← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9497–9536 · переход к 9502.

стр. 9497

يقول له: قال لا إله غيري حتى أسقيك، نسأل الله الثبات عند الممات (١). الثاني في الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع وكأن السبب في ذلك أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ولا جنب، (٢) اهـ ٥٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عودوا المرضى ومروهم فَلْيَدعُوا لكم فَإِن دَعْوَة الْمَرِيض مستجابة وذنبه مغْفُور. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣). ٥٢٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ترد دَعْوَة الْمَرِيض حَتَّى يبرأ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات (٤).

стр. 9498

[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يدعى بِهن للْمَرِيض وكلمات يقولهن الْمَرِيض] ٥٢٨١ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من عَاد مَرِيضا لم يحضر أَجله فَقَالَ عِنْده سبع مَرَّات أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْعَظيم أَن يشفيك إِلَّا عافاه الله من ذَلِك الْمَرَض رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ. قَالَ الْحَافِظ فِيمَا دَعَا بِهِ النَّبِي ﷺ للْمَرِيض أَو أَمر بِهِ أَحَادِيث مَشْهُورَة لَيست من شَرط كتَابنَا أضربنا عَن ذكرهَا. قوله: "عن ابن عباس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض"، قال النووي في أذكاره (١): قلت يشفيك بفتح أوله والله أعلم. فائدة: وفي الباب عن علي ﵁ (٢) بلفظ: ما من مريض لم يقض أجله

стр. 9499

تعوذ بهذه الكلمات إلا خفف الله عنه باسم الله العظيم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني سبع مرات، رواه في الجزء الثاني من الأول الكبير من حديث سماك قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر في حاشية نسخته. فائدة: أيضا في كلمات يقولهن العائد للمريض من السنة قال رسول الله ﷺ : تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده فيسأله كيف هو كيف أصبحت كيف أمسيت اللهم رب الناس أذهب البأس [أي الشدة والمرض] اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، بيدك الشفاء لا كاتب له إلا أنت أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبعا، اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشي لك إلى صلاة، بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد من شر ما يجد باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك لا بأس طهور إن شاء الله تعالى شفى الله سقمك وغفر ذنبك وعافاك في دينك وجسمك إلى مدة

стр. 9500

أجلك. [قوله: "أذهب البأس" أي الشدة والمرض. قوله: "ينكأ لك عدوا" هو بفتح أوله وآخره همزة ومعناه يؤلمه ويوجعه، قاله النووي في أذكاره (١)]. وفي البخاري (٢) ومسلم (٣) عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أتى إلى المريض فدعا له قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. قال النووي (٤): في هذا الحديث استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه دعوات كثيرة صحيحة [جمعتها] في كتاب الأذكار وهذا المذكور هنا من أحسنها ومعنى لا يغادر سقما [ومعنى] لا يترك والسقم بضم السين وإسكان القاف وبفتحهما لغتان، اهـ. ومن أسماء الله تعالى الشافي ولم يرد به القرآن [اسما] لكن ورد فعلا في هذا الحديث وغيره. قال الحليمي (٥): ويجوز أن يقال في الدعاء يا شافي يا كافي لأن الله يشفي الصدور من الشبّه والشكوك والحسد والغل والأبدان من الأمراض والآفات ولا يقدر على ذلك غيره ولا يدعى بهذا الاسم سواه ومعنى الشفاء دفع ما يؤذي أو يؤلم البدن فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا شافي على الإطلاق إلا الله وحده وقد بيّن ذلك رسول الله ﷺ بقوله لا شافي إلا أنت، فيعتقد

стр. 9501

الشفاء له ومنه وبه، وأن الأدوية المستعملة لا توجب شفاء وإنما هي أسباب ووسائط يخلق الله عندها فعله وهي الصحة التي [لا] يخلقها أحد سواه فكيف ينسبها عاقل إلى جماد من الأدوية أو سواها ولو شاء ربك لخلق الشفاء دون سبب ولكن لما كانت الدنيا دار أسباب جرت السنة فيها بمقتضى الحكمة على تعليق الأحكام [بالأسباب] وإلى هذا المعنى أشار جبريل ﷺ على رسول الله ﷺ بقوله: باسم الله أرقيك الله يشفيك؛ فبيّن أن الرقية منه وهي سبب لفعل الله تعالى وهو الشافي. اهـ. فائدة: أيضا وينبغي لمن عاد مريضا أن يذكره التوبة والاستغفار فلا أحسن من تمام الأعمال بالتوبة والاستغفار فإن كان العمل سيئا كان كفارة له وإن كان حسنا كان كالطابع عليه وليكثر في مرضه من ذكر الله خصوصا كلمة التوحيد فإنه من كانت آخر كلامه دخل الجنة. ورُوي من حديث حذيفة (١) عن النبي ﷺ من خُتم له بقول لا إله إلا الله دخل الجنة ومن خُتم

стр. 9502

له بصيام يوم أراد به وجه الله أدخله الله الجنة ومن ختم له بإطعام مسكين أراد به وجه الله أدخله الله الجنة كان السلف ﵁ يرون أن من مات [عقب] عمل صالح كصيام رمضان أو [عقب] حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، اهـ. قاله ابن رجب (١). تنبيه: [مما ينبغي] أن يذكر عند المريض مرضا يخاف منه الموت ما يقصد به بسط رجائه وترغيبه في لقاء الله ، وتسليته عن الدنيا [وتشجيعه] على ملاقاة صدمات سكرات الموت بالصبر الجميل وبسط أمنيته بالعافية والتعرض لمن بلغ في المرض أشدّ من مبلغه ثم شفي

стр. 9503

والكشف عن بعض ما في المرض من الحِكم والفوائد العاجلة والآجلة فمن ذلك تكفير السيئات وتضعيف الحسنات ورفع الدرجات وتلطيف كثائف البشرية وصفاء الروحانية والخلوة عن موارد الفتن الدينية والدنوية. فإذا تقرر ذلك ظهر أن المرض أثر من آثار الرحمة ونوع من أنواع النعمة وإن كان في الظاهر صوّره نقمة وليعلم أن الآلام والأسقام كلها مكفرة للذنوب فإن فرضنا أنه بقي على المسلم بقيّة كفّرها الموت، وقد صح كما قال القرطبي (١) أن النبي ﷺ قال: الموت كفارة لكل مسلم، ومما يقوّي رجاء المؤمن في سعة رحمة الله وعفوه وإكرامه له وبرّه كون هذا العبد [المؤمن] من أمة سيد ولد آدم خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم ولو لم يكن لهذا المؤمن من أسباب نجاته إلا هذا لكان كافيا: ثم يقال للمريض فطب نفسا وقرّ عينا وأحسن ظنك بربك ولا تدع خوفك يحول بينك وبين الرجاء فإن كنت يا حبيبي قد خفت ذنوبك وخشيت عاقبتها يوم القيامة فاعلم أن خوفك من ذنوبك الآن في مثل هذه الحالة من الدليل على المغفرة ومن أقوى البراهين على أن الله تعالى أراد بك الخير، وفي الحديث (٢) أن النبي ﷺ دخل على

стр. 9504

شاب يعوده في مرضه فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال ﷺ : ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة. قوله: "كيف تجدك"، أي كيف تجد نفسك وقلبك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة أطيبا أم مغموما. تنبيه: وإذا حضر النزع [للمريض] فليكثر من قول لا إله إلا الله ليكون آخر كلامه. ففي سنن أبي داود (١) وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة. وتقدم ذلك، قال العلماء ﵃ فإن لم يقل هو لا إله إلا الله لقنه من حضره ويلقنه برفق مخافة أن

стр. 9505

يضجر فيردها وإذا قالها مرة لا يعيدها عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحب أن يكون الملّقن غير متّهم لئلا يحرج الميت ويتهمه. واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا يلقن ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله واقتصر الجمهور على قول لا إله إلا الله، اهـ. قاله النووي في أذكاره (١). ٥٢٨٢ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة ﵄ أَنَّهُمَا شَهدا على رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر صدقه ربه فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَأَنا أكبر وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده قَالَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدي وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ قَالَ يَقُول صدق عَبدِي لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدي لَا شريك لي وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد قَالَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا لي الْملك ولي الْحَمد وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِي وَكَانَ يَقُول من قَالَهَا فِي مَرضه ثمَّ مَاتَ لم تطعمه النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم (٢). ٥٢٨٣ - وَفِي رِوَايَة للنسائي عَن أبي هُرَيْرَة وَحده مَرْفُوعا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا شريك لَهُ لَا إِلَه إِلَّا الله لَهُ

стр. 9506

الْملك وَله الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله يعقدهن خمْسا بأصابعه ثمَّ قَالَ من قالهن فِي يَوْم أَو فِي لَيْلَة أَو فِي شهر ثمَّ مَاتَ فِي ذَلِك الْيَوْم أَو فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَو فِي ذَلِك الشَّهْر غفر لَهُ ذَنبه (١). قوله: "وعن أبي سعيد وأبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله والله أكبر" فذكره إلى أن قال: "ولا حول ولا قوة إلا بي"، قال أبو إسحاق ثم قال الأغر شيئا لم أفهمه. قال: فقلت لأبي جعفر ما قال. قال: من رزقهن عند موته لم تمسّه النار، اهـ. قوله: "وفي رواية للنسائي عن أبي هريرة وحده مرفوعا هذا، رواه النسائي في سننه الكبرى". تنبيه: ورد في الحديث (٢) من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في مرضه الذي يموت فيه أمن من فتنة القبر، وروى الحاكم (٣) في المستدرك أنه ﷺ : كان

стр. 9507

يعلّمهم من الأوجاع والحمى أن يقول باسم الله الكبير [نعوذ] بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار. والعرق النعار هو الفوار بالدمّ، وفي ظني أن الحديث في الترمذي أيضا. قوله: "في حديث أبي سعيد وأبي هريرة من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار" الحديث. تطعمه النار هو بفتح المثناة من فوق وسكون الطاء وفتح العين المهملتين ومعناه لم تأكله النار. ٥٢٨٤ - وَعَن سعد بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين الأنبي ٧٨ أَيّمَا مُسلم دَعَا بهَا فِي مَرضه أَرْبَعِينَ مرّة فَمَاتَ فِي مَرضه ذَلِك أعطي أجر شَهِيد وَإِن برأَ برأَ وَقد غفر لَهُ جَمِيع ذنُوبه. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رَوَاهُ أَحْمد بن عَمْرو بن أبي بكر السكْسكِي عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن زيد عَن ابْن الْمسيب عَنهُ (١). ٥٢٨٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَة أَلا أخْبرك بِأَمْر هُوَ حق من تكلم بِهِ فِي أول مضجعه من مَرضه نجاه الله من النَّار قلت بلَى بِأبي وَأمي قَالَ فَاعْلَم أَنَّك إِذا أَصبَحت لم تمس وَإِذا أمسيت لم تصبح وَأَنَّك إِذا قلت ذلِك فِي أول مضجعك من مرضك نجاك الله من النَّار

стр. 9508

أَن تَقول لَا إِلَه إِلَّا الله يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت وَسُبْحَان الله رب الْعباد والبلاد وَالْحَمْد لله كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ على كل حَال. الله أكبر كَبِيرا كبرياء رَبنَا وجلاله وَقدرته بِكُل مَكَان اللَّهُمَّ إِن أَنْت أمرضتني لتقبض روحي فِي مرضِي هَذَا فَاجْعَلْ روحي فِي أَرْوَاح من سبقت لَهُ مِنْك الْحسنى وأعذني من النَّار كَمَا أعذت أولياءك الَّذين سبقت لَهُم مِنْك الْحسنى فَإِن مت فِي مرضك ذَلِك فَإلَى رضوَان الله وَالْجنَّة وَإِن كنت قد اقترفت ذنوبا تَابَ الله عَلَيْك. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات وَلَا يحضرني الْآن إِسْنَاده (١). ٥٢٨٦ - وَرُوِيَ عَن حجاج بن فرافصة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من مَرِيض يَقُول سُبْحَانَ الْملك القدوس الرَّحْمَن الْملك الديَّان لَا إِلَه إِلَّا أَنْت مسكن الْعُرُوق الضاربة ومنيم الْعُيُون الساهرة إِلَّا شفَاه الله تَعَالَى. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي آخر كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات هَكَذَا معضلا (٢). قوله: "وروي عن حجاج بن قرافصة" هو حجاج بن فرافصة الباهلي البصري العابد عن ابن سيرين وعطاء وعنه سفيان ومعتمر قال أبو زرعة: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: شيخ صالح متعبد، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال ضمرة، عن ابن شوذب: رأيت حجاج بن فرافصة واقفا

стр. 9509

بالسوق عند أصحاب الفاكهة، فقلت: ما تصنع؟ قال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة. قوله ﷺ : "ما من مريض يقول سبحان الملك الرحمن الملك الديان" الحديث وفي آخره رواه ابن أبي الدنيا معضلا، الحديث المعضل (١) في اصطلاح المحدثين: ما سقط من رواته راويان أو ثلاثة. خاتمة: دخل النبي ﷺ على علي وهو مريض فقال له: قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك وصبرا على بليتك وخروجا من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي أجرين، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات (٢) من حديث أنس بإسناد ضعيف والله أعلم.

стр. 9510

[التَّرْغِيب فِي الْوَصِيَّة وَالْعدْل فِيهَا والترهيب من تَركهَا أَوالمضارة فِيهَا وَمَا جَاءَ فِيمَن يعْتق ويَتَصَدَّق عِنْد الْمَوْت] قال الأزهري (١): الوصية مشتقة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته وسميت وصية لأنه وصل ما كان في حياته بما كان بعده، ويقال وصّى وأوصى أيضا. والاسم الوصية والوصاة فالوصية فعيلة من وصى يصي إذا وصل لأن أصل الإيصاء في اللغة الإيصال والاسم الوصاية بالكسر والفتح. والوصية في الشرع تبرّع بحق أو تفويض تصرف خاص مضافين إلى ما بعد الموت. [وكانت] في أول الإسلام واجبة لجميع الأقربين ثم نسخت بآية المواريث إلا في حق الله تعالى أو الآدمين من زكاة أو حج أو كفارة أو رد وديعة أو دين فيجب أن يوصي إذا لم يعلم به غيره [ممن] يثبت به بعد موته وهي الآن جائزة في ثلث ماله الباقي بعد [دفنه] ومئونة تجهيزه وقضاء دينه مستحبة في الجملة. [٥٢٨٧] عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا حق امرئ مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت فِيهِ لَيْلَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة ثَلَاث لَيَال إِلَّا ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده قَالَ نَافِع سَمِعت عبد الله بن عمر يَقُول مَا مرت عَليّ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعت

стр. 9511

رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك إِلَّا وَعِنْدِي وصيتي مَكْتُوبَة رواه مالك (١) والبخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). قوله: "ما حق امرئ" الحديث أي لا ينبغي [لا] أنه حق عليه وإنما هو حق له ويؤيده رواية: له شيء يريد أن يوصي فيه؛ فعلقه على الإرادة وهذا حجة العامد في [أنّ] الوصية غير واجبة اهـ. قاله المنذري. قوله: "شيء" هو الذي رواه الأثبات. قلنا: لا فرق فإن المال أيضا يطلق على القليل والكثير، ورواية نافع: لا يحل لامرئ مسلم له مال. قال ابن عبد البرّ (٧): هكذا قال: لا يحل، ولم يتابع على هذا اللفظ، وهذا الأمر عام في الصحيح والمريض وخصّه بعضهم بالمريض. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين [] وفي رواية: ثلاث ليال - إلا وصيته مكتوبة عنده" الحديث. في هذا الحديث الحث على الوصية وقد أجمع المسلمون على الأمر بها

стр. 9512

لكن مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والجمهور أنها مندوبة لا واجبة، وذهب داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر إلى وجوبها لهذا الحديث ولا دلالة لهم فيه وليس فيه تصريح بإيجابها. وقال ابن عبد البر (١): اختلف السلف والخلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب عند من أوجبها، فروي عن علي أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم [ليس] بمال فيه وصية، ورُوي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية، وهذا الذي تقدم من حمل الأمر بالوصية على الاستحباب هو في غير الحقوق الواجبة، أما إذا كان عند الإنسان وديعة أو في ذمته [حق لله] تعالى كزكاة أو حج أو كان عليه دين لآدمي فإنه يجب عليه أن يوصي به ومحل هذا ما إذا لم يعلم به غيره. فأما إذا علم به غيره فلا تجب الوصية بذلك، كذا عبّر به الرافعي من أصحابنا. وقال النووي (٢) المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله، وقصد بذلك إخراج الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة فإنه لا يكفي علمهم مع دخولهم في [تعبير] الرافعي. فإن قلت: فقد توفي رسول الله ﷺ وعليه دين ليهودي فكيف لم يوص به وقد قدّرتم أن الوصية بالديون واجبة. قلت: كانت درعه ﵊ مرهونة عند اليهودي فكان الرهن حجة لليهودي فلم يحتج

стр. 9513

للوصية به مع أن علم ذلك لم يكن مختصا به فقد علمه بعض أصحابه، ولهذا أخبرت عائشة ﵂ والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية فلا تصح وصية مجنون وعبد وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف جوّزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلّط، والإمام أحمد بن حنبل إذا جاوز العشر وفي [قول]، عنه إذا جاوز السبع ومنعها أبو حنيفة وهو أظهر قولي الشافعي وبه قال أكثر أصحابه وهو رواية عن الإمام أحمد وعن الشافعي قول آخر أن وصيته صحيحة. وأما المحجور عليه بالسفه فوصيته صحيحة عند الجمهور ومنهم الشافعي. قال الشافعي ﵀: معنى الحديث: الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقال في النهاية أي ما الأحزم له والأحوط [والاحتياط] (١) إلا هذا. وقيل: ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا هذا إلا من جهة الفرض وقيل معناه أن الله حكم على عباده بوجوب الوصية مطلقا ثم نسخ الوصية للوارث فبقي حق الرجل في ماله أن يوصي لغير الوارث وهو ما قدره الشارع ﷺ بثلث ماله، اهـ. فيستحبّ تعجيل الوصية وأن يكتبها في صحيفة ويشهد عليه فيها ويكتب فيها ما يحتاج إليه فإن [تجدّد] له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقهُ بها، قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزءيات الأمور المتكررة. قال ابن عبد البر (٢): أجمع العلماء

стр. 9514

على أن من لم يكن عنده إلا اليسير [التافه] من المال أنه لا يندب إلى الوصية. قال: والحث عليها والتأكيد محمول على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك. وقد أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا من عليه تعلقات [كما تقدم]. اهـ. وأما قوله ﷺ : [ووصيته] مكتوبة عنده فمعناه مكتوبة، وقد أشهد عليه فيها لا أنه يقتصر على الكتابة فإنّ الكتابة لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان قد أشهد [بها]، هذا مذهب الشافعي ومذهب الجمهور. وقال الإمام العلامة محمد بن نصر المروزي من أصحابنا: تكفي الكتابة من غير إشهاد لظاهر الحديث وكأن السبب في ذلك أن نصر بن أحمد أحد أمراء خراسان أراد أن يوصي ولا يطلع على وصيته أحدا فشاور العلماء فلم يفت له بذلك إلا محمد بن نصر فإنه قال يكفي الإشهاد عليه بها. ونقل عنه أنه قال: تكفي الكتابة المجردة، واحتج بهذا الحديث. قال الإمام السّبكي: فإن وجد مع الوصية شهادة أن هذه وصيته أو أنها بخطّه صح [وإن] (١) لم يعلم ما فيها عند محمد بن نصر واختار له من ذلك والمشهور من المذهب أن الكتابة كناية فإذا كتب وقال نويت الوصية لفلان أو اعترف ورثته به بعد الموت وجب أن يصح كذا ذكره الرافعي [كما] ونقل عن المتولي أنه إذا قال وصيت لزيد بكذا لم يصح إن كان ناطقا. قال في المطلب وهو المشهور: وقيل يصح بالكتابة مطلقا لظاهر الحديث: أما إذا

стр. 9515

اعتقل لسانه فإنه يصحّ إيصاؤه بالإشارة كما روي أن أمامة بنت أبي العاصي أصمِتَت فقيل لها لفلان كذا ولفلان كذا، فأشارت أن نعم فجعل ذلك وصيته كذا استدل به الشافعي وغيره وهو غريب، اهـ. قال مالك: وليُقدِّم التشهد قبل الوصية وقد فعله الصالحون ويوصي أهله بالتقوى فيها وإصلاح ذات البين وبما أوصي به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الآية، وأخذ المالكية العمل بالخطّ من هنا قلنا المراد الخط المشهود عليه بدليل من خارج، اهـ. قاله في شرح الإلمام. تتمة: قال الغزالي في الإحياء (١) في ترتيب أوراد الليل: آداب النوم عشرة: الأول الطهارة والسواك. والثاني: أن يُعدّ عند رأسه سواكه وطهوره وينوي القيام للعبادة عند التيقظ. الثالث: أن لا يبيت من له شيء يوصي فيه إلا [ووصيته] مكتوبة عنده فإنه لا يأمن القبض في النوم، يقال: إن من مات من غير وصية لم يؤذن له في الكلام بالبرزخ إلى يوم القيامة، ويتزاور الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم، فيقول بعضهم لبعض هذا المسكين مات من غير وصية، وذلك مستحب خوفا من موت الفجأة وموت الفجأة تخفيف إلا لمن ليس مستعدا للموت لكونه مثقل الظهر بالمظالم ثم ذكر بقية الآداب العشرة، اهـ. قوله: "قال نافع: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك". نافع هو أبو عبد الله نافع بن هرمز، ويقال: ابن كاوس، ذكر القولين

стр. 9516

الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور. قال الحاكم: قال البخاري، والحسن بن الوليد: هو من سبى نيسابور. وقال عبد العزيز بن أبى رواد: هو من سبى خراسان، سبى وهو صغير، فاشتراه ابن عمر، وقيل: من سبى كابل، وقيل: من سبى إيران شهر وهى نيسابور، كذا ذكرها الحاكم أبو عبد الله في مواضع من أول تاريخه، وقيل: من سبى العرب، وقيل: من سبى جبال الطالقان. وهو تابعى جليل، وأجمعوا على توثيقه وجلالته. ٥٢٨٨ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ على وَصِيَّة مَاتَ على سَبِيل وَسنة وَمَات على تقى وَشَهَادَة وَمَات مغفورا لَهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). ٥٢٨٩ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله مَاتَ فلَان قَالَ أَلَيْسَ كَانَ مَعنا آنِفا قَالُوا بلَى قَالَ سُبْحَانَ الله كَأَنَّهَا أَخْذَة على غضب المحروم من حرم وَصيته. رواه أبو يعلى (٢) بإسناد حسن. ورواه ابن ماجه (٣) مُخْتَصرا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ المحروم من حرم وَصيته

стр. 9517

قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدمت ترجمته مرارا. قوله: "كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله مات فلان، قال: أليس كان معنا آنفا. قالوا: بلى. قال: سبحان الله كأنها أخذة على غضب" الحديث، آنفا أي قريبا، وروي أن رسول الله ﷺ قال: أكره موتا كموت الحمار، وقيل: ما موت الحمار؟ قال: موت الفجأة. الفجأة: يقال بالمدّ مع ضم الفاء وبالقصر مع فتح الفاء وهي البغتة. دون تقدم مرض ولا سبب. ويروى أن موت الفجأة أخذة على [الأسف]. والأسف بفتح السين الغضب والأسِف بكسر الغضبان. وقد روي الحديث بهما والمعنى واحد يعني أن موت الفجأة أخذة من الأسف يعني أثر غضب الله على العبد، وروي أن رسول الله ﷺ استعاذ من موت الفجأة، وروي عن أبي السكن الهجري أن إبراهيم وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام [ماتوا فجأة] ويقال أنه موت الصالحين، وحمل الجمهور الأول على من له تعلقات يحتاج إلى الإيصاء أما المنقطعون المستعدّون فإنه تخفيف ورفق بهم. وعن ابن مسعود وعائشة أن موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة غضب للفاجر،

стр. 9518

قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج (١). ويروى أنه ﷺ قال: موت الفجأة أخذة أسَف أو أخذة أسِف. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، يقال أسف أسفا إذا اشتد غضبه وآسفونا منقول منه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي وكذبوا موسى فاستحقوا شدة غضب الله عليهم والغضب [إما] الانتقام فيكون من صفات الفعل [وإما] إرادته فيكون من صفات الذات، اهـ. وقيل إنما كره [موت] الفجأة لئلا يلقى المؤمن ربه على غفلة من غير أن يقدّم لنفسه عذرا و [يجدّد] توبة [ويردّ مظالمه] (٢) ويستعدّ للآخرة [ولم] يمرض [ليكون] المرض كفارة لذنوبه. ٥٢٩٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ ترك الْوَصِيَّة عَار فِي الدُّنْيَا ونار وشنار فِي الْآخِرَة. رواه الطبراني في الصغير (٣) والأوسط (٤). قوله: وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "ترك الوصية عار في الدنيا ونار وشنار في الآخرة" الحديث. الشنار بفتح الشين المعجمة وبالنون. قال صاحب العباب: ومن أصله بخطِّه نقلت:

стр. 9519

الشنارُ هو العار والعيب. وقال شمر الشّنار الأمر المشهور بالقبح والشنعة. وقال في النهاية (١) الشنار العيب والعار. وقيل: هو العيب الذي فيه عار، اهـ. ورجل شنير كثير الشنار. قال النخعي (٢) إذا تطيبت المرأة ثم خرجت كان ذلك شنارا فيه نار. ٥٢٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل أَو الْمَرْأَة بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار حَتَّى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْر سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الشَّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيدْخل الْجنَّة (٣). [٥٢٩٢] وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة من الْكَبَائِر ثمَّ تَلا تِلْكَ حُدُود الله النِّسَاء سنة فَإِذا أوصى حاف فِي وَصيته فيختم لَهُ بشر عمله فَيدْخل النَّار وَإِن رواه النسائي (٤).

стр. 9520

قوله: "وعن ابن عباس" تقدم الكلام عليه. قوله: "الإضرار في الوصية من الكبائر". المضارّة في الوصية وهي أن يقصد حرمان الوارث أو تنقيصه بوصيته أو إقرار أو نحوهما لما عنده من بغضه والحقد عليه. [٥٢٩٣] وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من فر بميراث وَارثه قطع الله مِيرَاثه من الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة. رواه ابن ماجه (١).

стр. 9521

قوله: "وروي عن أنس" تقدمت ترجمته. قوله: "من فرّ بميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة". وفي حديث آخر وهو أرجى حديث في الجنة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم من واحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ إن هذه الوراثة تختلف باختلاف الوارثين فمنهم من يرث بلا حساب ومنهم من يرث بحساب ومناقشة ومنهم من يرث بعد الخروج من النار على حسب اختلاف الناس. وقيل يحتمل أن يسمى الحصول في الجنة وراثة من حيث حصولها عن غيرهم بغير تعب وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي أرض الجنة التي كانت لأهل النار، اهـ. [٥٢٩١] وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل أَو الْمَرْأَة بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار حَتَّى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم رواه أبو داود (١)

стр. 9522

والترمذي (١) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (٢)، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْر سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الشَّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيدْخل الْجنَّة. [قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة" الحديث. وفي الحديث الآخر: إن الرجل ليعمل عمل أهل الخير، الحديث. وقوله في الحديث الأول: "ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [إلى قوله تعالى: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾] " وهذه الآية قال ابن عطية فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث. واتخذ [الحجر المانع] لأمر ما إما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره ومن هذا قولهم للبواب حدّاد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها من الزينة. وقوله: "من تحتها" يريد من تحت بنائها وأشجارها الذي من أجله سميت جنة لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه الأرض في غير أخاديد. وحكى

стр. 9523

الطبري أن الحدود هنا شروط الله، وعن ابن عباس: طاعة الله، [وعند بعضهم: سنة الله] (١). وعند بعضهم: فرائض الله، وهذا كله معنى واحد والعبارة مختلفة وهاتان آيتا وعد ووعيد والسبب في ذلك أن العرب أنكرت هذه القسمة. وقد كلّم النبي ﷺ فيها عيينة بن حصن وغيره. قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر. ورواه عن النبي ﷺ ، كذا رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورأيت في [رحلة] ابن الصلاح [التي بخطه] (٢) أن من مات بغير وصية لا يتكلم في البرزخ وأن الأموات يتزاورون سواه فيقول بعضهم لبعض ما بال هذا فيقال أنه مات بغير وصية لم يؤذن [لهم] في الكلام مع الموتى. قيل: يا رسول الله وهل يتكلمون؟ قال: نعم ويتزاورون. أخرجه الحافظ أبو موسى، اهـ. قاله في الديباجة] (٣). [٥٢٩٤] وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح تخشى الْفقر وَتَأمل الْغنى وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلفُلَان

стр. 9524

كَذَا وَقد كَانَ لفُلَان كَذَا رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) بنحوه، وأبو داود (٥) إِلَّا أَنه قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيح حَرِيص تَأمل الْبَقَاء وتخشى الْفقر قوله: "وعن أبي هريرة" تقدمت ترجمته. قوله: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنا" الحديث. قال الخطابي ﵀: الشح أعظم من البخل وكأن الشح جنس والبخل نوع وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع. قال: فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورآى مصير المال لغيره فإن [صدقته] حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ. فالحكمة [فيه أن] الإنسان ما دام حيا فهو ضنين بما له شديد المحبة له فإخراج الصدقة في صحته يؤذن بقهره نفسه وسخاوته والله أعلم، وفيه من العفة أن الصحيح يضع ماله حيث شاء من المباح وله أن يشح به على من لا يلزمه فرضه وفيه المنع من الإضرار بالوصية عند الموت، اهـ. قوله: وتأمل

стр. 9525

الغنا بضمّ الميم أي تطمع فيه. قوله: "ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم" بمعنى بلغت الحلقوم أي قاربت الروح بلوغ الحلقوم فهو إشارة إلى تأخير الصدقة إلى وقت حصول الموت وليس المراد حقيقة بلوغ الحلقوم إذ لو بلغته حقيقة لم تصح [منه] (١) وصية ولا صدقة ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء وهي الحالة التي آمن فيها فرعون فلم ينفعه إيمانه، اهـ. قاله ابن عقيل وغيره. والحلقوم هو البلعوم، قاله ابن بطال (٢)، وهو مجرى النفس إلى الرئة والمريء مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فيتصل بالحلقوم وهو أدق منه وأضيق وهو تحت المعدة. قاله صاحب المغيث وغيره. قوله في الحديث: "قلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا" الحديث. قال الخطابي ﵀ (٣): المراد به الوارث، وقال غيره: المراد به سبق القضاء به للموصى له ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف فليس له في وصيته كثير الثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح والله تعالى أعلم. وفي قوله: "وقد كان لفلان" دليل على أنه إذا أضرّ في الوصية فإن للورثة أن يبطلوها لأنها حينئذ [مالهم] ألا تراه يقول: وقد كان لفلان يريد الوارث.

стр. 9526

[٥٢٩٥] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِأَن يتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَيَاته وَصِحَّته بدرهم خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق عِنْد مَوته بِمِائَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن أبي سعيد. (١) [٥٢٩٦] وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مثل الَّذِي يعْتق عِنْد مَوته كَمثل الَّذِي يهدي إِذا شبع. رواه أبو داود (٢) والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣)، وابن حبان في

стр. 9527

صحيحه (١) إِلَّا أَنه قَالَ مثل الَّذِي يتَصَدَّق عِنْد مَوته مثل الَّذِي يهدي بَعْدَمَا يشْبع. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعِنْده قَالَ أوصى رجل بِدَنَانِير فِي سَبِيل الله فَسئلَ أَبُو الدَّرْدَاء فَحدث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مثل الَّذِي يعْتق وَيتَصَدَّق عِنْد مَوته مثل الَّذِي يهدي بعد مَا شبع. قوله: "وعن أبي الدرادء" تقدم. قوله ﷺ : "مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق مثل الذي يهدي بعدما يشبع" يعني أن الذي يطعم عند الجوع يكون على النفس أشد فثوابه كثير والذي يطعم عند الشبع لا يكون شديدا على النفس فلم يكن ثوابه كثيرا، وكذا التفاوت بين الصدقة في حال الصحة والمرض.

стр. 9528

التَّرْهِيب من كَرَاهِيَة الْإِنْسَان الْمَوْت وَالتَّرْغِيب في تلقيه بالرضى وَالسُّرُور إِذا نزل حبا للقاء الله [٥٢٩٧] عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت فكلنا يكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْكَافِر إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه كره لِقَاء الله وَكره الله لقاءه رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤). قوله: "عن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵂. قوله ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" الحديث. قال العلماء ﵃: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته، وبغضه إرادته عقابه وشقاوته ونحو ذلك، حكاه عنهم النووي في شرح مسلم.

стр. 9529

وقوله ﷺ : "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" الحديث. قال العلماء: معنى هذا الحديث عند الاحتضار والمعاينة فحينئذ يكشف الغطاء، فأهل السعادة يبشرون بما أعدّ الله لهم وأراده فيهم وهو معنى محبته لقاءهم فيغتبطون ويُسرّون بذلك ويحبّون الموت لتحصيل تلك الكرامة وأهل الشقاوة كشف لهم عن حالهم فكرهوا الورود على ربهم لما تيقنوا من تعذيبه لهم والله تعالى قد أبعدهم عنه وأراد بهم العذاب وهو معنى كراهيته لقاءهم فمن هنا خبرية غير شرطية كأنه قال: من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله فهو الذي كره الله لقاءه. قولها ﵂: "فقلت يا نبي الله الكراهية الموت فكلنا يكره الموت. قال: ليس ذلك" الحديث. قال ابن عبد البر. قال أبو عبيد: ليس وجه قوله ﷺ ومن كره لقاء الله أن يكره الموت وشدّته لأنّ هذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد وبلغنا عن غير واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه [كره] حين نزل به ولكن المكروه من ذلك ما كان إيثارا للدنيا على الآخرة وركونا إلى الحظوظ العاجلة وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة، وقد عاب الله تعالى قوما حرصوا على ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (١). قوله ﷺ : "ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحبّ لقاء الله فأحب الله لقاؤه" الحديث، فالحبّ ها هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلّة.

стр. 9530

فائدة فيها بشرى: فما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع المتقدمة عليه وقوع البشرى عند الموت برحمة الله تعالى وجنته، وقد قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)، قال بعض المفسرين: البشرى في الحياة الدنيا هي البشرى الواقعة عند الموت. وقيل غير ذلك، وقد جاء في البشرى عند الموت عن محمد بن كعب القرظي (٢) قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاء ملك الموت فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾، وممن نص على تسليم الملائكة على المؤمن عند الموت عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وغيرهما. وعن مجاهد أن المؤمن يُبَشّر بصلاح ولده من [بعده] لتقرّ عينه. واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ ويوم البعث وفي الجنة، والبشرى العامة لهم من الله تعالى قد نطق بها القرآن في غير موضع كما في قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (٣)، [وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ

стр. 9531

الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١)] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). قال ابن عباس: أي للموحدين. وانظر كيف شملت البشرى المذكورة في هذه الآيات الثلاث أرباب المراتب الثلاث من أهل دين الإسلام وهم المسلمون والمؤمنون والمحسنون، وكيف لا يبشّرون كلهم وقد ثبت لهم الاصطفاء بمن فيهم من ظالم لنفسه ومقتصد وسابق [بالخيرات بإذن الله] كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قاله صاحب [حادي] القلوب إلى لقاء المحبوب وهو كتاب نفيس في التشجيع على الموت ينبغي أن لا يخلو الإنسان من مطالعته وسماعه لما فيه من فوائد الموت ونتائجه ولقد قال بهذا القول بعض العباد الزاهدين المتصوفين نفعنا الله ببركاتهم. تنبيه: قول محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن أي اجتمعت في فيه تريد الخروج كما يُستنقع الماء في قراره وأراد بالنفس الروح، قاله في النهاية (٤).

стр. 9532

تنبيه أيضا في قوله: واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ، روى هناد بن السري قال حدثنا محمد بن فضيل ووكيع عن بكر قال سألت مجاهدا عن قول الله : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قال: هو ما بين الموت إلى البعث، وقيل للشعبي: مات فلا، قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في البرزخ، اهـ، قاله القرطبي في التذكرة (١). [٥٢٩٨] وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا يكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ ذَلِك كَرَاهِيَة الْمَوْت وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْفَاجِر أَو الْكَافِر إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ أَو مَا يلقى من الشَّرّ فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه. رواه أحمد (٢) ورواته رواه الصحيح، والنسائي (٣) بإسناد جيد، إِلَّا أَنه قَال قيل يَا رَسُول الله وَمَا منا أحد إِلَّا يكره الْمَوْت قَالَ إِنَّه لَيْسَ بكراهية الْمَوْت إِن الْمُؤمن إِذا جَاءَهُ الْبُشْرَى من الله لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكانَ الله للقائه أحب وَإِن الْكَافِر إِذا جَاءَهُ مَا يكره لم

стр. 9533

يكن شَيْء أكره إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكَانَ الله للقائه أكره. قوله: "وعن أنس" تقدمت ترجمته ﵁. قوله ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" الحديث، قال صاحب النهاية (١): المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض [به] الموت لأنّ كلا يكرهه، اهـ. وتقدم معنى محبة الله تعالى لعبده وبغضه له. وقوله ﷺ : "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" الحديث. قال في شرح مسلم (٢): هذا الحديث يفسّر آخره أوله ويبين المراد [باقي] الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبة ولا غيرها فحينئذ يبشّر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد الله له ويكشف له عند ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدّ لهم ويحب الله لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاء الله لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهيته سبحانه لقاءهم وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم والله أعلم.

стр. 9534

لطيفة جليلة: قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال لأنكم عمرتم دنياكم و [أخربتم] أخراكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن [فكالغائب] يأتي أهلها فرحا مسرورا وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفا محزونا. وقال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني: رحمة الله عليه الناس رجلان رجل أحب الله وأحب الموت شوقا إلى الله ورجل أحب البقاء لإقامة حق الله. قال: فوثب غلام لم يحتلم فقال: ورجل ثالث أو قال ورجل آخر. فقال أبو سليمان: ومن هو؟ فقال: من لم يختر هذا ولا هذا اختار ما اختار الله له. فقال أبو سليمان احتفظوا بالغلام فإنه صدّيق، اهـ. قاله صاحب العاقبة (١). قوله في حديث أنس: "ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله " الحديث. فائدة: لما احتضر عامر بن عبد الله (٢) بكى وقال لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا الله، ثم لم يزل يردّدها حتى مات. وقال عمرو بن العاصي عند موته (٣): اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا

стр. 9535

ولا يسعنا إلا عفوك، لا إله إلا الله، [ثم] (١) رددها حتى مات. وقال عمر بن عبد العزيز عند موته (٢): أجلسوني فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحدّ النظر فقالوا: إنّك تنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين. قال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جنّ، ثم قبض، رحمت الله عليه. وسمعوا تاليا يتلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا [لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾]، اهـ. وعن شهر بن حوشب (٣) قال: لما حضر عمرو بن العاصي الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه: إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما [يجد] وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت. قال: يا بني [كأن] نفسي في تخت وكأنني أتنفس من سمّ إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم أنشأ يقول: ليتني كنت ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا قاله في حياة الحيوان (٤).

стр. 9536

فائدة: الإنسان إذا [احتضر] هل الأفضل كثرة المعالجة أو عدمها؟ الجواب: أنه إذا انتهى إلى حركة المذبوح فترك المعالجة أولى وإلا فالعلاج مشروع وربّك على كل شيء قدير. قاله شيخ الإسلام ابن حجر في بعض فتاويه. فائدة أيضا: روى مسلم في صحيحه (١) [عن] أم سلمة واسمها هند قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شُقّ بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، الحديث. قوله: "شق بصره" هو بفتح الشين وبصره [برفع] الراء فاعل شق هكذا الرواية فيه. قال صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره إذا شخص. قاله النووي في أذكاره (٢). وفي حديث آخر (٣): إذا شخص البصر وحشرج الصدر فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، الحديث. الحشرجة الغرغرة عند الموت وتردد النفس فشخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه. يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص به كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله. اهـ، قاله صاحب
следующие страницы →