← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9322–9361 · переход к 9327.

стр. 9322

٥١٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليَكُون لَهُ عِنْد الله الْمنزلَة فَمَا يبلغهَا بِعَمَل فَمَا يزَال يَبْتَلِيه بِمَا يكره حَتَّى يبلغهُ إِيَّاهَا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقه وَغَيرهمَا (١). ٥١٦٦ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول مَا أصَاب رجلا من الْمُسلمين نكبة فَمَا فَوْقهَا حَتَّى ذكر الشَّوْكَة إِلَّا لإحدى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا ليغفر الله لَهُ من الذُّنُوب ذَنبا لم يكن ليغفره لَهُ إِلَّا بِمثل ذَلِك أَو يبلغ بِهِ من الْكَرَامَة كَرَامَة لم يكن ليبلغها إِلَّا بِمثل ذَلِك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (٢).

стр. 9323

قوله: "وروي عن بريدة الأسلمي" هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث،

стр. 9324

وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١). قوله ﷺ : "ما أصاب رجلا من المسلمين نكبة فما فوقها" الحديث، النكبة بفتح النون وإسكان الكاف وفتح الباء الموحدة، قال القاضي عياض وتبعه النووي مثل العثرة يعثرها الإنسان برجله تدمي الرجل منها وربما جرحت أصبعه وأصله من النكب وهو القلب والكبّ والعاثر قد نكب غالبا. قاله عياض (٢). ويحتمل أن يراد بالنكبة المصيبة وهو معناها المشهور (٣). ٥١٦٧ - وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد عَن أَبِيه عَن جده وَكَانَت لَهُ صُحْبَة من رَسُول الله ﷺ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول إِن العَبْد إِذا سبقت لَهُ من الله منزلَة فَلم يبلغهَا بِعَمَل ابتلاه الله فِي جسده أَو مَاله أَو فِي وَلَده ثمَّ صَبر على ذَلِك حَتَّى يبلغهُ الْمنزلَة الَّتِي سبقت لَهُ من الله . رواه أحمد (٤) وأبو داود (٥) وأبو يعلى (٦) والطبراني في الكبير (٧) والأوسط (٨) ومحمد بن خالد لم يرو عنه

стр. 9325

عنه غير أبي المليح الرقي ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد والله أعلم (١). قوله: "وعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده" هو محمد بن خالد بن زيد بن جارية (٢) وقيل اسم جده اللجلاج بن حكيم أورده ابن مندة في ترجمة اللجلاج بن حكيم السلمي، وزعم أنه أخو الجحّاف بن حكيم، وأنه في أهل الجزيرة (٣). قوله ﷺ : "إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده ثم صبّره على ذلك" الحديث، أي إذا قدر الله تعالى لعبد منزلة ودرجة رفيعة ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه الله تعالى ببلاء ورزقه صبرا على ذلك البلاء حتى يبلغ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصبره عليه، اهـ. وتقدم معنى الابتلاء أنه الامتحان، وتقدم الكلام على [الصبر] مبسوطًا.

стр. 9326

٥١٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليقول للْمَلَائكَة انْطَلقُوا إِلَى عَبدِي فصبوا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا فيحمد الله فيرجعون فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا صببنا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا كَمَا أمرتنا فَيَقُول ارْجعُوا فَاِنِّي أحب أَن أسمع صَوته. رَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: "وروي عن أبي أمامة"، أبو أمامة اسمه صديّ بن عجلان الباهلي، [تقدمت] ترجمته (٢). ٥١٦٩ - وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليجرب أحدكُم بالبلاء كَمَا يجرب أحدكُم ذهبه بالنَّار فَمِنْهُ مَا يخرج كالذهب الإبريز فَذَاك الَّذِي حماه الله من الشُّبُهَات وَمِنْه مَا يخرج دون ذَلِك فَذَلِك الَّذِي يشك بعض الشَّك وَمِنْه مَا يخرج كالذهب الْأسود فَذَاك الَّذِي افْتتن (٣).

стр. 9327

قوله ﷺ : "إن الله ليجرّب أحدكم بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنه مما يخرج كالذهب الإبريز" الحديث، الإبريز هو الخالص (١). ٥١٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُصِيبَة تبيض وَجه صَاحبهَا يَوْم تسود الْوُجُوه. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢). ٥١٧١ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا يُصِيب الْمُؤمن من نصب وَلَا وصب وَلَا هم وَلَا حزن وَلَا أَذَى وَلَا غم حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها إِلَّا كفر الله بهَا من خطاياه. رواه البخاري (٣) ومسلم (٤) ولفظه ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته ورواه ابن أبي الدنيا (٥) من حديث أبي هريرة وحده.

стр. 9328

٥١٧٢ - وَفِي رِوَايَة لَهُ مَا من مُؤمن يشاك بشوكة فِي الدُّنْيَا يحتسبها إِلَّا قصّ بهَا من خطاياه يَوْم الْقِيَامَة. النصب التَّعَب (١) النصب التعب الوصب المرض. قوله: "وعن أبي سعيد وأبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قوله ﷺ : "ما يصيب المؤمن نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن" الحديث، النصب التعب والوصب المرض، قالهما الحافظ. وقال بعض العلماء: النصب التعب، وقد نصب ينصب نصبا كفرح يفرح فرحا، ونصبه غيره وأنصبه لغتان مشهورتان. والوصب الوجع [ملازم]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ (٢) أي [لازم ثابت]. وقوله: "ولا هم ولا حزن"، قال بعضهم: هما لفظان متغايران فالهم يختص بما هو آت والحزن بما مضى، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحهما معا لغتان. قوله: "وفي رواية مسلم: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته"، تقدم تفسير النصب والوصب والحزن. وأما السقم فهو بضم السين وإسكان القاف وبفتحها معا لغتان: المرض. قوله ﷺ : حتى الهم يهمه، الحديث. والهمّ لما يستقبل ويهمه. قال القاضي عياض هو بضم الياء وفتح الهاء على

стр. 9329

ما لم يسمّ فاعله، وضبطه غيره يهمه بفتح الياء وضم الهاء أي يغمّه وكلاهما صحيح (١). المؤمن يجزى بالسوء في الدنيا بالنصب والتعب والوصب والحزن والغم، ومن [هنا] قيل إن المرض إذا كان عقوبة لا يقبل الدواء لأنه [جزاء سيئة] في الدنيا، وإذا كان عقوبة فلا دواء له حتى تنقضي مدة العقوبة وينزل العفو هكذا ذكر صاحب نوادر الأصول (٢) والله أعلم. قوله في الحديث: "إلا كفر به من سيئاته" وفي رواية لابن أبي الدنيا: إلا [قُصّ] بها من خطاياه. و [للعذري] في حديث [ابن نمير] نقص بها من خطاياه، ولغيره قُصّ، أي كُفِّر عنه وحوسب بها وحط مثلها من خطاياه كما [جاء] بلفظ حط في الحديث الآخر، وهو أوجه، والرواية الأخرى إليه يرجع معناها إن صحت، اهـ. قاله عياض (٣). وفي رواية: ما يصيب المؤمن من مرض أو وجع إلا كان كفارة لذنبه. ظاهر قوله [ ﷺ ]: إلا كان كفارة لذنبه ترتب تكفير جميع الذنوب على مطلق المرض والوجع للعموم الذي في [قوله ﷺ : كذنبه] فإنه مفرد مضاف، لكن العلماء لم يقولوا بذلك في الكبائر بل قالوا: إن تكفيرها لا يكون إلا بالتوبة، وطردوا ذلك في سائر المكفرات من الأعمال والمشاق وأصلهم في ذلك قوله ﷺ : الصلوات خمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان

стр. 9330

مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، والقول بتكفير المرض وإن خف والوجع وإن خف لجميع الصغائر فيه بعد، وقد عرفتَ أن الذي في الصحيح كفر الله بها عنه ولم يذكر تكفير جميع الذنوب بل قوله ﷺ في رواية مسلم: قص الله بها من خطيئته صريح في تكفير البعض. وورد في رواية أخرى أن المكفّر خطيئة واحدة. وفي رواية أخرى ضعيفة: عشر سيئات، فيحمل لفظ الرواية وهي قوله إلا كان كفارة لذنبه من طريق الإمام أحمد على أن معناه أن المرض صالح لتكفير الذنوب فيكفر الله به ما يشاء منها، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدّة المرض وخفته، والمراد بتكفير [الذنوب] ستره ومحو [أثرها] المرتّب [عليها] [من استحقاق العقوبة. قال في الصحاح: التكفير في المعصية كالإحباط في الثواب، أي أن معنى تكفير المعصية محو أثرها المرتب عليها] وهو الثواب [والله تعالى أعلم بالصواب] (١)، وظاهره يعني الحديث ترتب تكفير الذنوب على مجرد المرض أو الوجع سواء انظم إليه صبر أم لا واعتبر أبو العباس القرطبي في حصول ذلك وجود الصبر فقال: لكن هذا كله إذا صبر المصابُ واحتسب وقال ما أمره الله به في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ (٢)، الآية، فإن كان كذلك وصل إلى ما وعده الله ورسوله من

стр. 9331

ذلك (١)، اهـ. وهو مطالب بالدليل على ذلك (٢) والله أعلم. ٥١٧٣ - وَعَن أبي بردة ﵁ قَالَ كنت عِنْد مُعَاوِيَة وطبيب يعالج قرحَة فِي ظَهره وَهُوَ يتَضَرَّر فَقلت لَهُ لَو بعض شبابنا فعل هَذَا لعبنا ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ مَا يسرني أَنِّي لَا أَجِدهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من جسده إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لخطاياه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (٣) وروى الْمَرْفُوع مِنْهُ أَحْمد (٤) بِإِسْنَاد رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من شَيْء يُصِيب الْمُؤمن فِي جسده يُؤْذِيه إِلَّا كفر الله بِهِ عَنهُ من سيئاته وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٥) وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٦).

стр. 9332

قوله: "وعن أبي بردة" هو أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، واسم أبى موسى عبد الله بن قيس، ويأتى تمام نسبه في ترجمته، واسم أبى بردة عامر، هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور، وقال يحيى بن معين: اسمه الحارث. وفى رواية عنه: عامر، كقول الجمهور، وهو تابعى كوفى، ولى قضاء الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه، روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعلى بن أبى طالب وابن عمر، والأغر المزنى، وعبد الله بن سلام، وعائشة، رضى الله عنهم، وسمع خلائق من التابعين روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، واتفقوا على توثيقه وجلالته (١). قوله: "كنت عند معاوية وطبيب يعالج قرحة في ظهره" الحديث، تقدم الكلام على معاوية بن أبي سفيان (٢)، والقرحة تقدم الكلام عليها في الصدقة

стр. 9333

بالماء وهى حبات تخرج في بدن الإنسان (١)، وقيل: القرحة كالدمل والورم. ٥١٧٤ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من مُصِيبَة تصيب الْمُسلم إِلَّا كفر الله عَنهُ بهَا حَتَّى الشَّوْكة يشاكها. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). ٥١٧٥ - وَفِي رِوَايَة: لمُسلم لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا نقص الله بهَا من خطيئته. وَفِي أُخْرَى: إِلَّا رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة (٤). وفي أخرى: إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة (٥). وفي رواية: له ما من مؤمن يشاك بشوكة في الدنيا يحتسبها إلا قص بها من خطاياه يوم القيامة (٦). ٥١٧٦ - وَفِي أُخْرَى: لَهُ قَالَ دخل شباب من قُرَيْش على عَائِشَة ﵂ وَهِي بمنى وهم يَضْحَكُونَ فَقَالَت مَا يُضْحِككُمْ قَالُوا فلَان خر على طُنب فسطاط فَكَادَتْ عُنُقه أَو عينه أَن تذْهب فَقَالَت لَا تَضْحَكُوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا من مُسلم يشاك بشوكة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كتبت لَهُ بهَا دَرَجَة ومحيت عَنهُ بهَا خَطِيئَة (٧).

стр. 9334

قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "ما حق مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله عنه بها حتى الشوكة يشاكها" الحديث، الشوكة بالجر عطفا على لفظ مصيبة وبالرفع عطفا على محل الجار والمجرور. قوله ﷺ : "إلا رفعه الله بها درجه وحط عنه خطيئة" وفي حديث عائشة: "رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة" (١) وهو إما شكّ من الراوي وإما تنويع من النبي ﷺ باعتبار الناس، فالمذنب تحط عنه خطيئة ومن لا ذنب له كالأنبياء ومن [عصم] الله تعالى [ترفع له الدرجة] الدرجة. وفي رواية الأسود عند الطبراني: كتابة عشر حسنات وتكفر عنه عشر سيئات ورفعه له عشر درجات، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها، وإن قلَّت مشقتها، وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم أنه تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة (٢). اهـ. قال يعني القاضي (٣) وروي نحوه عن ابن مسعود. قال الوجعُ لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا، واعتمد في ذلك على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا فقط ولم تبلغه هذه الأحاديث التي ذكرها

стр. 9335

مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات، اهـ. تنبيه: في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلّ أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور (١). قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: "قالوا: فلان خرّ على طُنُب فسطاط فكادت عنه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا" الحديث، خرّ بمعنى سقط، والطنب هو الحبل الذي يشدّ به الفسطاط (٢)، والفسطاط الخيمة [الكبيرة وتسمى بمدينة مصر الفسطاط] (٣)، والطنب أحد أطناب الخيمة [وهي الخيمة] وهي الخِباء بكسر الخاء المعجمة وبالمدّ [يكون] من وبر أو صوف ولا تكون من الشعر وهي على عمودين أو ثلاثة وتجمع على أخبية نحو الحمار والأحمرة (٤)، اهـ. ففي هذا الحديث النهي عن الضحك من مثل هذا إلا أن تحصل غلبة لا يمكن دفعه وأما تعمد الضحك فمذموم لأن فيه إشماتا بالمسلم وكسرا لقلبه (٥)، انتهى. ٥١٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ والمؤمنة فِي نَفسه وَولده وَمَاله حَتَّى يلقى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة.

стр. 9336

رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١) والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٢). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة" الحديث، أي حتى يموت وقد زال ذنبه في الدنيا، هذا الحديث دليل لمن يقول المصائب تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة والجمهور على خلاف ذلك (٣) كما تقدم.

стр. 9337

تتمة: [ليُعلَم] أن الآلام والأسقام كلها مكفرة للذنوب، فإن فرضنا أنه بقي على المسلم بقية كفرها الموت، وقد صح كما قال القرطبي (١) أن النبي ﷺ قال: الموت كفارة لكل مسلم، اهـ. وروى الحافظ أبو نعيم والقاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين، وقال حديث حسن صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: الموت راحة لكل مسلم وإنما كان كفارة لما يلقاه الميت في مرضه من الآلام والأوجاع (٢) ومما يقوي رجاء المؤمن في سعة رحمة الله وعفوه وإكرامه له وبره كون هذا العبد المؤمن من أمة سيد ولد آدم خاتم الأنبياء والمرسلين وأكرمهم [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] ولو لم يكن لهذا من أسباب نجاته إلا هذا لكان كافيا [فيندفع بالموت على الإسلام من الضرر العام ضرر الذنوب والآلام، فإن الموت يكفرها كما سبق وصح من قول النبي ﵊، وإذا اندفع ألم الآثام حصلت السلامة من أنواع العذاب وأهوال يوم المآب وما يكون من تفاضل ذلك مما يتدبره أولوا الألباب، قاله ابن الملقن]، اهـ. ٥١٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أُصِيب بمصيبة بِمَالِه أَو فِي نَفسه فكتمها وَلم يشكها إِلَى النَّاس كانَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ (٣).

стр. 9338

قوله: "وعن ابن عباس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من أصيب بمصيبة بماله أو في نفسه فكتمها ولم يشكها إلى الناس كان حقا على الله أن يغفر له" الحديث، الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فإن يعقوب ﵊ وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، وكذلك أيوب ﵇ أخبر الله أنه وجده صابرًا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢)، وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إليه كما رآى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشده: وَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لهَا ... صَبْرَ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ؟

стр. 9339

وفي أثر إسرائيلي: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك (١). اهـ. ٥١٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ أَتَى رَسُول الله ﷺ شَجَرَة فهزها حَتَّى تساقط وَرقهَا مَا شَاءَ الله أَن يتساقط ثمَّ قَالَ للمصيبات والأوجاع أسْرع فِي ذنُوب ابْن آدم مني فِي هَذِه الشَّجَرَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى (٢). ٥١٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ . مَا من شَيْء يُصِيب الْمُؤمن من نصب وَلَا حزن وَلَا وصب حَتَّى الْهم يهمه إِلَّا يكفر الله عَنهُ بِهِ سيئاته رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (٣). ٥١٨١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وصب الْمُؤمن كَفَّارَة لخطاياه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤).

стр. 9340

٥١٨٢ - وروي عن بشير بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار فأكب عليه فسأله، فقال: يا نبي الله ما غمضت منذ سبع، ولا أحد يحضرني، فقال رسول الله ﷺ : أي أخي اصبر أي أخي اصبر حتى تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها. قال: وقال رسول الله ﷺ : ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا. رواه ابن أبي الدنيا (١). قوله: وروي عن بشير بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري (٢) عن أبيه عن جده بشير ذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عنه فضال بن جبير، وفضال لا شيء وأبوه عبد الله لم يرو عنه إلا ابنه وجده أبو أيوب خالد بن زيد بن ثعلبة النجاري الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، والعقبة الثانية، والمشاهد كلها. وهو ممن غلبت عليه كنيته. وكان مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها. ومات بالقسطنطينية مرابطا سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة خمسين.

стр. 9341

قوله: "عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار فأكب عليه فسأله، فقال: يا نبي الله ما غمضت من سبع ولا أحد يحضرني" الحديث، عيادة المريض معروفة مستحبة، والأنصار قبيلتان: الأوس والخزرج وهم الذين نصروا رسول الله ﷺ حين قدم من مكة إلى المدينة مهاجرا. ٥١٨٣ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كثرت ذنُوب العَبْد وَلم يكن لَهُ مَا يكفرهَا ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عَنهُ. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا لَيْث بن أبي سليم رواه أحمد (١). ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم (٢).

стр. 9342

٥١٨٤ - وَعَن عَائِشَة أَيْضا ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا اشْتَكَى العَبْد الْمُؤمن أخلصه الله من الذُّنُوب كَمَا يخلص الْكِير خبث الْحَدِيد. رواه ابن أبي الدنيا (١) والطبراني (٢). واللفظ له وابن حبان في صحيحه (٣). قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على فضائلها ﵂.

стр. 9343

قوله ﷺ : "إذا اشتكى المؤمن خلصه الله من الذنوب كما يخلص الكير خبث الحديد" الحديث، الكير هو زق أو جلد غليظ للحدادين ينفخون فيه على الحديد، وأما المبني من الطين فهو الكورُ (١)، والخَبث مفتوح الخاء والباء ويروى مضموم الخاء ساكن الباء ما تلقيه النار من وسخ الحديد والنحاس والفضة وغير ذلك، وقذره الذي تخرجه النار منه إذا أذيب (٢). ٥١٨٥ - وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ قَالَ لي ابْن عَبَّاس أَلا أريك امْرَأَة من أهل الْجنَّة فَقلت بلَى قَالَ هَذِه الْمَرْأَة السَّوْدَاء أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت إِنِّي أصرع وَإِنِّي أتكشف فَادع الله لي قَالَ إِن شِئْت صبرت وَلَك الْجنَّة وَإِن شِئْت دَعَوْت الله أَن يعافيك فَقَالَت أَصْبِر فَقَالَت إِنِّي أتكشف فَادع الله لي أَن لَا أتكشف فَدَعَا لَهَا. رواه البخاري (٣) ومسلم (٤). قوله: "وعن عطاء بن أبي رباح" (٥) هو أبو محمد، عطاء بن أبي رباح -واسم أبي رباح أسلم- مولى فهر، أو جمح المكي. كان جعد الشعر، أسودا، أفطسا، أشلا، أعورا، ثم عمي، وكان من أجلاء الفقهاء، وتابعي مكة، قال الأوزاعي:

стр. 9344

مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، ومات سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: سنة أربع عشرة، وله ثمان وثمانون سنة، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرا، وابن عمر، وعائشة، روى عنه عمرو بن دينار، والزهري، وحبيب بن أبي ثابت، وابن جريج، وقيس بن سعد وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان: أذكرهم في زمان بنى أمية يأمرون في الحاج صائحا يصيح: لا يفتى الناس إلا عطاء بن أبى رباح. واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته (١). قوله: "قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي" الحديث، هذه المرأة السوداء هي أم زفر (٢)، وفي هذا الحديث دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب (٣) والله أعلم. ٥١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَت امْرَأَة بهَا لمَم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع الله لي فَقَالَ إِن شِئْت دَعَوْت الله فشفاك وَإِن شِئْت صبرت وَلَا حِسَاب عَلَيْك قَالَت بل أَصْبِر وَلَا حِسَاب عَليّ. رواه البزار (٤)

стр. 9345

وابن حبان في صحيحه (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله لي" الحديث. قال أهل اللغة: اللمم [طرف] من الجنون يلمّ بالإنسان أي يقرب منه ويعتريه. قاله في النهاية (٢)، ومنه حديث أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل عين لامّة، أي ذات لمَم ولذلك لم يقل ملمّة، اهـ. ٥١٨٧ - وَعَن معَاذ بن عبد الله بن حبيب عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لأصحابه أتحبون أَن لَا تمرضوا قَالُوا وَالله إِنَّا لنحب الْعَافِيَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا خير أحدكم أَن لَا يذكرهُ الله. رواه ابن أبي الدنيا (٣) وفي إسناده إسحاق بن محمد الفروي (٤).

стр. 9346

قوله: "وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب" (١) روى عن: أبيه، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أنيس، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وغيرِهم. وعنه: بكير بن الأَشَجّ، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم. قال ابن معين: من الثقات وقال أبو داود: ثقة، وروى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في "الثقات" قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثماني عشرة ومئة (٢). قوله: "إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه أتحبون أن لا تمرضوا؟ قال: والله أنا لنحب العافية" الحديث، تقدم الكلام على المرض في هذا الكتاب، وعلى العافية في كتاب الجنائز. قوله: "في إسناده إسحاق بن محمد القروي" إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان، القرشي الأموي، أبو سليمان المدني، مولى آل عثمان بن عفان، تركوه، تكلم فيه مالك والشافعي وتركاه (٣).

стр. 9347

٥١٨٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا ضرب على مُؤمن عرق قطّ إِلَّا حط الله بِهِ عَنهُ خَطِيئَة وَكتب لَهُ حَسَنَة وَرفع لَهُ دَرَجَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (١). ٥١٨٩ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مرض العَبْد أَو سَافر كتب لَهُ مثل مَا كَانَ يعْمل مُقيما صَحِيحًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاود (٢). [٥١٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من أحد من النَّاس يصاب ببلاء فِي جسده إِلَّا أَمر الله الْمَلَائِكَة الَّذين يَحْفَظُونَهُ قَالَ اكتبوا لعبدي فِي كل يَوْم وَلَيْلَة مَا كَانَ يعْمل من خير مَا كَانَ فِي وثاقي. رواه أحمد. (٣) واللفظ له، والحاكم (٤). وقال: صحيح على شرطهما.

стр. 9348

٥١٩١ - وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن العَبْد إِذا كَانَ على طَريقَة حَسَنه من الْعِبَادَة ثمَّ مرض قيل للْملك الْمُوكل بِهِ اكْتُبْ لَهُ مثل عمله إِذا كَانَ طليقا حَتَّى أطلقهُ أَو أكفته إِلَيّ وَإِسْنَاده حسن (١).

стр. 9349

قَوْله: أكفته إِلَيّ -بكاف ثمَّ فَاء ثمَّ تَاء مثناة فَوق- مَعْنَاهُ أضمه إِلَيّ وأقبضه. قوله أكفته إلي بكاف ثم فاء ثم تاء مثناة فوق معناه أضمه إلي وأقبضه. قوله: "وعن عبد الله بن عمرو" تقدم الكلام عليه. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم]: "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة فيمرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا" [أي صحيحا]. قوله: "حتى أطلقه أو أكفته إليّ" الحديث. قوله: "أكفته" بكاف ثم فاء ثم تاء مثناة فوق معناه أضمه إلي وأقبضه. اهـ، قاله المنذري. وقال في النهاية (١): أي أضمّه إلى القبر، ومنه قيل للأرض [كفاة]. وقال ابن عطية (٢): الكفات: السِّتر والوِعاء الجامع للشيء بإجماع. فقوله كفتَ الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، وقرأ ابن مسعود وقد دفن قملة في المسجد ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا

стр. 9350

(٢٥)﴾ (١). قال أبو محمد (٢): ولما كان القبر كفاتا كالبيت قطع من سرق منه، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها وتكفت الأموات في بطنها. وأصل الكفت الستر والضم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (٣) أي تضمهم على ظهرها وفي بطنها. قاله عياض (٤). ٥١٩٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذا ابتلى الله العَبْد الْمُسلم ببلاء فِي جسده قَالَ الله للْملك اكْتُبْ لَهُ صَالح عمله الَّذِي كَانَ يعْمل وَإِن شفَاه غسله وطهره وَإِن قَبضه غفر لَهُ ورحمه، رواه أحمد ورواته ثقات (٥). قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم. قوله ﷺ : "إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده" فذكر الحديث وفي

стр. 9351

آخره "وإن قبضه غفر له ورحمه" تقدم أن الابتلاء هو الامتحان. تنبيه: المغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة الخيرات، فالأول عبارة عن الزحزحة عن النار، والثاني إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم (١). لطيفة: قال الجنيد بِتُّ عند [السري] ليلة فقال لي أنائم أنت؟ قلت: لا. قال: أوقفني الحق بين يديه وقال: أتدري لم خلقت الخلق؟ قلت: لا. قال: خلقتهم فادّعوا محبتي فخلقت الدنيا فاشتغل بها من [العشرة] آلاف تسعة آلاف وبقي ألف، فخلقت الجنة فاشتغل بها تسع مائة وبقيت مائة فسلطت عليهم شيئا من بلائي فاشتغل تسعون وبقي عشرة، فقلت لهم لا الدنيا وأردتم ولا في الجنة رغبتم ولا من البلاء هربتم فماذا تريدون؟ قالوا: إنك لتعلم ما نريد، فقلت إني سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال أفتثبتون؟ قالوا: ألست أنت الفاعل؟ قد [رضينا بك ونحمل] ذلك بك وفيك ولك، فقلت لهم: أنتم عبادي حقا (٢). [شعر]: نفس إليكِ بِكُلِّهَا قَدْ أَجْمَعَتْ ... لَوْ كَانَ فِيكِ هَلاكُهَا مَا أَقْلَعَتْ تَبْكِي عَلَيْكَ ببعضها في بعضها ... حَتَّى يُقَالُ مِنَ الْبُكَاءِ تَقَطَّعَتْ انْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف ... فلطالما متّعتها فتمتّعت (٣)

стр. 9352

٥١٩٣ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا من عبد يمرض مَرضا إِلَّا أَمر الله حافظه أَن مَا عمل من سَيِّئَة فَلَا يَكْتُبهَا وَمَا عمل من حَسَنَة أَن يَكْتُبهَا عشر حَسَنَات وَأَن يكْتب لَهُ من الْعَمَل الصَّالح كَمَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح وَإِن لم يعْمل رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن أبي الدُّنْيَا (١). ٥١٩٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عجب لِلْمُؤمنِ وجزعه من السقم وَلَو كانَ يعلم مَا لَهُ من السقم أحب أَن يكون سقيما الدَّهْر ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَضَحِك فَقيل يَا رَسُول الله مِم رفعت رَأسك إِلَى السَّمَاء فَضَحكت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عجبت من ملكَيْنِ كَانَا يلتمسان عبدا فِي مصلى كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلم يجداه فَرَجَعَا فَقَالَا يَا رَبنَا عَبدك فلَان كُنَّا نكتب لَهُ فِي يَوْمه وَلَيْلَته عمله الَّذِي كَانَ يعْمل فوجدناه حَبسته فِي حبالك قَالَ الله ﵎ اكتبوا لعبدي عمله الَّذِي كانَ يعْمل فِي يَوْمه وَلَيْلَته وَلَا تنقصوا مِنْهُ شَيْئا وَعلي أجره مَا حَبسته وَله أجر مَا كَانَ يعْمل رواه ابن أبي الدنيا (٢)

стр. 9353

والطبراني في الأوسط (١) والبزار (٢) باختصار قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم الكلام عليه. قوله: "عجب للمؤمن وجزعه وجزعه من السقم" تقدم الكلام على السقم. ٥١٩٥ - وَعَن أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ أَنه رَاح إِلَى مَسْجِد دمشق وهجر الرواح فلقي شَدَّاد بن أَوْس والصنابحي مَعَه فَقلت أَيْن تريدان يرحمكما الله

стр. 9354

تَعَالَى فَقَالَا نُرِيد هَهُنَا إِلَى أَخ لنا من مُضر نعوده فَانْطَلَقت مَعَهُمَا حَتَّى دخلا على ذَلِك الرجل فَقَالَا لَهُ كيفَ أَصبَحت فَقَالَ أَصبَحت بِنِعْمَة فَقَالَ شَدَّاد أبشر بكفارات السَّيِّئَات وَحط الْخَطَايَا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يَقُول إِذا ابْتليت عبدا من عبَادي مُؤمنا فحمدني على مَا ابتليته فأجروا لَهُ كمَا كُنْتُم تجرون لَهُ وَهُوَ صَحِيح. رواه أحمد (١) من طريق إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني والطبراني في الكبير والأوسط (٢) وله شواهد كثيرة (٣). قوله: "وعن أبي الأشعث الصنعاني" هو أبو الأشعث، شراحيل بن أدة، قاله يحيى بن معين وغيره، ويقال: شراحيل بن كليب بن ادة. ويقال:

стр. 9355

شراحيل بن شراحيل. ويقال: شرحبيل بن شرحبيل. والأول أشهر، وهو من صنعاء الشام وكانت قرية بالقرب من دمشق وهي الآن أرض فيها بساتين غربي دمشق بينها وبين الربوة، وقيل: أنه من صنعاء اليمن، ويحتمل أنه كان من صنعاء اليمن ثم لما قدم الشام سكن صنعاء دمشق. تابعي مشهور، روى عن عبادة بن الصامت، وثوبان، روى عنه مسلم بن يسار، وأبو قلابة، ثقة شهد فتح دمشق (١). قوله: "أنه راح إلى مسجد دمشق فهجر الرواح" الحديث، التهجير هو التبكير إلى الصلاة. قوله: "فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه" الحديث، هو شداد بن أوس بن المنذر بن حزام، فذكره إلى أن قال ابن مالك بن النجار وكنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو يعلى وشداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر، ونزل البيت المقدّس وسكنه وكان إمامه (٢). وقال ابن أبي الدنيا: رئي على سور البيت المقدّس الشرقي وهو ينظر إلى وادي جهنم ويبكي فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله

стр. 9356

- ﷺ أنه رأى جهنم (١). وقال: كان شداد إذا أوى إلى فراشه كأنه حبّة على [مَقْل] فيقول: اللهم إن النار قد أسهرتني ثم يقوم إلى الصلاة. وفي رواية أن جهنم لا تدع أحدا ينام (٢). وقال ابن سعد (٣) بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قال شداد بن أوس وكانت له صحبة: زوجوني. فإن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا ألقى الله عزبا، واسم أمّه صريمة من بني عدي بن النجار، وتقدم الكلام على مناقبه وتقدم الكلام على الصنابحي. قوله: "رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني" راشد بن داود الصنعاني الدمشقي: قال الدارقطني: ضعيف لا يعتبر به، وقال البخاري: فيه نظر ووثقه دحيم وابن معين وغيرهما. ٥١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله ﵎ إِذا ابْتليت عَبدِي الْمُؤمن فَلم يشكني إِلَى عواده أطلقته من إساري ثمَّ أبدلته لَحْمًا خيرا من لَحْمه ودما خيرا من دَمه ثمَّ يسْتَأْنف الْعَمَل. رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما (٤).

стр. 9357

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إذا ابتليتُ عبدي فلم يشكني لعُوّاده أطلقته من أسري" الحديث. وعن علقمة قال: دخلنا على ابن مسعود فقلنا: يا أبا عبد الرحمن ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قلنا: ما تشتهي: قال أشتهي المغفرة. فقالا: أنا [نأتيك] بطبيب؟ قال: الطبيب أنزل في ما تَرْون. قال: ثم بكى عبد الله، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن العبد إذا مرض يقول الرب ﵎ عبدي في وثاقي فإن كان نزل به المرض وهو في [اجتهاده] قال اكتبوا له من الأجر قدر ما كان يعمل في اجتهاده وإن كان نزل به المرض وهو في فترة منه قال: اكتبوا له من الأجر قدر ما كان في فترته. فأنا أبكي أنه نزل بي المرض في فترة، ولوددت أنه كان في اجتهاد مني (١). وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته: يا ملائكتي أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له وإن أعافيه فجسد مغفور له لا ذنب له (٢). اهـ. ٥١٩٧ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يمرض مُؤمن وَلَا مُؤمنَة وَلَا مُسلم وَلَا مسلمة إِلَّا حط الله بِهِ خطيئته وَفِي

стр. 9358

رِوَايَة إِلَّا حط الله عَنهُ من خطاياه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِلَّا حط الله بذلك خطاياه كَمَا تنحط الورقة عَن الشَّجَرَة (١). ٥١٩٨ - وَعَن أَسد بن كرز ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول الْمَرِيض تحات خطاياه كَمَا يتحات ورق الشّجر رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد (٢) فِي زوائده وَابْن أبي

стр. 9359

الدُّنْيَا بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: "وعن أسد بن كرز" (٢) هو أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ البجلي القسري، جد خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري أمير العراق، عداده في أهل الشام، صحب النبي ﷺ ، ولأبيه يزيد أيضا صحبة. روى عنه مهاجر بن حبيب، وضمرة بن حبيب، وحفيده: خالد بن عبد الله، وأهدى للنبي قوسا، فأعطاها قتادة بن النعمان (٣). ٥١٩٩ - وَعَن أم الْعَلَاء وَهِي عمَّة حَكِيم بن حزَام وَكَانَت من المبايعات ﵂ قَالَت عادني رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَرِيضَة فَقَالَ يَا أم الْعَلَاء أَبْشِرِي فَإِن مرض الْمُسلم يذهب الله بهِ خطاياه كَمَا تذْهب النَّار خبث الْحَدِيد وَالْفِضَّة. رواه أبو داود (٤).

стр. 9360

قوله: "وعن أم العلاء" [أم العلاء بالمد وهي عمة حكيم بن حزام [الأنصارية]. قال الحافظ [القسطلاني]: صوابه: حزام بن حكيم [الأنصارية]، وكانت من المبايعات، واسمها (١) كنيتها. قوله في الحديث: "فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الفضة والحديد" الحديث، الخبث هو ما تبديه النار وتميزه من رديء الفضة والحديد وتنقيه إذا أذيبا (٢). وتقدم الكلام على مثل هذا قريبا في الباب. ٥٢٠٠ - وَعَن عَامر الرام أخي الْخضر ﵁ قَالَ أَبُو دَاوُد قَالَ النُّفيْلِي هُوَ الْخضر وَلَكِن كَذَا قَالَ قَالَ إِنِّي لببلادنا إِذْ رفعت لنا رايات وألوية فَقلت مَا هَذَا قَالُوا هَذَا رَسُول الله ﷺ فَأَتَيْته وَهُوَ تَحت شَجَرَة قد بسط لَهُ كسَاء وَهُوَ جَالس عَلَيْهِ وَقد اجْتمع إِلَيْهِ أَصْحَابه فَجَلَست إِلَيْهِ فَذكر رَسُول الله ﷺ الأسقام فَقَالَ إِن الْمُؤمن إِذا أَصَابَهُ السقم ثمَّ أَعْفَاهُ الله مِنْهُ كَانَ كفَّارَة لما مضى من ذنُوبه وموعظة لَهُ فِيمَا يسْتَقْبل وَإِن الْمُنَافِق إِذا مرض ثمَّ أعفي كَانَ كالبعير

стр. 9361

عقله أَهله ثمَّ أَرْسلُوهُ فَلم يدر لم عقلوه وَلم يدر لم أَرْسلُوهُ فَقَالَ رجل مِمَّن حوله يَا رَسُول الله وَمَا الأسقام وَالله مَا مَرضت قطّ قَالَ قُم عَنَّا فلست منا. رواه أبو داود وفي إسناده راو لم يسم (١)
следующие страницы →