← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9462–9501 · переход к 9467.

стр. 9462

فحم بعقب الحاجمة ومات، خرّجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس وفي حديث آخر: فحم من غشيته، وكان المرض الذي مات فيه (١). قوله ﷺ : "فإنه لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء وليلة الأربعاء"، تقدم الكلام على ضبط الأربعاء في كتاب الصوم. قوله في آخر الحديث: "رواه الحاكم عن عبد الله بن صالح" قال الحافظ: وعبد الله بن صالح هذا كاتب الليث بن سعد أخرج له البخاري في صحيحه (٢). تنبيه: الليث (٣) هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري، اتفق العلماء على وصفه بالأمانة والجلالة والعبادة وغير ذلك من المكارم الظاهرات والمحاسن الباهرات ووصفه الشافعي رحمه

стр. 9463

الله بكثرة الفقه وقال: إلا أنه ضيّعه أصحابه، يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها، ففات الناس معظم علمه. قال ابن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن عربي اللسان وما زال يعقد خصالا جميلة حتى عقد عشرة. وقال قتيبة: كان دخلُ الليث كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط وجميل جلالته كثير مشهور، ويكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين الشافعي وابن بكير أن الإمام الليث أفقه من الإمام مالك فهذان صاحبا مالك وهما بالمنزلة المعروفة من إجلال الإمام مالك وكيف وجلالة مالك وغزارة [فقهه] "لا تخفى. فقال الإمام أحمد: ما أصحّ حديثه وقال ابن بكير الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوة لمالك وكان أهل بيته يقولون نحن من الفرس من أصبهان وقدم بغداد وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفاه. ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي في [شعبان سنة] خمس ومائة، ومناقبه كثيرة مشهورة. قاله الكرماني (١). تتمة: عن أبي الزبير عن جابر أن أم سلمة استأذنت النبي ﷺ في الحجامة فأمر أبا طيبة أن يحجمها، قال حسبت أنه قال كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم. قال في المفهم (٢): فيه دليل على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها

стр. 9464

شيئا من التداوي أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعا له من حقه ومنقصا لغرضه منها وإذا كانت لا تشرع في شيء من التطوعات التي تتقرب بها إلى الله تعالى إلا بإذن منه كان أحرى وأولى أن لا تتعرض لغير القُرَب إلا [بإذنه]، اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة من خوف موت أو مرض شديد فهذا لا يحتاج فيه إلى أذى لأنه قد التحق بقسم الواجبات المتعينة وأيضا فإن الحجامة وما يتنزل [منزلها ما يحتاج] فيها إلى محاولة الغير فلا بد فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يصلح وفيما يحل من ذلك، ألا ترى أنه ﷺ أمر [أبا طيْبة] أن يحجمها لمّا علم ما بينهما من السبب المبيح كما قال الراوي: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم ولا شك في مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك فإن لم يوجد من يكون كذلك وقعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبي جاز دفعا لأعظم الضررين وترجيحا لأخف الممنوعين وفيه من الفقه ما يدل على [أنّ] ذا المحرم يجوز أن يطلع من ذاتِ محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي وكذلك الصبي فإن الحجامة غالبا إنما تكون من بدن المرأة فيما لا يجوز للأجنبي الاطلاع عليه كالقفا والرأس والساقين، اهـ. وللشافعي في المسألة خلاف والراجح جواز نظره إلى ما يبدو في المهنة، والله أعلم. خاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين (١) وإذا أراد الإنسان الحجامة يستحب له أن لا يقرب النساء من قبل ذلك بيوم وليلة

стр. 9465

وبعده مثل ذلك وكذلك إذا أراد الفصد وإذا أراد أن يحتجم في الغد يستحب له في يومه أن يتعشى عند العصر فإنه أنفع وإذا كان الرجل به [مِرَّة] فليذق شيئا ثم ليحتجم كي لا يغلبه على عقله ولا ينبغي أن يدخل الحمام في يومه [ذلك]. وقال بعض الأطباء: من احتجم وجامع ودخل الحمام في يوم واحد عجيب منه إن لم يمت. وإذا احتجم الرجل وافتصد لا ينبغي له أن يأكل على إثره مالحا فإنه يخاف منه القروح والجرب ويستحب على إثره الخل ليسكن ما به ثم يحسو شيئا من المرقة ويتناول شيئا من الحلاوة إن قدر عليها ولا ينبغي أن يأكل في يومه لبنا حليبا أو رائبا أو نحو ذلك ويقل من شرب الماء في يومه ذلك، اهـ. ٥٢٦٠ - وَعَن معمر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من احْتجم يَوْم الأَرْبَعَاء أَو يَوْم السبت فَأَصَابَهُ وضح فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَكَذَا وَقَالَ قد أسْند وَلَا يَصح (١). الوضح بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة جَمِيعًا بعْدهَا حاء مُهْملَة وَالْمرَاد بِهِ هُنَا البرص.

стр. 9466

٥٢٦١ - وَعَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا اشْتَدَّ الْحر فاستعينوا بالحجامة لَا يتبيغ الدَّم بأحدكم فيقتله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (١).

стр. 9467

[التَّرْغِيب فِي عِيَادَة المرضى وتأكيدها وَالتَّرْغِيب فِي دُعَاء الْمَرِيض] ٥٢٦٢ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس. رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه (١). ٥٢٦٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فَحَمدَ الله فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ ورواه الترمذي والنسائي (٢) بنحو هذه. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس" أي واجب المسلم على المسلم كذا. قوله: "رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" الحديث، وفي رواية لمسلم حق المسلم على المسلم ست، فالسادسة: [وإذا] استنصحك فانصح له، وتقدم الكلام على النصح مبسوطا و [تقدم الكلام] على [رد السلام في بابه، وأما رد] السلام فهو فرض

стр. 9468

بالإجماع فإن كان السلام على واحد كان الردّ فرض عين [عليه] وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا ردّ [بعضهم] سقط الحرج عن [الناس (١)، انتهى، وتقدم الكلام على رد السلام في بابه مبسوطا]. قوله: "وعيادة المريض"، أما عيادة المريض فسنة بالإجماع وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي (٢) ومنهم من جعلها فرض كفاية مطلقا و [قد] أوجبها أبو حنيفة وهذا في المريض المسلم، واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما فإن لم يكن عند المريض من يتعهده وجبت (٣). وقال صاحب الحاوي (٤) وغيره يستحب أن يعمّ بعيادته الصديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأحاديث. والسنة في عيادة المريض التخفيف (٥) وتكره إطالة القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه ومنعه من بعض تصرفاته (٦) ولا فرق في المرض بين قليله وكثيره ومن تمام العيادة وضع اليد في يد المريض (٧) والسؤال عن حاله والدعاء له بالشفاء والبسط له في أجله وإن رآى علامات الموت نبهه على

стр. 9469

الوصية والتحلل والذكر بلطف وقتا بعد وقت ولقنّه من الذكر ما ورد أن من قاله في مرض موته غفر له ونحو ذلك (١). وفي مروج الذهب (٢) عن فقير بن مسكين قال: دخلت على الشافعي أعوده في مرض موته فقلت له: كيف أصبحت [يا أبا عبد الله؟] قال: أصبحت من الدنيا [راحلا] ولإخواني مفارقا وبكأس المنية شاربا ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزّيها، وأنشد يقول: ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت [الرجا] مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما قال بعضهم: وللزيارة آداب منها: تطييب قلب المريض والدعاء له قبل الانصراف وأن لا يأكل ولا يضحك عنده بل يظهر له التضجر ولا يطيل الجلوس عنده إلا أن يعلم من حال المريض أنه يشتهي ذلك، ففي الحديث عيادة المريض قدر فواق ناقة وهو قدر ما بين الحلبتين من الراحة وتضم فاؤها وتفتح، قاله في النهاية (٣)، ويحمل معه شيئا يناسب حال المريض من فاكهة ومشموم ونحوهما، واختلفوا في استحباب الزيارة للمرأة، اهـ. قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤).

стр. 9470

وأما اتباع الجنائز فسنة بالإجماع وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه وقريبه وغيرهما (١)، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه، وأما إجابة الدعوة [والمراد بإجابة الدعوة إلى] وليمة ونحوها [من الطعام]، وتقدم الكلام على إجابة الدعوة مبسوطا في بابها. وأما تشميت العاطس فهو أن يقول له يرحمك الله ويقال [تشميت العاطس] بالشين المعجمة والسين المهملة لغتان مشهورتان (٢)، الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما (٣). والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينا معجما. وقال صاحب المحكم (٤): تسميت العاطس معناه هداك الله إلى السمت، قال: وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق، وقال أبو عبيد وغيره بالشين المعجمة أعلى اللغتين وتشميت العاطس سنة على الكفاية إذا فعله بعض الحاضرين سقط الأمر عن الباقين وشرطه أن يسمع قول العاطس الحمد لله (٥)، وفي الحديث عن أنس بن مالك (٦) قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال إنّ هذا حمد الله تعالى وإن هذا لم يحمد الله، رواه الجماعة إلا النسائي، وتشميت العاطس

стр. 9471

بالشين المعجمة والمهملة لغتان كما تقدم (١). قال ثعلب: معناه بالمعجمة أبعد الله عنك الشماتة وبالمهملة هو من السمت وهو القصد والهدى، وأجمعت الأمة على أنه مشروع ثم اختلفوا في إيجابه فأوجبه أهل الظاهر وابن مريم من المالكية على كل من سمعه لظاهر قوله في الحديث: فحقّ على كل من سمعه أن يُشمته (٢). قال القاضي: والمشهور من [مذهبه] أنه فرض كفاية وبه قال جماعة من العلماء كردّ السلام، ومذهب الشافعي وأصحابه وآخرين [أنّه] سنة وأدب وليس بواجب، وحملوا الحديث على الندب والأدب، كقوله ﵇: حق على كل مسلم أن يغسِل في كل سبعة أيام. قال القاضي (٣): واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد واختلفت فيه الآثار فقيل: يقول الحمد لله، وقيل: يقول الحمد لله رب العالمين، وقيل: يقول الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخيّر بين هذا كلّه، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد وأما لفظ المشمت فقيل: يقول يرحمك الله، وقيل: يقول يرحمنا الله وإياكم. قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت فقيل: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول يعفو الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يتخير بين هذين، هذا هو الصواب، فقد صحت الأحاديث بهما. قال: ولو تكرّر

стр. 9472

العطاس فقال مالك يشمته ثلاثا ثم يسكت. وقوله: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه" هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمد الله فيكره تشميته إذا لم يحمد فلو حمد الله ولم [يسمع] الإنسان لم يشمته. وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمدَه. قال القاضي: قال بعض شيوخنا: وإنما أمر بالحمد لما حصل له عن المنفعة بخروج ما اختنق في دماغه من الأبخرة (١)، اهـ. قاله في الديباجة. [فأما من روى التسميت] [فأما] بالسين المهملة [من] السمت والسمت الدعاء، وقيل اشتقاق تسميت العاطس من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على سمت حسن لأن هيئته تنزعج للعطاس ومنه حديث عمر: فينظرون إلى سمته وهديه أي حسنه هيئته ومنظره في الدين وليس من الحسن والجمال. وقيل: هو من السمت الطريق، يقال الزم هذا السمت وفلان حسن السمت أي حسن القصد. وأما من رواه بالشين المعجمة فيقال شمت فلان وشمتُّ عليه تشميتا فهو مُشمت واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم [فإنه] دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنّبك ما يشمت به عليك، قاله في النهاية (٢). والله أعلم].

стр. 9473

[تنبيه: في الحديث من سبق العاطس بالحمد أمن من الشَّوْص واللَّوْص والعِلَّوْص]. الشوص وجع الضرس، [وقيل] الشوصة وجع في البطن من ريح ينعقد تحت الأضلاع، وقيل التخمة. [قاله في النهاية] (١). واللّوص قيل هو وجع في الرأس، والعلوص قيل هو وجع في القلب، كذا سمعناه من بعض الفضلاء. [وقال أبو الليث: الشوص وجع الضرس واللوص وجع الأذن والعلوص وجع البطن، اهـ]. فائدة في التثاؤب: قال الجوهري (٢): لا يقال تثاؤب وأما حدّ التثاؤب فهو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المختنقة في عضلات الفك، وهو إنما ينشأ [عن] امتلاء المعدة وثقل البدن ويورث الكسل وسوء الفهم والغفلة فإذا جرى له ذلك فليضع يده على فمه لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه وضحكه منه، وإنما قال من الشيطان وأضاف إليه لأنه هو الذي يدعو الإنسان إلى إعطاء النفس شهوتها من الطعام ويزين له ذلك وإنما قال يعني إذا بالغ في التثاؤب ضحك الشيطان فرحا بذلك. وقيل لم يتثاوب نبي قط. اهـ قاله الكرماني (٣). ٥٢٦٤ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني قَالَ يَا رب كَيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلم تعده أما علمت أَنَّك لَو

стр. 9474

عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده يَا ابْن آدم استطعمتك فَلم تطعمني قَالَ يَا رب كيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَنه استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه أما علمت أَنَّك لَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي يَا ابْن آدم استسقيتك فَلم تَسْقِنِي قَالَ يَا رب وَكَيف أسقيك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ استسقاك عَبدِي فلَان فَلم تسقه أما إِنَّك لَو سقيته وجدت ذَلِك عِنْدِي رواه مسلم (١). قوله: "وعنه" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده" الحديث، قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه والمراد العبد تشريفا وتقريبا له، قالوا: ومعنى وجدتني عنده أي وجدت ثوابي وكرامتي ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: "لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ولو سقيته لوجدت ذلك عندي" أي ثوابه والله أعلم (٢). ٥٢٦٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عودوا المرضى وَاتبعُوا الْجَنَائِز تذكركم الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣).

стр. 9475

٥٢٦٦ - وَعنهُ ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ٥٢٦٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنا على الله من عَاد مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة أَو خرج غازيا أَو دخل على إِمَام يُرِيد تعزيره وتوقيره أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ وَسلم من النَّاس. رواه أحمد (٢) والطبراني واللفظ له (٣) وأبو يعلى

стр. 9476

وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (١)، وروى أبو داود نحوه من حديث أبي أمامة (٢)، وتقدم في الأذكار. قوله: "وعن معاذ بن جبل" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنا على الله تعالى"، وذكر منهن: "من عاد مريضا" الحديث، ضامن بمعنى صاحب ضمان يعني أنه في رعاية الله تعالى. قوله: "أو دخل على إمام يعزره ويوقره" الحديث، يعزره التعزير ها هنا: الإعانة والتوقير والنصر مرة بعد مرة. وأصل التعزير: المنع والرد، فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب. يقال: عزرته، وعزرته، فهو من الأضداد (٣). ٥٢٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أصبح مِنْكُم الْيَوْم صَائِما فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من أطْعم مِنْكُم الْيَوْم مِسْكينا فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من تبع مِنْكُم الْيَوْم جَنَازَة فَقَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ من عَاد مِنْكُم الْيَوْم

стр. 9477

مَرِيضا قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال قطّ فِي رجل إِلَّا دخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). ٥٢٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَاد مَرِيضا ناداه مُنَاد من السَّمَاء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الْجنَّة منزلا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢) كلهم من طَرِيق أبي سِنَان وَهُوَ عِيسَى بن سِنَان الْقَسْمَلِي عَن عُثْمَان بن أبي سَوْدَة عَنهُ. وَلَفظ ابْن حبَان عَن النَّبِي ﷺ إِذا عَاد الرجل أَخَاهُ أَو زَارَهُ قَالَ الله تَعَالَى طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا فِي الْجنَّة. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله: "طبتَ وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا". قوله: "من عاد مريضا" أي زاره وافتقده. سميت عيادة لأن الناس يتكررون عليه أي يرجعون، ويقال عدت المريض عودا وعيادة. ومعنى تبوأت اتخذت من الجنة منزلا. قوله: "القِسملي" بكسر القاف واسمه عيسى بن سلمان وقيل عيسى بن سنان الشامي سكن البصرة في القسامل فنسب إليها، [فالقسمل] من الأزد].

стр. 9478

٥٢٧٠ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُسلم إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يرجع قيل يَا رَسُول الله وَمَا خرفة الْجنَّة قَالَ جناها. رواه أحمد ومسلم واللفظ له والترمذي (١) خرفة الْجنَّة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعدهَا رَاء سَاكِنة هُوَ مَا يخْتَرف من نخلها أَي يجتنى. [قوله: "وعن ثوبان" هو مولى رسول الله ﷺ ، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" الحديث، خرفة الجنة بضم الخاء هو ما يخترف من نخلها أي يجتنى، اهـ. قاله المنذري. قال الأصمعي (٢): المخارف واحدها مخرف وهو [جنا النخل] لأنه يخترف أي [يجتنى] قال بعض العلماء: أي يئول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها، واتفق العلماء على فضل عيادة المريض، وفي هذا الحديث [ذكر] فوائد العيادة عاجلا وآجلا وما أطيب وأكثر خرفة الجنة وخرفة الجنة جناها والجنا اسم ما يجتنى من [الثمر] قاله في [الحقائق] (٣). ٥٢٧١ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تَوَضَّأ الْوضُوء وَعَاد أَخَاهُ الْمُسلم محتسبا بوعد من جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا قلت يَا أَبَا حَمْزَة مَا

стр. 9479

الخريف قَالَ الْعَام رواه أبو داود (١) من رواية الفضل بن دلهم القصاب. قوله: "وعن أنس" كنيته أبو حمزة. قوله: "من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسيرة سبيعن خريفا. قلت: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام" الحديث. يستحب لعائد المريض أن يكون على وضوء وتقدم الكلام على إحسان الوضوء في كتاب الطهارة. قوله: "روى أبو داود من رواية الفضل ابن دَلْهَم القصاب"، الفضل بن دلهم القصاب: قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة صالح: وقال أحمد: لا يحفظ، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو داود: ليس بالقوي ولا الحافظ،

стр. 9480

وقال ابن حبان: هو غير محتج به إذا انفرد]. فائدة: الصواب أن عيادة الذمي مستحبة أو جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة [تقترن] بها من جوار أو قرابة ففي صحيح البخاري (١) عن أنس بن مالك قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فعرض عليه الإسلام وقال: أسلم. فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم. فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار. ففي هذا الحديث إشارة إلى جواز عيادة المسلم مرضى أهل الذمة، وفيه أيضا إشارة إلى أنه ينبغي لعائد الذمي أن يرغِّبه في الإسلام ويبين له محاسنه ويحثّه عليه ويحرضه على معاجلته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته. وينبغي لإنسان إن دعا لذمي دعا له بالهداية ونحوها. تتمة: لا فرق في المرض بين قليله وكثيره فتستحب العيادة ولنا وجه أن الأرمد لا يُعاد، ونقل عن المالكية، والصواب خلافه فتستحب العيادة من وجع العين لأن النبي ﷺ عاد زيد بن الأرقم من رمد كان به، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح رجاله ثقات (٢).

стр. 9481

وقال ابن الصلاح في رحلته (١): لا تسن عيادة الأرمد، وهذا الحديث حجة عليه ويقاس عليه وجع [الضرس والرّمد] ونحوهما. وأما ما رواه الطبراني في [معجمه] الكبير أن النبي ﷺ قال: ثلاثة ليس لهم عيادة العين و [الرمد] والضرس، فقال البيهقي: الصحيح وقفه على يحيى بن أبي كثير. (٢) قال: وأما ما رواه جابر مرفوعا لا غمّ إلا غمّ الدين ولا وجع إلا وجع العين فحديث منكر (٣).

стр. 9482

وروي عن عبد الله بن وهب أنه عاد حرملة بن يحيى وهو أرمد فقال: إني لم أعدك للرمد ولكنك من أهلي، وفي الرحلة أيضا: عن أبي عبد الله الفراوي أن العيادة تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا، وفي كتاب الأحياء إنما يعاد المريض بعد ثلاثة أيام ويدل له (١) ما رواه ابن ماجه (٢) عن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يعود المريض إلا بعد ثلاثة أيام، اهـ. ٥٢٧٢ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من مُسلم يعود مُسلما غدْوَة إِلَّا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يُمْسِي وَإِن عَاد عَشِيَّة إِلَّا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يصبح وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٣) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَقد رُوِيَ عَن عَليّ مَوْقُوفا انْتهى وَرَوَاهُ

стр. 9483

أَبُو دَاوُد (١) مَوْقُوفا على عَليّ ثمَّ قَالَ وَأسْندَ هَذَا عَن عَليّ من غير وَجه صَحِيح عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ رَوَاهُ مُسْندًا بِمَعْنَاهُ (٢). وَلَفظ الْمَوْقُوف مَا من رجل يعود مَرِيضا ممسيا إِلَّا خرج مَعَه سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يصبح وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة وَمن أَتَاهُ مصبحا خرج مَعَه سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِي وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة وَرَوَاهُ بِنَحْوِ هَذَا أَحْمد وَابْن مَاجَه مَرْفُوعا (٣). وَزَاد فِي أَوله إِذا عَاد الْمُسلم أَخَاهُ مَشى فِي خرافة الْجنَّة حَتَّى يجلس فَإِذا جلس غمرته الرَّحْمَة.

стр. 9484

الحَدِيث وَلَيْسَ عِنْدهمَا وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مَرْفُوعا أَيْضا وَلَفظه مَا من مُسلم يعود مُسلما إِلَّا يبْعَث الله إِلَيْهِ سبعين ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ فِي أَي سَاعَات النَّهَار حَتَّى يُمْسِي وَفِي أَي سَاعَات اللَّيْل حَتَّى يصبح رَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا بِنَحْوِ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا قَوْله فِي خرافة الْجنَّة بِكَسْر الْخَاء أَي فِي اجتناء ثَمَر الْجنَّة. يُقَال خرفت النَّخْلَة أخرفها فَشبه مَا يحوزه عَائِد الْمَرِيض من الثَّوَاب بِمَا يحوزه المخترف من الثَّمر. هَذَا قَول ابْن الْأَنْبَارِي. قوله: "وعن علي" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك" فذكر الحديث إلى قوله: "وكان له خريف في الجنة" الخريف التمر المخروف أي المجتنى، وما أبهج هذا وأعلاه وأعظم [اعتناءه] [وفيه تنبيه على المبادرة إلى العيادة أول النهار وأول الليل فكلما كانت صلاة الملائكة أكثر كانت أبهج وأكسب، اهـ، قاله في حدائق الأولياء]. وقوله: "مشى في خرافة الجنة" وخرفة الجنة وخرافتها الحائط من النخل. ويروى: عائد المريض [في مخارف الجنة] [كأنه يخترف] ثمارها. وقيل: المخرفة الطريق أنه على طريق تؤديه إلى الجنة، ومعنى غمرته الرحمة أي عمَّته، وفي هذا الحديث استحباب عيادة المريض صباحا ومساء. وقال أبو عبد الله الفراوي من أصحابنا: تستحب العيادة في الشتاء ليلا وفي الصيف

стр. 9485

نهارا (١)، وفي إسناده الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي مولى امرأة من كندة، كان قاضيا بالكوفة، كان من كبار العلماء وساداتهم، إذا قدم مدينة النبي ﷺ أخلَوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها، وكان صاحب عبادة وفضل وكان فيه تشيع ظهر بعد موته، مات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة (٢)، انتهى. فائدة: من البدع [التي أحدثت] ترك العيادة بالليل وكراهة ذلك والتطير به وهذا بدعة وقد لا يصبح المريض [فيفوته] ثواب العيادة. وقد حض النبي ﷺ على عيادة المريض ولم يمنع منها في ليل ولا نهار بل قال ﷺ : ما من مسلم يعود مسلما في غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة، الحديث (٣). فانظر [رحمك الله] كيف رغّب رسول الله ﷺ في [العيادة] ليلا ونهارا فألقى الشيطان عندهم كراهتها بالليل ويوم السبت ليؤخروها إلى النهار أو إلى الأحد عسى أن يكون التأخير سببا لتفويتهم هذا الأجر الجزيل في العيادة، فربما شفي المريض أو مات أو حدث للعائد ما يمنعه من العيادة في غد ونحو ذلك، اهـ. قاله ابن النحاس في تنبيهه (٤). فائدة أيضا: ومن البدع التي أحدثت في العيادة أنه لا يعاد المريض يوم

стр. 9486

السبت ومن عاده تطيروا به وشق ذلك عليهم وهذه بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين إذ لم يوقت في العيادة يوما دون يوم ولا وقتا دون وقت. وقد ذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديا كان طبيبا لملك من الملوك فمرض الملك مرضا شديدا فكان اليهودي لا يفارقه فجاء يوم الجمعة فأراد اليهود أن يمضي إلى سبته فمنعه الملك فما قدر اليهودي أن يستحل سبتَه وخاف من سفك دمه فقال له اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك ومضى لسبته ثم شاعت هذه البدعة بعد ذلك [واتخذها] كثير من الجهال سنة والله أعلم. قاله ابن النحاس أيضا (١). فائدة أخرى: ومن البدع أيضا أنه لا بد أن العائد يأتي معه بشيء للمريض سواء كان غنيا أو فقيرا فإن لم يفعل [تُكُلِّمَ] فيه وقُدح [بالبخل] والنذالة وقلة المروءة ونحو ذلك وهذه بدعة لم ترد بها السنة وهذا المريض لا يخلو من حالين إما أن يكون فقيرا محتاجا احتياجه فرض كفاية على كل قادر من المسلمين لا يختص ذلك بوقت العيادة ولا غيرها وإن كان غنيا فلا وجه لذم عائده على ترك الهدية [إليه] في حال الضعف ولا في غيره لعدم الاحتاج مع أن الغالب في مثل هذا إنما يكون على سبيل المعاوضة لا على سبيل الهدية والإعانة وقد يكون العائد إذ ذاك ضيق اليد فيحتاج إلى كلفة في تحصيل ما يأتي به إلى المريض أو يترك العيادة خوفا من الملامة ويعتذر عن ذلك بما أمكنه من كذب أو تعريض ونحو ذلك، وقد يؤدي ذلك إلى [قطيعة] بين

стр. 9487

الإخوان والأقارب و [المجازاة] بترك العيادة عمدا ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد الدينية والدنيوية مع أن المطلوب إنما هو نفس العيادة ليس إلا فإن أتى معه بشيء على سبيل الهدية والمساعدة لكون الضعيف قد حصل له ما يمنعه من الاكتساب أو شراء الحاجة ونحو هذا فلا بأس بذلك بشرط صحة القصد والله أعلم، قاله ابن النحاس أيضا (١). قوله في الحديث: "وقد روي عن علي موقوفا" الحديث الموقوف (٢) في اصطلاح المحدثين هو ما قاله الصحابي ولم يرفعه إلى النبي ﷺ . قوله: "ثم رواه مسندا بمعناه". فائدة: الحديث المسند (٣) في اصطلاح المحدثين هو ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم. قال ابن عبد البر (٤): الحديث المسند ما رُفع إلى النبي

стр. 9488

- ﷺ خاصة، وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وقد يكون منقطعا مثل مالك عن الزهري عن ابن عباس عن النبي ﷺ فهذا مسند لأنه قد أسند إلى رسول الله ﷺ وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس والله أعلم، قاله صاحب التنقيح على المصابيح (١). قوله ﷺ في الحديث في رواية الإمام أحمد وابن ماجه: "إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس" الحديث، خرافة الجنة بكسر الخاء أي [في] اجتناء ثمرة الجنة، يقال خرفت النخلة أخرفها فشبّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب إلى آخر ما ذكره الحافظ، وقال في النهاية (٢): يقال خرفت النخلة أخرفها خرفا وخِرافا وفي حديث آخر: عائد المريض على خرفة الجنة، الخرفة بالضم اسم ما يخترف من النخلة حين تدرك، اهـ. وفي حديث آخر: عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع، المخارف جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخل أي أن العائد فيما يحوزه من الثواب كأنه على نخل الجنة يخترف ثمارها وقيل المخارف جمع مخرفة وهي سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء أي يجتني، وقيل المخرفة الطريق، أي أنه على طريق تؤديه إلى طرق الجنة، اهـ. قاله في النهاية (٣):

стр. 9489

٥٢٧٣ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَاد مَرِيضا وَجلسَ عِنْده سَاعَة أجْرى الله لَهُ عمل ألف سنة لَا يعْصى الله فِيهَا طرفَة عين رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات ولوائح الْوَضع عَلَيْهِ تلوح (١). ٥٢٧٤ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵃ قَالَا من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم أظلهُ الله بِخَمْسَة وَسبعين ألف ملك يدعونَ لَهُ وَلم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يفرغ فَإِذا فرغ كتب الله لَهُ حجَّة وَعمرَة وَمن عَاد مَرِيضا أظلهُ الله بِخَمْسَة وَسبعين ألف ملك لَا يرفع قدما إِلَّا كتب لَهُ بِهِ حَسَنَة وَلَا يضع قدما إِلَّا حط عَنهُ سَيِّئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة حَتَّى يقْعد فِي مَقْعَده فَإِذا قعد غمرته الرَّحْمَة فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى إِذا أقبل حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى منزله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (٢). ٥٢٧٥ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَيّمَا رجل يعود مَرِيضا فَإِنَّمَا يَخُوض فِي الرَّحْمَة فَإِذا قعد عِنْد الْمَرِيض غمرته الرَّحْمَة قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله هَذَا للصحيح الَّذِي يعود الْمَرِيض فَمَا للْمَرِيض قَالَ تحط عَنهُ ذنُوبه رَوَاهُ أَحْمد وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير

стр. 9490

والأوسط (١). ٥٢٧٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَاد مَرِيضا لم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يجلس فَإِذا جلس اغتمس فِيهَا رواه مالك بلاغا (٢) وأحمد (٣) ورواته رواة الصحيح والبزار (٤) وابن حبان في صحيحه (٥) ورواه الطبراني (٦) من حديث أبي هريرة بنحوه ورواته ثقات.

стр. 9491

قوله: "وعن جابر" هو ابن عبد الله، تقدمت ترجمته. قوله: "من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس اغتمس فيها" الحديث، رواه مالك بلاغا. تقدم الكلام على الإمام مالك إمام دار الهجرة أعاد الله علينا [وعلى المسلمين] من بركاته. والبلاغ (١) في اصطلاح المحدثين هو نوع من التعليق وهو قول الراوي بلغني عن فلان. فائدة: نهي عن إكراه المرضى على الطعام والشراب لما روي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم. رواه الترمذي وحسّنه (٢)،

стр. 9492

وابن ماجه (١). ٥٢٧٧ - وَعَن كَعْب بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَاد مَرِيضا خَاضَ فِي الرَّحْمَة فَإِذا جلس عِنْده استنقع فِيهَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (٢) وَرَوَاهُ فيهمَا أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن حزم ﵁ وَزَاد فيه وَإِذا قَامَ من عِنْده فَلَا يزَال يَخُوض فِيهَا حَتَّى يرجع من حَيْثُ خرج وَإِسْنَاده إِلَى الْحسن أقرب (٣).

стр. 9493

٥٢٧٨ - عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخلت على مَرِيض فمره يَدْعُو لَك فَإِن دعاءه كدعاء الْمَلَائِكَة رواه ابن ماجه (١) ورواته ثقات مشهورون إلا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر. قوله: "عن عمر بن الخطاب" تقدم. قوله: "إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك" الحديث، فيه استحباب طلب الدعاء من المريض لأنه مضطر ودعاؤه [أسرع] إجابة [من غيره، ففي السنة أقرب] الدعاء إلى الإجابة دعوة المضطر، ويستحب وعظ المريض عند عافيته ويذكره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من الخير وينبغي له هو المحافظة على لذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ

стр. 9494

كَانَ مَسْئُولًا﴾. فرع يستحب للمريض الرضا بقضاء الله والصبر على بلائه فإنما يثاب عليهما لا على المصائب نفسها، وكره بعض الأصحاب [للمريض الأنين والتأوّه] وكثرة الشكوى لأن ذلك يدل على ضعف اليقين ويورث شماتة الأعداء، فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوهم عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا [على] صورة الجزع فلا بأس. قال المتولي (١): ويكره له التأوه والأنين، و [كذلك] قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهم من الأصحاب أن طاوسا كره ذلك. قال النووي (٢): الذي قالوه من كراهة التأوه [والأنين] ضعيف أو باطل فإن المكروه هو الذي [ثبت] فيه نهي مقصود ولم يثبت في هذا نهي، بل في صحيح البخاري (٣) عن القاسم قال: قالت عائشة: وارأساه، فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه. فالصواب أنه لا كراهة فيه، ولكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى، فلعلهم أرادوا بالكراهة هذا. وينبغي [للزائر أن يطيب] نفس المريض و [لا يطيل] المكث عنده و [يواصل] الزيارة للقريب والصديق ويجعلها [للأجنبي] غبا.

стр. 9495

تتمة: [ويقرأ] عند الموت سورة يس لما روى أبو داود (١) والنسائي (٢) وابن حبان (٣) عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: اقرءوا على موتاكم يس. قال ابن الرفعة ويستحب أن يقرأ عند المريض مطلقا ففي رباعيات أبي بكر الشافعي [لعله الشاشي] أن النبي ﷺ قال: ما من مريض يقرأ عنده يس إلا مات ريّانا وأدخل قبره ريّانا وحشر يوم القيامة ريّانا. وروى الآجري في

стр. 9496

النصيحة (١) عن أم الدرداء أن النبي ﷺ قال: [ما من ميت يقرأ] عنده يس إلا هون [الله عليه. وروى] الحارث بن أبي أسامة (٢) أن النبي ﷺ قال: من قرأها وهو خائف أمن أو جائع شبع أو عطشان سقي أو عار كسي أو مريض شفي حتى ذكر خلالا كثيرة. واستحب أبو الشعثاء التابعي الكبير قراءة سورة الرعد وكأنّ ذلك، والله أعلم لقوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية. فرعان: أحدهما: قال الحليمي يستحب تجريع المحتضر ماء فإن العطش يغلب من شدة الفزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد أنه يأتي بماء زلال

стр. 9497

يقول له: قال لا إله غيري حتى أسقيك، نسأل الله الثبات عند الممات (١). الثاني في الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع وكأن السبب في ذلك أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ولا جنب، (٢) اهـ ٥٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عودوا المرضى ومروهم فَلْيَدعُوا لكم فَإِن دَعْوَة الْمَرِيض مستجابة وذنبه مغْفُور. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣). ٥٢٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ترد دَعْوَة الْمَرِيض حَتَّى يبرأ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات (٤).

стр. 9498

[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يدعى بِهن للْمَرِيض وكلمات يقولهن الْمَرِيض] ٥٢٨١ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من عَاد مَرِيضا لم يحضر أَجله فَقَالَ عِنْده سبع مَرَّات أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْعَظيم أَن يشفيك إِلَّا عافاه الله من ذَلِك الْمَرَض رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ. قَالَ الْحَافِظ فِيمَا دَعَا بِهِ النَّبِي ﷺ للْمَرِيض أَو أَمر بِهِ أَحَادِيث مَشْهُورَة لَيست من شَرط كتَابنَا أضربنا عَن ذكرهَا. قوله: "عن ابن عباس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض"، قال النووي في أذكاره (١): قلت يشفيك بفتح أوله والله أعلم. فائدة: وفي الباب عن علي ﵁ (٢) بلفظ: ما من مريض لم يقض أجله

стр. 9499

تعوذ بهذه الكلمات إلا خفف الله عنه باسم الله العظيم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني سبع مرات، رواه في الجزء الثاني من الأول الكبير من حديث سماك قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر في حاشية نسخته. فائدة: أيضا في كلمات يقولهن العائد للمريض من السنة قال رسول الله ﷺ : تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده فيسأله كيف هو كيف أصبحت كيف أمسيت اللهم رب الناس أذهب البأس [أي الشدة والمرض] اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، بيدك الشفاء لا كاتب له إلا أنت أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبعا، اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشي لك إلى صلاة، بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد من شر ما يجد باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك لا بأس طهور إن شاء الله تعالى شفى الله سقمك وغفر ذنبك وعافاك في دينك وجسمك إلى مدة

стр. 9500

أجلك. [قوله: "أذهب البأس" أي الشدة والمرض. قوله: "ينكأ لك عدوا" هو بفتح أوله وآخره همزة ومعناه يؤلمه ويوجعه، قاله النووي في أذكاره (١)]. وفي البخاري (٢) ومسلم (٣) عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أتى إلى المريض فدعا له قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. قال النووي (٤): في هذا الحديث استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه دعوات كثيرة صحيحة [جمعتها] في كتاب الأذكار وهذا المذكور هنا من أحسنها ومعنى لا يغادر سقما [ومعنى] لا يترك والسقم بضم السين وإسكان القاف وبفتحهما لغتان، اهـ. ومن أسماء الله تعالى الشافي ولم يرد به القرآن [اسما] لكن ورد فعلا في هذا الحديث وغيره. قال الحليمي (٥): ويجوز أن يقال في الدعاء يا شافي يا كافي لأن الله يشفي الصدور من الشبّه والشكوك والحسد والغل والأبدان من الأمراض والآفات ولا يقدر على ذلك غيره ولا يدعى بهذا الاسم سواه ومعنى الشفاء دفع ما يؤذي أو يؤلم البدن فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا شافي على الإطلاق إلا الله وحده وقد بيّن ذلك رسول الله ﷺ بقوله لا شافي إلا أنت، فيعتقد

стр. 9501

الشفاء له ومنه وبه، وأن الأدوية المستعملة لا توجب شفاء وإنما هي أسباب ووسائط يخلق الله عندها فعله وهي الصحة التي [لا] يخلقها أحد سواه فكيف ينسبها عاقل إلى جماد من الأدوية أو سواها ولو شاء ربك لخلق الشفاء دون سبب ولكن لما كانت الدنيا دار أسباب جرت السنة فيها بمقتضى الحكمة على تعليق الأحكام [بالأسباب] وإلى هذا المعنى أشار جبريل ﷺ على رسول الله ﷺ بقوله: باسم الله أرقيك الله يشفيك؛ فبيّن أن الرقية منه وهي سبب لفعل الله تعالى وهو الشافي. اهـ. فائدة: أيضا وينبغي لمن عاد مريضا أن يذكره التوبة والاستغفار فلا أحسن من تمام الأعمال بالتوبة والاستغفار فإن كان العمل سيئا كان كفارة له وإن كان حسنا كان كالطابع عليه وليكثر في مرضه من ذكر الله خصوصا كلمة التوحيد فإنه من كانت آخر كلامه دخل الجنة. ورُوي من حديث حذيفة (١) عن النبي ﷺ من خُتم له بقول لا إله إلا الله دخل الجنة ومن خُتم
следующие страницы →