← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9252–9291 · переход к 9257.

стр. 9252

التَّرْغِيب فِي سُؤال الْعَفو والعافية ٥١٣٣ - عَن أنس ﵁ أَن رجلًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل قَالَ سل رَبك الْعَافِيَة والمعافاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك قَالَ فَإِذا أَعْطَيْت الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وأعطيتها فِي الْآخِرَة فقد أفلحت. رواه الترمذي (١) واللفظ له وابن أبي الدنيا (٢) كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: "حديث حسن" (٣). قوله: "أنس ﵁" هو ابن مالك، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.

стр. 9253

قوله ﵁: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا" الحديث قاله البيهقي في الشعب (١). قال الحليمي رحمهما الله تعالى (٢): "ومن جوامع الكلم الذي أوتيه النبي ﷺ قوله للرجل الذي سأله أن يعلمه ما يدعو به: "سل ربك العافية"، وفي حديث آخر: "سل ربك اليقين والعافية"، وذلك أنه ليس من شيء مما يعمل للآخرة يتلقى بالنقص وليس شيء من أمر الدنيا يهيأ إلا مع العافية وهي الأمن والصحة وفراغ القلب، فجمع أمر الآخرة كله في كلمة، وأمر الدنيا في كلمة أخرى". والمراد بجوامع الدعاء الكلمات اليسيرة الجامعة المعاني الكبيرة، ولهذا قال ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم"، (٣) بجوامع الكلم" (٤). قال الهروي (٥) جوامع الكلم القرآن جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه ﷺ كان قليل اللفظ كثير المعاني. وفي

стр. 9254

سنن أبي داود (١) رحمه الله تعالى بإسناد جيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك. قوله ﷺ : "سل ربك العافية" العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا، وهي الصحة، ضد المرض، ونظيرها الثاغية الراغية، من الثغاء والرغاء. "والمعافاة في الدنيا والآخرة" هي أن يعافيك الله تعالى من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه، قاله في نهاية الغريب (٢)، وهو كلام نفيس عجيب، ومنه الحديث: "تعافوا عن الحدود فيما بينكم" (٣)، أي تجاوزوا عنها، "ولا ترفعوها إليّ، فإنّي متى علمتها أقمتها"،

стр. 9255

انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية (١). قوله رحمه الله تعالى في الكلام على الحديث: "رواه الترمذي واللفظ له وابن أبي الدنيا كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: حديث حسن"، سلمة بن وردان ضعف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال معاوية بن صالح عن يحيى ليس حديثه بذاك وحسن الترمذي حديثه. ٥١٣٤ - وَعَن أبي بكرٍ ﵁ أَنه قَامَ على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ عَام أول على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: سلوا الله الْعَفو والعافية فَإِن أحدًا لم يُعْط بعد الْيَقِين خيرا من الْعَافِيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢) من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ (٣) من طرق وَعَن

стр. 9256

جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأحد أسانيده صَحِيح (١). قوله: "وعن أبي بكر ﵁"، هو أبو بكر بن أبي قحافة (٢)، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو قحافة بضم القاف، اسمه عثمان بن عامر التيمي، أسلم يوم

стр. 9257

الفتح، وعاش إلى خلافة عمر، وله سبع وتسعون سنة، وليس في الصحابة من في نسله ثلاثة بطون صحابيون إلا هو، قاله الكرماني (١)، وتقدم الكلام عليهما مبسوطا في كتاب الجمعة وغيره. قوله ﷺ : "سلوا الله العفو والعافية" الحديث، العفو هو محو الذنب من كتاب الحفظة، والعافية تقدم ذكره في الحديث. وروى سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دنيار عن يحيى بن جعدة رحمهم الله تعالى: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ في الصيف عام أول والعهد قريب يقول: "اسألوا الله العفو والعافية" (٢). وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت أبا بكر رضي الله تعالى عنه على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم عام أول، واستعبر أبا بكر فبكى ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لم يُؤتَوا بعد كلمة الإخلاص مثل العافية، فسلوا الله العافية (٣). وسأله العباس: علِّمني شيئا أسأل الله . قال: "سل الله العافية في الدنيا والآخرة"، رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٤).

стр. 9258

قوله في الكلام على الحديث: "رواه الترمذي من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وقال: حديث حسن غريب، ورواه النسائي من طرق، وعن جماعة من الصحابة. وأحد أسانيده صحيح"، وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعفه ابن معين وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، وقال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، وقال الترمذي: صدوق تكلم فيه من قبل حفظه واحتج به أحمد وإسحاق والحميدي وغيرهم. ٥١٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من دَعْوَة يَدْعُو بهَا العَبْد أفضل من اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية (١). ٥١٣٦ - وَفِي رِوَايَة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك المعافاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (٢). قوله: "وعن أبي هريرة ﵁"، وفي اسمه اختلاف كثير وأشهره عبد الرحمن بن صخر (٣). تقدم الكلام عليه مبسوطا رضي الله تعالى عنه.

стр. 9259

قوله ﷺ : "ما من دعوة يدعو بها العبد أفضل من اللهم إني أسألك العفو والعافية"، الحديث. "قوله العفو والعافية فإن"، الشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة لتضمنها دوام العافية، فالعافية من أجلّ نعم الله تعالى على عبده، فيتعين مراعاتها وحفطها، وطريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الطرق، وحاله أكمل الأحوال ﷺ (١). ٥١٣٧ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ عَن أَبِيه أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله كيفَ أَقُول حِين أسأَل رَبِّي قَالَ قل اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وَعَافنِي وارزقني وَيجمع أَصَابِعه إِلَّا الْإِبْهَام فَإِن هَؤُلَاءِ تجمع لَك دنياك وآخرتك رواه مسلم (٢).

стр. 9260

قوله: "الأشجعي" (١)، تقدم الكلام على ترجمته رضي الله تعالى عنه. قوله: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني"، هذا الذكر يقال بين السجدتين، وزاد في رواية: "واهدني"، كما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "وارزقني"، رواه أبو داود في سننه (٢)، وروى غير ذلك. قال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: وأيّ شيء قال من الذكر فحسن (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 9261

٥١٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قالَ قَالَ النَّبِي ﷺ : يَا عَبَّاس يَا عَم النَّبِي ﷺ أَكثر من الدُّعَاء بالعافية. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (١) وَالْحَاكِم (٢) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (٣) قوله: "ابن عباس ﵄" (٤)، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا رضي الله تعالى عنهما. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا عباس يا عم النبي ﷺ أكثر من الدعاء بالعافية" الحديث، تقدم الكلام على أعمامه صلى الله تعالى عليه وسلم كم هم قريبا، وأن أصغرهم سنا العباس، وأسنهما الحارث، وأسلم منهم حمزة والعباس، وتقدم أيضا الكلام على العافية في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أول الباب، والله تعالى أعلم. وحديث أنس (٥) الذي بعده

стр. 9262

وحديث ابن عمر (١) رضي الله تعالى عنهم تقدم معناهما في الأحاديث التي تم تفسيرها والله تعالى أعلم. ٥١٣٩ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّعَاء لَا يرد بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة قَالُوا فَمَاذَا نقُول يَا رَسُول الله قَالَ سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن (٢).

стр. 9263

٥١٤٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا سُئِلَ الله شَيْئا أحب إِلَيْهِ من الْعَافِيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم فِي حَدِيث وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد (١). قَالَ الْحَافِظ: رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي وَهُوَ ذَاهِب الحَدِيث عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَنهُ. ٥١٤١ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن علمت لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا قَالَ: قولي اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عني. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢) وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم (٣) وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا (٤).

стр. 9264

قوله: "عن عائشة" (١)، تقدم الكلام على مناقبها مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قولها رضي الله تعالى عنها: "اللهم إنك عفو تحب العفو

стр. 9265

فاعف عني"، الحديث. العفو: من أسمائه تعالى وهو المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده ويحب من عباده أن يعفوَ بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه وعفوه أحبّ إليه من عقوبته. وكان النبي ﷺ يقول: أعوذ برضاك من سخطك وعفوك من عقوبتك. قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه. يشير إلى أنه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو، فإنه يحب العفو. قال بعض السلف الصالح: لو علمت أحب الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسه فيه. فرأى قائلا يقول له في منامه: إنك تريد ما لا يكون، إن الله تعالى يحب أن يعفو ويغفر، وإنما أحبّ أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه، ولا يدل على أحد منهم بعمل. وقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ : "إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيعفو عنهم ويرحمهم إلا أربع: مدمن خمر وعاقا ومشاحنا وقاطع رحم". (١) لمَّا عرف

стр. 9266

العارفون جلاله خضعوا، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثمَّ إلا عفو الله أو النار، لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم "ق: ٥" باليأس من الرحمة ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني وقال آخر منهم: جرمي عظيم وعفوك كثير ... فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم يا كبيرالذنب عفو ... الله من ذنبك أكبر أكبر الأوزار في ... جنب عفو الله يصغر وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن ... غاية أمله من الله العفو إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنك عفو عن الذنب كان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في

стр. 9267

العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة. يا رب عبدك قد أتا ... ك وقد أساء وقد هفا يكفيه منك حياؤه ... من سوء ما قد أسلفا حمل الذنوب على الذنو ... ب الموبقات وأسرفا وقد استجار بذيل عفو ... ك من عقابك ملحفا رب اعف وعافه ... فلأنت أولى من عفا انتهى، قاله ابن رجب في كتابه اللطائف (١) رحمه الله تعالى وغفر لنا وله وعفا عنا وعنه].

стр. 9268

التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من رأى مبتلى ٥١٤٢ - عَن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من رأى صَاحب بلَاء فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي عافاني مِمَّا ابتلاك بِهِ وفضلني على كثير مِمَّن خلق تَفْضِيلًا لم يصبهُ ذَلِك الْبلَاء، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (٢) من حَدِيث ابْن عمر وَرَوَاهُ الْبَزَّار (٣) وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير (٤) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحده وَقَالَ فِيهِ فَإِذا قَالَ ذَلِك شكر تِلْكَ

стр. 9269

النِّعْمَة وَإِسْنَاده حسن. قوله: "عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄" تقدم الكلام عليهما مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء" اهـ، [وروى الترمذي] عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا عوفي من ذلك البلاء كائنا ما كان ما عاش. وقال الترمذي (١) وقد

стр. 9270

روي عن أبي جعفر محمد [عليه رحمة الله تعالى] أنه قال: إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ ويقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء. قال النووي في أذكاره (١): قلت: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم ينبغي أن يقول هذا الذكر سرا بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك إلا أن تكون بليّته معصية فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يَخف من ذلك مفسدة، اهـ. قال: يُسنّ لمن رأى صاحب بلاء سواء كان البلاء في البدن والدين أن يحمد الله تعالى على العافية ويقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، إلى آخره، ويُستحب أن يسجد [شكرا لله على سلامته في بدنه، وكذلك إذا رأى مبتلى في الدين أن يقول ذلك وأن يسجد شكرا لله تعالى على سلامة دينه]، فقد روى الحاكم في المستدرك: (٢) أن النبي ﷺ سجد مرة لرؤية زَمِنٍ،

стр. 9271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9272

ومرّ به أبو بكر ﵁ فنزل وسجد شكرًا لله تعالى، ومرّ به عمر ﵁ فنزل وسجد شكرا لله تعالى. وكان رسول الله ﷺ إذا رأى القرد سجد لله شكرًا. ورأى النبي ﷺ رَجُلًا نُغاشِيًّا فَخَرَّ ساجِدًا ثم قال: أسأل الله العافية، رواه البيهقي مرسلًا (١)، وله شواهد تؤكده، [والنغّاش] بضم النون والغين والشين المعجمتين، قيل هو الناقص الخلق الضعيف الحركة (٢)، وقيل المبتلى، وقيل المختلط العقل (٣)؛ لكن لا يُظهر السجدة للمبتلى في بدنه لأنه معذور فإن رأى مبتلا في دينه فالأقرب أن يظهر له السجود لعله ينتهي ولا يعود (٤)، اهـ.

стр. 9273

التَّرْغِيب فِي الصَّبْر سِيمَا لمن ابْتُلِيَ فِي نَفسه أَو مَاله وَفضل الْبلَاء وَالْمَرَض والحمى وَمَا جَاءَ فِيمَن فقد بَصَره ٥١٤٣ - عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ الطّهُور شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها. رَوَاهُ مُسلم (١). قوله: "عن أبي مالك الأشعري" اختلف في اسمه فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل عبد الله وقيل عمرو وقيل كعب وهو معدود من الشاميين، توفي في خلافة عمر وتقدم الكلام عليه في الوضوء وغيره مبسوطًا. قوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان" الحديث، الطهور بفتح الطاء هو ما يُتطهر به من مائع وجامد وهو [المراد] هنا. وقال النووي المراد بالطهور الوضوء (٢). قال الطوفي (٣) وهو أعمّ من ذلك إذ يشمل الوضوء والغسل وغيرهما ثم في قوله: "الطهور شطر الإيمان" أقوال كثيرة تقدم ذكرها في الوضوء.

стр. 9274

قوله: "والحمد لله تملأ الميزان" [معناه] عظيم أجرها يملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الميزان وخفتها فإذا حمد الله تعالى حامد [مستحضرا] معنى الحمد في قلبه [امتلأ] ميزانه من الحسنات. قوله ﷺ : "والصبر ضياء"، قال النووي (١): أي الصبر المحبوب، وهو الصبر على طاعة الله تعالى والبلاء ومكاره الدنيا وعن المعاصي، ومعناه لا يزال صاحبه مستضيئا مستمرًّا على الصواب قال الطوفي (٢): [قلت] يحتمل وجهين: أحدهما: أن ثواب الصبر ضياء ونور في الآخرة، والثاني أن الصبر على الطاعات وعن المعاصي نوّر القلب واستضاءته بالحق، وشاهده بقياس العكس ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٣) أي: أن المعاصي سودت قلوبهم وصيرتها مظلمة. اهـ. وتقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث مبسوطًا في الوضوء وغيره والله أعلم. ٥١٤٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعطي أحد عَطاء خيرًا وأوسع من الصَّبْر رَوَاهُ البُخَارِيّ (٤)

стр. 9275

وَمُسلم (١) فِي حَدِيث تقدم فِي الْمَسْأَلَة، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرًا: مَا رزق الله عبدًا خيرًا لَهُ وَلَا أوسع من الصَّبْر. وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا (٢).

стр. 9276

قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "ومن يتصبر" الحديث، أي يستعمل الصبر. وقوله: "يصبره الله" أي يقويه ويمكّنه من نفسه حتى تنقاد له [ويذعن] لتحمّل الشدائد وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه ويوصله إلى مرغوبه. قاله القرطبي في شرح مسلم (١)، والمراد منه تعاطي أسباب الصبر وما وعد الله عليه من الأجر والصبر ترك الشكوى من ألم البلوى (٢)، وقيل: هو تجرّع المرارة من غير [تعبيس] (٣)، وقيل: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة (٤)، قاله شارح الأربعين [الودعانية] (٥). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وهو في القرآن على ستة عشر نوعًا (٦). والصبر في اللغة هو الحبس ومنه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي﴾ (٧)، أي احبسها معهم فالصبر حبس النفس عن الجزع

стр. 9277

والسَّخط وحبس اللّسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان الله فالأولان صبر على ما يتعلق بالكسْب والثالث صبرٌ على ما لا كسب للعبد فيه (١)، اهـ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: فَازَ الصَّابِرُونَ بِعِزِّ الدَّارَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ نَالُوا مِنَ اللهِ مَعِيَّتَهُ. فَإِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ (٢). وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٣). إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى. فَالصَّبْرُ دُونَ الْمُصَابَرَةِ. وَالْمُصَابَرَةُ دُونَ الْمُرَابَطَةِ وَالْمُرَابَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وَهُوَ الشَّدُّ. وَسُمِّي الْمُرَابِطُ مُرَابِطًا لِأَنَّ الْمُرَابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطَاعَةٍ يَنْتَظِرُهَا: مُرَابِطٌ (٤). وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ. وَصَابِرُوا بِقُلُوبِكُمْ عَلَى الْبَلْوَى فِي اللهِ. وَرَابِطُوا بِأَسْرَارِكُمْ عَلَى الشَّوْقِ إِلَى اللهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا فِي اللهِ. وَصَابِرُوا بِالله. وَرَابِطُوا مَعَ اللهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ. وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ. وَاتَّقَوْا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ (٥). اهـ.

стр. 9278

قوله ﷺ : "وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر" الحديث، هكذا هو في جميع النسخ [خبر] مرفوع وهو صحيح وتقديره هو خيرٌ كما وقع في رواية البخاري (١)، وإذا حصل الوسع فأيّ ضيق وأي ضَيْم يُوجد معه (٢)، ففي هذا الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا (٣). وسئل الفضيل عن الصبر فقال: هو الرضى بقضاء الله. قيل: وكيف [ذلك]؟ قال: الراضي لا يتمنى فوق منزلته (٤). وقيل: الصبر الجميل أن لا يُعرَف صاحب المصيبة من غيره ولا يخرجه عن حد الصابرين توجّع القلب ولا فيضان العين بالدمع على الميت فإن ذلك مُقتضى البشرية ولذلك لما مات إبراهيم ولد رسول الله ﷺ [فاضت عيناه]، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ فقال: إن هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (٥)، بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضى (٦). تنبيه: الرضا على قسمين: رضا عام وهو أن لا يجد غير الله ربا ولا غير

стр. 9279

الإسلام دينا ولا غير محمد ﷺ رسولًا، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم إذا لا يصح التديّن بدين الإسلام إلا بذلك، وهو المراد بقوله ﷺ : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، رواه مسلم وغيره (١). ورضًا خاصٌ وهو الذي تكلّم [فيه] أرباب القلوب وأحسن عبارة فيه ما قاله النوري: هو سرور القلب بمر القضاء وهو غاية الرضا، فيُظهر [للعبد] التحمّل عند الصّدمة الأولى [ويرضى] بثواب الله عوضا عما أخذ منه ولا يسخط شيئا يَرِدُ القضاء به (٢). قال شقيق (٣): اشتريت بطيخة لأمي فلما قطعتها سخِطت. فقلت: [يا] أمّاه على من تسخطين، [هل تردين] القضاء أو تلومين حارثها أو مشتريها أو خالقها؟ فأما حارثها ومشتريها فوالله ما كان لهما ذنب، ولودّا أن تكون من أطيب البطيخ، ولا أراك تلومين إلا خالقها فاتقي الله ولا تلوميه، فوالله ما سمعت أمي كلاما أنفع [من ذلك، انتهى]. قال الغزالي (٤): الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وهو خاص بالإنسان لا يتصور في البهائم ولا في الملائكة، أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة فلكمالها، وقد وصف الله الصابرين بأوصاف

стр. 9280

وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (١)، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥)، فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلى الصبر، والصبر على البلاء أعلى مقامات الصبر. قال ابن عباس (٦): الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء

стр. 9281

فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله فله ستمائة درجة، وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة، ومعنى الصدمة الأولى يعني الصبر الشاق الكامل الصعب على النفس الذي يعظم عليه الثواب الجزيل لكثرة المشقة فيه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها فإنه يدل على قوة النفس وتثبيتها وتمكنها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر، إذ الصدم أصله الضرب على الشيء الصلب، ثم استُعير لمن فجأته المصيبة. قاله القرطبي (١). وقال بعضهم: أيضًا أصل الصدم الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة. وفضيلة الصبر ومدح الصابرين أشهر من أن يذكر والله أعلم. وقد روي أيضًا بإسناد ضعيف من حديث علي مرفوعًا إلى النبي ﷺ أن الصبر على المصيبة يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة وأن الصبر على الطاعة يكتب له به ستمائة درجة وأن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري. قاله ابن رجب الحنبلي (٢).

стр. 9282

٥١٤٥ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "أَربع لَا يصبن إِلَّا بعجب الصَّبْر وَهُوَ أول الْعِبَادَة والتواضع وَذكر الله وَقلة الشَّيْء" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١) وَالْحَاكِم (٢) كِلَاهُمَا من رِوَايَة الْعَوام بن جوَيْرِية وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَتقدم فِي الصمت (٣). قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أربع لا يصبن إلا بعجب الصبر وهو أول العبادة والتواضع وذكر الله وقلة الشيء" الحديث، رواه الطبراني، تقدم الكلام على الصبر وعلى التواضع في بابه، وعلى [ذكر] الله في بابه أيضا، وعلى قلة الشيء أيضا في كتاب الصمت. ٥١٤٦ - وروى التِّرْمِذِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "الزهادة فِي الدُّنْيَا لَيست بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن الزهادة فِي الدُّنْيَا أَن لَا تكون بِمَا فِي يدك أوثق مِنْك بِمَا فِي يَد الله وَأَن تكون فِي ثَوَاب الْمُصِيبَة إِذا

стр. 9283

أَنْت أصبت بهَا أَرغب فِيهَا لَو أَنَّهَا أبقيت لَك" قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب (١). قوله ﷺ في رواية الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما يدك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت لك، الحديث. في هذا الحديث سبب الزهد لا حقيقته، وذلك أنه إذا وثق بما في يد الله تعالى هذا الوثوق وكان ذلك سببا لترك فضول الدنيا والحرص عليها والشدة فيها، اهـ. وقال ابن رجب (٢): فسّر النبي ﷺ الزهد في الدنيا بشيئين من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح: ولهذا كان أبو سليمان لا يشهد لأحد

стр. 9284

بالزهد، فإن الزهد في القلب، أحدهما: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته فإن الله ضمِن أرزاق عباده وتكفّل بها كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١)، والآيات في ذلك كثيرة، والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال أو ولد أو غير ذلك أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له وهذا أيضا ينشأ من كمال اليقين ومن علامات الزهد في الدنيا [و] قلة الرغبة فيها كما قال علي ﵁: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب (٢)، وروي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده (٣). اهـ. فقوله: "الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا إضاعة المال" الحديث. قال هشام: قال أبو إدريس الخولاني: مثل هذا الحديث بين الأحاديث كمثل الإبريز في الذهب؛ رواه الترمذي. وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بن عبد الله القشيري. في الرسالة قال أحمد بن حنبل الزهد على ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام وهو زهد العوام؛ والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو

стр. 9285

زهد الخواص؛ والثالث: ترك ما يشغل عن الله تعالى وهو زهد العارفين (١). وقال الفضيل بن عياض جعل الله تعالى [الشرّ كله] في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الله الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها. واختلفت عبارة العلماء في حد الزهد: فقال مالك: الزهد التقوى (٢). وقال أحمد وسفيان الثوري وغيرهما: الزهد قصر الأمل (٣). وقال ابن المبارك: الزهد الثقة بالله. وقال عبد الواحد بن [زيد]: [الزهد ترك الدينار والدرهم. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: الزهد ترك ما يشغل عن الله تعالى (٤). وقال سفيان بن عيينة:] الزهد أن يزهد فيما [حرّمه] الله، فأما ما أحل فقد أباحه لك (٥). وقال الزهري: هو الصبر [على] الشهوات. وقال سفيان الثوري أيضا: الزهد قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس الخشن (٦). وقال الفضيل: هو ترك الدنيا كلها أحبّ تركها أم كرِه (٧). وقال بشر بن الحارث: الزهد في لقاء الناس فإن من أحب الدنيا أحب لقاء

стр. 9286

أهلها (١). وقال إبراهيم بن أدهم: لا يكون العبد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها (٢). وقال رجل للحسن إن فقهاءنا يقولون كذا. فقال الحسن: [وهل] رأيت فقيها؟ الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه (٣). وتقدم الكلام على الزهد في الدنيا أبسط من ذلك. تتمة: والزهد أيضا كان حال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وتميم الداري ومن ماثلهم وما أكثر الزهادة في الصحابة، وعبد الرحمن بن عوف والزبير زاهدان ﵄[وعمن سبقهما]، ولا التفات إلى رواية من روى أنه يدخل الجنة حبوا فإنه حديث باطل (٤)، والذي انتهى إليه الزهد من التابعين ثمانية الأسود وأويس والحسن والرّبيع بن [خثيم] وعامر بن عبد قيس ومسروق وهَرِم بن حيان وأبو مسلم الخولاني واسمه عبد الله بن ثوب (٥)، اهـ، قاله في الديباجة. ٥١٤٧ - وَعَن عَلْقَمَة قَالَ قَالَ عبد الله الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهُوَ مَوْقُوف وَقد رَفعه بَعضهم (٦).

стр. 9287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9288

قوله: "وعن علقمة" علقمة هو (١) أبو شبل، علقمة بن قيس بن مالك، من بني بكر بن النخع النخعي، روى عن عمر، وعبد الله بن مسعود، روى عنه إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين. وهو تابعي مشهور كبير، اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته، وهو عم الأسود النخعي، وأجمعوا على جلالته، وعظم محله، ووفور علمه، وجميل طريقته قال إبراهيم النخعي: كان علقمة يشبه بابن مسعود. وقال أبو إسحاق السبيعي: كان علقمة من الربانيين. وقال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة من أهل الخير، مات سنة إحدى وستين (٢). قوله: "قال عبد الله: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" الحديث، حيث أطلق عبد الله في اصطلاح المحدثين فالمراد به ابن مسعود ﵁، وتقدم الكلام على الصبر. قوله: "واليقين الإيمان كله" واليقين هو روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح. وهو حقيقة الصديقية. وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره، واليقين قرين التوكل. ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. ولهذا حسن اقتران الهدى

стр. 9289

به، قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (١) فالحق: هو اليقين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (٢)، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا. وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم. فامتلأ محبة لله. وخوفا منه ورضا به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها، وعند أهل الحقيقة هو رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان، وقيل هو مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الأسرار بمخاطبة الأفكار، وقيل هو زوال الشبه والمعارضات. قوله: "وهو موقوف" المراد بالحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين أن يكون من قول الصحابي غير مرفوع إلى النبي ﷺ (٣). وقد رفع بعضهم هذا الحديث إلى النبي ﷺ (٤) اهـ.

стр. 9290

٥١٤٨ - وَعَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الصَّبْر معول الْمُسلم (١). ذكره رزين الْعَبدَرِي وَلم أره. ٥١٤٩ - وَعَن صُهَيْب الرُّومِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عجبا لأمر الْمُؤمن إِن أمره لَهُ كُله خير وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء شكر فَكَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء صَبر فَكَانَ خيرا لَهُ (٢). قوله: "وعن صُهيب الرومي" (٣) تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]. قوله ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له" الحديث، الضراء الحالة التي تضر من الفقر والشدة والعذاب وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما كذا في النهاية (٤). وقال الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (٥): الضراء الشدة والمراد بها كل شدة

стр. 9291

تصيب المؤمن في جنب الله وكأنه يقلب ضرها نفعا وأعظم بذلك رصفا ووصفا. ٥١٥٠ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم ﷺ يَقُول إِن الله قَالَ يَا عِيسَى إِنِّي باعث من بعْدك أمة إِن أَصَابَهُم مَا يحبونَ حمدوا الله وَإِن أَصَابَهُم مَا يكْرهُونَ احتسبوا وصبروا وَلَا حلم وَلَا علم فَقَالَ يَا رب كَيفَ يكون هَذَا قَالَ أعطيهم من حلمي وَعلمِي. رَوَاهُ الْحَاكِم (١) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (٢).
следующие страницы →