← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9287–9326 · переход к 9292.

стр. 9287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9288

قوله: "وعن علقمة" علقمة هو (١) أبو شبل، علقمة بن قيس بن مالك، من بني بكر بن النخع النخعي، روى عن عمر، وعبد الله بن مسعود، روى عنه إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين. وهو تابعي مشهور كبير، اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته، وهو عم الأسود النخعي، وأجمعوا على جلالته، وعظم محله، ووفور علمه، وجميل طريقته قال إبراهيم النخعي: كان علقمة يشبه بابن مسعود. وقال أبو إسحاق السبيعي: كان علقمة من الربانيين. وقال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة من أهل الخير، مات سنة إحدى وستين (٢). قوله: "قال عبد الله: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" الحديث، حيث أطلق عبد الله في اصطلاح المحدثين فالمراد به ابن مسعود ﵁، وتقدم الكلام على الصبر. قوله: "واليقين الإيمان كله" واليقين هو روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح. وهو حقيقة الصديقية. وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره، واليقين قرين التوكل. ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. ولهذا حسن اقتران الهدى

стр. 9289

به، قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (١) فالحق: هو اليقين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (٢)، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا. وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم. فامتلأ محبة لله. وخوفا منه ورضا به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها، وعند أهل الحقيقة هو رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان، وقيل هو مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الأسرار بمخاطبة الأفكار، وقيل هو زوال الشبه والمعارضات. قوله: "وهو موقوف" المراد بالحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين أن يكون من قول الصحابي غير مرفوع إلى النبي ﷺ (٣). وقد رفع بعضهم هذا الحديث إلى النبي ﷺ (٤) اهـ.

стр. 9290

٥١٤٨ - وَعَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الصَّبْر معول الْمُسلم (١). ذكره رزين الْعَبدَرِي وَلم أره. ٥١٤٩ - وَعَن صُهَيْب الرُّومِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عجبا لأمر الْمُؤمن إِن أمره لَهُ كُله خير وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء شكر فَكَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء صَبر فَكَانَ خيرا لَهُ (٢). قوله: "وعن صُهيب الرومي" (٣) تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]. قوله ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له" الحديث، الضراء الحالة التي تضر من الفقر والشدة والعذاب وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما كذا في النهاية (٤). وقال الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (٥): الضراء الشدة والمراد بها كل شدة

стр. 9291

تصيب المؤمن في جنب الله وكأنه يقلب ضرها نفعا وأعظم بذلك رصفا ووصفا. ٥١٥٠ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم ﷺ يَقُول إِن الله قَالَ يَا عِيسَى إِنِّي باعث من بعْدك أمة إِن أَصَابَهُم مَا يحبونَ حمدوا الله وَإِن أَصَابَهُم مَا يكْرهُونَ احتسبوا وصبروا وَلَا حلم وَلَا علم فَقَالَ يَا رب كَيفَ يكون هَذَا قَالَ أعطيهم من حلمي وَعلمِي. رَوَاهُ الْحَاكِم (١) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (٢).

стр. 9292

قوله وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: إن الله قال يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله " الحديث. قوله: "سمعت أبا القاسم" قال العلماء: العَلمُ إما أن يكون مُشْعِرا بمدح أو ذم وهو اللقب وإما أن لا يكون فإما أن يُصدّر بنحو الأب والابن وهو الكنية أو لا وهو الاسم، فاسمه ﷺ محمد وكنيته أبو القاسم ولقبه رسول الله ﷺ (١). واختلف العلماء في هذه المسألة (٢)، فقيل: لا يحل التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد أي لا يجوز الجمع بينهما وقيل لا يحل مطلقا سواء كان اسمه محمدا أم لا، وقيل يباح مطلقا، وقيل التسمية بمحمد ممنوعة مطلقة والغرض فيه توقيره وجلالة قدره ﷺ ، [أو] هذا كان في زمن رسول الله ﷺ لئلا يلتبس به، اهـ، قاله الكرماني (٣). وعيسى صلوات الله عليه وسلامه آخر أنبياء بني إسرائيل. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن عيسى بن مريم ﵊ قال: إن أحب الأمم إلى الله لأمة أحمد. قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: لم تذلل لا إله إلا الله على ألسن أمة من

стр. 9293

الأمم تذليلها على ألسنتهم. قاله ابن رجب (١). ٥١٥١ - وَرُوِيَ عَن سَخْبَرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أعطي فَشكر وابتلي فَصَبر وظلم فَاسْتَغْفر وظلم فغفر ثمَّ سكت فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا لَهُ قَالَ أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٢). سَخْبَرَة: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة بعدهمَا بَاء مُوَحدَة وَيُقَال إِن لَهُ صُحْبَة وَالله أعلم. قوله: "وروي عن سخبرة" تقدم، يقال أن له صحبة (٣). قوله: "من ابتلي فصبر" إلى قوله: "أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" أي

стр. 9294

لهم الأمن في الأرض وهم مهتدون أي في الدنيا، والصبر مشتق من الأصبار وهو الغرض للسهام وكذلك الصابر ينصب نفسه غرضا لسهام القضاء فإن ثبت لها فهو صابر والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. قاله في مِنن اللطائف لابن عطاء (١). [٥١٥٢ - وَعَن كَعْب بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة من الزَّرْع تفيئها الرّيح تصرعها مرّة وتعدلها أُخْرَى حَتَّى تهيج (٢). قوله: "وعن كعب بن مالك" تقدم. قوله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح تصرعها" الحديث، "مثل المؤمن" قال [الجوهري] (٣): مثل كلمة تسوية، يقال هذا مِثْله ومَثَله، كما يقال شِبْهه وشَبَهه بمعنى ومثل الشيء أيضا صفته والرواية هنا مثل بفتح المثلثة انتهى. قوله: "كخامة الزرع [تتكفّأها] الريح" والمؤمن يتكفأ بالبلاء، معنى ذلك تميلها يمينا وشمالا كما في الحديث الآخر تميلها، وكذلك البلاء بالمؤمن يصيبه مرة ويتركه أخرى [ليكفّر] خطاياه، والخامة من الزرع بالخاء المعجمة

стр. 9295

وتخفيف الميم وهي الطاقة الغضة اللينة من الزرع (١). وقال القاضي عياض (٢): قال بعضهم الخامة من الزرع أول ما ينبت. قوله ﷺ : "تفيئها الريح" [بضم] التاء وتُميلها بمعنى واحد، ومعناه تحركها وتميلها يمينا وشمالا. قوله: "مرة تصرعها" أي تميلها وترميها من جانب إلى جانب (٣) كمن صرع في الأرض (٤). قوله: "وتعدلها أخرى" بفتح التاء وكسر الدال، أي ترفعها فتعتدل قائمة على سوقها (٥). قوله: "حتى تهيج" الحديث، ومعنى تهيج تيبس وتصفر، يقال هاج [النبت] هياجا إذا يبس واصفّر وأهاجته الريح، قاله في النهاية (٦). ٥١٥٣ - وَفِي رِوَايَة حَتَّى يَأْتِيهِ أَجله وَمثل الْكَافِر كَمثل الأرزة المجدبة على أَصْلهَا لَا يُصِيبهَا شَيْء حَتَّى يكون انجعافها مرّة وَاحِدَة رَوَاهُ مُسلم (٧). قوله ﷺ : "مثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها" الحديث، الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء كذا الرواية، قيل هي إحدى شجر الأرز

стр. 9296

وهو الصنوبر ويقال له [الأرزن] أيضا، قال أبو [عبيدة] وهو شجر معروف بالشام وقد رأيته يقال له الأَرْزُ، واحدتها أرزة، وهي التي تسمى بالعراق الصنوبر، والصنوبر ثمر الأرز، والله أعلم. قاله عياض (١). قوله: "المجذبة على أصلها"، والمجذبة بميم مضمومة ثم جيم ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة وهي النابتة في الأرض المنتصبة. قوله: "لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة" الحديث، والانجعاف الانقلاع، يقال جعفت الرجل إذا صرعته، يقال: جعَفه فانجعف، أي قلعته فانقلع، وقال في الإكمال (٢): الانجعاف الانقلاع، وانجعافها بالنون والجيم والعين والفاء، انتهى. قاله النووي (٣). ٥١٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمُؤمن كَمثل الزَّرْع لَا تزَال الرِّيَاح تفيئه وَلَا يزَال الْمُؤمن يُصِيبهُ بلَاء وَمثل الْمُنَافِق كمثل شَجَرَة الْأرز لَا تهتز حَتَّى تستحصد. رَوَاهُ مُسلم (٤) وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح. الْأرز بِفَتْح الْهمزَة وتضم وَإِسْكَان الرَّاء بعدهمَا زَاي هِيَ شَجَرَة الصنوبر وَقيل شَجَرَة الصنوبر الذّكر خَاصَّة وَقيل شَجَرَة العرعر وَالْأول أشهر.

стр. 9297

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه] قوله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الرياح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حت تستحصد" الحديث. قوله: "الأرزة" بفتح ويضم، وإسكان الراء بعدهما زاي هي شجرة الصنوبر الذكر خاصة، وقيل شجرة العرعر والأول أشهر، اهـ. قاله الحافظ المنذري. وقال النووي في شرح مسلم (١): وقد قال أهل اللغة والغريب [الأرزة] شجر معروف يقال له الأرزن يشبه الصنوبر بفتح الصاد، يكون بالشام وبلاد الأرمن. قوله: "حتى تستحصد" بفتح التاء وكسر الصاد، كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عياض عن رواية [الأكثرين]، وضبطه بعض شيوخنا على ما لم يسم فاعله، والأول أجود أي لا تتغير حتى تنقطع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يبسه. قال العلماء: معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو ماله أو أهله وذلك مكفِّر لسيئاته ورافع لدرجاته. وأما الكافر فقليلها وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته بل يأتي بها يوم القيامة كاملة، والله أعلم، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (٢).

стр. 9298

٥١٥٥ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا ابتلى الله عبدا ببلاء وَهُوَ على طَريقَة يكرهها إِلَّا جعل الله ذَلِك الْبلَاء كَفَّارَة وَطهُورًا مَا لم ينزل مَا أَصَابَهُ من الْبلَاء بِغَيْر الله أَو يَدْعُو غير الله فِي كشفه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات (١) وَأم عبد الله ابْنة أبي ذئاب لَا أعرفهَا (٢). ٥١٥٦ - وَعَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فَإِن كانَ دينه صلبا اشْتَدَّ بلاؤه وَإِن كانَ فِي دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فَمَا يبرح الْبلَاء بِالْعَبدِ حَتَّى يمشي على الأَرْض وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة رواه ابن ماجه (٣) وابن أبي الدنيا (٤) والترمذي (٥) وقال: حديث حسن صحيح (٦).

стр. 9299

٥١٥٧ - وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه (١) من رِوَايَة الْعَلَاء بن الْمسيب عَن أَبِيه عَن سعد قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى النَّاس على حسب دينهم فَمن ثخن دينه اشْتَدَّ بلاؤه وَمن ضعف دينه ضعف بلاؤه وَإِن الرجل ليصيبه الْبلَاء حَتَّى يمشي فِي النَّاس مَا عَلَيْهِ خَطِيئَة (٢)

стр. 9300

قوله: "وعن مصعب بن سعد عن أبيه" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]. قوله: "قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه" الحديث، وفيه جواز المرض على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والحكمة فيه تكثير أجورهم وتسلية الناس بهم ولئلا يفتتن الناس بهم فيعبدوهم، اهـ، قاله الكرماني (١). تنبيه: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله وأنبياؤه ورسله فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة وهو قادر أن يخفف عنهم أجمعين؟ الجواب: أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء كما في الحديث، فأحب الله أن يبتليهم تكميلا لفضائلهم لديه ورفعة لدرجاتهم عنده وليس ذلك في حقهم نقصا ولا عذابا بل هو كمال رفعة مع رضاهم بجميل ما يجريه الله عليهم، فأراد الحق أن يختم لهم بهذه الشدائد مع

стр. 9301

إمكان التخفيف والتهوين عليهم ليرفع منازلهم ويعظم أجورهم قبل موتهم كما ابتلى إبراهيم ﵊ بالنار وموسى ﵊ بالخوف الأسفار وعيسى ﵊ بالصحاري والقفار ونبينا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقابلة الكفار، كل ذلك رفعة في أحوالهم وكمال في درجاتهم ولا يفهم من هذا أن الله شدّد عليهم أكثر مما شدّد على العصاة المخلِّطين فإنّ ذلك عقوبة ومؤاخذة على أجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا، اهـ، قاله في التذكرة (١)، والله أعلم. قوله في الحديث: "ثم الأمثل فالأمثل" الحديث، أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة، وأماثل الناس خيارهم (٢). وعن أبي سليمان قال: مرّ موسى ﷺ على رجل في متعبّد له ثم مرّ به بعد ذلك وقد مزّقت السباع لحمه فرأس [ملقاة] وفخذ ملقاة وكبد ملقى. فقال موسى: يا رب عبدك كان يطيعك فابتليته، فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فابتليته بهذا لأبلِّغه تلك الدرجة (٣). والله أعلم. تتمة: وقد يجهل بعض الناس فيظن أن شدة البلاء وكثرته إنما ينزل بالعبد لهوانه وهذا لا يقوله إلا من أعمى الله قلبه [بل العبد يبتلى على حسب دينه كما قاله المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم. قال سفيان الثوري ﵀

стр. 9302

تعالى: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة (١)]، [بل البلاء نعمة والرخاء مصيبة]، ولقد ابتلي خلق كثير [من أولياء الله تعالى] بأنواع من الأذى فبعضهم ضرب وبعضهم حبس وبعضهم نفي وبعضهم قتل مظلوما شهيدا [هذا أمير المؤمنين عثمان بن عفان] دخل عليه جماعة من الفجرة قتلوه وهو صابر محتسب وكذلك علي بن أبي طالب وكذلك ولده الحسين قتل مظلوما شهيدا، وكذلك عبد الله بن الزبير قتل مظلوما شهيدا قتله الحجاج وصلبه، وكذلك سعيد بن جبير وكان من سادات التابعين. قال الترمذي في جامعه (٢): أحصي من قتله الحجاج بن يوسف صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا، وهذا سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين جلد بالسياط في أيام [عبد الملك بن مروان] وطافوا به في ثياب من شعر وعزّروه وحبسوه ومنعوا الناس من مجالسته، والإمام أبو حنيفة عُهد إليه بالقضاء فلم يقبل فضُرِب وحبس ومات في السجن، والإمام مالك بن أنس جردوه وضربوه بالسياط وجُبِذت يده حتى انخلعت من كتفه وسفيان الثوري أمر بصلبه فاختفى مدة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي آجر سفيان الثوري نفسه

стр. 9303

من جمّال إلى مكة فأمروه أن يعمل خبزة فلم تجيء جيدة فضربه الجمال، فلما قدموا مكة دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس فقالوا هذا سفيان الثوري. فلما انفض عنه الناس أتاه الجمال وقال [ألم] أعرفك يا أبا عبد الله، فقال سفيان من يفسد طعام الناس يصيبه أكثر من [هذا]. والإمام أحمد بن حنبل امتحن محنته المشهورة على أن يقول القرآن مخلوق فلم يقل بل قال [إنّ] كلام الله منزل غير مخلوق فضرب بالسياط حتى غشي عليه ثم قطع بعد ذلك من لحمه بالسكين وهو في جميع ذلك صابر، وقد ضرب في محنة القول بخلق القرآن جماعة من العلماء والأخيار وقيدوا وحبسوا فمنهم من مات في قيوده ودفن بها ومنهم نعيم بن حماد شيخ البخاري أوصي أن يدفن في قيوده ليخاصم بها عند الله يوم القيامة، ومنهم أبو يعقوب البويطي أجل أصحاب الشافعي حمل من مصر إلى بغداد في أربعين رطلا من حديد ومات في قيده مسجونا. قال الرّبيع بن سليمان كان البويطي أبدا يحرّك شفتيه بذكر الله تعالى ولقد رأيته على بغل في عنقه غل وفي رجليه قيد وبينه وبين البغل سلسلة فيها لبنة وزنها أربعون رطلا وهو يقول إنما خلق الله الخلق بكن فإذا [كانت "ركن"] مخلوقة فكأنّ [مخلوقا خلق] لمخلوق، [وكان] الإمام مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي (١) شيخ [أهل الشام] في وقته وأحد

стр. 9304

شيوخ البخاري، عُرض على السيف ليقول القرآن مخلوق فأبى ثم قال ذلك كرها فأمر بحبسه إلى أن مات. قال أبو داود (١): رحم الله أبا مسهر لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة وحمل على السيف فمدّ رأسه وجُرّد السيف فأبى فلما رأوا ذلك منه حملوه إلى السجن فمات فيه. والإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تُعُصِّب عليه ونفي من بلده بُخارا وكان يقول اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فما جاء عليه شهر منذ قال هذا الكلام حتى مات (٢)، اهـ[رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ورضي عنا بهم]. سؤال: لِم شدِّد البلاء على الأفاضل؟ قيل: لأنّ الله تعالى يُبغض الدنيا فامتحن الأولياء فيها كيلا يميلوا إليها فهي مبغوضة وأيضا لتكثير الأجر لهم. فإن قيل: [لم] حجب عنهم الدنيا؟ قيل: ليتفرغوا لطاعته ولا يشتغلوا بها عنه فتحملهم على المعصية فإن النعمة قد تكون سبب المعصية لقوله تعالى:

стр. 9305

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ (١) (٢). ٥١٥٨ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَنه دخل على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ موعوك عَلَيْهِ قطيفة فَوضع يَده فَوق القطيفة فَقَالَ مَا أَشد حماك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّا كذَلِك يشدد علينا الْبلَاء ويضاعف لنا الْأجر ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله من أَشد النَّاس بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء قَالَ ثمَّ من قَالَ الْعلمَاء قَالَ ثمَّ من قَالَ الصالحون كَانَ أحدهم يبتلى بالقمل حَتَّى يقْتله ويبتلى أحدهم بالفقر حَتَّى مَا يجد إِلَّا العباءة يلبسهَا ولأحدهم كَانَ أَشد فَرحا بالبلاء من أحدكُم بالعطاء. رواه ابن ماجه (٣) وابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات (٤) والحاكم (٥) واللفظ له وقال صحيح على شرط مسلم وله شواهد كثيرة (٦).

стр. 9306

قوله: "وعن أبي سعيد" هو الخدري. تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]. قوله: "أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو مَوْعُوك عليه قطيفة" الحديث، الوعك بإسكان العين قيل هو الحمى، وقيل ألمها ومغثها، وقد وُعك الرجل يوعك فهو مَوْعوك. والقطيفة كساء من صوف له خمل يؤتزر به. قوله: "ثم قال من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء. قال: ثم من؟ قال: العلماء" الحديث، وفي الرواية الأخرى: ثم الأمثل فالأمثل، [وقيل] الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى. وقيل الأفضل فالأفضل في الرتبة والمنزلة [وأماثل الناس وخيارهم] (١). [قال العلماء والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل] أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله عليهم ليتمّ لهم الخير ويتضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم (٢). وتقدم أيضا حكمة غير هذه والله أعلم. قوله في الحديث: "قال: ثم من؟ قال: الصالحون، كان أحدهم يبتلى

стр. 9307

بالقمل حتى يقتله" القمل بفتح القاف وإسكان الميم معروف، واحدته قملة، والقمل جمع قملة، والقمل يتولد من العرق والوسخ. قال الجاحظ (١): وربما كان الإنسان قمل الطباع وإن تنظف وتعطر وبدلّ الثياب كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام حين استأذنا رسول الله ﷺ في لباس الحرير فأذن لهما فيه، ولولا أنهما كانا في حدّ ضرورة لما أذن لهما مع ما قد جاء في ذلك من التشديد فيجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل لأنه لا يقمل بالخاصيّة ولذلك رخّص رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبسه لذلك لما تقدم، والأصح أنه لا يختص بالسفر، وفي وجه اختاره الجُوَيني وابن الصلاح يختص لأن الرواية مقيّدة بذلك (٢). وقال مالك ﵀: لا يجوز لبسه مطلقا لأن وقائع الأحوال عنده لا تعم وهو وجه بعيد عندنا (٣) والله أعلم. قال -يعني الجاحظ- ومن طبع القمل أن يكون في شعر الرأس الأحمر أحمر وفي الشعر الأسود أسود وفي الرأس الأبيض أبيض ومتى تغيّر الشعر تغيّر إلى لونه. قال: وهو من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره. وقيل: أن ذكوره الصِّبيان. وقيل أن الصِّبيان بيضه والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام ويعرض للقردة (٤).

стр. 9308

تنبيه: وأما القمل والبرغوث فقال أكثر أصحابنا لا يؤكل طعام مات فيه شيء منهما لأنهما نجسان وهما من الحيوان الذي عيشه من دم حيوان لا عيش لهما غير الدم فهما نجسان ولهما دم. وكان سليمان بن سالم القاضي الكندي من أهل إفريقية يقول: إن ماتت القملة في ماء طرح ولم يشرب وإن وقعت في دقيق ولم تخرج في الغربال لم يؤكل الخبز وإن ماتت في شيء جامد طرحت وما حولها كالفأرة. وقال غيره من أصحابنا [وغيرهم] من القمل كالذباب سواء [وإذا ألقيت القملة حية أورثت النسان، كذا رواه ابن عدي في كامله (١) في ترجمة عبد الله بن الحكم بن عبد الله الأيلي أنه روى بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ قال: ست منها النسيان: سؤر الفأر، وإلقاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع الفطير، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض؛ قاله في حياة الحيوان (٢)]. فائدة: اختلف العلماء في القمل المرسل على بني إسرائيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ (٣) الآية. فقال ابن عباس

стр. 9309

-﵄ (١): هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد [والسّدي] وقتادة والكلبي الجراد الطيّار الذي له أجنحة، وقال الدبا الصغار الذي لا أجنحة له، وقال عكرمة بنات الجراد (٢). وقال ابن زيد: البراغيث (٣). وقال الحسن وسعيد بن جبير دواب سود صغار. وقال عطاء الحراساني: روي أن موسى ﵊ مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه به فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا: ادع لنا ربك في كشف هذا عنا، فدعا فكشفه عنهم، فرجعوا إلى طغيانهم فبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وإذا همّ الرجل أن يتكلم دخل الضفدع في فيه وتلقي نفسها في القدر [وهي تغلي] قالوا ادع لنا ربك يكشفها عنا، فدعا فرجعوا إلى كفرهم فبعث الله عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يشربونه دما فكان الرجل منهم إذا استسقى من البئر وارتفع إليه الدلو عاد دما. وقيل سلط عليهم الرعاف (٤). فائدة أخرى: إذا رأى المصلي في ثوبه قملة أو برغوثا، قال الشيخ أبو حامد الغزالي (٥): الأوْلى أن يتغافل عنها فإن ألقاها بيده أو أمسكها حتى يفرغ فلا بأس وإن قتلها في الصلاة عفي عن دمها دون جلدها فإن قتلها وتعلق جلدها بظفره أو ثوبه بطلت صلاته. قال: ولا بأس بقتلها في الصلاة كما لا

стр. 9310

بأس بقتل الحية والعقرب، فإن ألقى القملة بيده فلا بأس. قال القمولي: ينبغي أن يختص جواز إلقائها بغير المسجد، والذي قاله صحيح لقوله ﷺ : إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرّها في ثوبه حتى يخرج من المسجد. رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح (١). وفي المسند أيضا عن شيخ من أهل مكة قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : لا تفعل صُرَّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد؛ وإسناده صحيح أيضا]. (٢) وفي فتاوى قاضي خان: لا بأس أن [تطرح] القملة حية والأدب أن يقتلها (٣).

стр. 9311

فرع: قال الترمذي الحكيم: إذا وجد الجالس على الخلاء قملة لا يقتلها بل يدفنها، فقد روي أن من قتل قملة وهو على رأس خلائه بات معه في شعاره شيطانة تنسيه ذكر الله تعالى أربعين صباحا (١). تنبيه: نهى النبي ﷺ أن تقصع القملة بالنواة أي تقتل، والقصع الدلك بالظفر وإنما خص النواة لأنهم كانوا يأكلونه عند الضرورة (٢). وقيل لأن النواة مخلوقة من فضلة طينة آدم ﵇ (٣). وفي الحديث: أكرموا النخلة فإنها عمتكم. (٤) وفي حديث آخر: نعمت العمة لكم النخلة. وقيل: لأن النوى قوت الدواب. وقال الجوهري في الحديث أنه نهى عن قصع الرطبة وهو عصرها [لتقشر] (٥)، اهـ. [فجميع ما ذكر في القمل] منقول من حياة الحيوان. ٥١٥٩ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يود أهل الْعَافِيَة يَوْم الْقِيَامَة حِين يعْطى أهل الْبلَاء الثَّوَاب لَو أَن جُلُودهمْ كَانَت قرضت

стр. 9312

بِالْمَقَارِيضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مغراء وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (١) وَرَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَفِيه رجل لم يسم (٢). ٥١٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يُؤْتى بالشهيد يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقف لِلْحسابِ ثمَّ يُؤْتى بالمتصدق فينصب لِلْحسابِ ثمَّ يُؤْتى بِأَهْل الْبلَاء فَلا ينصب لَهُم ميزَان وَلَا ينصب لَهُم ديوَان فَيصب عَلَيْهِم الْأجر صبا حَتَّى إِن أهل الْعَافِيَة لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْموقف أَن أَجْسَادهم قرضت بِالْمَقَارِيضِ من حسن ثَوَاب الله. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة مجاعَة بن الزبير وَقد وثق (٣).

стр. 9313

قوله: "وعن ابن عباس" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]. قوله ﷺ : "ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصبّ عليهم الأجر صبا" الحديث. وروي عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال لي جدي ﷺ : يا بني عليك بالقناعة تكن من أغنى الناس وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ الْبَلْوَى يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يُرْفَعُ لَهُمْ دِيوَانٌ وَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا" وَقَرَأَ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١)، ذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب: روضة المشتاق (٢). وعن قتادة (٣) قال: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين ملقى على كناسة بيت المقدس، هو أيوب النبي ﷺ ، المبتلى الصابر من ولد روم بضم الراء بن

стр. 9314

العيص بكسر المهملة ابن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم وكان عمره ثلاثا وستين سنة، ومدة بلائه سنة أو سنتين. قاله الكرماني (١). وقال الحسن (٢): لقد كان أيوب ﵇ ملقى على الكناسة وما على الأرض أكرم على الله تعالى منه، والله أعلم. وعن ابن عباس ﵄ (٣) أن امرأة أيوب قالت له: قد والله نزل بي الجهد والفاقة ما إن بعت قرني برغيف فأطعمك فادع الله أن يشفيك. قال: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما فنحن في البلاء سبع سنين. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أمتى أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب إنما عذابها في الدنيا الزلازل والقتل والبلاء (٤).

стр. 9315

٥١٦١ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أحب الله عبدا أَو أَرَادَ أَن يصافيه صب عَلَيْهِ الْبلَاء صبا وثجه عَلَيْهِ ثَجًّا، فَإِذا دَعَا العَبْد قَالَ يَا رباه قَالَ الله لبيْك يَا عَبدِي لَا تَسْأَلنِي شَيْئا إِلَّا أَعطيتك إِمَّا أَن أعجله لَك وَإِمَّا أَن أدخره لَك. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (١). قوله: "وروي عن أنس" تقدم. قوله ﷺ : "إذا أحب الله عبدا أو أراد أن يصافيه صبّ عليه البلاء صبا وسحّه عليها سحّا" الحديث، محبة الله تعالى لعبده هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته؛ وبغضه لعبده إرادة عقابه أو شقاوته والله أعلم. قوله: "وسحّه عليها سحّا": السحُّ الصبُّ المتتابع. ٥١٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من يرد الله به خيرا يصب منه رواه مالك والبخاري (٢) يصب منه أي يوجه إليه مصيبة ويصيبه ببلاء.

стр. 9316

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يُصِب منه" الحديث، ضبطوا يصب منه بفتح الصاد وكسرها، قاله النووي في أذكاره، ومعناه: يوجه إليه مصيبة [تصيبه] ببلاء، اهـ. قاله المنذري. وقال في النهاية: أي [ابتلاه] بالمصائب ليثيبه عليها. يقال مصيبة ومصوبة ومصابة والجمع مصاب ومصاوب، والمصيبة هي الأمر المكروه ينزل بالإنسان. [يقال] أصاب الإنسان من المال وغيره أي أخذ وتناول. ومنه الحديث: يصيبون ما أصاب الناس، أي ينالون ما نالوا. اهـ. ٥١٦٣ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أحب الله قوما ابْتَلَاهُم فَمن صَبر فَلهُ الصَّبْر وَمن جزع فَلهُ الْجزع رواه أحمد (١) ورواته ثقات ومحمود بن لبيد رأى النبي ﷺ واختلف في سماعه منه (٢).

стр. 9317

٥١٦٤ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن عظم الْجَزَاء مَعَ عظم الْبلَاء وَإِن الله تَعَالَى إِذا أحب قوما ابْتَلَاهُم فَمن رَضِي فَلهُ الرِّضَا وَمن سخط فَلهُ السخط رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب (١).

стр. 9318

قوله: "وعن أنس" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحبّ قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط" الحديث، فالبلاء دليل إرادة الخير أو عقوبة الذنب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الأخرى. من عظم بلاؤه عظم أجره وهو دال على محبة الله تعالى لعبده إذ عجّل عقوبته في الدنيا وآجره في العقبى، ودليل ذلك أيضا ما روي عن عبد الله بن مغفّل أن امرأة كانت بغيّا في الجاهلية فمرّ بها رجل فبسط يده إليها [فقالت]: مَه إن الله ذهب بالشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولى وجعل ينظر إليها حتى أصاب وجهه الحائط، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: أنت عبد أراد الله بك خيرا، إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا عجّل له عقوبة ذنبه (١).

стр. 9319

وعن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (١)، قال: المصيبة في الدنيا لعلهم يرجعون لعلهم يتوبون (٢). قوله في الحديث: "إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم" وتقدم معنى محبة الله لعبده.

стр. 9320

قوله في الحديث: "فمن رضي فله الرضا" الحديث، [وفي الأثر: إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه]. وفي أثر آخر عن النبي ﷺ : من أحب أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث ينزله العبد من نفسه (١). وسئل ابن شمعون عن الرضا فقال: أن ترضى به مدبِّرا ومختارا

стр. 9321

وترضى عنه قاسما ومعطيا ومانعا وترضاه إلها ومعبودا وربا (١). وقال بعض العارفين: الرضا ترك الاختيار وسرور القلب فالراضي واقف مع اختيار الله له معرض عن اختياره لنفسه (٢). وقيل: الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ولم يتأسف عليها (٣)، ولبعض الناس: الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ. وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ... وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ. وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا ... وَفِي اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ (٤) اجتمع وُهيب بن الوَرْد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط، فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم فوددت أني ميت، فقال له يوسف ولم؟ فقال: لما أتخوف من الفتنة. فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء. فقال الثوري: ولم [تكره] الموت؟ قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل [فيه] صالحا. فقيل لوهيب: يعني ابن الورد، أي شيء تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئا أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى. فقبّل الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة، فهذا حال عبد قد استوت عنده حالة البقاء والموت، ووقف مع اختيار [الله تعالى] له منهما (٥)، اهـ.

стр. 9322

٥١٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليَكُون لَهُ عِنْد الله الْمنزلَة فَمَا يبلغهَا بِعَمَل فَمَا يزَال يَبْتَلِيه بِمَا يكره حَتَّى يبلغهُ إِيَّاهَا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقه وَغَيرهمَا (١). ٥١٦٦ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول مَا أصَاب رجلا من الْمُسلمين نكبة فَمَا فَوْقهَا حَتَّى ذكر الشَّوْكَة إِلَّا لإحدى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا ليغفر الله لَهُ من الذُّنُوب ذَنبا لم يكن ليغفره لَهُ إِلَّا بِمثل ذَلِك أَو يبلغ بِهِ من الْكَرَامَة كَرَامَة لم يكن ليبلغها إِلَّا بِمثل ذَلِك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (٢).

стр. 9323

قوله: "وروي عن بريدة الأسلمي" هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث،

стр. 9324

وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١). قوله ﷺ : "ما أصاب رجلا من المسلمين نكبة فما فوقها" الحديث، النكبة بفتح النون وإسكان الكاف وفتح الباء الموحدة، قال القاضي عياض وتبعه النووي مثل العثرة يعثرها الإنسان برجله تدمي الرجل منها وربما جرحت أصبعه وأصله من النكب وهو القلب والكبّ والعاثر قد نكب غالبا. قاله عياض (٢). ويحتمل أن يراد بالنكبة المصيبة وهو معناها المشهور (٣). ٥١٦٧ - وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد عَن أَبِيه عَن جده وَكَانَت لَهُ صُحْبَة من رَسُول الله ﷺ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول إِن العَبْد إِذا سبقت لَهُ من الله منزلَة فَلم يبلغهَا بِعَمَل ابتلاه الله فِي جسده أَو مَاله أَو فِي وَلَده ثمَّ صَبر على ذَلِك حَتَّى يبلغهُ الْمنزلَة الَّتِي سبقت لَهُ من الله . رواه أحمد (٤) وأبو داود (٥) وأبو يعلى (٦) والطبراني في الكبير (٧) والأوسط (٨) ومحمد بن خالد لم يرو عنه

стр. 9325

عنه غير أبي المليح الرقي ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد والله أعلم (١). قوله: "وعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده" هو محمد بن خالد بن زيد بن جارية (٢) وقيل اسم جده اللجلاج بن حكيم أورده ابن مندة في ترجمة اللجلاج بن حكيم السلمي، وزعم أنه أخو الجحّاف بن حكيم، وأنه في أهل الجزيرة (٣). قوله ﷺ : "إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده ثم صبّره على ذلك" الحديث، أي إذا قدر الله تعالى لعبد منزلة ودرجة رفيعة ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه الله تعالى ببلاء ورزقه صبرا على ذلك البلاء حتى يبلغ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصبره عليه، اهـ. وتقدم معنى الابتلاء أنه الامتحان، وتقدم الكلام على [الصبر] مبسوطًا.

стр. 9326

٥١٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليقول للْمَلَائكَة انْطَلقُوا إِلَى عَبدِي فصبوا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا فيحمد الله فيرجعون فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا صببنا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا كَمَا أمرتنا فَيَقُول ارْجعُوا فَاِنِّي أحب أَن أسمع صَوته. رَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: "وروي عن أبي أمامة"، أبو أمامة اسمه صديّ بن عجلان الباهلي، [تقدمت] ترجمته (٢). ٥١٦٩ - وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليجرب أحدكُم بالبلاء كَمَا يجرب أحدكُم ذهبه بالنَّار فَمِنْهُ مَا يخرج كالذهب الإبريز فَذَاك الَّذِي حماه الله من الشُّبُهَات وَمِنْه مَا يخرج دون ذَلِك فَذَلِك الَّذِي يشك بعض الشَّك وَمِنْه مَا يخرج كالذهب الْأسود فَذَاك الَّذِي افْتتن (٣).
следующие страницы →