← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9567–9606 · переход к 9572.

стр. 9567

يستحب له إن رآى خيرا ذكره ليكون ذلك أدعى إلى كثرة المصلين عليه والدعاء له وإن رآى غير ذلك حرم عليه ذكره [لأنه] غيبة لمن لا يتأتى الاستحلال منه. وفي صحيح مسلم (١): [من ستر مسلما] (٢) ستره الله في الدنيا والآخرة. لطيفة: مرّ بي عن بعض التواريخ أن امرأة كانت في زمن بني إسرائيل ملكت قومها مدة طويلة وقتلت اثني عشر ألف نبي، فقاتلها ملك آخر فقتلها وألقى جيفتها للكلاب فأكلوا جميع جسدها إلا رأسها ويديها فسأل الملك عن ذلك فقال: إنها كانت تفلي ثياب اليتامى وتسرح شعورهم، اهـ. ثم [إن] (٣) جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته، [أي ... ] (٤) اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم]. وقال أبو الخير اليمني صاحب البيان منهم لو كان الميت مبتدعا مظهرا للبدعة أو ظالما متجاهرا بظلمه ورأى الغاسل منه ما يكره فالذي يقتضيه القياس أن يتحدث به في الناس ليكون ذلك زجرا للناس عن البدعة والظلم (٥) والله أعلم. اهـ.

стр. 9568

قوله: "غفر الله له أربعين كبيرة" تقدم الكلام على حد الكبيرة واختلاف العلماء فيها. فائدة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من غسل ميتا فليغتسل، رواه الترمذي (١) وحسّنه وصححه ابن حبان (٢) ومال ابن حزم إلى تصحيحه (٣) وكذلك صاحب الإلمام، وقال الماوردي خرج بعضهم لصحته مائة وعشرين طريقا، وقال علي بن المديني وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي لا يصح في الباب شيء (٤). وقال البخاري (٥) الأشبه وقفه على

стр. 9569

أبي هريرة. وقال البيهقي (١): أنه الصحيح. وقال الرافعي في شرح المسند (٢): أنه لم يصححه الأئمة فيُسنّ الغسل لغاسل الميت سواء كان الميت كبيرا أو صغيرا مسلما كان أو كافرا لعموم هذا الحديث على تقدير صحته، وصرفنا عن الوجوب (٣). قوله: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه"، قال الحاكم (٤):

стр. 9570

صحيح على شرط البخاري وبهذا قال المزني وقواه في شرح المهذب وقال الشافعي في القديم بوجوب الغسل من [غاسل] الميت لظاهر الأمر به ثم اختلفوا فيه فقيل أنه تعبّد وقيل لنجاسة الميت عند القائل به (١)، ولهذا قال الرافعي وجماعة أنه آكد الأغسال لأنه مختلف في وجوبه بخلاف غسل الجمعة وقيل هما سواء. [وقال] الشافعي في القديم آكدّها غسل الجمعة ولذلك قال النووي: إن القديم أظهر (٢)، وصححه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح وتظهر فائدة القولين: فيما إذا أوصى بماء [لا حق للناس] به فحضره مريد الجمعة ومن يغسل ميتا أيهما يستحقه (٣)، اهـ، من الديباجة.

стр. 9571

قوله ﷺ : "ومن حفر لأخيه قبرا حتى يجنبه فكأنما أسكنه مسكنا حتى يبعث" الحديث حتى يجنبه معناه حتى يستره. [في الحديث أيضا عن هشام بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : احفروا وأحسنوا، رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية النسائي: احفروا وأحسنوا وأعمقوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد. والظاهر أن هذا عند الضرورة]. فرع: أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع والأولى أن يعمق ويوسع قدر قامة وبسطة (١) لأن عمر ﵁ أوصى بذلك ولم ينكره أحد ولأنه أبلغ في المقصود والزيادة عليه غير مأثورة والمراد قامة رجل معتدل. وقيل: رجل ربع، والبسطة أن يرفع الرجل يديه [من] فوق رأسه ما أمكنه وهو قائم، وقدر مجموع ذلك على الأصح عند النووي تبعا للجمهور أربعة أذرع ونصف، وجزم الرافعي تبعا للمحاملي أنه ثلاثة أذرع ونصف (٢). قال النووي (٣): وقد غلط المحاملي فيه وهو شاذ مردود، والعجب من جزم الرافعي به وإعراضه عما جزم به الجمهور وهو أربعة أذرع ونصف، هذا هو الأكمل، [وعن الجويني أن السنة أن يعمق قدر قامة فقط وهو ثلاثة أذرع

стр. 9572

وقيل فيه غير ذلك والله أعلم. قاله في مختصر الكفاية (١). فرع أيضا: قال الشافعي في الأم (٢): أحّب أن يجعل الميت في صندوق أي تابوت. قال البندنيجي: فيستحب ترك التابوت لأنه ﷺ وأصحابه لم يدفنوا فيه. وقال الرافعي والقاضي حسين والرافعي: يكره أن يدفن الميت في التابوت إلا أن تكون الأرض رخوة أو نديّة ولو أوصى به لم تنفذ وصيته في مثل هذه الحالة ويكون التابوت من رأس المال (٣)، اهـ. فرع أيضا: ومن البدع نقل الميت من بلد إلى بلد وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها وممن نص على تحريمه القاضي حسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب التتمة ولو أوصى بذلك لم تنفذ وصيته اهـ وقيل نقله مكروه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيستحب نقله إليها، نص عليه الشافعي وعلى هذا إنما يباح قبل الدفن ويشترط أن يؤمن الانفجار وتغيّره فإن كان قد دفن حرم نبشه إلى مكة وغيرها، والله أعلم. قاله ابن النحاس (٤)] (٥).

стр. 9573

تتمة: لو لحق الأرض نداوة أو سيل، [قال الزبيري] (١) يجوز نقله منهما ومنعه غيره (٢). قال النووي (٣): قول الزبيري أصح واستدل له بما روى البخاري عن جابر عن عبد الله أنه دفن أباه مع رجل آخر في قبر، قال: ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كهيئته يوم وضعته، وجعلته في قبر على حدة (٤). قال النووي (٥): وهذا الحديث يقتضي جواز النبش والنقل لهذا الغرض وهو مشكل، وهذا النبش كان في حياة النبي ﷺ ولا شك أن جابرا إنما فعل ذلك بعد استئذان النبي ﷺ فإما أن يكون للأصحاب جواب عنه وإما أن يقال أن النقل لمصلحة الميت جائز مطلقا. فرع: وإذا تهدم القبر فيتخير أولياء الميت بين أن يتركوه بحاله وبين أن ينبشوه ويصلحوه وبين أن ينقلوه إلى غيره، قاله الكمال الدميرى (٦). فائدة: ومن البدع ما يفعله بعضهم من الفرش تحت الميت والمخدة تحت رأسه وهذه بدعة شنيعة، وكذلك ما يفعله بعضهم من إلباس الميت أفخر ثيابه من الحرير والذهب ونحو ذلك مع الكفن وهذا حرام لأنه إضاعة

стр. 9574

مال من غير ضرورة وللورثة مطالبة من فعل ذلك به والله أعلم، قاله ابن النحاس (١). قوله ﷺ : "من كفن ميتا كساه الله من حلل الجنة" الحديث، وتكفين الميت فرض على الكفاية كما تقدم لقوله ﷺ كفنوه في توبيه فخاطب به الجمع وأيضا فهو إجماع وهل أقاربه فيه وغيرهم سواء فيه ما تقدم وهذا في المسلم وكذا الذمي على الأصح [لا الحربي] قطعا، قاله في هادي النبيه (٢). فرع: تكره المغالاة في الكفن لقوله ﷺ : لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب [سلبا سريعا] رواه أبو داود، [وعن] علي ولم يضعِّفه وفهم من التقييد بالمغالاة أن تحسينه لا يكره وهو كذلك بل يستحب، ففي صحيح مسلم (٣) إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه أي يتخذه أبيض لطيفا سابغا، وفي كامل ابن عدي (٤) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: حسّنوا أكفان

стр. 9575

موتاكم فإنهم يتزاورون في قبورهم، اهـ. تنبيه: ويستحب أن يكفن الرجل وكذا الصبي في ثلاثة أثواب إزار ولفافتين بيض (١) لحديث عائشة ﵂، وقال ﷺ (٢): ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، رواه الترمذي، والإزار ما يؤتزر به العورة، واللفافتان أن [تلف] كل منهما على جميع البدن لأن الخبر دل على

стр. 9576

ثلاثة أثواب وهذه الهيئة أولى به والأصح أن الثلاثة سوابغ (١) نعم لو كفن من بيت المال حيث يجب فلا يزاد على ثوب واحد لتأدي الواجب به والمحرم لا يزاد على إزار ورداء كما قاله ابن سراقة في تلقينه (٢) وتكفن المرأة في خمسة أثواب إزار ودرع وهو القميص وخمار ولفافتين بيض اقتداء بفعله ﵇ بأم كلثوم (٣) والواجب ثوب واحد لأن ما دونه لا يسمى كفنا، والأصح في الروضة أنه ما يستر العورة، وقيل البدن (٤). فرع: قال صاحب التقريب: الثوب الواحد حق لله تعالى والثاني والثالث حق للميت فلو أوصى بأن يكفن بثوب واحد كفن بثوب سابغ وقد رضي بإسقاط حقه من الثلاث، ولو قال رضيت بما يستر العورة فلا أثر لوصيته ويجب تكفينه بسابغ واستحسنه الإمام، وفي جزمه بعدم [نفوذ] وصيته نظر فإنه قد نقل عن الشافعي أن الزائد على ستر العورة حق للميت فينبغي أن ينفذ بإسقاطه كالثوبين (٥)، والله أعلم. فائدة: قال الصيمري وغيره: لا يستحب للإنسان أن يعد لنفسه كفنا في حياته لئلا يحاسب عليه (٦).

стр. 9577

قال النووي (١): الذي قاله الصيمري صحيح إلا أن يقطع [بحله] أو يكون من أثر أهل الخير كالعلماء والعباد ونحو ذلك فإن ادخاره حسن وقد صح عن بعض الصحابة فعله [ويحمل قول من قال من أصحابنا أنه يكره أن يتخذ لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه على كفن لا يكون من آثارهم، قال ابن الرفعة (٢) وفي كلام الصيمري نظر إذا كان الواجب تكفينه من ماله فإنه يحاسب عليه بكل حال، اهـ. قاله في مختصر الكفاية (٣)] (٤)، [والذي قاله مردود فإن أمواله كلها يحاسب عليها] وأشار بقوله: وقد صح عن بعض الصحابة إلى ما رواه البخاري (٥) عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ كانت عليه جبة فطلبها منه فأعطاه إياها فأعدّها [ذلك] لنفسه كفنا، وروي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي وإنما كنت أخبأها لهذا، ولما حضر معاوية الوفاة قال لابنه يزيد: يا بني إني صحبت رسول الله ﷺ فخرج يوما لحاجته فاتبعته بإداوة فكساني أحد ثوبيه اللذين كانا على جلده فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﷺ من أظفاره وشعره فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت فاجعلوا ذلك القميص [فيما] يلي جسدي واجعلوا الشعر

стр. 9578

والأظفار في فمي وعلى عيني ومواضع السجود مني فإن نفع شيء فذاك، وإلا فإنّ الله غفور رحيم (١)، اهـ. فرع: قال بعضهم يكره إعداد الكفن كما تقدم لمسلم من حسابه بخلاف حفر القبر (٢) والله أعلم. فرع: محل الكفن أصل التركة (٣) فإن مات إنسان ولم يوجد هناك ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له غير محتاج إليه لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر (٤) والأصح عندنا أن كفن الزوجة على الزوج وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال [الشعبي] ومحمد بن الحسن وأحمد في مالها، وروي عن مالك (٥). تتمة: يستحب أن يبخر الكفن (٦) بالعود إذا لم يكن الميت محرما، وقال الإمام [والغزالي] أنه أولى من تطييبها بالمسك وخالفهما ابن الصلاح لأنه أطيب الطيب وأوصى [عليّ رضي الله تعالى عنه] أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله ﷺ ، وأفتى أيضا بعدم جواز كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له عن صديد [الموتى] وفيمن عنده قماش يكريه لتجهيز

стр. 9579

الموتى من ألوان الحرير وغيرها أنه لا يجوز كراؤها لأنه يقصد به الزينة ولا بأس [بما] المقصود به ستر الميت وصيانته، وكره الغزالي التجارة في أكفان الموتى وحنوطهم وما يتعلق بذلك (١)، اهـ. قوله ﷺ : ومن عزّى حزينا ألبسه الله التقوى (٢)، وفي الحديث الآخر: عزى مصابا كساه الله [حلتين] من حلل الجنة (٣) واعلم أن التعزية هي التصبر، وذكر ما يسلي صاحب الميت وتخفف حزنه وتهوّن مصيبته وهي مستحبة فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أيضا داخلة في قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤)، وهذا من أحسن ما يستدل يستدل به في التعزية، واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية [بعد ثلاثة أيام لأن التعزية] من حين الموت وتبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام لأن التعزية لتسكين قلب المصاب والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن،

стр. 9580

هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. قال أصحابنا: والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم ير منهم جزعا شديدا فإن رآه قدّم التعزية ليسكِّنهم، ويستحب أن يعم بالتعزية جميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار، الرجال والنساء إلا أن تكون امرأة شابة فلا يعزّيها إلا محارمها. قال الشافعي ﵁ وأصحابنا: يكره الجلوس للتعزية، قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فيعزّى من وُجِد منهم في مصلاه وفي سوقه وفي طريقه ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي، وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حراما من قبائح المحرمات فإنه محدث. وثبت في الحديث الصحيح أن كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة والإعانة عليه مكروه، اهـ. قاله النووي (١). فرع: إذا كان المعزِّي أو المعزَّى غائبا فإنها مستحبة وإن كانت بعد الثلاث (٢) لأن الحزن يبقى فيها فيحتاج إلى التصبر، وجعل النبي ﷺ الثلاثة نهاية التحزين (٣)، فقال ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد

стр. 9581

على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، (١) اهـ. فائدة: يقال في تعزية المسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك لأنه لائق الحال، قال الشافعي ﵀ (٢) وأحب أن يقول مثل ما عزى به أهل بيته ﷺ ثم يترحم على الميت ويدعو له ولمن خلف وأشار بذلك إلى ما روت عائشة ﵂ (٣) لما توفي رسول الله ﷺ سمعنا هاتفا في البيت يسمع صوته ولا يرى شخصه يقول: السلام عليكم أهل [البيت] ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، فقيل: إن هذا هو الخضر ﵇، وقال القاضي حسين: جلس الصحابة ﵃ في المسجد للتعزية فدخل شيخ فسلم ثم قال: إن في الله عزاء إلى آخره، فقال علي إنه الخضر ﵇.

стр. 9582

[٥٣٠٦] وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ طهره الله من ذنُوبه فَإِن كَفنه كَسَاه الله من السندس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). [٥٣٠٧] وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من غسل مَيتا وكفنه وحنطه وَحمله وَصلى عَلَيْهِ وَلم يفش عَلَيْهِ مَا رأى خرج من خطيئته مثل مَا وَلدته أمه رواه ابن ماجه (٢). ورُوي عن علي، تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "من غسل ميتا وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش ما رآى" الحديث، [وتقدم الكلام على غسل الميت وتكفينه] (٣). تتمة: غسلت امرأة بالمدينة في زمن مالك امرأة فالتصقت يدها على فرجها فتحير الناس في أمرها هل تقطع يد الغاسلة أو فرج الميتة، فاستفتي

стр. 9583

مالك فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدها عليها. فسألوها فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه . فقال مالك: هذا قذف، اجلدوها ثمانين جلدة تتخلص يدها، فجلدوها ذلك فتخلصت يدها، فمن ثَمَّ قيل: لا يُفتى ومالك بالمدينة (١)، اهـ. فرع: روى أحمد في مسنده (٢) عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره. وقال صالح المرى (٣): بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي جسد كنت [في] طيب أو خبيث؟ وقال عبيد بن عمير: أهل القبور [يتوكفون] الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا: ما فعل فلان ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ ألم يقدم عليكم؟ فيقولون: لا، فيقال إنا لله وإنا إليه راجعون، سُلك به غير سبيلنا، اهـ.

стр. 9584

[وتقدم الكلام على غسل الميت وتكفينه] وأما حنوطه فقال العلماء: والمستحب أن يذرّ الحنوط والكافور في الأكفان (١). قال الماوردي (٢): وهذا لم يذكره غير الشافعي ﵀ من الفقهاء، وكيفية ذلك أن يبسط أولا أحسن الثياب وأوسعها ويمدد عليه ذلك ثم يفرش فوقها الذي يليها في الحسن والسعة ويذر عليها ثم يفرش الثالثة ويستحب أن يكون ذلك بعد أن تبخر الأكفان ثلاث بالند والعود ثم يحمل الميت مستورا بثوب ويوضع على الكفن مستلقيا على ظهره والحنوط بفتح الحاء طيب يخلط للميت خاصة ويدخل فيه الكافور والصندل ودريرة القصب. تنبيه: والحكمة في الكافور في غسل الميت أنه يطيب ويصلب بدن الميت ويمنع إسراع فساده ويمنع عنه الهوام ويتضمن كرامة الميت (٣) وفي استعماله تفاؤل بتكفير ذنوب الميت، وفيه دليل على استحباب تكثير الكافور فإن لم يوجد الكثير منه فشيئا منه كما هو مذكور في غسل ابنة النبي ﷺ في قوله: واجعلن في الأخيرة كافورا (٤)، وسيأتي الكلام على حمل الميت والصلاة عليه قريبا إن شاء الله تعالى. [ .. (٥): يبادر بغسل الميت إذا تيقن موته. حكى

стр. 9585

ابن عساكر (١) أن يعقوب الماجشون جد عبد الملك صاحب مالك رحمه الله تعالى مات ووضع على السرير واجتمع الناس للصلاة عليه فوجد الغاسل عرقا تحت رجله يتحرك، فقال الغاسل: أرى أن يؤخر غسله إلى غد. فلما أصبحوا واجتمع الناس للصلاة عليه وغسله وجده الغاسل كذلك فصرف عنه الناس، ثم كذلك في اليوم الثالث. ثم إنه استوى جالسا وقال: اسقوني سويقا، فسقوه وسألوه عن حاله فقال: عرج بروحى إلى السماء الدنيا ففتح لها الباب ثم كذلك إلى السماء السابعة، فقيل للملك الذي عرج به من معك؟ قال: الماجشون. قال: إنه بقي من عمره كذا كذا شهرا وكذا كذا يوما وكذا كذا ساعة. قال ثم هبط بي فرأيت النبي ﷺ وأبا بكر عن يمينهن وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه. فقلت للملك الذي معي: إنه لقريب المنزلة من رسول الله ﷺ . فقال إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنما عملا بالحق في زمن الحق، انتهى قاله الدميري في شرح المنهاج (٢)] (٣). [٥٣٠٨] وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من غسل مَيتا فَأدى فِيهِ الْأَمَانَة وَلم يفش عَلَيْهِ مَا يكون مِنْهُ عِنْد ذَلِك خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رواه أحمد والطبراني من رواية جابر الجعفي. (٤)

стр. 9586

قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵂. قوله ﷺ : "من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" يعني لا ذنب له، تقدم الكلام على غسل الميت، وأما قوله فأدّى فيه الأمانة أي أتى بما يتعلق بغسله من واجبات الغسل وستر ما يراه أي كتم ما يشاهده في جسده من عيوب غفرت له ذنوبه، وذكر بعض المتأخرين من الشافعية أن الغاسل إذا رأى تغيرا في وجه الميت من زرقة أو سواد فينبغي أن يكتم ذلك لاحتمال أن يكون سبب ذلك اجتماع الدم في ذلك الموضع (١)، قال: إلا أن يكون الميت مشهورا بالبدعة فإن تغير وجهه يدل على خبث باطنه فينبغي للغاسل والحالة هذه إظهار ذلك وإشاعته تنبيها على سوء ما كان عليه من البدعة لينزجر بذلك من كان موافقا له وليمتنع غيره من التأسي به في ذلك (٢)، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام،

стр. 9587

وتقدم شيء من ذلك في معناه قريبا. خاتمة: خرج البرقاني (١) في كتاب الروضة من حديث عمرو بن شمر وهو ضعيف جدا عن جابر الجعفي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بُشِّر برَوْح وريحان وجنة ونعيم أن يعجِّله وإن بُشِّر بنزل من حميم وتصلية جحيم أن يحبسه (٢) والله أعلم. [٥٣٠٩] وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ زر الْقُبُور تذكر بهَا الْآخِرَة واغسل الْمَوْتَى فَإِن معالجة جَسَد خاو موعظة بليغة وصل على الْجَنَائِز لَعَلَّ ذَلِك أَن يحزنك فَإِن الحزين فِي ظلّ الله يتَعَرَّض كل خير رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته ثِقَات (٣).

стр. 9588

[التَّرْغِيب فِي تشييع الْمَيِّت وَحُضُور دَفنه] [٥٣١٠] عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ رواه مسلم (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤). قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيه فسلم عليه" أما إفشاؤه فهو إشاعته وإكثاره وأن يبذله لكل مسلم (٥). قال النبي ﷺ : "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٦)، وأما ردّه فهو فرض بالإجماع، وتقدم شيء من ذلك. قوله: "وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له" تقدم الكلام على الدعوة وعلى النصيحة قريبا.

стр. 9589

قوله: "وإذا عطش فشمّته" ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله (١). قال الخطابي (٢) معنى جب العطاس وكراهية التثاؤب وذمّه أن العطاس إنّما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم [انتهى وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشيطان ويسهل الطاعة (٣). وأما التثاؤب بضد ذلك مما وإنما يكون مع] ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل (٤) وذلك مما يفرح به الشيطان من الإنسان الإنسان فصار العطاس محمودا لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموما لأنه يثنيه أي يميله عن الخيرات (٥)، فالمحبة والكراهة تنصرف إلى الأسباب الأسباب الجالبة لهما وإنما أضيف إلى الشيطان لأنه هو الذي زيّن للنفس شهوتها (٦)، اهـ.

стр. 9590

تنبيه: التشميت المشهور استحبابه على الكفاية وأوجبه بعض المالكية والحنفية على كل من سمعه، وقيل هو فرض كفاية (١) وهذا إن سمعه حمد الله تعالى وإلا فلا يشمت كما صح في الحديث، ويستحب في أول مرة فإن تكرر فهو مزكوم، فقيل يقول: أنت مزكوم بعد الثالثة، وجاء بعد الثالثة وعندي أنه يدعى له بالعافية (٢). وأما الذمي فيدعى له الهداية دون الرحمة والفرق أن الدعاء بالهداية يشعر بما هو عليه من الضلالة بخلاف الرحمة فإنها تشعر بأهليته للدعاء بها، اهـ. قاله في شرح الإلمام (٣). [٥٣١١] وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَيَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ مَا تواد اثْنَان فَيُفَرق بَينهمَا إِلَّا بذنب يحدثه أَحدهمَا وَكَانَ يَقُول للْمُسلمِ على الْمُسلم ستّ يشمته إِذا عطس ويعوده إِذا مرض وينصحه إِذا غَابَ أَو شهد وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويجيبه إِذا دَعَاهُ ويتبعه إِذا مَاتَ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٤). [٥٣١٢] وَعَن أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول للْمُسلمِ

стр. 9591

على أَخِيه الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة فَمن ترك خصْلَة مِنْهَا فقد ترك حَقًا وَاجِبا فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِ مَا تقدم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب ورواتهما ثِقَات إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (١). ٥٣١٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رواه أحمد (٢) والبزار (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، وتقدم هو وغيره في العيادة. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" الحديث، يُندب أن يعمّ بعيادته جميع المرضى ولا يخص بها قريبا من بعيد ولا صديقا

стр. 9592

من عدو حتى الأرمد (١) لما روى أبو داود عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله ﷺ من رمد أصابني (٢)، لكن شرط ابن الصباغ في عيادة المريض أن يكون مسلما وفيه نظر (٣) لأنه ﷺ عاد غلاما يهوديا، الحديث (٤). وقال الشاشي: الصواب عندي أن عيادة الكافر جائزة فإن اقترن بها نوع حرمة كقرابة أو جوار كانت قربة، ولم يورد الرافعي والنووي غير ذلك، فقا لا: عيادة الذمي جائزة ولا تستحب إلا لقرابة وجوار ويندب أن تكون العيادة غبا ولا يواصلها في جميع الأيام (٥). قال ﷺ : أغبّوا عيادة المريض أو اربعوا، اهـ. قاله في مختصر الكفاية (٦). قوله ﷺ : "واتبعوا الجنائز" الحديث، واتباع الجنائز بالتشديد. ٥٣١٤ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عودوا المرضى وَاتبعُوا الْجَنَائِز تذكركم الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٧) وَتقدم

стр. 9593

هُوَ وَغَيره فِي العيادة. [٥٣١٥] وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان قيل وَمَا القيراطان قَالَ مثل الجبلين العظيمين رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد (٢). [٥٣١٦] وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الأجر بقيراطين كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط (٣). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" الحديث. وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد، الشهود الحضور، والمراد بذلك أن يكون معها من حين يخرج بها من بيتها وإلا فلا يحصل القيراط بمجرد الصلاة (٤)، نبّه على ذلك شيخنا العلامة العلامة تقي الدين السبكي نعم له أجر الصلاة وهذا قيراط الصلاة أصغرهما،

стр. 9594

كما رجحه الطوفي وعلله بما في اتباعها للدفن من المشقة [أو تعظيما] لشأن الصلاة وهو الظاهر (١)، اهـ. والجنازة بالجيم المفتوحة والمكسورة والكسر أفصح وهي مشتقة من جنز إذا ستر ويقال أنه بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه أيضا (٢). قال الجوهري (٣): الجنازة بالكسر [وهو الغالب] والعامة يقولون بالفتح والمعنى للميت على السرير وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش ويصلى عليها بكسر اللام وفتحها. قوله: "فله قيراطان" أي فله تمام قيراطين، قاله الكرماني (٤). وقال الشيخ شهاب الدين بن العماد في شرح العمدة في هذا الحديث دليل على الحث على الصلاة على الجنازة واتباعها ومصاحبتها حتى تدفن (٥). فائدة: لصلاة الجنازة أركان عدها الجمهور سبعة وجعلها الغزالي تسعة فجعل التكبيرات الأربع أربعة أركان: أحدها: النية ووقتها كغيرها ولا يجب تعيين النية. الثاني: أربع تكبيرات فيها تكبيرة الإحرام. والثالث: السلام لأنه صلاة وقال ﷺ : تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.

стр. 9595

الرابع: القيام إن قدر لأنها صلاة مفروضة. والخامس: قراءة الفاتحة لأن النبي ﷺ قرأها وقراءة الفاتحة فيها فرض بلا خلاف، واتفقوا على استحباب التأمين عقب الفاتحة كما في سائر الصلوات، وفي دعاء الاستفتاح وجهان، أصحهما أن المستحب تركه وفي التعوذ وجهان أصحهما استحبابه (١)، والسادس الصلاة على النبي ﷺ والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة على النبي ﷺ (٢) وفي استحباب الحمد قبل الصلاة على النبي ﷺ وجهان أصحهما نعم والثاني وهو مقتضى كلام الأكثرين لا يستحب والركن السابع الدعاء للميت بما يقع عليه الاسم لأنه المقصود الأعظم من صلاته اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا إلى آخره، والمستحب أن يقدم هذا الدعاء ثم يعقّبه بقوله اللهم هذا عبدك وابن عبدك إلى آخره (٣)، وهذا الدعاء نقله المزني في المختصر عن الشافعي وليس منقولا هكذا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة وإنما أخذه الشافعي من مجموع أحاديث واستحسنه الأصحاب واستحبوه (٤) اهـ. وقوله: "ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" هل هما غير قيراط الصلاة

стр. 9596

أو به نعم يؤيد الثاني الرواية الأخرى: من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع بقيراطين وهذا صريح في ذلك (١)، اهـ. [ومعناه] [على هذا] (٢) قيراط [من] الصلاة وقيراط بالدفن لا أنه يكون المجموع ثلاثة قراريط كما زعم أهل الظاهر لأن العرب تضيف الثاني إلى الأول ونظير ذلك حديث من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله [ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله] أي تتمة الليل [نصفا] للعشاء [ونصفا] للصبح وخالف البيهقي فاختار أن الصبح في جماعة بقيام ليلة فإن كانت العشاء جماعة كان له نصف آخر وقالت الظاهرية يكتب له ليلة ونصف ويرد هذا رواية أبي داود فإن صلى العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله (٣). وقوله: "ومن شهدها حتى تدفن" أي ويفرغ من دفنها، كما في رواية في الصحيحين فهو الصحيح. وقيل: يحصل القيراط الثاني بمجرد ستره باللبن وإن لم يتم دفنه، وقيل بمجرد الوضع والحكمة في شهود الجنائز ومعالجة الموتى حصول الاعتبار بذلك وفيه الحث على الاجتماع لها والتنبيه على فضل الله تعالى فيما شرعه ورتب عليه الأجور. [وفي قوله ﷺ : "ومن شهدها حتى تدفن" فيه] دليل على أن القيراط الثاني

стр. 9597

إنما يحصل بالفراغ من دفنها. قال النووي (١): وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقد جاء مصرحا به في حديث عبد الأعلى حتى يفرغ من دفنها. قال: وقال بعض أصحابنا يحصل القيراط الثاني إذا سُتر الميت في القبر باللبن ولم يلق عليه التراب ويدل عليه رواية عبد الرزاق في مسلم حتى يوضع في القبر لكنه مؤوَّل على أن المراد حتى يوضع في القبر ويفرغ من إهالة التراب بدليل الرواية الأخرى وقد يستدل بالحديث على أن من شهدها حتى دفنت ولم يصل عليها على حصول القيراط كما لو صلى عليها ولم يشهد دفنها حتى لو مر بجنازة تدفن فيشهد حصل له القيراط لكن في الرواية الأخرى من تبع الجنازة ما يقتضي خلاف ذلك، وقد ورد في الحديث اتباعها من عند أهلها وسيأتي هذا الحديث في أواخر الباب والقيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى. وهذا الحديث يدل على عدم مقدراه في هذا الموضع ولا يلزم منه أن يكون هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط وفي رواية قيراطان بل ذلك قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر. قال الروياني في البحر (٢): اختلفوا في المراد بنقص منه، فقيل ينقص بما مضى من عمله وقيل من مستقبله. قال: واختلفوا في محل نقص القيراط فقيل ينقص قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل، وقيل قيراط من

стр. 9598

عمل الفرض وقيراط من عمل [النفل]. وأما قيراط الصلاة على الجنازة فقال بعض المالكية أنه جزء منسوب إلى بقية سائر عمل الميت حتى أن الشخص لو قام بسائر عمل الميت من تلقينه الشهادة وتغميضه وتوجيهه القبلة وغسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه كتب له أجر تجهيز الميت كاملا ومن صلى عليه كتب له قيراط من ذلك الأجر الكامل ومن صلى وشهد الدفن كتب له قيراطان وإذا كان القيراطان كالجبلين العظيمين فما ظنك بالأجر الكامل. وقال في النهاية (١): أما القيراط في الجنائز وفي اقتناء الكلب هو اسم لمقدار معلوم في الفرق وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا [هذا] وقد يراد به الجزء مطلقا ويكون عبارة عن الحظ والنصيب فيكون تمثيلا لجزء من الأجر ومقدار منه ألا [ترى] أنه قال مثل الجبلين العظيمين أو مثل أحد وهذا من مجاز التشبيه فإنه شبه المعنى العظيم بالجزء العظيم والمقصود من الحديث أن من صلى على جنازة كان له جزء عظيم من الثواب والأجر فإن صلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك إذ قد عمل عملين أحدهما صلاته والثاني كونه معه إلى أن يدفن، اهـ. وفي هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى استأثر بعلمه ومقدار فضله وأن الملائكة لا تحصي ذلك وأنها تكتبه مبهما وهذا كما أن ثواب الصوم لا يحصيه إلا الله تعالى والملائكة تكتبه مبهما والله تعالى يضاعف لمن يشاء.

стр. 9599

وقوله في القيراطين أنهما مثل الجبلين العظيمين فيه تنبيه على أن هذه القراريط لا توزن بموازين الدنيا كما يوزن قراريطها وإنما [توزن] بموازين الآخرة وفيه دفع لما يسبق إليه وَهْمُ السامع من كون القيراطين من قراريط الدنيا (١). وقوله: "أصغرهما مثل أحد" [لم] (٢) يبين فيه الأصغر هل هو قيراط الصلاة أو قيراط الدفن والظاهر أن الأصغر هو قيراط الدفن لأن قيراط الصلاة مرتب على واجب وهو الصلاة وقيراط الدفن مرتب على مستحب وثواب الواجب يفضل على ثواب المستحب بسبعين درجة كما ورد في رواية ويمكن حمل الرواية الأولى على من [تعين عليه] شهود الدفن [فيستوي] قيراطه مع قيراط الصلاة لاستوائهما في الموجب (٣)، اهـ. والله أعلم. [وفي الحديث وجوب الصلاة والحمل والدفن وفيه أداء الحقوق الميت بالصلاة عليه ومواراته وغير ذلك اهـ. وفي رواية للبخاري من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها] (٤)، الحديث، يفرغ من دفنها ضبط بضم الياء وفتح الراء وعكسه والأول أحسن وأعم ففي هذه الرواية (٥) أتبع وفي رواية تبع، ظاهر هذه

стр. 9600

الرواية يقتضي المشي وراء الجنازة (١) وهو قول علي بن أبي طالب، ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة [وأما] جمهور الصحابة والتابعين وجماهير العلماء (٢)، وأما الأئمة الثلاثة الأخر فقالوا هو قُدامَها أفضل وحملوا الاتباع على المعنى العرفي إذ لو تقدم عليها أو حاذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعدُّ من مشيعيها كان له حكم الاتباع عرفا ورجحوا القُدَّام (٣) لما روى أبو دواد (٤) بإسناد صحيح [عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ قال: يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان، من جهة المعنى أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم وحد القرب أن يكون بحيث لو التفت لرآها اللهم إلا أن يكثر الحاضرون (٥)]، وبما روي أن النبي ﷺ والشيخين كانوا يمشون أمامها أي ركبانا ومشاة كما رواه أبو داود والترمذي والمشي أفضل من الركوب لأنه ﷺ لم يركب في عيد ولا جنازة بل قال الماوردي: الركوب مكروه لمخالفة السنة إلا أن يعجز أو يبعد الموضع فلا يكره (٦). وروى الترمذي أنه ﷺ رآى أناسا ركبانا في جنازة فقال: ألا تستحيون أن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهر الدواب، ولا يكره الركوب في العَوْد لأنه

стр. 9601

- ﷺ ركب فرسا في عوده من جنازة أبي الدحداح كما رواه مسلم (١)، وروى أبو داود (٢) أنه ﷺ أتي [بدابة] وهو مع جنازة فلم يركبها فلما انصرف ركب وقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن راكبا وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت. وأيضا المشيعون للجنازة كالشفعاء لها ولهذا يقولون في الدعاء: وقد جئناك شفعاء له ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له. وقال الثوري وطائفة [معه] (٣) الكل على السواء لا ترجيح فيه (٤)، يعني أن قدام الجنازة ووراءها. فائدة: قال القاضي عياض وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك. وحكى عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن وهو قول جماعة من الصحابة

стр. 9602

والله تعالى أعلم بالصواب (١). فرع: ولا يكره لمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر لقوله ﷺ لعلي رضي الله عليه وقد مات أبوه أبو طالب اذهب فواره (٢). قوله ﷺ في رواية البخاري (٣): حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، الحديث، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط، والانصراف عن الميت أحوال. أحدها: عقيب الصلاة فله قيراط، والثاني بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقبل إهالة التراب فهل يحصل له القيراطان فيه وجهان: اختيار الإمام الحصول، وصحح الماوردي أنه لا يحصل واختاره النووي لظاهر الحديث. والثالث بعد الفراغ من الدفن فله قيراطان بلا خلاف، والرابع أن يدعو للميت ويستغفر له بعد الدفن وهو أكمل الأحوال، قاله في مختصر الكفاية، ثمّ في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهو أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني وكذا

стр. 9603

لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له إنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكن له أجر في الجملة وفاته فضيلة المتابعة للميت، والله أعلم. سؤال في قوله ﷺ : من صلى جنازة فله قيراط، الحديث، لأيِّ معنى عبّر بالقيراط ولأي شيء أبهم القيراط ولأيّ جملة نسب القيراط ولم شبّه أصغرهما بأحد قيل: قال فله قيراط ولم يقل فله عشر قراريط على مقتضى القاعدة في أنّ الحسنة بعشر أمثالها. قيل يحتمل والله أعلم أنه عبّر بالقيراط لأنه أول المقادير التي يخبر بها ويوزن وهو أول الأعداد فعبر بالقيراط لأنه أول المراتب ثم بيّن ﷺ أن هذا القيراط ليس معادلا للقيراط الذي ألفوه في موازين الدنيا بل هو قيراط عظيم ليس في موازين الدنيا ما يحمله وإنما يمكن وزنه في موازين القيامة وبيّن أن أصغر القيراطين كأحد لأنه أكبر [جبل] عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد وقيل أكبر جبل في الدنيا لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي ﷺ ، والقيراط الآخر أبهمه لعظمه لأن عطاء الله واسع فلا يحد والله يضاعف لمن يشاء وإنما عبر بالقيراط ولم يعبر بعشرة لأن الحسنة الواحدة قد ترجح على حسنات كثيرة وهذا كما قيل عمر حسنة من حسنات أبي بكر الصديق (١).

стр. 9604

وأما إبهام الأجر فلم يبين في الحديث الآخر المنسوب إليه هذا القيراط فيحتمل أن يكون ذلك الأجر هو أجر الصائمين وأن هذا قيراط منه ويحتمل أن يكون أجر الجهاد أو أجر الحج لكن ذلك غير مراد لأن هذه أنواع من الخير من غير الجنس والمقادير إنما تنسب وتضاف إلى أجناسها وما يناسبها. وقد حكي عن بعض المالكية أن القيراط ها هنا مضاف إلى مقدار الأجر الحاصل لمن قام بسائر أعمال الميت والقول متعين وتقدم هذا وعلى هذا لو فرضنا أن إنسانا قام بتجهيز الميت من لدن مات إلى مواراته في التراب حصّل الأجر المرتّب على تجهيز الميت كله فلو صلى معه إنسان على الميت حصل له قيراط منسوب إلى جملة ما حصل لمن أتى بفرض الكفاية كله وليس القيراط منسوبا إلى أربعة وعشرين بل إلى الأعمال التي تتعلق بالميت من تغميضه وتقبيله إلى القبلة وشد لحييه بعصابة ونزع ثيابه التي مات فيها ووضعه على سرير وتغسيله وتكفينه وحمله والمشي معه والصلاة عليه

стр. 9605

[وحضور دفنه وحفر القبر ووضعه فيه وسدّه عليه] (١) وإهالة التراب. فهذه خمسة عشر فمن أتى بالصلاة فله قيراط من خمسة عشر قيراطا والخمسة عشر هي جملة الأجر ومن حضر الدفن فله قيراط آخر وهذه القراريط بعضها أفضل من بعض لأن بعض هذه الأعمال أفضل فالصلاة عليه أفضل من حضور دفنه لأن الصلاة عليه فرض وحضور الدفن سنة ولهذا قال ﷺ : أصغرهما، فيحتمل أن يراد به قيراط شهود الدفن لما تقدم ولموافقته القواعد لأن ثواب الواجب يزيد على ثواب الندب بسبعين درجة وإنما أبهمه ﷺ ليحرص الإنسان على الإتيان بالقيراطين لأنه لو بيّن [لما] يترتب على أصغر القيراطين لربما تكاسل عند الناس ورغبوا في فعل ما ترتب عليه القيراط الأكبر ويحتمل أن يكون القيراط الأكبر مرتبا على شهود الدفن ولا يبعد أن يزيد ثواب المندوب على ثواب الواجب كما إن الإبراء من الدين أفضل من الإنظار مع أنه مستحب والإنظار واجب وابتداء السلام أفضل من الرد ولو صلى إنسان على جنائز دفعة حصل له بكل ميت قيراط لأنه شفع ودعا لهم ولأن الفعل الواحد إذا عمّ نفعه تعدّد الأجر بعدد أفراد ما عمّه النفع، قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال الزجاج في تفسيره: إنما كان كذلك لأن من أحيا نفسا أو أحسن إليها أو علّمها علما فقد أحسن إلى جنس بني آدم وكأنه أدخل السرور على كل واحد منهم بإحسانه إلى أخيهم فأعطي بكل [نسمة حسنة ومن قتل نفسا

стр. 9606

فكأنه أساء إلى سائر الجنس وإلى كل فرد من أفراده فأعطى بكل] نسمة سيئة فكما يكون الإحسان على المرة كذلك تكون العقوبة على الإساءة وأيضا فقوله ﷺ : "من صلى على جنازة" نكرة في سياق الشرط فيعم كلّ جنازة فوجب أن تتضاعف له القراريط بعدد الأموات (١)، والله أعلم. [٥٣١٧] وَعَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص ﵁ أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد ابْن عمر ﵄ إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة فَقَالَ يَا عبد الله بن عمر أَلا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة ﵁ يَقُول إِنَّه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا واتبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد فَأرْسل ابْن عمر إِلَى عَائِشَة ﵂ يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة ثمَّ يرجع إِلَيْهِ فيخبره بِمَا قَالَت وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصى الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى يرجع فَقَالَ قَالَت عَائِشَة صدق أَبُو هُرَيْرَة فَضرب ابْن عمر بالحصى الَّذِي كَانَ فِي يَده الأَرْض ثمَّ قَالَ لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة رواه مسلم (٢). قوله: "وعن عامر بن سعد بن أي وقاص أنه كان قاعدا عند ابن عمر إذ طلع خبّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع إلى ما يقول أبو هريرة؟ يقول إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها فصلى عليها واتبعها حتى تدفن فله قيراطان" فذكر الحديث إلى قوله:
следующие страницы →