← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9217–9256 · переход к 9222.

стр. 9217

لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١)، فخر مغشيا عليه، [وسمع لي بن الفضيل قارئا يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فسقط مغشيا عليه] (٣)، وأحوال السلف في ذلك كثيرة يطول ذكرها، أعاد الله علينا من بركاتهم. ٥١١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته. رواه مسلم (٤). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد" الحديث، من في من العقوبة للتبيين. وقوله: "ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" والرحمة من الله تعالى إنعام وإفضال والقنوط أشد اليأس، يقال قنط يقنط وقَنَط يقنِط، اهـ. ٥١١٦ - وعن أبي كاهل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا كاهل ألا أخبرك بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أحيا الله قلبك، ولا يمته يوم يموت بدنك. اعلم يا أبا كاهل أنه لم يغضب رب العزة على من كان في قلبه مخافة، ولا تأكل النار منه هدبة اعلم يا أبا كاهل أنه من

стр. 9218

ستر عورته حياء من الله سرا وعلانية كان حقا على الله أن يستر عورته يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من دخل حلاوة الصلاة قلبه حتى يتم ركوعها وسجودها كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من صلى أربعين يوما وأربعين ليلة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كان حقا على الله أن يكتب له براءة من النار. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صام من كل شهر ثلاثة أيام مع شهر رمضان كان حقا على الله أن يرويه يوم العطش. اعلمن يا أبا كاهل أنه من كف أذاه عن الناس كان حقا على الله أن يكف عنه عذاب القبر. اعلمن يا أبا كاهل أنه من بر والديه حيا وميتا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة، قلت: كيف يبر والديه إذا كانا ميتين؟ قال: برهما أن يستغفر لوالديه، ولا يسبهما، ولا يسب والدي أحد فيسب والديه. اعلمن يا أبا كاهل أنه من أدى زكاة ماله عند حلولها كان حقا على الله أن يجعله من رفقاء الأنبياء. اعلمن يا أبا كاهل أنه من قلت عنده حسناته، وعظمت عنده سيئاته كان حقا على الله أن يثقل ميزانه يوم القيامة. اعلمن يا أبا كاهل أنه من يسعى على امرأته ووالده، وما ملكت يمينه يقيم فيهم أمر الله يطعمهم من حلال كان حقا على الله أن يجعله مع الشهداء في درجاتهم. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صلى علي كل يوم ثلاث مرات حبا لي، وشوقا إلي كان حقا على الله أن يغفر له بكل مرة ذنوب حول. رواه الطبراني (١)، وهو بجملته منكر، وتقدم في

стр. 9219

مواضع من هذا الكتاب ما يشهد لبعضه، والله أعلم بحاله. قوله: "وعن أبي كاهل" أبو كاهل هذا أحمسي يحكى له صحبة، قيل [اسمه] قيس بن عائذ وقيل عبد الله بن مالك وقيل عبد الله بن غنيمة وليس في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ومن غريب أحاديثه ما رواه الطبراني عنه بإسناد ضعيف أنه قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي ﷺ كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت ما لك ولفلان، قد سمعته يحسن الثناء عليك ولقيت الآخر فقلت مثل ذلك حتى اصطلحا، ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فأخبرت النبي ﷺ فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو يُعنى ولو بالكذب، فاكتفى ﷺ ببعض الكلمة، ونظير ذلك قوله ﷺ

стр. 9220

لسعد كفى [بالسيف] شا أي شاهدا. وتقدم الكلام على أبي كاهل أيضا في الصلاة على النبي ﷺ وعلى حديث المطول المذكور هنا وفي إسناده الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي (١) وقال إسناده مظلم. اهـ. ٥١١٧ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلي الصعدات تجأرون إلى الله لا تدرون تنجون أو لا تنجون. رواه الحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد.

стр. 9221

[تجأرون] بفتح المثناة فوق وإسكان الجيم بعدهما همزة مفتوحة: أي تضجون وتستغيثون. قوله: "وعن أبي الدرداء" أبو الدرداء اسمه عامر وإذا صغر قلت [عُوَيمر]، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي، وتقدم الكلام على مناقبهما مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" الحديث، قيل معناه: لو تعلمون من عظيم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وكُربها وأحوالها وما بعدها كما علمته وترون النار كما رأيت في مقامي هذا [و] في غيره لبكيتم كثيرا ولقلّ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. فإن قيل: قد وصفت لكم النار وأحوال أهلها والأوصاف تفيد العلم. قيل: ليس الخبر كالمشاهدة فإن من شاهد الجنة وما أعد الله فيها لم يطق الصبر عنها ومن شاهد النار وتفاوت أهلها فيها وشاهد ما [أنتم] عليه من أنواع العقوبة والبلاء لم يطق الصبر عليها واشتغل بالبكاء عما رآى، هذا معنى ما ذكره شراح الحديث، وذكر الغزالي في بعض كتبه [سؤالا] فقال في قوله ﷺ : لو تعلمون ما أعلم. فقال: [هل] بيّن ذلك الذي علمه لهم. قيل: هذا من السّر الذي لم يؤذن له في

стр. 9222

إفشائه، وذكر القشيري في الرسالة أن النبي ﷺ لما قال ذلك للصحابة وحزنوا فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) الآية، فقرأها عليهم فانبسطت نفوسهم، اهـ. ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. وفي هذا الحديث ترجيح جانب الخوف وشدة أمر الآخرة وعظمه، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله. قال: رأيت الجنة والنار. فجمع الله تعالى لنبيه ﷺ بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولهذا قال ﷺ لأصحابه: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا، وهو في الصحيحين من حديث عائشة (٣). قاله العراقي في شرح الأحكام (٤). قوله ﷺ : "ولخرجتم إلى الصُّعُدات" الصعدات بضم الصاد والعين المهملتين هي الطرقات، اهـ. قاله المنذري. وقال في النهاية (٥) وغيرها: الصعدات هي الطرق، وهي جمع صُعُد بضمتين وصعيد جمع صعيد وهو التراب كطريق وطرق وطرقات وقيل هي جمع صعدة كظلمة، وقوله:

стр. 9223

"تجئرون لى الله" ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي يضجون ويستغيثون، اهـ. والجئار هو رفع الصوت بالدعاء. ٥١١٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قرأ رسول الله- ﷺ : [هل أتى على الإنسان حين من الدهر] حتى ختمها ثم قال: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون. أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلي الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددت أني شجرة تعضد. رواه البخاري (١) باختصار والترمذي (٢) إلا أنه

стр. 9224

قال: ما فيها موضع أربع أصابع، والحاكم (١) واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد. [أطت] بفتح الهمزة وتشديد الطاء المهملة من الأطيط: وهو صوت القتب والرحل ونحوهما إذا كان فوقه ما يثقله، ومعناه أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين أثقلها حتى أطت. [والصعدات] بضم الصاد والعين المهملتين: هي الطرقات. قوله: "وعن أبي ذر" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط" الحديث، من الأطيط وهو صوت القتب والرحل ونحوهما إذا كان فوقه ما يثقله أي صاحت وأنّت من خشية الله.

стр. 9225

[قال في الإحياء (١) في الشكر في الطرف الثامن منه الملائكة تنحصر جملتها في ثلاث طبقات الملائكة الأرضية والسماوية وحملة العرش وكُلُّهم [وَكَّلَهُم] الله بك فيما يرجع [إلى] (٢) الأكل والشرب والغداء والهداية والإرشاد وغير ذلك وكل جزء من أجزاء النبات موكل به سبعة أملاك من الملائكة وهو أقله إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك، والملائكة الأرضية مددهم من الملائكة السماوية على ترتيب معلوم لا يحيط بكنهه إلا الحي القيوم، ومرد الملائكة السماوية من حملة العرش والمنعم على جميعهم بالتأييد والهداية والتسديد الملك القدوس المهيمن المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت جبار السماوات والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام، والأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض وأجزاء الحيوانات والنبات حتى كل قطرة من المطر أكثر من أن تحصى. اهـ. قوله: "ما فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله"، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣) من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: ما في

стр. 9226

السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك [ساجد أو ملك راكع، فإذا] كان يوم القيامة قالوا جميعا: ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا. دلّ هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم صفوف من العبادة منهم من هو قائم أبدا ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو من [صنوف] أخر الله أعلم بها وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١)، اهـ] (٢). ومعناه أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين قد أثقلتها حتى أطّت، اهـ. قاله المنذري. وقال ابن الأثير في النهاية (٣): الأطيط صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وخنينها يعني أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلتها حتى أطّت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمّ أطيط أي خنين ونقيض وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. اهـ.

стр. 9227

قوله: "والله لوددت أني شجرة تعضد" هذا مدرج في الحديث من كلام أبي ذرّ وبيّنه البزار في روايته [ووصله] هكذا، قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر في حاشية نسخته والله أعلم. وقوله: "تعضد" أي تقطع، يقال عضدت الشجر أعضده عضدا والعضد بالتحريك المعضود والعضد ما قطع من الشجر، والله أعلم. ٥١١٩ - وعن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). ٥١٢٠ - وفي رواية (٣): بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: عرضت عاي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين. [الخنين] بفتح الخاء المعجمة بعدها نون: هو البكاء مع غنة بانتشار الصوت من الأنف. قوله: "وعن أنس" تقدَّم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا" الحديث، الجواب عنه من وجوه: أحدها أن

стр. 9228

في اللغة قد توضع الرؤية موضع العلم ويوضع العلم موضع الرؤية لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (١) معناه لنرى ويجوز أن يرى الله بعد أن لم ير ولا يجوز أن يعلم بعد أن لم يعلم. [نظير] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ (٢) الآية. يعني: ليرين الله الذين صدقوا، وفيه آيات أخر، فهذه الآيات كلها تدل على أن العلم قد يكون بمعنى الرؤية فهكذا قول النبي ﷺ : لو تعلمون ما أعلم، يعني لو ترون ما أرى، وكان ﷺ يرى أشياء لا يراها من حضره لأن له عين اليقين وهو رائى وعالم ونحن علمنا ولم نر. الثاني لو تعلمون ما أعلم يعني لو رأيتم ما رأيت ليلة المعراج لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. الثالث: لو تعلمون أحوالكم حين خروجي من بين أظهركم وما يظهر من الاختلاف إذا لضحكتم قليلا، اهـ. قاله النعيمي. قوله: "فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين" الحديث. وفي رواية قال أنس ﵁: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل رجل لافّ رأسه في ثوبه يبكي. الخنين بفتح الخاء المعجمة بعدها نون هو البكاء مع غنة بانتشار الصوت من الأنف، اهـ. قاله المنذري.

стр. 9229

وقال في النهاية (١) الخنِين ضرب من البكاء دون الانتحاب وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف كالخنين من الفم، اهـ. قوله: "ولهم خنين" بالحاء المهملة للقابسي والعذري وللكافة بالخاء المعجمة وهو الصواب وهو تردد في البكاء بصوت أغن من الأنف وبالحاء المهملة تردده من الصدر. قاله عياض (٢). قال الإمام العلامة العارف بالله أبو العباس القرطبي (٣) هذه حالة العارفين بالله تعالى الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة من الزعيق والزئير ومن النهيق الذي يشبه نهيق الحمير فيقال لمن [يتعاطى] ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع أنه لم يبلغ حالك أن تساوي حال رسول الله ﷺ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى وحده والخوف منه والتعظيم لجلاله ومع ذلك فكانت حالهم عند الموعظة الفهم عن الله تعالى والبكاء خوفا من الله والوقار حياء من الله، وكذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة به فقال: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية، فصدّر الله الكلام في هذه الآية بإنما الحاصرة لما بعدها المحققة له فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم،

стр. 9230

وكذلك وصف الله في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (١) الآية، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، اهـ. والله أعلم. ٥١٢١ - وَرُوِيَ عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا اقشعر جلد العَبْد من خشيَة الله تحاتت عَنهُ ذنُوبه كَمَا يتحات عَن الشَّجَرَة الْيَابِسَة وَرقهَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ (٢). ٥١٢٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة فهاجت الرّيح فَوَقع مَا كَانَ فِيهَا من ورق نخر وَبَقِي مَا كَانَ من ورق أَخْضَر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا مثل هَذِه الشَّجَرَة فَقَالَ الْقَوْم الله وَرَسُوله أعلم فَقَالَ مثل الْمُؤمن إِذا اقشعر من خشيَة الله وَقعت عَنهُ ذنُوبه وَبقيت لَهُ حَسَنَاته (٣).

стр. 9231

٥١٢٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: لما أنزل الله على نبيه ﷺ هَذِه الْآيَة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) تَلَاهَا رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم على أَصْحَابه فَخر فَتى مغشيا عَلَيْهِ فَوضع النَّبِي ﷺ يَده على فُؤَاده فَإِذا هُوَ يَتَحَرَّك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا فَتى قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَهَا فبشره بِالْجنَّةِ فَقَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله أَمن بَيْننَا قَالَ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْله تَعَالَى ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد إِبْرَاهِيم ٤١ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ (٢). ٥١٢٤ - وروي عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (٣) ورفعه منكر.

стр. 9232

قوله: "وعن واثلة بن الأسقع" تقدم. قوله ﷺ : "من خاف الله خوّف الله منه كل شيء" الحديث، يروى (١) أن ابن عمر ﵄ كان سائرا من المدينة إلى مكة وكان في آخر القافلة، قال: فرآى الناس قد قامت فيهم رجّة فقال: ما هذا؟ فقيل: إن أسدا تعرض في الطريق فأتى إليه ابن عمر فأخذ بأذنه فأخرجه من الطريق وقال: لقد صدق رسول الله إذ يقول: من خاف الله خوّف الله منه كل شيء، اهـ.

стр. 9233

الترغيب في الرجاء وحسن الظن بالله سيما عند الموت . ٥١٢٥ - عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن. [قراب الأرض] بكسر القاف وضمها أشهر: هو ما يقارب ملأها. قوله: "عن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما

стр. 9234

كان منك ولا أبالي" الحديث. قال الحليمي (١): رحمه الله تعالى: الرجاء على وجوه أحدها رجاء الظفر بالمطلوب والوصول إلى المحبوب والثاني رجاء دوامه بعدما حصل. والثالث: رجاء دفع المكروه وصرفه كيلا يقع. والرابع: الدفع والإماطة لما وقع وكل ذلك حسن جميل فلا خائف إلا وهو راجي ولا راجي إلا وهو خائف ولتناسب الأمرين قرن الله بينهما في غير ما آية في كتابه [العزيز] فقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) فالخوف الإشفاق والطمع الرجاء، اهـ. وأخبرني الشيخ الإمام أبو القاسم عن علي ﵁ (٣) قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله ﵎: من رجى غيري لم يعرفني ومن لم يعرفني لم يعبدني ومن لم يعبدني فقد استوجب سخطي ومن خاف غيري حلت به نقمتي، اهـ. قوله ﷺ : "يا ابن آدم [لو بلغت ذنوبك] عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك"، عنان السماء هو السحاب، والمعنى لو كانت ذنوبك أجراما فملأت ما بين السماء والأرض ثم استغفرتني غفرت لك وهذا مثال للمتناهي في الكثرة والكرم والفضل أكثر منه لأن كرمه وفضله وإحسانه وجود وامتنانه وعفوه وغفرانه ورحمته الشاملة وجميع صفاته لا نهاية لها وكيف تتصور

стр. 9235

المفاضلة بين المتناهي وغير المتناهي (١). قوله ﷺ : "يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا" الحديث، ومعنى لقيتني لا تشرك بي شيئا أي مت معتقدا توحيدي مصدّقا برسولي محمد ﷺ وبما جاء به (٢) وهو كما في قوله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن مات على التوحيد أجمع العلماء على خلوده في الجنة، وإن كان عاصيا كما أجمعوا على أن من مات كافرا مخلد في النار (٣)، اهـ، قاله في الديباجة، وتقدم الكلام [أيضًا] على حديث أنس، هذا مبسوطا في الاستغفار أو الدعاء [على الشك] (٤). ٥١٢٦ - وعن أنس أيضا ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف. رواه الترمذي (٥)، وقال: حديث غريب وابن

стр. 9236

ماجه (١) وابن أبي الدنيا (٢) كلهم من رواية جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس. [قال الحافظ]: إسناده حسن، فإن جعفرا صدوق صالح احتج به مسلم، ووثقه النسائي وتكلم فيه الدارقطني وغيره. قوله: "وعن أنس" تقدم. قوله: "أن رسول الله ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. الحديث، اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفا راجيا

стр. 9237

ويكون خوفه ورجاؤه سواء في حال المرض يتمحض الرجاء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك، قاله النووي في رياضه (١) فحسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له وينبغي لجلسائه أن يذكروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: "أنا عند ظن عبدي [بي] فليظن بي ما شاء"، قاله في التذكرة (٢). وقال بعضهم: حسن ظني بك يا رب جرّاني عليكا ... فارحم [اللهم] عبدًا صار رهنًا في يديكا وكيف لا يرجو المؤمن رحمة الله ومغفرته وهو موقن بقدرته على كل شيء، وفي الحديث أن النبي ﷺ أخبر أن الله يقول (٣): من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا فليطب المؤمن نفسا وليقرّ عينا فوالله ليكونن من رحمة للمؤمنين وعفوه عن ذنوبهم وستره لفضائحهم وإكرامه لهم ورفع درجاتهم وإرضاء نبيهم ﷺ بما يمنحهم أكثر مما يتعلق به الرجاء ومن

стр. 9238

ذا الذي يحيط بسعة رحمة الله ، اهـ. قاله في حادي القلوب لابن الميلق (١). ٥١٢٧ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة وما أول ما يقولون له؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: إن الله يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي. رواه أحمد (٢) من رواية عبيد الله بن زحر. قوله: "وعن معاذ بن جبل" تقدم الكلام على مناقبه. قوله في الحديث: "فيقولون رجونا عفوك ومغفرتك" الحديث، الرجاء حادي يحدو القلوب إلى الله والدار الآخرة ويطيب لها السير. وقيل: هو الاستبشار بوجود فضل الرب والارتياح لمطالعة كرمه وقيل هو الثقة يجود الرب والفرق بينه وبين

стр. 9239

التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الاجتهاد وحسن التوكل فالأول كحال من تمني أن تكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها والثاني كحال من شق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل والرجاء ثلاثة أنواع نوعان محمودان ونوع غرور مذموم فالأولان رجاء رجل عمل بطاعة الله تعالى على نور من الله فهو راج لثوابه ورجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله تعالى فهو راج لمغفرته. والثالث رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله تعالى بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب وللسّالك نظران نظر إلى نفسه وعيوبه [وآفات عمله] يفتح عليه باب الخوف ونظر إلى سعة رحمة الله وفضله وكرمه وبره يفتح عليه باب الرجاء، ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله تعالى. وقال أبو علي الرّودباري (١) رحمت الله عليه الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت. واختلفوا [أي] الرجائين أكمل رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه، [فطائفة] رجحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه وطائفة رجحت أسباب رجاء المذنب لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون

стр. 9240

بذلة رؤية الذنب، قال يحيى بن معاذ (١) يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزه وأنا بالآفات معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف، اهـ. ٥١٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني الحديث. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "قال الله أنا عند ظني عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني" الحديث، وقع في النسخ حيث يذكرني بالثاء المثلثة وروي في الصحيحين: وأنا معه حين يذكرني بالنون، وكلاهما من رواية أبي هريرة وبالنون هو المشهور وكلاهما صحيح ظاهر المعنى، اهـ، قاله النووي (٤): فقوله: أنا عند ظني عبدي بي" الحديث، فمعنى الحديث أنا محقق له ما يظنه بي من الخير ويرجوه عندي من الفضل وإذا حقق الله لعبده ذلك المرجو له من الفضل حصل له البشر والطمأنينة، اهـ. قاله في حادي القلوب.

стр. 9241

وقال القاضي عياض (١) قيل معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب إليّ والإجابة إذا دعاني والكفاية إذا استكفاني لأن هذه الصفات لا تظهر من العبد إلا إذ حسن ظنه بالله وقوي يقينه. ٥١٢٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "حسن الظن من حسن العبادة". رواه أبو داود (٢) وابن حبان في صحيحه (٣) واللفظ لهما والترمذي (٤) والحاكم (٥) ولفظهما قال: "إن حسن الظن من حسن عبادة الله". قوله: "وعنه ﵁" تقدم. قوله: "حسن الظن من حسن العبادة"، قيل معناه: إن حسن الظن بالله تعالى من جملة حسن العبادة، وفائدة الحديث الإعلام أن حسن الظن عبادة من العبادات الحسنة ويحتمل أن يكون معناه من حسنت عبادته حسن ظنه كما قيل في قوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " [أي أنه يرحمه ويغفر له.

стр. 9242

٥١٣٠ - وعن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله . رواه مسلم (١) وأبو داود (٢) وابن ماجه (٣). قوله رحمه الله تعالى: "وعن جابر"، هو ابن عبد الله تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله: "أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: ... ألا وهو يحسن الظن بالله " الحديث، معناه أنه يموت وهو ظان أن يرحمه، قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة (٤) ﵊ [سمعها] عند الموت. وقال عن ربه تعالى: أنا عندي ظن عبدي بي وهو من الأحاديث الإلهية التي قال الله تعالى ومعنى ذلك أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه وينبغي أن يكون خوفه في حال الصحة أشد من رجائه ورجاؤه عند الموت أعظم من خوفه أو يكونان [في الصحة] سواء كما جاء [لو] وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، والحكمة في تقوية الرجاء أو تمحيصه عند الموت أن الخوف سبب لانكفافه عن المعاصي والحرص على الطاعات وقد تعذر ذلك عند الموت فلم يبق إلا إحسان الظن والافتقار إلى الله تعالى ليموت

стр. 9243

على ذلك فيبعث عليه كما في الحديث يبعث كل عبد على ما مات عليه ويكون ذلك دليل سعادته، ففي صحيح ابن حبان (١): "إذا أراد الله بعبد خيرًا عسّله". قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح قبل الموت" وتقدم، اهـ. قاله في شرح الإلمام، فهذا الحديث في الحقيقة حث على الأعمال الصالحة المفضية إلى حسن الظن، فإن العمل الصالح سبب لاستحضار الرحمة، وفيه تنبيه على تأميل العفو وتحقيق الرجاء. قال الخطابي (٢) إنما يحسن بالله ظن من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن بالله ظنكم فإن من ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون [تحسين] الظن أيضا من [باب] الرجاء وتأميل العفو والله جواد كريم. وقال أبو العباس القرطبي (٣) قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء [وظن] (٤) القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله. قال: ويؤيده قوله ﵇ (٥): ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ولذلك ينبغي للتائب والمستغفر

стр. 9244

والعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإن الله قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل الأعمال وهو يعتقد أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله وهو من أعظم الكبائر، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء، فأما ظن الرحمة والمغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل [والغرور] وهو يجر إلى مذهب المرجئة. وقد قال ﵊: الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، [فليحذر الغافل أن يعدّ نفسه من الراجين مع إصراره على المعاصي فذلك غرور كما نبه عليه الغزالي وغيره وإنما الراجي من يندم على ما مضى ويطمع نفسه ويرجو العفو عنه ولذلك يعترف بالتقصير ويرجو رحمة الله وفضله فهو على كل

стр. 9245

شيء قدير. اهـ] (١). وفيه ترجيح جانب الرجاء وأن الإنسان إذا أمّل عفو الله وصفحه أعطاه الله أمله وعفا عنه، اهـ. وقال النووي في شرح مسلم (٢) قال العلماء: هذا الحديث تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، قال العلماء: معنى إحسان الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويعفو عنه، قالوا وفي حال الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل يكون الخوف [أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه لأن المقصود من الخوف] الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال [الصالحات]، وقد تعذر في ذلك أو معظمه في هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له ويؤيده الحديث: يبعث كل عبد على ما مات عليه، قال العلماء: معناه يبعت على الحالة التي مات عليها. ومثله الحديث الآخر: ثم بعثوا على نيّاتهم، انتهى. ٥١٣١ - وعن حيان أبي النضر قال: خرجت عائدا ليزيد بن الأسود فلقيت واثلة بن الأسقع وهو يريد عيادته فدخلنا عليه فلما رأى واثلة بسط يده وجعل يشير إليه فأقبل واثلة حتى جلس فأخذ يزيد بكفي واثلة فجعلهما على وجهه، فقال له واثلة: كيف ظنك بالله؟ قال: ظني بالله والله حسن. قال: فأبشر، فإني

стр. 9246

سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله جل وعلا: أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله، وإن ظن شرا فله. رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحه (٢) والبيهقي (٣). قوله: "وعن حيّان أبي النضر" كذا قوله: "خرجت عائدًا ليزيد بن الأسود فلقيت واثلة بن الأسقع وهو يريد عبادته" الحديث، عيادة المريض معروفة مستحبة. قوله: "فلما رآى واثلة بسط يده وجعل يشير إليه فأقل واثلة حتى جلس فأخذ يزيد بكفّي واثلة فجعلهما على وجهه" الحديث. فائدة في وضع اليد على المريض تأنيس له و [تصرّف لشدّة] مرضه ليدعُوَ له العائد على حسب ما يبدو له وربما ينتفع به العليل إذا كان عائده صالحا يتبرك به، اهـ، قاله الكرماني (٤). [قوله في الحديث: قال الله ] (٥)

стр. 9247

[فروع:] ويستحب لمن حضر عند المحتضر أن يحسن ظنه ويقرأ عنده آيات الرجاء وحكايات الصالحين عند الموت، [ولا بأس بالجزع من الذنوب، ولا يجزع من الموت، ويستحب أن -يكون- شاكرًا الله تعالى بقلبه، ولسانه] ويستحب طلب الموت في بلد شريف وطلب الدعاء من المريض وليحافظ على الصلوات واجتناب النجاسات ويجتهد في ختم عمره بأكمل الحالات (١) انتهى (٢). قوله في الحديث: قال الله : أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله الحديث، وفي الصحيح أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء الظن في الشرع ينقسم إلى: واجب ومندوب وحرام ومباح فالواجب حسن الظن بالله تعالى والحرام سوء الظن به : قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ (٣) الآية، وكذلك كل من ظاهره العدالة من المسلمين وعلى هذا حمل قوله ﷺ (٤): إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، أي الظن بالمسلم غير سبب والمندوب حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين والمباح هو الجائز كقول الصديق لعائشة إنما هما أخواك وأختاك فاستجاز الظن لما وقع في قلبه أن الذي في

стр. 9248

بطن امرأته أنثى ومن هذا القسم الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الذنب والمجاهرة بالخبائث فلا يحرم سوء الظن به لأنه قد دل على نفسه فمن ستر على نفسه لم يظن به الأخير ومن دخل مداخل السوء ومن هتك نفسه ظننا به السوء ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين ما يحصل بظن الشاهدين من التقويم وأرش الجنايات والبينات عند الحكام وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع ويجب العمل به قطعًا (١)، اهـ. قاله في الديباجة. تنبيه: ذكر الغزالي عن أبى العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه (٢) رأى في مرض موته في منامه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول أين العلماء قال فجاءوا ثم قال ما عملتم فيما علمتم؟ قالوا: قصّرنا وأسأنا. قال: فأعاد السؤال فقالوا كذلك. فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي شرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه، فقال اذهبوا به فقد غفرت لكم ثم مات بعد ثلاث ليال رحمة الله عليه (٣).

стр. 9249

٥١٣٢ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لَا يحسن عبد بِالله الظَّن إِلَّا أعطَاهُ ظَنّه ذَلِك بِأَن الْخَيْر فِي يَده رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا أَن الْأَعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود (١). ٥١٣٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَمر الله بِعَبْد إِلَى النَّار فَلَمَّا وقف على شفتها الْتفت فَقَالَ أما وَالله يَا رب إِن كانَ ظَنِّي بك لحسن فَقَالَ الله ردُّوهُ أَنا عِنْد حسن ظن عَبدِي بِي" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من ولد عبَادَة بن الصَّامِت لم يسمه عَن أبي هُرَيْرَة (٢). قال مؤلفه: تم الجزء الخامس ويتلوه كتاب الجنائز ووافق الفراغ منه في سابع عشر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وثماني مائة وكتبه مؤلفه حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهي بالمقسم وحسبنا الله وكفى، انتهى على يد الفقير إلى عفو الله وأحوجهم إلى رحمته عبيد ربه وأسير ذنبه محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الدلائي غفر الله له

стр. 9250

ولوالديه ولسائر المسلمين بجاه سيد المرسلين (١)، اللهم صلى عليه بدوام رب العالمين والحمد لله رب العالمين. صبيحة يوم الجمعة تاسع وعشرين من جمادى الأولى عام ستة وعشرين ومائتين وألف رزقنا الله خيره وخير ما بعده وختم لنا ولمن دعا لنا بالرحمة والمغفرة بالحسنى ثم الحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأستغفره وأتوب إليه إنه هو الغفور الرحيم (٢). * * *

стр. 9251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه (١) كتاب الجنائز وما يتقدمها الكتاب في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الجمع، يقال: تكتّبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحروف، وتقدم الكلام على ذلك، والله تعالى أعلم. والجنائز، بفتح الجيم والمد، جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت وبالكسر للنعش الذي عليه الميت، وقيل عكسه، حكاه صاحب المطالع (٢)، والجنازة مشتقة من جنز تجنّز يجنز بكسر النون إذا ستر، قاله ابن فارس (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 9252

التَّرْغِيب فِي سُؤال الْعَفو والعافية ٥١٣٣ - عَن أنس ﵁ أَن رجلًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل قَالَ سل رَبك الْعَافِيَة والمعافاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك قَالَ فَإِذا أَعْطَيْت الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وأعطيتها فِي الْآخِرَة فقد أفلحت. رواه الترمذي (١) واللفظ له وابن أبي الدنيا (٢) كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: "حديث حسن" (٣). قوله: "أنس ﵁" هو ابن مالك، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.

стр. 9253

قوله ﵁: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا" الحديث قاله البيهقي في الشعب (١). قال الحليمي رحمهما الله تعالى (٢): "ومن جوامع الكلم الذي أوتيه النبي ﷺ قوله للرجل الذي سأله أن يعلمه ما يدعو به: "سل ربك العافية"، وفي حديث آخر: "سل ربك اليقين والعافية"، وذلك أنه ليس من شيء مما يعمل للآخرة يتلقى بالنقص وليس شيء من أمر الدنيا يهيأ إلا مع العافية وهي الأمن والصحة وفراغ القلب، فجمع أمر الآخرة كله في كلمة، وأمر الدنيا في كلمة أخرى". والمراد بجوامع الدعاء الكلمات اليسيرة الجامعة المعاني الكبيرة، ولهذا قال ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم"، (٣) بجوامع الكلم" (٤). قال الهروي (٥) جوامع الكلم القرآن جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه ﷺ كان قليل اللفظ كثير المعاني. وفي

стр. 9254

سنن أبي داود (١) رحمه الله تعالى بإسناد جيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك. قوله ﷺ : "سل ربك العافية" العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا، وهي الصحة، ضد المرض، ونظيرها الثاغية الراغية، من الثغاء والرغاء. "والمعافاة في الدنيا والآخرة" هي أن يعافيك الله تعالى من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه، قاله في نهاية الغريب (٢)، وهو كلام نفيس عجيب، ومنه الحديث: "تعافوا عن الحدود فيما بينكم" (٣)، أي تجاوزوا عنها، "ولا ترفعوها إليّ، فإنّي متى علمتها أقمتها"،

стр. 9255

انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية (١). قوله رحمه الله تعالى في الكلام على الحديث: "رواه الترمذي واللفظ له وابن أبي الدنيا كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: حديث حسن"، سلمة بن وردان ضعف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال معاوية بن صالح عن يحيى ليس حديثه بذاك وحسن الترمذي حديثه. ٥١٣٤ - وَعَن أبي بكرٍ ﵁ أَنه قَامَ على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ عَام أول على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: سلوا الله الْعَفو والعافية فَإِن أحدًا لم يُعْط بعد الْيَقِين خيرا من الْعَافِيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢) من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ (٣) من طرق وَعَن

стр. 9256

جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأحد أسانيده صَحِيح (١). قوله: "وعن أبي بكر ﵁"، هو أبو بكر بن أبي قحافة (٢)، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو قحافة بضم القاف، اسمه عثمان بن عامر التيمي، أسلم يوم
следующие страницы →