← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9532–9571 · переход к 9537.

стр. 9532

تنبيه أيضا في قوله: واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ، روى هناد بن السري قال حدثنا محمد بن فضيل ووكيع عن بكر قال سألت مجاهدا عن قول الله : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قال: هو ما بين الموت إلى البعث، وقيل للشعبي: مات فلا، قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في البرزخ، اهـ، قاله القرطبي في التذكرة (١). [٥٢٩٨] وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا يكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ ذَلِك كَرَاهِيَة الْمَوْت وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْفَاجِر أَو الْكَافِر إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ أَو مَا يلقى من الشَّرّ فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه. رواه أحمد (٢) ورواته رواه الصحيح، والنسائي (٣) بإسناد جيد، إِلَّا أَنه قَال قيل يَا رَسُول الله وَمَا منا أحد إِلَّا يكره الْمَوْت قَالَ إِنَّه لَيْسَ بكراهية الْمَوْت إِن الْمُؤمن إِذا جَاءَهُ الْبُشْرَى من الله لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكانَ الله للقائه أحب وَإِن الْكَافِر إِذا جَاءَهُ مَا يكره لم

стр. 9533

يكن شَيْء أكره إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكَانَ الله للقائه أكره. قوله: "وعن أنس" تقدمت ترجمته ﵁. قوله ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" الحديث، قال صاحب النهاية (١): المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض [به] الموت لأنّ كلا يكرهه، اهـ. وتقدم معنى محبة الله تعالى لعبده وبغضه له. وقوله ﷺ : "من كره لقاء الله كره الله لقاءه" الحديث. قال في شرح مسلم (٢): هذا الحديث يفسّر آخره أوله ويبين المراد [باقي] الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبة ولا غيرها فحينئذ يبشّر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد الله له ويكشف له عند ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدّ لهم ويحب الله لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاء الله لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهيته سبحانه لقاءهم وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم والله أعلم.

стр. 9534

لطيفة جليلة: قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال لأنكم عمرتم دنياكم و [أخربتم] أخراكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن [فكالغائب] يأتي أهلها فرحا مسرورا وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفا محزونا. وقال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني: رحمة الله عليه الناس رجلان رجل أحب الله وأحب الموت شوقا إلى الله ورجل أحب البقاء لإقامة حق الله. قال: فوثب غلام لم يحتلم فقال: ورجل ثالث أو قال ورجل آخر. فقال أبو سليمان: ومن هو؟ فقال: من لم يختر هذا ولا هذا اختار ما اختار الله له. فقال أبو سليمان احتفظوا بالغلام فإنه صدّيق، اهـ. قاله صاحب العاقبة (١). قوله في حديث أنس: "ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله " الحديث. فائدة: لما احتضر عامر بن عبد الله (٢) بكى وقال لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا الله، ثم لم يزل يردّدها حتى مات. وقال عمرو بن العاصي عند موته (٣): اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا

стр. 9535

ولا يسعنا إلا عفوك، لا إله إلا الله، [ثم] (١) رددها حتى مات. وقال عمر بن عبد العزيز عند موته (٢): أجلسوني فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحدّ النظر فقالوا: إنّك تنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين. قال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جنّ، ثم قبض، رحمت الله عليه. وسمعوا تاليا يتلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا [لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾]، اهـ. وعن شهر بن حوشب (٣) قال: لما حضر عمرو بن العاصي الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه: إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما [يجد] وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت. قال: يا بني [كأن] نفسي في تخت وكأنني أتنفس من سمّ إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم أنشأ يقول: ليتني كنت ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا قاله في حياة الحيوان (٤).

стр. 9536

فائدة: الإنسان إذا [احتضر] هل الأفضل كثرة المعالجة أو عدمها؟ الجواب: أنه إذا انتهى إلى حركة المذبوح فترك المعالجة أولى وإلا فالعلاج مشروع وربّك على كل شيء قدير. قاله شيخ الإسلام ابن حجر في بعض فتاويه. فائدة أيضا: روى مسلم في صحيحه (١) [عن] أم سلمة واسمها هند قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شُقّ بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، الحديث. قوله: "شق بصره" هو بفتح الشين وبصره [برفع] الراء فاعل شق هكذا الرواية فيه. قال صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره إذا شخص. قاله النووي في أذكاره (٢). وفي حديث آخر (٣): إذا شخص البصر وحشرج الصدر فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، الحديث. الحشرجة الغرغرة عند الموت وتردد النفس فشخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه. يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص به كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله. اهـ، قاله صاحب

стр. 9537

النهاية (١). فقوله: إن الروح إذا قبض تبعه البصر معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرا أين يذهب وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متحللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفي ذلك كلام متسع للمتكلمين والله أعلم. فائدة أيضا: قال أبو حامد الغزالي في الدرة الفاخرة (٢): فإذا دنت منية الإنسان فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة تجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذب النفس من قدمه اليسرى وربما كشف له وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر فيعاين أولئك الملائكة على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم أو وجود بعضهم وربما استخف الميت نفسه وأعاد على نفسه الحديث بما [رآى وهم] يجذبونها من أطراف البنان ورءوس الأصابع والنفس تنسل انسلال القذاة من السقاء والفاجر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبلول كما في الحديث، والميت يظن أن بطنه مُلئت شوكا كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة أو كأنما السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، ولهذا سئل كعب رضي الله عن الموت فقال: كغصن شوك أدخل في جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة

стр. 9538

فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى وآخر ما [يفقد] من الميت السمع لأن الروح إذا فارقت القلب بأسرها فسد البصر وأما السمع فلا يفقده حتى تقبض النفس ولهذا قال ﵊: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا رأيت المحتضر جافّ الفم كأنه يضحك منطلق الوجه مكسورة عينه فاعلم أنه مستبشر بما يلقاه في الآخرة من السرور وكشف له عن حقيقة كرامته فإذا قبض الملك النفس السعيدة تناولها ملكان حسنا الوجهين عليهما أثواب حسنة ولهما رائحة طيبة فيلفّانها في حريرة من حرير الجنة وهي على قدر [نسمة النحلة] شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من عمله المكتسب في دار الدنيا شيئا فيفرحون به في الهواء فلا يزال يمرّ بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف حتى ينتهي إلى سماء الدنيا [فيقرع] الأمين الباب فيقال للأمين من أنت فيقول أنا [صلصائيل] وهذا فلان معي بأحسن أسمائه [وأحبها] إليه فيقولون له نعم الرجل كان فلان وكانت عقيدته غير شاك غير شاك ثم ينتهي إلى السماء الثانية فيقرع الباب فيقال له من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا [بفلان كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته فيقال: أهلًا و سهلًا بفلان، كان عمله عملًا صالحًا لوجه الله ، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من

стр. 9539

ماء. ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفًا من السرادقات، فذكره إلى أن قال: فحينئذ يُنادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان فيقول الجليل ﷻ : قرّبوهُ فنعم العبد كنت يا عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه . ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، وإنما يصل إلى الله عارفوه ، ولا يقف بين يديه إلا أهل العام الرابع فصاعدا انتهى. فائدة فيها بشرى: روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، ولو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها. قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يفصحهم عند مواقيت الصلاة، انتهى. وفي الخبر: إذا مات المؤمن على الإسلام تقول الملائكة: كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا. ٥٢٩٨ - م ١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَبْت لقاءه وَإِذا كره لقائي كرهت لقاءه. رواه

стр. 9540

مالك (١) والبخاري واللفظ له (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤). قوله: " ... "، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله تعالى قال: " ... "، الحديث فالموت هو دون لقاء الله تعالى، قال أبو سليمان الخطابي (٥): يعني بالكراهة كراهة النقلة عن الدنيا إلى الآخرة مخافة العقوبة لما قدمت أيديهم. والمكروه من ذلك هو الإيثار للدنيا والركون إليها كما تقدم من أن يصير إلى الله تعالى والدار الآخرة، فهو يؤثر المقام في الدنيا. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "يا رسول الله كلنا يكره الموت"، انتهى. ٥٢٩٨ - م ٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ تحفة الْمُؤمن الْمَوْت رواه الطبراني بإسناد جيد (٦).

стр. 9541

قوله: "عن عبد الله بن عمرو" تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنهما. قوله ﷺ : "تحفة المؤمن الموت"، أصل التحفة طرفة الفاكهة، والجمع التحف، كأنّ التحفة يقصد بها قصد المتحف، وأراد بالحديث ما يصيب المؤمن في الدنيا من الأذى وما له عند الله من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت. ولهذا قال الشاعر: قد قلت إذ مدحوا الحياة وأكثروا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف منها أمان عذابه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف ويشبهه الحديث الآخر: الموت راحة المسلم. قاله صاحب المغيث أبو القاسم الأصفهاني. ٥٢٩٨ - م ٣ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن شِئْتُم أنبأتكم مَا أول مَا يَقُول الله للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة وَمَا أول مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِن الله يَقُول للْمُؤْمِنين هَل أَحْبَبْتُم لقائي فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا فَيَقُول لم فَيَقُولُونَ رجونا عفوك ومغفرتك فَيَقُول قد وَجَبت لكم مغفرتي رواه أحمد من رواية عبيد الله بن زحر (١).

стр. 9542

قوله: "عن معاذ بن جبل" تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه. قوله ﷺ : "إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله ... "، فذكر الحديث إلى أن قال: " ... " الحديث، قال بعضهم: مضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل، وغفرانها رحمة.

стр. 9543

[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من مَاتَ لَهُ ميت] [٥٢٩٩] عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضرتم الْمَرِيض أَو الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سَلمَة قد مَاتَ قَالَ قولي اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَله وأعقبني مِنْهُ عُقبى حَسَنَة فَقلت ذَلِك فأعقبني الله من هُوَ خير لي مِنْهُ مُحَمَّدًا ﷺ رواه مسلم هكذا بالشك (١)، وأبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥): الميت، بلا شك. قوله: "عن أم سلمة"، تقدم أن اسمها هند، وتقدم الكلام على مناقبها مبسوطا ﵂. قوله ﷺ : "قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة"، الحديث. قال العلماء: هذا أمر ندب وتعليم لما يقال عند المريض أو الميت من الدعاء والاستغفار وله طلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه إخبار عن دعاء من هناك، ولهذا استحب أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير

стр. 9544

حالة موته ليذكروه ويدعو له ولمن يخلفه فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه. وسبب حضور الملائكة المحتضر، قال صاحب الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه حائض أو جنب، انتهى. [٥٣٠٠] وعنها ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من عبد تصيبه مُصِيبَة فَيَقُول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ آجرني فِي مصيبتي واخلف لي خيرا مِنْهَا إِلَّا آجره الله تَعَالَى فِي مصيبته وأخلف لَهُ خيرا مِنْهَا قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت أَي الْمُسلمين خير من أبي سَلمَة أول بَيت هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ إِنِّي قلتهَا فأخلف الله لي خيرا مِنْهُ رَسُول الله ﷺ . رواه مسلم (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) والترمذي (٤)، وَلَفظه قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أصَاب أحدكُم مُصِيبَة فَلْيقل إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ عنْدك أحتسب مصيبتي فأجرني بهَا وأبدلني خيرا مِنْهَا فَلَمَّا احْتضرَ أَبُو سَلمَة قَالَ اللَّهُمَّ اخلفني فِي أَهلِي خيرا مني فَلَمَّا قبض قَالَت أم سَلمَة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِنْد الله أحتسب مصيبتي فأجرني فِيهَا. رواه ابن ماجه (٥) بنحو الترمذي. قوله: "وعنها"، تقدم الكلام عليها رضي الله تعالى عنها.

стр. 9545

قوله ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها"، الحديث، المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه من بلية وغيرها. والمصيبة البلاء والمكروه الذي يصيب الإنسان. قوله ﷺ : "فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون" فالاسترجاع عند البلاء تسليم وإذعان، والاسترجاع هو قولك: "إنا لله وإنا إليه راجعون". روي أنه طفئ سراج رسول الله ﷺ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل: أمصيبة هو؟ قال: نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فإنه من المصائب. الشِّسع تقدم الكلام عليه في السلام وغيره. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: انقطع شسع نعلي فسآني ثم استرجع وقال: كل ما ساءك فهو مصيبة. قوله ﷺ في الحديث: "آجرني في مصيبتي" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (١): يقال آجرني بالمد وكسر الجيم، ويقال بالقصر أيضا، حكاهما صاحب الأفعال. وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة هو مقصور لا يمدّ، وكذا نقله القاضي أيضا عن أهل اللغة. قوله ﷺ في الحديث: "وأخلف لي خيرا"، الحديث. قال النووي هو بقطع الهمزة وكسر اللام. قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله تعالى عليك أو لك، أي ردّ الله تعالى

стр. 9546

عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله غالبا بأن ذهب ملك ولد أو أم أو عم لمن لا جد أو أخ ولا والد له، قيل له: خلف الله تعالى عليك بغير ألف أي كان الله خليفة والدك أي من فقدته عليك، وقيل يقال: خلف الله تعالى عليك إذا مات لك ميت أي كان الله خليفته عليك وأخلف الله تعالى عليك أي أبدلك. ومنه الحديث: تكفل الله تعالى للغازي بأن يخلف نفقته، وحديث أم سلمة: اللهم أخلف لي خيرا منه. قوله ﷺ : " ... "، ومعنى آجره الله تعالى أي أعطاه الله تعالى أجره وجزاء صبره. وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الله تعالى: ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة، انفرد به ابن ماجه (١). وفي الحديث أيضا (٢): إنما الصبر عند الصدمة الأولى، معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثر المشقة فيه. وأصل الصدم الضرب في شيء صلب بمثله، ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة. ومعنى عند الصدمة الأولى قال الأزهري (٣) معناه عند فورة المصبية وحموتها، ومعناه أن كل ذي رزية قصاراه الصبر، أي آخر أمره أو منتهاه،

стр. 9547

ولكنه إنما يحمد ويثباب عند الصدمة الأولى وهي فورة الرزية فإن الرزية إذا طالت الأيام عليها سليّ المصاب وصار الصبر طبعا فلم يؤجر، انتهى. وتقدم الكلام على شيء من ذلك قريبا. " ... " إذا بلغ الإنسان موت صاحبه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك] (١) في المحسنين واجعل كتابه في عليين [واخلفه في أهله في الغابرين ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده] (٢)، رواه ابن السني عن ابن عباس (٣). قال: قال رسول الله ﷺ : [للموت] فزع، فإذا بلغ أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى آخره. [٥٣٠١] وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون الْبَقَرَة ٦٥١ قَالَ أخبر الله أَن الْمُؤمن إِذا سلم لأمر الله وَرجع فَاسْتَرْجع عِنْد الْمُصِيبَة كتب لَهُ ثَلَاث خِصَال من الْخَيْر الصَّلَاة من الله وَالرَّحْمَة وَتَحْقِيق سَبِيل الْهدى وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من اسْترْجع عِنْد

стр. 9548

الْمُصِيبَة جبر الله مصيبته وَأحسن عقباه وَجعل لَهُ خلفا يرضاه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير شَيْئا لم يُعْطه أحد من الْأُمَم عِنْد الْمُصِيبَة إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. [٥٣٠٢] وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَيْت أمتِي (١). [٥٣٠٣] وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَن أَبِيهَا ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أُصِيب بمصيبة فَذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وَإِن تقادم عهدها كتب الله لَهُ من الْأجر مثله يَوْم أُصِيب رواه ابن ماجه (٢).

стр. 9549

قوله: "وروي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها" هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تزوجها ابن عمها حسن بن حسن بن علي، فولدت له عبد الله، وإبراهيم، وحسنا، وزينب، ثم مات عنها، فخلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان -ويقال له: المطرف لجماله- فولدت له القاسم، ومحمدا، وهو الديباج؛ سمي بذلك لجماله، ورقية؛ بني عبد الله بن عمرو، ومات عبد الله عنها. وكان زوجه بها ابنها عبد الله بن حسن بن حسن وذكرها ابن حبان في كتاب "الثقات" وتوفيت فاطمة في سنة سبع عشرة ومئة، وقيل: في سنة أربع عشرة، وست عشرة ومئة. وكانت وفاتها بالمدينة (١). قوله: "من أصيب بمصيبة" فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب" الحديث، وفي لفظ: [جدّد] الله له أجرها مثل ما كان له يوم أصابته. قوله: "فأحدث استرجاعا" أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. تنبيه: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للمحسنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية للملك. وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار [بالمِلك] على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين، لأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال

стр. 9550

سعيد بن جبير: لم يعط الله هذه الكلمات نبيا قبل نبينا ﷺ ، [أيضا ولو عرَّفَنا] يعقوب ﵇ لما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، اهـ. [٥٣٠٤] وَعَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا مَاتَ ولد العَبْد قَالَ الله تَعَالَى لملائكته قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول قبضتم ثَمَرَة فُؤَاده فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول مَاذَا قَالَ عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول الله تَعَالَى ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد رواه الترمذي (١) وحسنه وابن حبان في صحيحه (٢). قوله: "وعن أبي موسى"، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟

стр. 9551

فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع" الحديث. أي قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي معنى هذا الحديث ما روي في صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. وفي الأثر: أن موسى ﵊ قال: يا رب أي خلقك أحبّ إليك، قال: من إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في أمر فإذا قضيت له سخط قضائي. وفي أثر إسرائيلي: أن موسى ﵊ سأل ربه ﵎ عما يدني من رضاه فقال: إن رضاي في رضاك بقضائي، انتهى. الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة فهناك يصطاده ولا سيما إذا استحكم سخطه، وذكر مسلم بن الحجاج (٢) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت. فقال للرسول ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينّها. قال: فقام رسول الله ﷺ فقام معه سعد بن عبادة

стр. 9552

ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فرُفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شنّة ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. قوله: "ونفسه تقعقع" أي تتحرك وتضطرب بصوت متدارك. قال أبو علي: كل ما سمعت له عند حركته صوتا فهو قعقعة كالسلاح والجلود اليابسة، اهـ. اعلم أنّ هذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى لله ما أخذ أن العالم كله ملك لله ، فلم يأخذ ما هو لكم بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية ومعنى وله ما أعطى أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو له يفعل فيه ما يشاء وكل شيء عنده بأجل مسمى فلا تجزعوا فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمى [فمحال] تقدمه أو تأخره عنه فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. اهـ. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ذكر الحديث، وفيه فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمّه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول. قال أنس: لقد رأيته وهو يكيد [نفسه] يعني يموت بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون، وفي الحديث أن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه، اهـ.

стр. 9553

وفي صحيح البخاري ومسلم (١) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ عادَ سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رآى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا. فقال: ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ويرحم، وأشار إلى لسانه. وفي صحيح البخاري (٢) عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون، والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة والله أعلم. ومعنى يجود بنفسه أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به يريد أنه كان في النزع وسياق الموت، وفلان يجاد للحتف أي يساق إليه، وقيل: يجود بنفسه أي يتحرك في الفراش لكونه في النزع والغرغرة فموت البنين من العوارض التي توجب للعبد التسخط على القدر فأخبر ﷺ أنه لا يقول في مثل هذا المقال الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربه ﵎ ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكا، فقيل تضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. فأنكرت

стр. 9554

طائفة هذا على الفضيل وقالوا: رسول الله ﷺ قد بكى يوم مات ابنه، وأخبر أن القلب يحزن والعين تدمع وهو في أعلا مقامات الرضى فكيف يعدّ هذا في مناقب الفضيل! والتحقيق أن قلب رسول الله ﷺ اتسع لتكميل المراتب من الرضى عن الله تعالى والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة ورقة القلب، والفضيل لم يستع لذلك فغيّبه مقام الرضى عن مقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران، والناس في ذلك على أربع مراتب: أحدها: من اجتمع له الرضى بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راضٍ، الثاني من غيّبه الرضى عن الرحمة فلم يتسع للأمرين. الثالث من غيبته الرحمة والرقة عن الرضى فلم يشهده. الرابع من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما كان حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن الرحمن والله المستعان، انتهى. فائدة: في دفن البنات في أمثال العسكري عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما عُزّي في ابنته رقية قال: الحمد لله دفن البنات من المكرمات (١)

стр. 9555

وروى البيهقي (١) وغيره أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا حتى امتنع من الطعام والشراب فبلغ ذلك محمد بن إدريس الشافعي فكتب [إليه] أما بعد فعزِّ نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من فعل غيرك: واعلم أن أشد [المصائب] ... فقد سرور مع حرمان أجر فكيف إذا اجتمعا ... على اكتساب وزر إني معزّيك لأني على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين فما المعزَّي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين اهـ فائدة أيضا: في التعزية غريبة: قال الحسن البصري من الأدب ألا يُعزّى الرجل في زوجته (٢)، وروي أن [عبيد] الله بن زياد سأل أبا بكرة نفيع بن الحارث عن موت الأهل فقال: موت الأب قاصمة الظهر وموت الولد صدع في الفؤاد وموت الأخ قص الجناح وموت الزوجة حزن ساعة، اهـ (٣).

стр. 9556

خاتمة يختم بها الباب لها مناسبة أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم ﵇: إنّ لي أمَة ترافقك في الجنة ودل عليها فإذا بامرأة عمياء مشلولة الأطراف، فعجب منها وسألها فقالت لو كان لي يدان ربّما جمعت بهما الحرام فشهدتا عليّ أو رجلان ربما مشيت بهما في معصية أو عينان ربما أبصرت بهما زخارف الدنيا وحوسبت لأجلهما، قال: فما حاجتك؟ قالت: المغفرة وليست لك لكن لي ابن يتولى وضوئي وصلاتي أسأل الله تعالى أن يعطيني أجره. قال: فلما انفصل لقي شبانا يبكون وقالوا: كان لهذه المرأة ابن واحد يخدمها فأكله الذئب، فرجع إليها عيسى ﵇ فقال: قد أحسن الله عزاءك في ابنك فقد أكله الذئب. فقالت: الحمد لله الذي رفع عني مئونة مواراته مع ضعفي عن ذلك. فقال عيسى: حقّ لك أن تكوني رفيقتي في الجنة. [فقالت]: من أين لك هذا؟ فأخبرها عن الله تعالى، فشهقت شهقة عظيمة وخرّت ميتة فواراها التراب وانصرف، رحمة الله عليها.

стр. 9557

[التَّرْغِيب فِي حفر الْقُبُور وتغسيل الْمَوْتَى وتكفينهم] [٥٣٠٥] عَن رَافع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ غفر الله لَهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَة وَمن حفر لِأَخِيهِ قبرا حَتَّى يجنبه فَكَأَنَّمَا أسْكنهُ مسكنا حَتَّى يبْعَث. رواه الطبراني في الكبير (١)، ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (٢) وقال: صحيح على شرط مسلم، وَلَفظه من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ غفر الله لَهُ أَرْبَعِينَ مرّة وَمن كفن مَيتا كسَاه الله من سندس وإستبرق فِي الْجنَّة وَمن حفر لمَيت قبرا فأجنه فِيهِ أجْرى الله لَهُ من الْأجر كَأَجر مسكن أسْكنهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ورواه الطبراني في الأوسط (٣) من حديث جابر، وفي سنده الخليل بن مرة، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ من حفر قبرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة

стр. 9558

وَمن غسل مَيتا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَمن كفن مَيتا كَسَاه الله من حلل الْجنَّة وَمن عزى حَزينًا ألبسهُ الله التَّقْوَى وَصلى على روحه فِي الْأَرْوَاح وَمن عزى مصابا كَسَاه الله حلتين من حلل الْجنَّة لَا تقوم لَهما الدُّنْيَا وَمن تبع جَنَازَة حَتَّى يقْضى دَفنهَا كتب الله لَهُ ثَلَاَثَة قراريط القيراط مِنْهَا أعظم من جبل أحد وَمن كفل يَتِيما أَو أرملة أظلهُ الله فِي ظله وَأدْخلهُ الْجنَّة. قوله: "عن أبي رافع" أبو رافع اسمه أسلم وقيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز وقيل غير ذلك، توفي في خلافة علي رضي الله تعالى عنه. قوله ﷺ : "من غسل ميتا فكتم عنه غفر الله له أربعين كبيرة" الحديث، يغسّل الميت لقوله ﷺ : ما من ميت يموت إلا يجنب عند الموت، أورده النيسابوري. وقال بعض أصحاب القفال: اختلفوا في معناه فقيل أنه من شدة النزع ينزل وقيل إن الميت إذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع التذ فأنزل والله أعلم. واعلم أن غسل الميت وتكفينه ودفنه فرض على الكفاية أي على كل من علم حاله من المسلمين بالإجماع وهذا إذا كان مسلما فإن كان كافرا فلا يجب، قاله في هادي النبيه (١). وقال ﷺ في المحرم الذي وقص به بعيره فاندقّ عنقه اغسلوه بماء وسدر، الحديث. فخاطب به الجمع، وروي أنه ﷺ قال: فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها ودفنها فإذا تركه من علمه أثموا جميعا، لكن هل يأثم أقاربه الذين هم أولى بغسله أَغُلظ أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي فقال:

стр. 9559

أحدهما أن جميع المسلمين في غسله أسوة فعلى هذا لا يجوز لمن علمه من الأقارب وغيرهم تركه حتى يقوم به أحدهم، والثاني أقاربه أحق به وإثم تركه عليهم أغلظ فعلى هذا للأجانب تفويض أمره للأقارب فإن أمسك عنه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب ولو لم يعلم بالميت إلا واحد وتعين عليه فرضه فإن أخبر به غيره بقي فرض كفاية حتى يواريه أحدهما. قال الماوردي والتكفين والصلاة والدفن كذلك، قاله في مختصر الكفاية (١). فرع: الأطفال من الذكور والإناث يغسلهم النساء والرجال. قال الرافعي والمراد بالصغير من لا يُشتهى مثله وكلام أبي زيد يقتضي أن المناط ما دون البلوغ. وفي التتمة أن ذلك في [صغيرة لا تُشتهى] وصغير لم يبلغ حد من يجامع (٢)، وقال بعضهم ذلك فيما دون سن التمييز والمميز الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ولا يضبط ذلك بسن بل يختلف باختلاف الأفهام، كذا قاله الفقهاء (٣). تنبيه: شرط من يتولى الغسل أن يكون مسلما فإن كان كافرا فكالمعدوم وأن لا يكون قاتلا فإن قتل بحق بني على إرثه منه. قاله في هادي النبيه (٤). (٥)

стр. 9560

فائدة: قال العلماء يستر الميت في الغسل عن العيون كما في حال الحياة، أي عيون الأجانب بأن يجعل في بيت ويرخى على بابه شيء خشية أن يكون به عيب كان يكتمه فيظهر أو قد اجتمع في موضع من بدنه دم أو التوى عنقه لعارض فيظن من لا يعرف أنه عقوبة وسوء عاقبة ويستحب أن يكون بقربه مجمرة حتى إذا كانت له رائحة لم تظهر كل ذلك طلبا للستر والأولى أن يستر من جهة السماء كسقف وغيره في الأصح. وقيل: بل غسله تحت السماء أحب لتنزل عليه الرحمة. أما أولياء الميت فقال البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما أنهم يدخلون لأنه يوثق بهم ولا ينظر الغاسل يعني من غير العورة إلا إلى ما لا بد منه فيغض بصره ما أمكن، والذي يعاون الغاسل في معنى الغاسل إذا لم يستغن عنه فإن استغنى عنه فيستحب أن لا يستعين فإن نظرا إلى ما لهما منه بد كُره كغيرهما من الأجانب. وأما العورة فنظرها حرام مطلقا لقوله ﷺ لعلي ﵁، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، رواه أبو داود، اهـ. قاله في تسهيل الهداية (١).

стр. 9561

فرع: الأفضل عند مالك وأبي حنيفة أن يغسل الميت مجردا إلا أنه تستر عورته. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: الأفضل أن يغسل الميت في قميص اقتداء بما فعل برسول الله ﷺ (١) كما صححه الحاكم لما روى بريدة قال: لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم مناد داخل البيت لا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصه، رواه ابن ماجه والحاكم وأبو داود بمعناه (٢)، وقال المزني إن ذلك خاص بالنبي ﷺ لجلالته وعظم قدره (٣). فإن قيل: معتمد الشافعي والأصحاب في استحباب الغسل في القميص هذا الحديث وهو مخصوص بالنبي ﷺ كما قاله المزني، فالجواب: [أنما ثبت] كونه سنة في حقه ﷺ فهو سنة في حق غيره حتى يثبت التخصيص، والذي فُعل بالنبي ﷺ هو الأكمل والأفضل (٤)، والحديث يتضمن أن القميص الذي غسّل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه وهذا هو الصواب

стр. 9562

الذي لا يتجه غيره لأنه لو بقي من رطوبته لأفسد الأكفان (١) والله أعلم. ولم يثبت التخصيص فيندب الغسل في القميص للاقتداء لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في غسله ﷺ هل نجرده أو نغسله في ثيابه فغشيهم النعاس وسمعوا هاتفا يقول: لا تجردوا رسول الله ﷺ . وفي رواية: غسِّلوه في قميصه الذي مات فيه فغسل في القميص (٢). [وقيل الأولى أن يجرّد وعلى الأول ينبغي أن يكون القميص خليعا أو رقيقا ينزل الماء عنه إلى البدن ثم إن كان واسع الكمين أدخل يده منهما وإلا الشقّ الدخاريص وأدخل يده، وكلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي يفهم أن القميص يلبسه حال غسله وهو الأصح وبه صرح المسعودي وغيره، وقال الإمام والغزالي يغسل في قميصه الذي مات فيه ولا ينزع عنه حين موته بل يترك ليغسل فيه كما فعل به ﷺ ، قاله في مختصر الكفاية (٣)] (٤). فرع: يستحب أن يغطي وجه الميت بخرقة من أول ما يوضع على المغتسل، نقله المزني عن الإمام الشافعي، واستحب هو إعادة الوضوء في كل غسلة ويندب أن يظفر شعر المرأة وأن يجعل ثلاثة قرون كما في

стр. 9563

الحديث، قاله الكمال الدميري (١). فرع: ما أحدثه الغسال من القراءة والأذكار على الميت عند كل عضو فذلك بدعة لم ترد عن السلف مع أنك ترى الغاسل يقرأ القرآن ويده تباشر إزالة النجاسة عن بدن الميت وفي ذلك ما فيه، انتهى، قاله ابن النحاس في كتابه التنبيه في الأمر بالمعروف (٢) وهو كتاب نفيس. فرع أيضا: يندب أن يوضع الميت حال غسله على لوح وتكون جهة رأسه أعلى لينحدر الماء عنه ويكون على ظهره ورجلاه إلى القبلة وللجنب والحائض غسل الميت لكن يكره ولو ماتا غسلا غسلا واحدا، اهـ. قاله أيضا في مختصر الكفاية (٣). تنبيه: والواجب من الغسل النية لأنه غسل واجب لا لإزالة عين كغسل الجنابة فينوب الغاسل عن الميت فيها كما أشار إليه الإمام، وهذا أخذ من نص الشافعي أن الغريق يغسل، وقيل لا تجب النية وهو الأصح لأن الشافعي ﵁ صحح غسل الذمَية زوجها ولأن القصد منه التنظيف لا رفع الحدث، والواجب أيضا الغسل مرة واحدة كغسل الجنابة وهذا لا خلاف فيه بخلاف طهارة الحي، اهـ. قاله أيضا في مختصر الكفاية (٤).

стр. 9564

فائدة: مما اعتاده كثير من الناس إعطاء ما على الميت للغاسل وهم قسمان قسم يخشى من هذه العادة فيجرده حتى ربما لا يبقي عليه ما يستر عورته من قميص رفيع أو مهلهل ونحوه خشية أن يترك عليه ما له قيمة فيأخذه الغاسل، والقسم الثاني يتركون ما عليه وربما زادوه من أفخر ثيابه ثم يعطون ذلك للغاسل رياء ومفاخرة، وعلى كلا التقديرين فإن كان في الورثة صغير أو غائب حرم على من يتولى ذلك أن يعطي الغاسل [شيئا من ذلك] زائدا على قدر أجرته وإن كان الورثة كبارا حاضرين بأجمعهم وطابت أنفسهم بإعطاء الغاسل ذلك من غير رياء ولا مفاخرة جاز وهذه صورة نادرة لا تكاد توجد وكثير من الغسال يأخذ ذلك بيده من غير استئذان لاحتقاره أهل الميت أو توهمه أنهم لا يسمحون له إذا استأذنهم [وهذه كلها بدع محرّمة يجب إنكارها على كل قادر عليها، قاله ابن النحاس في كتابه التنبيه (١)] (٢). [فرع: لو حفر قبرا فوجد فيه [عظما] أعاد القبر ولم يتم الحفر. قال الشافعي: فإن فرغ من القبر فظهر شيء من العظام جاز أن يجعل في جانب القبر ويدفن الثاني معه، ذكره الرافعي (٣). فرع آخر: دفن الاثنين جميعا يكره إلا للضرورة ولا يحرم على الصحيح

стр. 9565

نعم لا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند شدة الحاجة، وصرّح في شرح المهذب (١) بأن ذلك حرم حتى في الأم وولدها وأباح بعضهم من كان بينهما زوجية أو محرمية (٢). تنبيه: ومن البدع أن يدفن في قبر ميت قبل أن يبلى الأول ويذهب أثره من غير ضرورة وهذه بدعة محرمة شائعة في الناس من غير نكير ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت الأول أباه أو أمه أو ابنه أو أجنبيا منه حتى أن بعضهم يوصي أن يدفن على أبيه أو ابنه أو قرابته وذلك لا يجوز لأن نبش القبر والكشف عن الميت حرام وموضعه مختص به لا يجوز لأحد أن يدفن معه فيه إلا أن يفنى ولم يبق له أثر فيجب على كل قادر إنكار ذلك والمنع منه فإن كان عاجزا فيجب عليه أن لا يحضر ذلك لأن حضور الدفن سنة وإنكار ذلك واجب وليس له أن يتعرض لترك واجب بارتكاب سنة والله أعلم، قاله ابن النحاس في تنبيه (٣)] (٤). غريبة: ذكر أبو [حاتم] الأندلسي في كتاب تحفة الألباب (٥) أن في آخر بلاد الإسلام في الشمال بلد بلغار يكون النهار عندهم في الصيف عشرين ساعة

стр. 9566

والليل أربع ساعات ويشتد البرد فيها حتى لا يقدر أحد أن يدفن الميت ستة أشهر من شدة البرد لأن الأرض تصير كالحديد لا يمكن أن يحفر فيها قبر، قال: ولقد مات لي ولد بها في آخر الشتاء فلم أستطع دفنه [إلا بعد] ثلاثة أشهر وبقي في البيت كالحجر، اهـ. قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "من غسل ميتا فكتم عليه" قال النووي (١): يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه من استنارة وجهه وطيب ريحه وتبسمه ونحو ذلك استحب له أن يحدث الناس بذلك لا سيما إن كان الميت ممن ينسب إلى صلاح وخير وإذا رأى من الميت ما يكره من سواد وجه وتغير الخلقة ونتن عضو وانقلاب صورة ونحو ذلك حرم عليه أن يحدّث أحدا به واحتجوا بما روي في سنن أبي داود والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم (٢) وجملة القول أن الغاسل

стр. 9567

يستحب له إن رآى خيرا ذكره ليكون ذلك أدعى إلى كثرة المصلين عليه والدعاء له وإن رآى غير ذلك حرم عليه ذكره [لأنه] غيبة لمن لا يتأتى الاستحلال منه. وفي صحيح مسلم (١): [من ستر مسلما] (٢) ستره الله في الدنيا والآخرة. لطيفة: مرّ بي عن بعض التواريخ أن امرأة كانت في زمن بني إسرائيل ملكت قومها مدة طويلة وقتلت اثني عشر ألف نبي، فقاتلها ملك آخر فقتلها وألقى جيفتها للكلاب فأكلوا جميع جسدها إلا رأسها ويديها فسأل الملك عن ذلك فقال: إنها كانت تفلي ثياب اليتامى وتسرح شعورهم، اهـ. ثم [إن] (٣) جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته، [أي ... ] (٤) اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم]. وقال أبو الخير اليمني صاحب البيان منهم لو كان الميت مبتدعا مظهرا للبدعة أو ظالما متجاهرا بظلمه ورأى الغاسل منه ما يكره فالذي يقتضيه القياس أن يتحدث به في الناس ليكون ذلك زجرا للناس عن البدعة والظلم (٥) والله أعلم. اهـ.

стр. 9568

قوله: "غفر الله له أربعين كبيرة" تقدم الكلام على حد الكبيرة واختلاف العلماء فيها. فائدة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من غسل ميتا فليغتسل، رواه الترمذي (١) وحسّنه وصححه ابن حبان (٢) ومال ابن حزم إلى تصحيحه (٣) وكذلك صاحب الإلمام، وقال الماوردي خرج بعضهم لصحته مائة وعشرين طريقا، وقال علي بن المديني وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي لا يصح في الباب شيء (٤). وقال البخاري (٥) الأشبه وقفه على

стр. 9569

أبي هريرة. وقال البيهقي (١): أنه الصحيح. وقال الرافعي في شرح المسند (٢): أنه لم يصححه الأئمة فيُسنّ الغسل لغاسل الميت سواء كان الميت كبيرا أو صغيرا مسلما كان أو كافرا لعموم هذا الحديث على تقدير صحته، وصرفنا عن الوجوب (٣). قوله: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه"، قال الحاكم (٤):

стр. 9570

صحيح على شرط البخاري وبهذا قال المزني وقواه في شرح المهذب وقال الشافعي في القديم بوجوب الغسل من [غاسل] الميت لظاهر الأمر به ثم اختلفوا فيه فقيل أنه تعبّد وقيل لنجاسة الميت عند القائل به (١)، ولهذا قال الرافعي وجماعة أنه آكد الأغسال لأنه مختلف في وجوبه بخلاف غسل الجمعة وقيل هما سواء. [وقال] الشافعي في القديم آكدّها غسل الجمعة ولذلك قال النووي: إن القديم أظهر (٢)، وصححه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح وتظهر فائدة القولين: فيما إذا أوصى بماء [لا حق للناس] به فحضره مريد الجمعة ومن يغسل ميتا أيهما يستحقه (٣)، اهـ، من الديباجة.

стр. 9571

قوله ﷺ : "ومن حفر لأخيه قبرا حتى يجنبه فكأنما أسكنه مسكنا حتى يبعث" الحديث حتى يجنبه معناه حتى يستره. [في الحديث أيضا عن هشام بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : احفروا وأحسنوا، رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية النسائي: احفروا وأحسنوا وأعمقوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد. والظاهر أن هذا عند الضرورة]. فرع: أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع والأولى أن يعمق ويوسع قدر قامة وبسطة (١) لأن عمر ﵁ أوصى بذلك ولم ينكره أحد ولأنه أبلغ في المقصود والزيادة عليه غير مأثورة والمراد قامة رجل معتدل. وقيل: رجل ربع، والبسطة أن يرفع الرجل يديه [من] فوق رأسه ما أمكنه وهو قائم، وقدر مجموع ذلك على الأصح عند النووي تبعا للجمهور أربعة أذرع ونصف، وجزم الرافعي تبعا للمحاملي أنه ثلاثة أذرع ونصف (٢). قال النووي (٣): وقد غلط المحاملي فيه وهو شاذ مردود، والعجب من جزم الرافعي به وإعراضه عما جزم به الجمهور وهو أربعة أذرع ونصف، هذا هو الأكمل، [وعن الجويني أن السنة أن يعمق قدر قامة فقط وهو ثلاثة أذرع
следующие страницы →