عن الله تعالى أنه قال: أنا عند ظن عبدي بي، وهذا قد ظن بربه تعذيبه وعدم المغفرة فكيف غفر له؟ قلت: قد اختلفوا في معنى الحديث، فقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وقيل معناه بالغفران له إذا استغفر فإن قلنا بالثاني فالجمع بينهما واضح لأن هذا قد ندم على ما فرط منه ولولا ندامته لما أمر أن يفعل به ذلك [لكان تائبا تقبل توبته وغفر له. وإن قلت بالأول] (٤) فقد حكى القاضي عياض والنووي في شرح مسلم (٥) أنه إنما رضي بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله كما تقدم، فهو حينئذ قد رجى العفو وأمّله فكان الله عند ظنه به فعفا عنه، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (٦).

стр. 9207

قوله في الحديث: "فقال مما حملك على ما صنعت" أي على هذه الوصية. قوله: "قال خشيتك يا رب" الحديث، خشيتك مرفوع بأنه مبتدأ محذوف [الخبر] أو بالعكس وفي بعضها بالنصب على نزع الخافض أي لخشيتك. فائدة جليلة فيها بشرى: فإذا تقرر ما ذكر في معنى الحديث وتقرر هذا فتأمل رحمك الله كيف حصلت المغفرة لعبد لم يعمل حسنة قط بسبب وجود خوفه من الله تعالى، فليت شعري هل يخلو مسلم من حسنة من خوف الله ، ومن ذا الذي لا يخاف عذاب الله ويرجو رحمته سبحانه، اهـ، قاله صاحب حادي القلوب، وفي رواية أن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مت فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر. اذروا بكسر الذال المعجمة وضم الراء مخففة أي ألقوا ويجوز في همزة الوصل والقطع، قاله العراقي (١). قوله: "نصفه في البر ونصفه في البحر" أي فرقوني فيه مقابل الريح لتنتشر أجزاؤه وتتبدد. يقال [ذريت] الشيء وذروته ذريا وذروا [أو أذريته] أيضا رباعي وذريته مشددا أي بدّدته وفرّقته؛ وقيل إذا طرحته مقابل الريح لذلك ومنه نسفته، قاله عياض (٢). قوله في الحديث: فوالله لئن قدر الله عليه، الحديث. وليس المراد أنه يشك في قدرة الله تعالى عليه فإن ذلك كفر والكفر لا يغفر، وتقدم الكلام على ذلك

стр. 9208

مبسوطا في أول الحديث. تنبيه: قال الخطابي رحمه الله تعالى (١): فإن قلت كيف يغفر له وهو منكر للقدرة على الإحياء؟ قلت: ليس بمنكر إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا فعل به هذا الصنع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال من خشيتك علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل خشية من الله تعالى، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه، اهـ قاله الكرماني (٢). ٥١٠٨ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا خير أب. فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في ريح عاصف ففعلوا فجمعه الله فقال: ما حملك؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته؛ رواه البخاري (٣) ومسلم (٤). [رغسه] بفتح الراء والغين المعجمة بعدهما سين مهملة. قال أبو عبيدة: معناه أكثر له منه وبارك له فيه. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم. قوله: "إن رجلا ممن كان قبلكم رغسه الله مالا" قال أبو عبيد معناه أكثر له منه وبارك فيه، قاله الحافظ. وقال صاحب المحكم (٥) الرغس النماء والبركة والكثرة ورغسه الله مالا وولدا

стр. 9209

أعطاه كثيرا منه. وقال الكرماني (١) رغسه الله مالا أي أعطى وأنمى وقيل أكثر له وبارك فيه. وفي رواية لمسلم: "راشه الله" بالراء والمعجمة من الريش وهو المال. قوله: "فقال لبنيه لما حضر" أي لأولاده لما حضر، يقال: احتُضر فلان وحضر إذا دنا موته. قوله: "ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف" أي دقوني إذا أحرقتموني بدليل بقية الحديث ليذرى رماده في الريح كما قال فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروني فيها، وتقدم معنى الحديث في الأحاديث قبله. ٥١٠٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يقول الله : أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام. رواه الترمذي (٢) والبيهقي (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

стр. 9210

قوله: "عن أنس" تقدم. قوله: "أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام" الحديث، هذا بشرط أن يكون مؤمنا بنبينا محمد ﷺ أو بنبي آخر قبل نسخ دينه. وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني خف الله خوفا يحول بينك وبين الرجاء، وارجه رجاء يحول بينك وبين الخوف، قال: فقال أي أبَتِ إنّ لي قلبا واحدا إن ألزمته الخوف شغله عن الرجاء وإن ألزمته الرجاء شغله عن الخوف. قال: أي [ابني] إن المؤمن له قلب كقلبين يرجو الله بأحدهما ويخافه بالآخر. اهـ. ٥١١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله إِذا أَرَادَ عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها فَإِن عَملهَا فاكتبوها بِمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا من أَجلي فاكتبوها لَهُ حَسَنَة الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْإِخْلَاص وَفِي لفظ لمُسلم إِن تَركهَا فاكتبوها لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا تَركهَا من جراي أَي من أَجلي (١). ٥١١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه جلّ وَعلا أَنه قَالَ وَعِزَّتِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وأمنين إِذا خافني فِي الدُّنْيَا أمنته يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا أمنني فِي الدُّنْيَا أخفته فِي الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢).

стр. 9211

٥١١٢ - وعن أبي هريرة أيضا ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن. [أدلج] بسكون الدال: إذا سار من أول الليل؛ ومعنى الحديث: أن من خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة، والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفا من القواطع والعوائق. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "من خاف أدلج" الحديث، الخوف من أجل المنازل وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٤) الآية، وفي

стр. 9212

المسند (١) والترمذي (٢) عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه. قال الحسن رحمة الله عليه: عملوا الله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن من جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا. وقال الجنيد رحمت الله عليه (٣): الخوف يوقع العقوبة على مجاري الأنفاس، وقال أبو سليمان (٤): ما فارق الخوف قلبا إلا خرب، وقال إبراهيم بن سفيان (٥): إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه

стр. 9213

وطرد الدنيا عنه. وقال ذو النون رحمة الله عليه (١): الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق. وقال آدم: لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعوراء لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغتر بلقاء الصالحين فلا شخص أصلح من النبي ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون. والقلب في سيره إلى الله تعالى بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى عدم الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف ﵃ استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف هذه طريقة [أبي] سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإذا كان الغالب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حاد، والخوف سابق، والله الموصل بمنه وكرمه، اهـ. قوله: "أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل"، وأدلج بسكون الدال [أي ذهب في أول الليل أي] سار [في] أول الليل [وأدلج أي سار في آخر الليل، والدلجة والدلج سير الليل، وأدلج إذا سار من أول الليل]، قاله المنذري [والمراد

стр. 9214

التشمير في الطاعة]، ومعنى الحديث أن من خاف الله ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفا من القواطع والعلائق وفي بعض النسخ العوائق. اهـ. قاله الحافظ. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح، معنى الحديث: أن من خاف الله شمّر في طاعته وسار إليه عجلا مع السابقين السالكين فإذا مضى ليل المجاهدة وأفجر فجر الآخرة ورآى ما قطعه في سرى ليله من المفاوز والمخاطر وشاهد قرب منزلته من الحبيب وانقطاع من أقعده الكسل وغرّه الأمل أنشد لسان حاله عند الصباح يحمد القوم السّرى. اهـ. قوله: "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" الغالية [أي] رفيعة [القيمة] ضد الرخيصة أي سلعة الله الجنة وهي عزيزة لا يليق بثمنها إلا بذل النفس، وفي كتاب صفة الجنة لأبي نعيم (١) من حديث أبان عن أنس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ما ثمن الجنة؟ قال: لا إله إلا الله. وشواهد هذا الحديث كثيرة جدا، والله تعالى أعلم. ٥١١٣ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن فتى من الأنصار دخلته خشية الله فكان يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فجاءه في البيت، فلما دخل عليه اعتنقه النبي ﷺ وخر ميتا فقال النبي ﷺ :

стр. 9215

جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده. رواه الحاكم (١) والبيهقي (٢) من طريقه وغيره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (٣)، والأصبهاني (٤) من حديث حذيفة، وتقدم حديث ابن عباس في البكاء قريبا من معناه، وحديث النبي أيضًا. [الفرق] بفتح الفاء والراء: هو الخوف. [وفلذ كبده] بفتح الفاء واللام وبالذال المعجمة: أي قطع كبده. قوله: "وعن سهل بن سعد" تقدم. قوله ﷺ : "جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده" الحديث، الفرق بفتح الفاء والراء هو الخوف وفلذ [كبده] (٥) بفتح

стр. 9216

الفاء واللام وبالذال المعجمة أي قطع كبده، اهـ، قاله الحافظ، ومعنى الحديث أن خوف النار قطع كبده، والأفلاذ جمع فلذة والفلذ جمع فلذة وهي القطعة المقطوعة طولا والله أعلم. قاله في النهاية (١). ٥١١٤ - وعن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى ﵁ في مسجد بني قشير فقرأ المدثر، فلما بلغ نقر في الناقور خر ميتا. رواه الحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد (٣). قوله: "وعن بهز بن حكيم" تقدم. قوله: "قال: أمَّنا زرارة بن أبي أوفى في مسجد بني قشير فقرأ المدثر فلما بلغ فإذا نقر في الناقور خرّ ميتا"، قال بهز بن حكيم: فكنت فيمن حمله. وروي أنه لما قرأ فإذا نقر في الناقور صعق ومات في محرابه. والناقور هو الصور الذي ينفخ فيه لقيام الساعة، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع قارئا يقرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (٤)، فصاح صيحة خر مغشيا عليه، فحمل إلى أهله فلم يزل مريضا شهرا، وسمع الشافعي رضي الله تعالى عنه قارئا يقرأ: ﴿هَذَا يَوْمُ

стр. 9217

لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١)، فخر مغشيا عليه، [وسمع لي بن الفضيل قارئا يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فسقط مغشيا عليه] (٣)، وأحوال السلف في ذلك كثيرة يطول ذكرها، أعاد الله علينا من بركاتهم. ٥١١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته. رواه مسلم (٤). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد" الحديث، من في من العقوبة للتبيين. وقوله: "ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" والرحمة من الله تعالى إنعام وإفضال والقنوط أشد اليأس، يقال قنط يقنط وقَنَط يقنِط، اهـ. ٥١١٦ - وعن أبي كاهل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا كاهل ألا أخبرك بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أحيا الله قلبك، ولا يمته يوم يموت بدنك. اعلم يا أبا كاهل أنه لم يغضب رب العزة على من كان في قلبه مخافة، ولا تأكل النار منه هدبة اعلم يا أبا كاهل أنه من

стр. 9218

ستر عورته حياء من الله سرا وعلانية كان حقا على الله أن يستر عورته يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من دخل حلاوة الصلاة قلبه حتى يتم ركوعها وسجودها كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من صلى أربعين يوما وأربعين ليلة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كان حقا على الله أن يكتب له براءة من النار. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صام من كل شهر ثلاثة أيام مع شهر رمضان كان حقا على الله أن يرويه يوم العطش. اعلمن يا أبا كاهل أنه من كف أذاه عن الناس كان حقا على الله أن يكف عنه عذاب القبر. اعلمن يا أبا كاهل أنه من بر والديه حيا وميتا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة، قلت: كيف يبر والديه إذا كانا ميتين؟ قال: برهما أن يستغفر لوالديه، ولا يسبهما، ولا يسب والدي أحد فيسب والديه. اعلمن يا أبا كاهل أنه من أدى زكاة ماله عند حلولها كان حقا على الله أن يجعله من رفقاء الأنبياء. اعلمن يا أبا كاهل أنه من قلت عنده حسناته، وعظمت عنده سيئاته كان حقا على الله أن يثقل ميزانه يوم القيامة. اعلمن يا أبا كاهل أنه من يسعى على امرأته ووالده، وما ملكت يمينه يقيم فيهم أمر الله يطعمهم من حلال كان حقا على الله أن يجعله مع الشهداء في درجاتهم. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صلى علي كل يوم ثلاث مرات حبا لي، وشوقا إلي كان حقا على الله أن يغفر له بكل مرة ذنوب حول. رواه الطبراني (١)، وهو بجملته منكر، وتقدم في

стр. 9219

مواضع من هذا الكتاب ما يشهد لبعضه، والله أعلم بحاله. قوله: "وعن أبي كاهل" أبو كاهل هذا أحمسي يحكى له صحبة، قيل [اسمه] قيس بن عائذ وقيل عبد الله بن مالك وقيل عبد الله بن غنيمة وليس في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ومن غريب أحاديثه ما رواه الطبراني عنه بإسناد ضعيف أنه قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي ﷺ كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت ما لك ولفلان، قد سمعته يحسن الثناء عليك ولقيت الآخر فقلت مثل ذلك حتى اصطلحا، ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فأخبرت النبي ﷺ فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو يُعنى ولو بالكذب، فاكتفى ﷺ ببعض الكلمة، ونظير ذلك قوله ﷺ

стр. 9220

لسعد كفى [بالسيف] شا أي شاهدا. وتقدم الكلام على أبي كاهل أيضا في الصلاة على النبي ﷺ وعلى حديث المطول المذكور هنا وفي إسناده الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي (١) وقال إسناده مظلم. اهـ. ٥١١٧ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلي الصعدات تجأرون إلى الله لا تدرون تنجون أو لا تنجون. رواه الحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد.

стр. 9221

[تجأرون] بفتح المثناة فوق وإسكان الجيم بعدهما همزة مفتوحة: أي تضجون وتستغيثون. قوله: "وعن أبي الدرداء" أبو الدرداء اسمه عامر وإذا صغر قلت [عُوَيمر]، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي، وتقدم الكلام على مناقبهما مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" الحديث، قيل معناه: لو تعلمون من عظيم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وكُربها وأحوالها وما بعدها كما علمته وترون النار كما رأيت في مقامي هذا [و] في غيره لبكيتم كثيرا ولقلّ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. فإن قيل: قد وصفت لكم النار وأحوال أهلها والأوصاف تفيد العلم. قيل: ليس الخبر كالمشاهدة فإن من شاهد الجنة وما أعد الله فيها لم يطق الصبر عنها ومن شاهد النار وتفاوت أهلها فيها وشاهد ما [أنتم] عليه من أنواع العقوبة والبلاء لم يطق الصبر عليها واشتغل بالبكاء عما رآى، هذا معنى ما ذكره شراح الحديث، وذكر الغزالي في بعض كتبه [سؤالا] فقال في قوله ﷺ : لو تعلمون ما أعلم. فقال: [هل] بيّن ذلك الذي علمه لهم. قيل: هذا من السّر الذي لم يؤذن له في
следующие страницы →