← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 957–996 · переход к 962.

стр. 957

تنبيه: وملخص الحكم في المسألة إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم يتغير في ذلك مذاهب السلف أشهرها إن كان قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دونهما ينجس وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وإسحاق (١). فرع في حد القلتين: قال بعضهم: إن أردت أن تعرف القلتين في موضع يكون قدر ذلك ذراعًا وربعًا في ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا، هذا إذا كان الموضع مربعًا، وإن كان ممدودًا فذراعان طولًا في عرض ذراع، واللّه أعلم (٢). والثاني: إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، وإليه ذهب عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ومحمد بن المنكدر؛ والثالث: إن بلغ ذنوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس وعكرمة؛ والرابع: إن بلغ أربعين دلوا لم ينجس روي عن أبي هريرة؛ والخامس: إن كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر ينجس وإلا فلا؛ والسادس: لا يتحرك كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكي عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعكرمة والأوزاعي وسفيان الثوري وداود النخعي، قال ابن المنذر: بهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في الإحياء والروماني في الحلية، وقال في البحر: وأما إحكام المسألة هو اختياري

стр. 958

واختاره جماعة رأيتهم بخراسان والعراق، قال النووي: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا (١)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة. فائدة: روى الزهري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خمس تورث النسيان، أكل التفاح الحامض، والبول في الماء الراكد، والحجامة على نقرة القفا، وإلقاء القمل في التراب، وأكل سؤر الفأرة، قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (٢). تنبيه: قال العُلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك يكره الاغتسال في العين الجارية، قال الشافعي في البويطي: أكره للرجل الجنب أن يغتسل في البئر معينة كان أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: سوءا قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه، هذا نصه، وكذا صرح الأصحاب وغيرهم بمعناه، وهذا كلّه على كراهة التنزيه ولا للتحريم، وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملًا؟ فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو إن كان قلتين فصاعدًا لم يصر مستعملًا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وإنما إذا كان الماء دون قلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملًا (٣) واللّه أعلم، قاله في الديباجة.

стр. 959

٢٤٨ - وَعنهُ قَالَ: "نهى رَسُول اللّه ﷺ أَن يبال فِي المَاء الْجَارِي" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد. قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه. قوله: نهى رسول اللّه ﷺ أن يبال في الماء الجاري، الحديث؛ وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يكره البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتبابه وإن كان قليلا جاريًا يكره فقد قال جماعة من أصحابنا، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره، وشذ غيره فيستعمله مع أنه نجس (١)، والمختار أنه لا يحرم، وفي المسألة اضطراب للنووي، واللّه أعلم. ٢٤٩ - وَعَن بكر بن مَاعِز قَالَ: سَمِعت عبد اللّه بن يزِيد يحدّث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع وَلا تبولن فِي مغتسلك" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢).

стр. 960

قوله: عن بكر بن ماعز (بكر بن ماعز بن مالك الكوفي، كنيته أبو حمزة، روى عن: الربيع بن خثيم، وعبد اللّه بن يزيد الأنصاري الخطمي وله صحبة، روى عنه: سعيد بن مسروق الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وأبو طعمة نسير بن ذعلوق الثوري، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وثقه ابن مَعين والعجلى وابن حبان (١). قوله: سمعتُ عبد اللّه بن يزيد يحدّث عن رسول اللّه ﷺ ، هو: عبد اللّه بن يزيد (عبد اللّه بن يزيد، بن زيد بن حصين بن عمرو الحارث بن خطمة، واسمه: عبد اللّه بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى الخطمي، وإنما سمي خطمة، لأنه ضرب رجلًا على خطمه، شهد الحديبية مع رسول اللّه ﷺ ، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين، والنهروان مع علي بن أبي طالب، وكان أميرا على الكوفة روى عنه: ابنه موسى، وعدي بن ثابت الأنصاري، وهو ابن ابنته، وأبو بردة بن أبي موسى، والشعبي، وكان الشعبي كتابه، وكان من أفاضل الصحابة، وصحب أبوه النبي ﷺ وشهد أحدا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة (٢). قوله: "لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع" الحديث، والمراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة في دون الحفظة، فإنهم لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال (٣).

стр. 961

فائدة: قال أبو الليث السمرقندي: اختلف الناس في ذكر الحفظة وهم الكرام الكاتبون، فقال بعضهم: يكتبون جميع أفعال بني آدم وأقوالهم، وقال بعضهم: لا يكتبون إلا ما كان فيه أجر أو إثم، وقال بعضهم: يكتبون الجميع، فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر ولا إثم عليه، ومعنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١) يمحو ما لا أجر فيه ولا إثم عليه، ويثبت ما فيه أجر أو إثم، ثم روى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢) قال: يكتب من قول ابن آدم الخير والشر ولا يكتب ما سوى ذلك، قال هشام: نحو قولك: يا غلام اسقني ويا غلام اعلف الدابة. وقال الحسن البصري: يكتب جميع ما يلفظ به، وقال ابن جريج: هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لا يكتب إلا بشهادة صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، وقال بعضهم: هم أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل، [وقال عبد اللّه بن المبارك: هم خمسة اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة] والخامس لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، واختلف في الكفار هل يكون عليهم حفظة قال بعضهم: لا يكون عليهم حفظة لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (٣)

стр. 962

قال أبو الليث: لا نأخذ بهذا القول بل عليهم الحفظة، والآية تذكر الحفظة في شأن الكفار، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ (١)، وقال في آية آخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ (٢) فأخبر اللّه تعالى أن الكفار يكون لهم كتابًا ويكون عليهم حفظة، فإن قيل: الذي يكون عن يمينه إذا لم يكن له حسنة، إيش يكتب؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب (٣). قوله ﷺ : "ولا تبولن في مغتسلك" قال المنذري: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، وإن كان المكان صلبًا فيخيل إليه أنه يصيبه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس (٤)، انتهى. فائدة: يكره أن يبول قائمًا بلا عذر أو يتغوط لما روى ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عمر أنه قال: رآني رسول اللّه ﷺ وأنا أبول قائمًا، فقال: "يا عمر، لا تبل قائمًا" قال: فما بلت بعدها قائمًا (٥)؛ وفي الترمذي والنسائي وابن ماجة

стр. 963

بإسناد حسن عن عائشة قالت: من حدّثكم أن النبي كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (١)؛ لكن في الشيخين عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا (٢)؛ السباطة: الموضع الذي يرمي فيه القمامة والأوساخ، فإن قيل: كيف بال قائما وقد نهى عن ذلك؟ قالوا فيه من أربعة أوجه، أحدها: أنه قيل إنه منسوخ بنهيه عن البول قائمًا بعد ذلك، والثاني: أنه كان لمرض منعه من القعود، وقال أبو هريرة: بال رسول اللّه ﷺ قائما لجرح كان بمأبضه، قال الزجاج: المأبض بطن الركبة؛ والثالث: أنه استشفى بذلك من مرض كان به، وقال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. والرابع: يحتمل أنه يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ولم يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس، فإن قيل: كيف قال لحذيفة ﵁ إذن، وقد كان إذا أراد الخلاء أبعد؟ فالجواب: أن السباطة تكون في الأفنية فأراد أن يستتر به من الناس، واللّه أعلم (٣).

стр. 964

وفيه: أن مدافعة البول مكروهة لأنه بال على السباطة قائمًا ولم يؤخره (١)، وفي الإحياء: عن الأطباء أن بولة في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة دواء (٢)، انتهى. ٢٥٠ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لقِيت رجلًا صحب النَّبِي ﷺ كمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة قَالَ نهى رَسُول اللّه ﷺ أَن يمتشط أَحَدنَا كلّ يَوْم أَو يَبُول فِي مغتسله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي أول حَدِيث (٣). قوله: عن حميد بن عبد الرحمن (الحميري البصري، روى عن: أهبان ابن امرأة أبي ذر الغفاري، وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وأبي بكرة الثقفي، وأبي هريرة، وثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص، وروى عنه جعفر بن أبي وحشية، والحسن البصري، وقتادة، ومحمد بن سيرين وأبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، متفق على توثيقه وكان ابن سيرين يقول: كان حميد بن عبد الرحمن أفقه أهل البصرة قبل أن يموت بعشر سنين (٤). قوله: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة، الحديث.

стр. 965

والرجل المبهم هل هو الحكم بن عمرو، وجزم به ابن السكن، وقيل: عبد اللّه بن سرجس، وقيل: ابن مغفل (١) وهو الراجح، فقد جاء مصرحًا به (٢). قوله: "نهى رسول اللّه ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله" الحديث؛ فيه: النهي عن البول في المغتسل، [وعن الامتشاط كلّ يوم، بل يكون وقتًا دون وقت كما أن الأوجه كذلك، ويدل على ذلك قوله ﵇]، وتقدم الكلام على البول في المغتسل مبسوطًا، قال العُلماء في كتب الفقه: والمستحب أن يستاك عرضًا، ويدهن غبًّا، ويكتحل وترًا (٣)، والإمتشاط مقتبس من الإدهان، وقد روى أنه ﷺ قال: "استاكوا عرضًا وادهنوا غبًّا واكتحلوا وترًا" (٤) لكنه ضعيف لا يحتج به كما قال النووي (٥)، والغب: قال ابن فارس (٦): أن ترد الإبل الماء وتدعه يومًا، وبهذا فسره الإمام أحمد بن

стр. 966

حنبل في حديث (١)، وبه قال بعض الشارحين (٢)، وقيل: أن يدهن ثم يترك إلى أن يجف ثم يدهن، وهو قول من فسر الغب بالوقت، واللّه أعلم. ٢٥١ - وَعَن عبد اللّه بن مُغفل ﵁. أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن يَبُول الرجل فِي مستحمه وَقَالَ إِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ "رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه مَرْفُوعًا إِلَّا من حَدِيث أَشْعَث بن عبد اللّه وَيُقَال لَهُ أَشْعَث الأعْمَى (٣). قَالَ الْحَافِظ إِسْنَاده صَحِيح

стр. 967

مُتَّصِل وَأَشْعَث بن عبد اللّه ثِقَة صَدُوق وَكذَلِكَ بَقِيَّة رُوَاته وَاللّه أعلم. قوله: عن عبد اللّه بن مغفل، بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، كنيته: أبو معبد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو زياد عبد اللّه بن مغفل بن عبد غنم المزني المدني البصري، وكان عبد اللّه من أهل بيعة الرضوان، قال: إني من رفع أغصان الشجرة عن رسول اللّه ﷺ ، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة فابتنى بها دارا قرب الجامع وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية، قال السهيلي: والبكاؤون بنو مقرن المازني وهم سبعة: النعمان، ونعيم، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول اللّه ﷺ ولم يشاركهم في هذه المكرمة أحد غيرهم، وقيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، وروي أنهم قدموا على رسول اللّه ﷺ في أربعمائة راكب من مزينة، قال ابن مسعود: إن للإيمان بيوتًا وإن للنفاق بيوتًا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن، ومن البكائين علية بن زيد وعبد اللّه بن مغفل والعرباض بن سارية وأبو ليلى واسمه عبد الرحمن بن عمرو وسالم بن عمير، انتهى، وكان عبد اللّه بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روي له عن رسول اللّه ﷺ ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري

стр. 968

بحديث ومسلم بآخر، روى عنه جماعات من التابعين، منهم الحسن البصري ومطرف وأبو العالية وغيرهم، توفي ﵁. بالبصرة سنة ست وستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك، ومناقبه كثيرة مشهورة، ووالده مغفل، ذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال أبو جعفر الطبري: مغفل هذا هو أخو ذي النجاد المزني، توفي مغفل بطريق مكة قبل أن يدخلها قبل فتح مكة بقليل سنة ثمان (١)، قاله في الديباجة. قوله: "نهى رسول اللّه ﷺ أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة الوسواس منه"، هذا الحديث رواه الأربعة، والمراد بالمستحم الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام (٢)، وهذا الحديث ترجم عليه ابن حبان فقال: باب ذكر الزجر عن البول في المغتسل الذي مجري له، وما فهمه أبو حاتم صحيح، والسبب في ذلك أنه إذا كانا له مجري اندفع ما فيه من البول بأول اغتساله (٣)، انتهى. فيستحب لمن بال أو تغوط وأراد أن يغتسل بالماء أن ينتقل عن مجلسه لئلا يلحقه الرشاش الذي عامة الوسواس منه، وقد حرم قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعضهم منهم

стр. 969

ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال إن عامه الوسواس منه فقال: ربنا اللّه لا شريك له (١)، إن الوسواس من الشيطان فلم يلتفت إليه فإن شرك، وقال ابن المبارك: قد وسع في المغتسل إذا جرى فيه الماء، واعلم أن الماء الوارد على النجاسة يدفعها ويحكم بطهارة الماء إذا زالت أو استهلكت وتغير به، وكذا لو زالت بشمس ونحوها ثم صب الماء عليها طهر المحل، وفي الحديث أنه يستحب أن يتقى الإنسان مكان التهم والمخاوف وأن يسد باب الشيطان ما أمكنه، وفيه: الأمر بالانتقال إلى مكان آخر، وهذا إذا استنجي بالماء بخلاف الحجر فإن تجمر به فلا ينتقل لئلا يجف الخارج أو يطرأ نجس آخر أو ينتشر فيمتنع الاستجمار، ويستثنى الأخلية المتخذة لذلك فلا ينتقل فيها مطلقًا، وفيه: إنه يأخذ بأصل الطهارة إذا حصل شك في وصول الرشاش فإنه سماه وسواسًا لكن الاحتياط بغسل محل الشك أولى، وقد أغرب الذهبي فغير الوسواس هنا بالجنون، ذكره في مختصر البيهقي، وفيه: استعمال الحمية خوفًا من الوقوع فيما يضر، والتحفظ من المؤذيات، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. قال الخطابي (٢): وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول ويسيل منه الماء، أي: كالأخلية المعدة لذلك، أو كان المكان صلبًا أو مبلطًا يتخيل المغتسل أنه أصابه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس، انتهى.

стр. 970

٢٥٢ - وَعَن قَتَادَة عَن عبد اللّه بن سرجس ﵁ قَالَ نهى رَسُول اللّه ﷺ أَن يبال فِي الْجُحر قَالُوا لِقَتَادَة مَا يكره من الْبَوْل فِي الْجُحر قَالَ يُقَال إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن قتادة عن عبد اللّه بن سرجس، وسرجس: بفتح السين المهملة وكسر الجيم المزني البصري حليف بني مخزوم، وفي صحيح مسلم عن عاصم الأحول عن عبد اللّه بن سرجس قال: رأيتُ رسول اللّه ﷺ وأكلت معه خبزًا أو قال ثريدًا، فقلت: يا رسول اللّه غفر اللّه لك، قال: "ولك" قال عاصم: استغفر لك يا رسول اللّه، قال: "نعم ولك" ثم تلا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) روي له عن رسول اللّه ﷺ سبعة عشر حديثًا، روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث، ومناقبه كثيرة مشهورة (٣). قوله: "نهى رسول اللّه ﷺ أن يبال في الجحر"، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر، قال: يقال إنها مساكن الجن، الحديث؛ الجحر: بضم الجيم وسكون الحاء الثقب المستدير النازل، وهو ما استدار، ويعبر عنه بالبخش، وألحق بالجحر السرب وهو بفتح السين والراء وهو المنبطح، وقال بعضهم: وهو المستطيل (٤)، أي: ويجتنب أن يبول في ثقب أو سرب لأنه ﷺ نهى أن

стр. 971

يبال في الجحر لأنها مساكن الجن، ولأنه ربما كان فيها بعض الهوام فخرج فيؤذيه أو ينجسه، قال النووي: وينبغي تحريم ذلك للنهي الصريح إلا أن يعد لذلك يعني الجحر أو السرب فلا حظر ولا كراهة (١). تنبيه: إذا كان الرجل في الأرض الفضاء فلا ينبغي له أن يبول في جحر الأرض فإنه يخاف أن يصيبه الأذى من الجن، ويقال إن سعد بن عبادة وكان سيدا جوادا ذا رياسة غيورًا بال في جحر الأرض فأصابته آفة من الجن فمات، ففي الحاكم عن عون بن محمد أن سعد بن عبادة الخزرجي أتى سباطة قوم فبال قائمًا فخر ميتًا، فقالت الجن في ذلك: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْم فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ وفي الشامل وغيره أن سبب موته أنه بال في جحر (٢)، وتقدم الكلام على السباطة، وتأول بعض العُلماء فقال: أي أصبناه بعينين، يقال إن عيون الجن أنفذ من أسنة الرماح، وقال: الإصابة بالعين حق (٣)، وإن لها تأثيرا في النفوس والطباع إبطالا كقول من يزعم من الطبيعة أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس وما عداها فلا حقيقة له (٤)، انتهى.

стр. 972

الترهيب من الكلام على الخلاء الخلاء: اسم للموضع الذي يقضي فيه الحاجة، سمي خلاء لأن الشخص يخلو فيه (١)، وقيل: لأن فيه شيطانًا يسمى الخلاء فسمى خلاء باسم شيطانه (٢)، واللّه أعلم. ٢٥٣ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا يَتَنَاجَى اثْنَان على غائطهما ينظر كلّ وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى عَورَة صَاحبه فَإِن اللّه يمقت على ذَلِك" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه وَلَفظه كَلَفْظِ أبي دَاوُد قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول لا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط كاشفين عَن عوراتهما يتحدّثان فَإِن اللّه يمقت على ذَلِك (٣) رَوَوْهُ كلهم من رِوَايَة هِلال بن عِيَاض أَو عِيَاض بن هِلَال عَن أبي سعيد وعياض هَذَا روى لَهُ أَصْحَاب السّنَن وَلا أعرفهُ بِجرح وَلا عَدَالَة وَهُوَ فِي عداد المجهولين. قَوْله: "يضربان الْغَائِط" قَالَ أَبُو عَمْرو صَاحب ثَعْلَب يُقَال ضربت الأَرْض إِذا أتيت الْخَلَاء وَضربت فِي الأَرْض إِذا سَافَرت.

стр. 973

٢٥٤ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "لَا يخرج اثْنَان من الْغَائِط فيجلسان يتحدّثان كاشفين عَن عوراتهما فَإِن اللّه يمقت على ذَلِك" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد لين (١). قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم. قوله ﷺ : "لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه" الحديث، المناجاة: المسارة، وانتجى القوم وتناجوا أي سار بعضهم بعضًا (٢)، وتقدم الكلام على ذلك في أوائل هذا التعليق. قوله: "ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه"، وأغرب الماوردي فحكى في باب ستر العورة وجهًا أنه يحرم على الإنسان أن ينظر إلى فرج نفسه بلا حاجة (٣)، واللّه أعلم؛ فيحرم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة

стр. 974

والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبه ﷺ بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولي، وهذا التحريم في حق غير الزوج والسادة (١)، أما الزوجان والسادة فسيأتي حكمه؛ وأما نظر الرجل إلى محارمه ونظرهن إليه فالصحيح أنه يباح ما فوق السرة وتحت الركبة، وقيل: لا يحل إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف، وأما ضبط العورة في حق الأجانب فعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وفي السرة والركبة ثلاثة أوجه أصحها: ليستا بعورة والثاني أنهما عورة، والثالث السرة عورة دون الركبة (٢). تنبيه: لكل واحد من الزوجين النظر إلى عورة صاحبه جميعا لأنه محل استمتاعهما (٣)؛ وأما الفرج نفسه ففيه ثلاثة أوجه، أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما من غير حاجة وليس بحرام، والثاني: حرام عليهما وإليه ميل أبي عبد اللّه الذهبي، والثالث: أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع وجوزه عند الجماع قطعًا، والمعروف إطلاقه (٤)، وخص بعضهم الخلاف بالرجل وقطع بجواز نظرها إلى ذكره (٥)،

стр. 975

وصرح الجرجاني وغيره بطرده في الرجل والمرأة؛ والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهة أو تحريما (١). واختلفوا في معناه، فقيل: يورث العمى للناظر وصحح هذا ابن الصلاح (٢)، وقيل للولد فعلى هذا يخرج الممسوح، وقيل: يورث العمى في القلب أشار إليه ابن الجوزي (٣)، وفي كتب الفقه أنه لا بأس به للرجل أن

стр. 976

يمس فرج امرأته ولها أن تمس فرجه، سأل أبو يوسف أبا حنيفة عنه، فقال: لا بأس به، وأرجو أن يعظم أجر المرأة بذلك (١)، وجوز أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك للزوج أن يلحس فرج زوجته بلسانه (٢)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة. قوله: "فإن اللّه يمقت على ذلك"، المقت في الأصل أشد البغض في الكلام على حدّثه من غير حاجة مكروه فإن انضم إلى ذلك كشف العورة حرم، وحينئذ لا يشكل المقت على ذلك فإنه إشارة إلى المجموع ولا يرجع إلى التحدّث فقط أي مع الستر أو من وراء حجاب، فلو سكتا وكشفا العورة حرم، فيكره الكلام والذكر على البول والغائط حال قضاء الحاجة سواء كان في الصحراء أو في البنيان وسواء في ذلك جميع الأذكار، وإلا كلام الضرورة كما إذا رأى طفلًا أو أعمى يقع في بئر أو حية تقصد إنسانا لم يكره إنذاره بل يجب على ما قال أصحابنا، فإذا عطس لا يحمد اللّه تعالى ولا يشمت عاطسًا ولا يرد السَّلام ولا يجيب المؤذن، ويكون المسلم مقصرًا لا يستحق جوابًا، والكلام بهذا كلّه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلو عطس حمد اللّه تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه، وكذلك يفعل حال الجماع، قال المحب الطبري: وينبغي أن لا يأكل ولا يشرب (٣).

стр. 977

قال النووي (١): روينا عن ابن عمر ﵄ قال: مر رجل بالنبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد ﵇، رواه مسلم في صحيحه (٢)؛ فإذا لم يرد السَّلام مع أنه واجب فغيره أولي، وعن المهاجر بن قنفد ﵁ قال: أتيت النبي وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي حتى توضأ ثم اعتذر إلى وقال: "إني كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلا على طهر" أو قال: "إلا على طهارة" حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة (٣). قوله ﷺ في رواية ابن خزيمة: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما" الحديث (يمشيان إلى قضاء الحاجة وعورتهما مكشوفة، فإن اللّه تعالى يبغض هذا الفعل وهو عدم المبالاة بكشف العورة والنظر إلى عورة الغير، ولم يفض أي الكلام إلى التحريم كما لم يفض إليه في قوله ﷺ : "إن أبغض الحلال إلى اللّه تعالى الطلاق" (٤) أي: يكرهه إلا أن يقال ذلك اقترن به ما صرفه عن التحريم وهو قوله "الحلال" (٥)، لا يخرج الرجلان:

стр. 978

بكسر الجيم لأنه مجزوم على أنه نهي فحرك لالتقاء الساكنين (١). قوله: "يضربان الغائط" الضرب في اللغة الإسراع في السير، والأصل فيه أن الذاهب في الأرض يضربها برجله (٢)، قال الحافظ: قال أبو عمر صاحب ثعلب يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت (٣)، وتقدم الكلام على الضرب. قوله: رووه كلهم من رواية هلال بن عياض أو عياض بن هلال عن أبي سعيد، قاله المنذري، والصواب في اسم الراوي عن أبي سعيد عياض بن هلال، وقيل: هلال بن عياض، وقيل: عياض بن أبي زهير الأنصاري، روى عنه: يحيى بن كثير، قال ابن حبان في كتاب الثقات: عياض بن هلال ومن قال إنه هلال بن عياض فقد وهم، روى له الأربعة، وليس له في الكتب سوى هذا الحديث وحديث آخر في سجود السهو (٤)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة. فائدة: قال أبو الليث السمرقندي (٥) لا ينبغي للجالس لقضاء الحاجة أن يتكلم في تلك الحالة لأن الملائكة يتنحون عنه ويستترون عنه في ذلك الوقت، فإذا تكلم في ذلك فقد أتعبهم في العود إليه ليكتبوا قوله، وليستتر

стр. 979

ما استطاع لأن النبي ﷺ أمر بهذا فقيل: يا رسول اللّه أريت لو لم يكن معه أحد، قال: "فاللّه أحق أن يستحيا منه، ولأن معه صاحبيه فينبغي أن لا يؤذيهما" (١)، انتهى. فوائد تتعلق بهذا الباب، منها: إذا أراد الإنسان قضاء الحاجة فإن كان معه شيء فيه ذكر اللّه تعالى نحاه، أي: أزاله استحبابًا، قال أنس بن مالك: كان رسول اللّه ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، رواه أبو داود (٢)، وقيل سببه: إنه كان عليه مكتوب محمد رسول اللّه ﷺ ثلاثة أسطر، والسر فيه تعظيم اسم اللّه تعالى عن مكان القاذورات، [وقد ألحق به ما عليه اسم النبي ﷺ ] (٣) وضابطه: كلّ اسم معظم (٤). ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج وعكسه دخول المسجد والخروج منه، وهذا لا يختص بالبنيان في أصح الوجهين فيقدم يساره إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء أو مناة إذا

стр. 980

فرغ، ويقول عند إرادة الدخول إلى الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (١)، وورد في رواية الطبراني في كتاب الدعاء أنه ﷺ كان يستعيذ فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (٢)، ويستحب تقديم البسملة على هذه الاستعاذة، ففي الحديث في سنن ابن ماجة والترمذي عن علي أن النبي ﷺ قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: باسم اللّه" (٣). والستر بكسر السين الحجاب وبالفتح مصدر ستر الشيء أستره إذا أعطيته، والخبث بضم الخاء والباء وإسكانها جمع خبيث وهم ذكران الشياطين والخبائث جمع خبيثة وهي إناثهم، وقيل بالإسكان الشر وقيل:

стр. 981

الكفر، والخبائث المعاصي (١)، وقال الكرماني: وأصل الخبث في كلامهم المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الكل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضار (٢)، انتهى. والنجس: بإسكان الجيم وكسر النون تبعا للرجس وليس المراد أنه نجس العين بل هو نجس الفعل، وقد صرح البغوي في شرح السنة بأن الشيطان عينه طاهرة، واستدل على ذلك بأنه ﷺ أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها (٣)، والخبيث خبيث الفعل، والمخبث بضم الميم وبالخاء المعجمة الساكنة معناه صاحب الأعوان الخبثاء، قاله أبو الفرج الجوزى (٤). تنبيه: فإن قيل: لم قدمت هاهنا التسمية على الاستعاذة وقدمت الاستعاذة على التسمية في قراءة القرآن، وفي التعوذ في الصلاة؟ فالجواب: أن التسمية هنا إنما قدمت لأن الاستعاذة دعاء والدعاء عبادة والعبادة ينبغي أن تبتدأ بالتسمية، والتسمية هاهنا ليست قرآنا بخلاف القراءة فإن التسمية من القرآن ومن نفس السورة، فلهذا قدمت الاستعاذة عليها في القراءة، انتهى، قاله في إعلام السنن (٥).

стр. 982

وإنما خص بذلك حال الخلاء لأن الشياطين يحضرون في الأخلية وهي مواضع يحرم فيها ذكر اللّه فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقد قال ﷺ : "إن هذه الحشوش محتضرة، أي: يحضرها الشياطين، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليتعوذ باللّه" (١) أ. هـ. ومنها: أن يقول عند خروجه من الخلاء: غفرانك (٢)، الحمد للّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني، رواه ابن ماجة والنسائي (٣)؛ وقال القاضي حسين والمحاملي وغيرهما: ويستحب تكرار غفرانك مرتين (٤)؛ وروى الطبراني وابن السني عن ابن عمر كان رسول اللّه ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد للّه الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه" (٥).

стр. 983

وفي مصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أن نوحًا ﵇ كان يقول: الحمد للّه الذي أذاقني لذته وأبقى معي منفعته وأذهب عني أذاه، وكان ﷺ إذا أكل قال: "الحمد اللّه"، وإذا شرب قال: "الحمد للّه" وإذا ركب قال: "الحمد للّه" وإذا اكتسى قال: "الحمد للّه"، وإذا احتذى قال: "الحمد للّه" فوصفه اللّه بالشكر فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (١) (٢). قوله في الحديث: "غفرانك" بنصب النون أي أسألك غفرانك وهو منصوب بإضمار الطلب، والغفران: الستر، وفي معنى تعقيب الخروج بالاستغفار قولان، أحدهما: أنه سأل المسامحة لترك الذكر في تلك الحالة، والثاني: معناه طلب نعمائه عليه بتسهيل خروج الأذي، وأن لا يحبسه ائلا يقضي إلى شهوته وانكسار عورته، وقال بعضهم أيضًا: وفي تخصيصه بذلك قولان، أحدهما: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه فلجأ إلى الاستغفار من التقصير، والثاني: أنه استغفر من مده تركه ذكر اللّه تعالى مدّة لبثه على الخلاء فإنه كان لا يترك ذكر اللّه تعالى بلسانه أو قلبه إلا عند قضاء الحاجة فكأنه رأى ذلك تقصيرًا

стр. 984

فتداركه بالاستغفار (١)، واللّه أعلم. قوله: أذهب عني الأذي، والأذى: لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه قذر منتن، ومن سبيل مكروه (٢). قوله: وعافاني، العافية: دفاع اللّه تعالى عن العبد، فمعنى عافني أي من احتباسه أو من نزول الأمعاء معه (٣)، واللّه أعلم. ومنها: الاستنجاء، قال العُلماء: والاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل: أن يجمع بين الماء والحجر لأن اللّه تعالى مدح أهل قباء على ذلك فأنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٤) الآية، قال الشعبي: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "يا أهل قبلتنا هذا الماء الذي أثنى اللّه عليكم" قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء؛ وفي رواية: فسألهم رسول اللّه ﷺ عن ذلك فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء (٥)، ولأن العين تزول

стр. 985

بالحجر والأثر بالماء فلا يخامر النجاسة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه يزيل العين والأثر، والحجر لا يزيل إلا العين (١). قال العُلماء: وفي معنى الحجر كلّ جامد طاهر قالع غير محترم لحصول الغرض به سواء كان من خشب أو خزف أو حشيش أو نبات أو غيرها لأن التنصيص على الحجر خرج مخرج الغالب، واحترزنا بالجامد عن المائع، وبالطاهر عن النجس والمتنجس، واحترزنا بالقالع عن نحو الزجاج والقصب الأملسين فإنه يبسط النجاسة وعند ذلك يتعين الماء، واحترزنا بغير المحترم مما له حرمة وهو أنواع. منها: ما كتب عليه شيء من العلم أو اسم معظم، وقال القاضي حسين: أوراق التوراة والإنجيل مما لا حرمة له لأنهما مبدلان، ومنها: المطعومات لأن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: "إنه طعام إخوانكم الجن" (٢) فإذا نهينا عن مطعومات الجن فمطعوم الإنس أولى، وقيل: إن أحرق العظم جاز الاستنجاء به. وقال بعضهم: فيه وجهان صحح النووي وغيره المنع وما يؤكل من الفواكه رطبًا لا يابسًا كاليقطين لا يجوز الاستنجاء به برطبه، وكذلك كلّ ما يأكله الآدميون خصوصًا وما يشترك معهم فيه البهائم فإن كان أكل البهائم له

стр. 986

أكثر جاز، وإن كان العكس فلا، وإن استويا فوجهان (١). تتمة: ذكر السهيلي (٢): في خروج النبي ﷺ إلى الطائف قال: روينا في حديث شعبة يقرأه الحافظ أبي بكر بن العربي بسنده إلى جابر بن عبد اللّه قال: بينا أنا مع رسول اللّه ﷺ مشى إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه وأدنت فاها إلى أذنه كأنها تناجيه فقال ﷺ : "نعم، فانصرفت" قال جابر: فسألته: فأخبرني أنه رجل من الجن وأنه قال: مر قومك ألا يستنجوا بالروث ولا بالرمة فإن اللّه جعل لنا في ذلك رزقًا. قال ابن العربي (٣): وقد بينا في كتب الأصول أن الجن خلق من خلق اللّه تعالى يأكلون ويشربون وينكحون بإجماع من المسلمين ردا على الفلاسفة الذين ينكرون وجودهم وجهلوا حقائقهم بناء على أصولهم الفاسدة في أنهم بسائط غير مركبة، والملائكة إنما لم تأكل وتشرب لعادة أجراها فيهم لا بطبيعة خلقت لهم، انتهى. ومنها: جزء الحيوان المتصل يمنع الاستنجاء به لحرمته، ويجوز الشيخان الاستنجاء بخشن الديباج مع الإثم لكن في تأييم المرأة بذلك نظر إلا أن يكون من جهة السرف (٤)، انتهى.

стр. 987

تتمة: واعلم أن لإجزاء الحجر شروطًا وهي: بقاء الخارج رطبًا، وأن لا ينتقل عن الموضع الذي حصل فيه عند الخروج، ولا يختلط به نجاسة أجنبية، فإن اختلط به نجاسة أجنبية أو انتقل عن المحل الذي صادفه وقت الخروج تعين الماء قطعًا، فلو استنجى بحجر ثم غسله وجف واستنجى به ثانيًا جاز، ومن الشروط: أن لا يجف لأنه إذا جف لا يزيله إلا الماء، وأفتى القفال والقاضي بأنه إذا قلعه كفى، واختاره الروياني، وبقية الشروط مذكورة في كتب الفقه، فمن أراد ذلك فليطلب مظانها (١). فروع: الاستنجاء بالتراب والفحم، نص الشافعي فيهما على الإجزاء وعدمه، فقيل قولان مطلقًا، والمذهب إن كان التراب منعقد كالمدر والفحم صح وإلا فلا، قال القاضي حسين: فإن جوزناه بالتراب احتاج أن يستنجي أربع مرات لأن التراب في الأولى التصق بالمحل وفي الثانية تناثر عنه وفي الثالثة يلتصق بالمحل فيحتاج إلى رابعة ويندب خامسة للإيتار، وإن منعناه ففعل تعين الماء، وكذا الفحم المتفتت، انتهى، قاله الكمال الدميري (٢). والثاني: لا يجب الاستنجاء على الفور بل يجوز تأخيره عن

стр. 988

الوضوء في الأضح بشرط أن لا يمس شيئًا ناقضًا، والأفضل تقديمه على الوضوء اقتداء برسول اللّه ﷺ ، وللخروج من الخلاف فإن بعض العُلماء اشترط تقديمه وهو الإمام أحمد بن حنبل وهو قول لنا، وأما تأخيره عن التيمم فلا يجوز على الأصح لأن التيمم موضوع لاستباحة الصلاة ولا استباحة مع وجود النجاسة (١)، واللّه أعلم. الثالث: ويسن أن ينضح فرجه وداخل سراويله وإزاره بعد الاستنجاء دفعا للوسواس، وقال في الإحياء: يقول بعد الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش (٢)، انتهى. فائدة: يستحب أن يبدأ في الاستنجاء بالماء بالقبل وبغيره بالدبر، ويعتمد المستنجي في اليد على الأصبع الوسطى وفي استحباب شم اليد بعد الاستنجاء وجهان، قال الماوردي: يبنى ذلك ما لو شمها فأدرك فيها رائحة النجاسة هل يكون ذلك دليلًا على نجاسة المحل، وقد شرح في زوائد الروضة بنجاسة اليد دون المحل وهو مشكل، انتهى، قاله الكمال الدميري (٣). فائدة: من الآداب أن يطلب موضعًا لينًا للبول، فإن كانت الأرض صلبة حكمها بشيء أو ضربها برجله حتى تلين وأن لا يبصق على الخارج منه ولا

стр. 989

ينظر إليه ولا إلى فرجه وأن لا يدخل الخلاء حافيًا ولا مكشوف الرأس ولا ينظر إلى السماء ولا يلتفت ولا يعبث بيده ولا يستاك، فإن ذلك يورث النسيان؛ ونقل في البحر عن بعض الأصحاب: أنه يكره أن يقول أهرقت الماء لقوله ﷺ : "لا يقل أحدكم أهرقت الماء ولكن ليقل بُلتُ" (١) والحديث رأيته سندًا في تاريخ ابن النجار وغيره، قاله الدميري في شرحه (٢)، والله اعلم.

стр. 990

الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره وعدم الاستنزاه منه ٢٥٥ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ مر بقبرين فَقَالَ: "إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كبِير بلَى إِنَّه كبِير، أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لا يسْتَتر من بَوْله" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَهَذَا أحد أَلْفَاظه وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه (١). ٢٥٦ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢) أَن النَّبِي ﷺ مر بحائط من حيطان مَكَّة أَو الْمَدِينه فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كبِير ثمَّ قَالَ بلَى كَانَ أَحدهمَا لا يسْتَتر من بَوْله وَكَانَ الآخر يمشي بالنميمة" الحَدِيت وَبَوَّبَ البُخَارِيّ عَلَيْهِ بَاب من الْكَبَائِر أَن لا يسْتَتر من بَوْله. قَالَ الْخطابِيّ (٣) قَوْله وَمَا يعذبان فِي كبِير مَعْنَاهُ أنَهُمَا لم يعذبا فِي أَمر كَانَ يكبر عَلَيْهِمَا أَو يشق فعله لَو أَرَادَا أَن يفعلاه وَهُوَ التّنزُّه من الْبَوْل وَترك النميمة وَلم يرد أَن الْمعْصِيَة فِي هَاتين

стр. 991

الخصلتين لَيست بكبيرة فِي حق الدّين وَأَن الذَّنب فيهمَا هَين سهل، قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم ولخوف توهم مثل هَذَا استدرك فَقَالَ ﷺ بلَى إِنَّه كَبِير وَالله أعلم. قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؟ بلى إنه كبير" الحديث، قال الحافظ نقلًا عن الخطابي في قوله ﷺ : "وما يعذبان في كبير" معناه: فإنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد ﷺ أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأذن الذنب فيهما هين سهل، قال الحافظ: ولخوف توهم مثل هذا استدراك ﷺ فقال: "بلى إنه كبير". تنبيه: قال الخطابي: منسوب إلى جد من أجداده اسمه الخطابي، واسم أبي سليمان الخطابي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب (١). قال ابن بطال في قوله: "وما يعذبان في كبير" يعني: عندكم، وهو كبير يعني عند الله تعالى كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٢) وكيف لا

стр. 992

يكون كبيرًا وهما يعذبان فيه، ففي هذا الحديث أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة والجماعة وجمهور المعتزلة أيضًا وهو مما يجب اعتقاد حقيقته وهو مما نقلته الأمة متواترًا، واشتهر بحيث لا يخفى فمن أنكر عذاب القبر أو نعمته فهو كافر كذب الله ورسوله في خبرهما (١)، والله أعلم. قوله ﷺ : "أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة"، وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بنيهم، وهو محرم بالاتفاق فإنه بغيضر عند الله، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى، وسيأتي الكلام على النميمة مبسوطًا في بابه إن شاء الله تعالى، ففيه غلظ تحريم المشي بالنميمة، فالمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح ولاسيما مع قوله: "كان يمشي بالنميمة" كان التي للحالة المستمرة غالبًا وهي من الكبائر على الأصح، ولهذا: "لا يدخل الجنة قتات " وهو: النمام، أما لو نقله للنصيحة وترك مفسدة أو دفع مضرة وإيصال خبر يتعلق بالغير لا يكون محرمًا ولا مكروهًا بل قد يندب أو يستحب (٢). قوله ﷺ "وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله " الحديث، قال النووي ﵀: فيه ثلاث روايات، الأول: "يستتر" بتائين مثناتين، والثانية:

стр. 993

"يستنزه" بالزاي والهاء، والثالثة: "يستبرئ " بالباء الموحدة وبالهمز- بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري وغيره: وكلها صحيحة (١)، وفي رواية: "لا يستنتر" بالمثناة، وفي رواية: "يستنثر" بثاء مثلثة، ومعنى: "لا يستتر" من الستر يجوز أن يكون لا يبالي بكشف عورته وهو ما فهمه البغوي، ويجوز أن يريد: لا يجعل بينه وبين بوله حجابًا، توفيقا بين المعنيين وهو أولى (٢)، ومعناه: لا يتجنبه ويحترز منه (٣). وقال ابن بطال: معناه: لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول (٤)، قال بعضهم: "لا يستتر" أي: لا يتحفظ منه فيكون مجازًا إذ الحقيقة فيه ستر العورة، وهذا ستر معنوي، ورجح الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد المجاز لأن التنبيه ليس على كشف العورة إذ لا تعلق له بالبول بدليل: "من بوله "، وفي رواية: "عن بوله " بمعنى واحد (٥)، وقال القاضي في المشارق (٦): قيل (من) بمعنى في، أي: لا يستتر في تلك الحالة أي: بكشف عورته، قال: والصحيح أنه للبيان أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترة ولا يتحفظ منه، ويدل عليه ما جاء في مسلم: "لا

стр. 994

يستنزه، وفي البخاري: "لا يستبرئ" كما تقدم، قاله في شرح الإلمام. ومعنى: "لا يستنزه" من الاستنزاه أي: النزاهة وهو البعد، ومعناه: لا يتحفظ منه ويبعد (١). ومعنى: "لا يستبرئ" أي: لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه يخرج منه بعد وضوءه (٢). ومعنى: "يستنتر" بالمثناة كما تقدم من نتر الذكر وهو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى البول حتى يخرج ما فيه، ومعنى "يستنثر"بثاء مثلثة كما تقدم أي: ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه (٣)، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره" ثلاث مرات (٤)، بمعنى بعد البول، قال الأصحاب: هذا الأدب وهو النثر والتنحنح مستحب، فلو ترك ذلك فلم ينثر ولم يتنحنح واستنجى عقب انقطاع البول ثم توضأ فاستنجاؤه صحيح ووضوئه كامل لأن الأصل عدم خروج شيء آخر، قال الشافعي: يستبرئ البائل من البول لئلا يقطر عليه، وأحب أن يقيم ساعة قبل الوضوء وينثر ذكره، وقال الروياني: يمشي خطوة أو خطوات، وكل أحد أعرف بطبعه، والمختبر أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والمقصود أنه يظن

стр. 995

انقطاع البول، فمن الناس من يحصل هذا المقصد بلا عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرير، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء، هذا وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة، ويكره حشو الذكر بقطنة ونحوها، والنتر بالتاء المثناة، قال الجوهري: إنه الحدث بعنف من غير مبالغة، وذكر هذا الحديث، وأما النثر في الاستنشاق وفي الوليمة فبالثاء المثلثة (١)، قاله في الديباجة. ومعنى الجميع: عدم اجتنابه والتحرز منه، ففي الحديث دليل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب إذ لا يعذب الإنسان إلا على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسا على البول وهو قول أكثر العلماء (٢)، أما بول الآدمي فلا خلاف فيه (٣)، وأما غيره فمذهب الشافعي نجاسته، وقال مالك: لا يجب إزالة النجاسة بل هي سنة، ويعذب على تركها إذا سالت النجاسة مثلا على يديه بخلاف ما إذا لم تسل (٤)، وقيل: تجب (٥)، والثالث وهو الأشهر عندهم: تسقط مع العجز والنسيان لا مع الذكر (٦)، وعند أبي حنيفة: يعفى عند قدر الدرهم فلا يجب الاستنجاء إلا عند الانتشار

стр. 996

والكثرة، ولكن يسن (١)، والحديث ظاهر في الوجوب وفي إضافة العذاب إلى البول خاصة دون سائر المعاصي إشارة إلى ما يترتب على ذلك من بطلان صلاته التي هي أعظم أركان الإسلام، ولهذا قال: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٢)، وقد ورد أن بعضهم ضمه القبر أو ضغطه بسبب ذلك (٣).
следующие страницы →