← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9637–9676 · переход к 9642.

стр. 9637

يعرف له سواه وليس في الصحابة من اسمه مالك بن هبيرة سواه (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب" الحديث أوجب معناه وجبت له الجنة، قاله المنذري، وقيل معناه غفر له وكذا رواه أحمد والحاكم بلفظ غفر له فيستحب جعل الصفوف في الصلاة على الميت ثلاثة، قال ابن العماد: سمعت شيخنا ولي الدين الملَّوي يحكي عن بعض مشائخه إن ذلك من باب التوسع في الرجاء كأنهم يقولون جئناك ثلاثة صفوف شافعين فلا تردنا وهذا مثل تكثير الخطا إلى المساجد فإنه يستحب تقصير الخطا في المشي إلى المسجد لأنه يكتب له بكل خطوة حسنة ويحط عنه سيئة ويرفع له درجة فهو من باب التوسع في الرجاء وإذا استحب جعل الصفوف ثلاثا فالظاهر أنهم في الفضيلة سواء ولا مزية حيئنذ للصف المقدم ولأنهم مأمورون بالتأخر (٢)، اهـ. ٥٣٢٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عزى مصابا فَلهُ مثل أجر صَاحبه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا رواه الترمذي (٣).

стр. 9638

وقال: حديث غريب، وقد روي موقوفا. قوله: وروى عن عبد الله، تقدم الكلام على مناقبه ﵁.

стр. 9639

قوله: من عزّى مصابا فله مثل أجر صاحبه، الحديث. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١) معناه فله مثل أجر صبره فإن المصيبة ليست من فعله حتى يؤجر عليها، وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلا أجر ولا جزاء إلا بمكتسب في نفسه أو مكتسب بسببه فالتعزية لم يبيّن ما هي وهي في اللغة التسلية عن المصيبة والصبر عليها وهي في الشرع التصبر، يقال: عزيته أي أمرته بالصبر والعزاء بالمد الصبر. وقال في المهذب (٢): الأولى فيها تعزية [الخضر] ومن خواص هذه الأمة القول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد روى البيهقي أن النبي ﷺ عزّى رجلا بولد له مات (٣)، وروى شيخه الحاكم عن معاذ أنه مات له ابن فكتب إليه النبي ﷺ يعزيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد ﷺ إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد [إليك] الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله الهنيّة وعواريه المستردّة متّعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر والصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته فاصبر ولا [يحبط] جزعك أجرك فتندم واعلم أن الجزع لا يردّ شيئا ولا

стр. 9640

يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قَدْ والسلام (١). [ويتأكد] استحباب التعزية قبل الدفن لأنه وقت شدة الجزع وقد قال النبي ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى. قال الرافعي (٢): وتأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام لأن الغالب أن الحزن بعدها يسكن فتكره حينئذ لأنها [تجدد] الحزن وابتداؤها من الدفن. قاله في شرح المهذب (٣). وقيل: من الموت. قاله الماوردي وصححه في الكافي، والثلاثة تقريب كل هذا إذا كان المعزِّي والمعزَّى حاضرين فإن كانا غائبين امتد الاستحباب إلى ما بعد الثلاث (٤). [قال الشاعر: إِذا النَّائباتُ بَلَغْنَ النُّهَى ... وكَادَتْ بهِنَّ تَذوبُ الْمُهْجُ وحَلَّ الْبَلاءُ وقَلَّ الْعَزَا ... فَعِنْدَ التَّنَاهِي يَكُونُ الْفُرَجُ] (٥)

стр. 9641

وقال الشيخ محب الدين الطبري: يُعزّى الغائب بعد قدومه لما روي أن أبا بكر لما قدم مكة بعد [وفاة] رسول الله ﷺ بأشهر جاءه أهل مكة يعزّونه، وقيل: لا أمد للتعزية (١). وقال أبو حنيفة: يُعزّى قبل الدفن لا بعده، والمستحب أن يعم بالتعزية أهل البيت الكبير والصغير والرجال والنساء، لكن لا يُعزّي الشابة إلا محرم لها (٢) ويكره الجلوس لها، قيل: [وأول من] جلس لها عبد الله بن المبارك لما ماتت أخته دخل عليه بعض جيرانه فقال: حق العاقل أن يفعل في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد ثلاثة أيام، فأمر عبد الله بطيّ البساط وتذكّر التعزية. وقال ابن الفركاح: لا كراهة في الجلوس لها لأن النبي صلى عليه وسلم لما جاءه نعي زيد وجعفر وابن رواحة جلس يعرف في وجهه الحزن (٣). [٥٣٢٩] وروى الترمذي (٤) أيضًا عن أبي بررة عن النبي ﷺ قال: من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة، وقال: حديث غريب.

стр. 9642

وقوله في رواية الترمذي: من عزَّى ثكلى كُسِي بردا في الجنة، ثكلى بفتح الثاء المثلثة وسكون الكاف وهي المرأة الفاقدة لولدها. ٥٣٣٠ - وروى ابْن مَاجَه عَن عَمْرو بن حزم عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُؤمن يعزي أَخَاهُ بمصيبة إِلَّا كَسَاه الله من حلل الْكَرَامَة يَوْم الْقِيَامَة (١).

стр. 9643

[التَّرْغِيب فِي الْإِسْرَاع بالجنازة وتعجيل الدّفن] ٥٣٣١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَسْرعُوا بالجنازة فَإِن تَكُ صَالِحَة فَخير تقدمونها إِلَيْهِ وَإِن تَكُ سوى ذَلِك فشر تضعونه عَن رِقَابكُمْ رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدِّمونها إليه وإن تكُ سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم"، الحديث. أسرعوا بالجنازة أي أسرعوا بحملها إلى قبرها في مشيكم، [المراد] الإسراع في المشي بالميت إلى الدفن يدل عليه قوله في آخر الحديث: فخير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم. وقيل يعني به الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير (٧) وهذا القول باطل مردود بقوله: فشر تضعونه عن رقابكم. قاله عياض (٨).

стр. 9644

قال القرطبي (١): قلت: والأول أظهر والجمع بينهما أولى ولكن شرطه في المشي أن لا يزري بالميت بل يكون متوسطا وما كرهه بعض السلف من الإسراع محمول على ما جاوز ذلك (٢)، وقال ابن عباس في ميمونة لما ماتت: ماتت: لا تُزعزعوها ولا تزلزلوها (٣)، والخطاب خاص بالرجال لضعف النساء عن الحمل (٤)، وفيه المبادرة بإكرام أهل الخير لينالوا جزاء ما قدموه من فضل الله (٥) فإن قيل: فإذا كان الإسراع مطلوبا لذلك فكيف أُخِّر دفن النبي ﷺ يوما [ومساء]؟ قلنا لأنّهم شكّوا في موته فإنه كان ينزل عليه الوحي فربما كان ذلك من جنس ما كان يأخذه فاحتاطوا حتى تيقنوا موته، والاحتياط في ذلك واجب بكل وجه وأيضا فاختلفوا في موضع ذلك. والجنازة: بفتح الجيم وكسرها لغتان والكسر أفصح قاله القتبي (٦)، ويقال ويقال الكسر للنعش وبالفتح للميت (٧) إلا على الأعلى والأسفل للأسفل (٨) نظير ما ذكروه في المايح والماتح فالمايح بالياء المثناة تحت

стр. 9645

للذي هو أسفل البئر والماتح بالتاء المثناة فوق للذي هو أعلاها (١)، وتقدم الكلام على الجنازة [مرارا] (٢)، ففي هذا الحديث دليل [على] استحباب المبادرة إلى تجهيز الميت بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (٣). قال الشيخ نصر المقدسي في تهذيبه: إلا أن يكون عليه دين فيبدأ بوفائه فإن كثر فليتحمله عنه بعض الورثة وفيه دليل على أنه لا يجوز تأخير دفن الميت بغير عذر. قال النووي (٤): قال أصحابنا وغيرهم: يستحب الإسراع بالمشي بها [ما لم] ينته إلى حد يخاف انفجارها أو نحوه وإنما يستحب الإسراع بشرط أن لا يخاف من شدته انفجارها أو نحوه، وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها [أو خروج شيء منها. وحمل الجنازة فرض كفاية. قال أصحابنا: ولا يجوز حملها على الهيئات المزرية أو على] هيئة يخاف معها سقوطها، قالوا ولا يحملها إلا الرجال وإن كان الميت امرأة لأنهم أقوى لذلك، والنساء ضعيفات وربما انكشف من الحامل بعض بدنه وهذا الذي ذكرناه من

стр. 9646

استحباب الإسراع بالمشي بها وأنه مراد الحديث هو المطلوب الذي عليه جماهير العلماء، اهـ، قاله ابن العماد في شرح العمدة وغيره (١). ويؤخذ من قوله: "أسرعوا بالجنازة" استحباب التخفيف في صلاة الجنازة وإن آثر المأمومون التطويل وأنه لو حضر جنائز صلى عليهم دفعة واحدة (٢) لكن أصحابنا قالوا: الأفضل أن يصلى على كل شخص وحده إذا لم يخش التغير ويحتاجون إلى الجواب عن ذلك (٣). ومنها: لو حضر عند القبر من لم يصل على الميت لم يترك له الميت حتى يصلى عليه بل يدفن ويصلي على القبر (٤). فقوله: "فخير تقدمونها إليه" يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها (٥). فائدة: فيها بشرى: قال في الروضة (٦) في قوله ﷺ : فإن تك صالحة فخير تقدِّمونها إليه: يُستنبط من الحديث أن الصالح لا يُعذّب في قبره ولا يهوله سؤال الملائكة ولا تلحقه ضغطة القبر عملا بقوله ﷺ فخير تقدمونها إليه، ويمكن تخصيصه بحديث سعد بن معاذ ﵁ ويمكن أن يكون هذا ناسخا

стр. 9647

لضغطة القبر لأنه متأخر عن حديث سعد بن [معاذ] ويحمل [قوله] ﷺ أن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وأن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم على تلك القبور المشار إليها خاصة والله أعلم. قوله ﷺ : "وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" أي معناه أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين والتقرب منهم (١). تنبيه: يستحب للإنسان أن يدفن عند أمواته من هو مشهور بالصلاح لما روي أنه لما مات كرز بن الحارث رآى رجل فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوس على قبورهم وعليهم ثياب جرد فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: إن أهل القبور كسُوا ثيابا جردا لقدوم كرز عليهم (٢). وذكر أبو الفرج بن الجوزي: أن بعضهم رآى في منامه معروفا الكرخي لما دفن في قبره شفع في أربعين ألفا من كل جانب من جوانبه فأعتقوا من النار وعكس هذا من يتأذى جيرانه من الموتى بعذابه كما روي أن زبيدة امرأة هارون الرشيد رئيت في المنام وأخبرت أنه غفر لها وكان على وجهها أثر صفرة فسئلت عن ذلك فقالت: دفن عندنا بشر المريسي فزفرت جهنم زفرة فأصابنا من ذلك (٣). [قوله في الحديث: "ولو سمعها الإنسان لصعق" ويصعق الناس الصاعقة والصعقة

стр. 9648

الموت، وقيل: كل عذاب مهلك والصاعقة والصعقة أيضا الغشية تعتري الإنسان من خوف وفزع من سماع هول كالرعد ونحوه، يقال: صعق بفتح الصاد وصعق بضمها، وقيل: لا يُقال بضمها، والصاعقة العذاب: كيف كان ومنه: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١)، وأصله صوت النار وصوت الرعد الشديد الذي يُغشى منه (٢)، اهـ] (٣). ٥٣٣٢ - وَعَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي العَاصِي ﵁ وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا فلحقنا أَبُو بكرَة ﵁ فَرفع صَوته قَالَ لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله ﷺ نرمل رملا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. رواه أبو داود (٤) والنسائي (٥).

стр. 9649

قوله: "وعن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاصي"، هو عثمان بن أبي العاصي واسمه: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان - وقيل: عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن سيار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف الثقفي. قدم على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، واستعمله النبي ﷺ على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر، رضى الله عنهما. روى له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث، روى مسلم ثلاثة منها. روى عنه ابن المسيب، ونافع بن جبير، وغيرهما، والحسن البصرى. وقيل: لم يسمعه. واستعمله عمر على عمان والبحرين، ثم نزل البصرة. قال ابن قتيبة: قطعه عثمان بن عفان اثنى عشر ألف جريب. توفى في خلافة معاوية، وله عقب كثير أشراف (١). قوله: "قال لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمُل رمَلا"، الرمل بفتح الراء والميم إسراع المشي مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو وهو الخبب (٢). قال الشافعي ﵁ في مختصر المزني: الرمل هو الخبب (٣)، يقال

стр. 9650

رمَل يرمُل بضم اللام ورملا ورملانا (١). قال أهل اللغة: الرمل والرملان الهرولة (٢). والله أعلم. ٥٣٣٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَأَلنَا نَبينَا ﷺ عَن الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة فَقَالَ مَا دون الخبب إِن يكن خيرا فَعجل إِلَيْهِ وَإِن يكن غير ذَلِك فبعدا لأهل النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود إِلَّا من هَذَا الْوَجْه يَعْنِي من حَدِيث يحيى إِمَام بني تيم الله عَن أبي ماجد عَن عبد الله قَالَ الْحَافِظ يحيى هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن الْحَارِث الجابر الْكُوفِي التَّيْمِيّ قَالَ أَحْمد لَيْسَ بِهِ بَأْس وَقَالَ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ ضَعِيف وَقَالَ ابْن عدي أَحَادِيثه مُتَقَارِبَة وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ وَأَبُو ماجد فِي عداد من لَا يعرف وَقَالَ البُخَارِيّ ضَعِيف وَقَالَ النَّسَائِيّ مُنكر الحَدِيث وَالله أعلم، الخبب بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وباءين موحدتين ضرب من الْعَدو وَقيل هُوَ الرمل رواه أبو داود (٣) والترمذي (٤)، وقال: حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن

стр. 9651

مسعود إلا من هذا الوجه، يعني من حديث يحيى إمام بني تيم الله عن أبي ماجد عن عبد الله، [قال الحافظ] يحيى هذا هو ابن عبد الله بن الحارث الجابر الكوفي التيمي. قال أحمد (١): ليس به بأس، وقال ابن معين (٢)

стр. 9652

والنسائي (١) ضعيف، وقال ابن عدي (٢) أحاديثه متقاربة، وأرجو أنه لا بأس به، وأبو ماجد (٣) في عداد من لا يعرف، وقال البخاري (٤): ضعيف، وقال النسائي، منكر الحديث (٥)، والله أعلم. [الخبب] بخاء معجمة مفتوحة وباءين موحدتين: ضرب من العدو، وقيل: هو الرمل. قوله: "وعن ابن مسعود" هو عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "سألنا رسول الله ﷺ عن المشي مع الجنازة فقال: دون الخبب" الحديث، الخبب قد ضبطه الحافظ ﵀ وفسّره فقال: هو ضرب من العدو، وقيل هو كالرمل والله أعلم. هذا الحديث ذكره أبو عمر (٦) وقال: والذي عليه جماعة من أهل العلم في ذلك الإسراع فوق السجيّة قليلا والعجلة أحبّ إليهم من الإبطاء ويكره الإسراع الذي يشقّ على ضعفة من يتبعها. قال (٧): والسجية العادة، اهـ.

стр. 9653

نعم لو خيف تغير الميت زيد في الإسراع ولو خيف انفجارها ترفق به، نص عليه الشافعي (١). ولا يزلزل حال الحمل، قاله في مختصر الكفاية (٢). فوائد يختم بها الباب: الفائدة الأولى: في الحديث الصحيح إذا حملت الجنازة وكانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق (٣)، [الحديث. قوله: "ولو سمعها الإنسان لصعق " ويصعق الناس الصاعقة [والصعقة الموت، وقيل: كل عذاب مهلك والصاعقة] (٤) والصعقة أيضا الغشية [تعتري] (٥) الإنسان من خوف وفزع من سماع هول كالرعد ونحوه، يقال: صعق بفتح الصاد وصعق بضمها، وقيل: لا يُقال بضمها، والصاعقة العذاب: كيف كان ومنه: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، وأصله صوت النار وصوت الرعد الشديد الذي يُغشى منه (٦)، اهـ] (٧).

стр. 9654

قوله: "يا ويلها" معناه يا حزني احضر فهذا أوانك، فإن قلت: كأن القياس أن يقال يا ويلي. قلت: أضاف إلى الغائب حملا على المعنى كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة [نفر عنها] وجعلها كأنه غيره أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه (١). قوله: "قالت قدموني" قال ابن بطال (٢) قدموني أي إلى العمل الصالح الذي عملته [يعني] إلى ثوابه، وفي لفظ: يسمع صوتها كل شيء، دلالة أن القول ها هنا حقيقة لا مجاز وأنه تعالى يحدث النطق في الميت إذا شاء، وقالت: يا ويلها لأنها تعلم [أنها] لم تقدِّم خيرا [وأنها] تَقْدُم على ما يسوءها فتكره القدوم عليه، والضمير في: لو سمعه، راجع إلى دعائه بالويل على نفسها أي تصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لأغشي عليه، اهـ قاله الكرماني (٣). الفائدة الثانية في حمل الجنازة: واعلم أن حمل الجنازة فرض كفاية إن احتيج إليه وإلا سقط (٤). قال الشافعي ﵁: وليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، فعله رسول الله ﷺ ثم الصحابة

стр. 9655

-﵁ والتابعون (١)، اهـ. فينبغي فعله ولو لحظة من الطريق فإنه من الواجبات على الكفاية، ومن أراد التبرك بحملها من جوانبها الأربع فليبدأ بالعمود الأيسر من مقدمها على عاتقه الأيمن ثم ينتقل إلى الأيسر من مؤخرها ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلا يمشي خلفها فيأخذ العمود الأيمن من [مقدمها على عاتقه الأيسر ثم ينتقل إلى الأيمن من] (٢) مؤخرها، هذا نص الشافعي (٣). قال الرافعي (٤): وهذا إنما يتأتي في هيئة التربيع [والثاني التربيع أفضل لأنه أصون للميت، بل حكى في النهاية عن الشيخ أبي علي وجوبه لأن ما دونه [إزراء] بالميت (٥). والثالث هما سواء لحصول المقصود بكل كيفية كذا هذا إذا أريد الاقتصار على إحدى الكيفيتين والأفضل الجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا وتارة كذا [فهذا بالنسبة إلى الجنازة (٦)] (٧) [أما] في هيئة بين العمودين فليبدأ بالمقدمة

стр. 9656

فيحملها على كاهله ثم ينتقل إلى المؤخرة اليسرى ثم يدور بين يديها إلى المؤخرة اليمنى، قاله في التتمة هكذا هو في مختصر الكفاية (١) والأصح حملها بين العمودين أفضل من التربيع كما فعل بعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة، وروى البيهقي في [المعرفة] أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (٢). [الثالثة: ما يفعله كثير من الجهال وهو يمشي مع الجنازة من الحديث في أمور الدنيا وما لا ينبغي، وربما ارتفعت أصواتهم بالضحك والقهقهة أو تشاجروا أو تسابّوا وهذه كلها بدع إذ السنة أن يمشي الإنسان مع الجنازة ساكنا مطرقا معتبرا متفكرا فيما يقال للميت وما يحبب به كذا كان السلف ﵃ حتى كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات له به فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على رد السلام شيئا، وكره جماعة من العلماء قول المنادي مع الجنازة استغفروا له، [قاله] ابن المنذر: ونحن نكره [كما] كرهوه (٣). اهـ. ولقد روي عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقول في الجنازة جهرا: استغفروا لأخيكم فقال له: لا غفر الله لك. فإذا كان هذا قوله لمن لم يقل إلا خيرا فما ظنك بما يقوله المدرا بالصوت العالي من التزكية والكذب الصراح

стр. 9657

ونحو ذلك. قال في شرح المهذب (١): والمختار بل الصواب ما كان عليه السلف ﵃ من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما بل يشتغل بالتفكر في الموت وما يتعلق به، اهـ. قاله ابن النحاس في تنبيهه] (٢). تنبيه في المشي أمام الجنازة: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال (٣): رآى رسول الله ﷺ ناسا ركبانا على دوابهم في جنازة فقال: ألا تستحيون أن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم ركبانا، رواه الترمذي. السنة ألا يركب مشيّع الجنازة لأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا في جنازة فإن ركب في

стр. 9658

الانصراف لم يكره (١). الفائدة الرابعة في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟: قال أبو الحسن القابسي (٢): الصحيح من المذهب والذي عليه أهل السنة أنها ترفعها الملائكة حتى ترفعها بين يدي الله تعالى فيسألها فإن كانت من أهل السعادة قال سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يُغسل الميت فإذا غسل الميت وكفن رُدّت وأدرجت بين كفنه وجسده فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام [الناس] من تكلم بخير ومن تكلم بشر فإذا وصل إلى قبره وصليّ عليه ردّت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد ودخل عليه الملكان الفتّانان على ما يأتي. قال الإمام القرطبي (٣): وأما روح الكافر ففي الحديث أنها لا تفتح لها أبواب السماء وأنها ترسل من السماء على ما سيذكر في الحديث، وقد قيل إن الروح ترفرف فوق النعش وتتكلم، وروي عن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل وكيف يُكفن وكيف يمشى به فيجلس في قبره. قال داود وزاد في هذا الحديث: قال يقال له وهو على سريره اسمع ثناء الناس عليك، ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمر

стр. 9659

وقاله في التذكرة (١). وفي الدرة الفاخرة للغزالي (٢) فإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله فتقعد عند رأسه حتى يغسل فيكشف الله عن بصر من يشاهده من الصالحين فينظرها على صورتها الدنيوية فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالقلب من خارج الصدر ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه.

стр. 9660

[التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء للْمَيت وإحسان الثَّنَاءعَلَيْهِ والترهيب من سوي ذَلِك] ٥٣٣٤ - عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا لَهُ بالتثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل رواه أبو داود (١). قوله: "عن عثمان بن عفان" عفان يحتمل الصرف وعدمه وتقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" هذا الحديث لا يدل على وجوب تلقين الميت عند الدفن كما هو عادة بعض الناس، وأورد الغزالي في الإحياء (٢) والإمام الطبري في كتابه المسمى بكتاب الأدعية حديثا

стр. 9661

في تلقين الميت عند الدفن ولم يصححه بعض المحدثين (١) وسيأتي ذكره. وأما قوله ﵇ لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله، المراد عند الموت لا بعد الموت، فلو لقّن أحد الميت عند الدفن لم يكن فيه حرج لأنه ليس فيه إلا ذكر الله وعرض الاعتقاد على الميت والحاضرين ودعاء الميت والمسلمين وفيه إرغام [لمنكري] البعث والحشر وكل ذلك معنى حسن (٢)، اهـ. قال النووي ﵀: ورُوِّينا عن عمرو بن العاصي ﵁ قال: إذا دفتنموني فأقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويفرق لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي، أخرجه مسلم (٣). قال الإمام الشافعي في الأم والقديم (٤): ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختم القرآن كله كان حسنا. وقال الآجري في كتاب النصيحة يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالتفات فقال: اللهم هذا عبدك وأنت أعلم به منا ولا نعلم منه إلا خيرا وقد أجلسته لتسأله اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بنبيه محمد ﷺ ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره، اهـ، قاله في التذكرة (٥). واستحب القاضي حسين والمتولي ونصر المقدسي وغيرهم تلقين الميت

стр. 9662

بعد الدفن لأنه ﷺ لقن ولده إبراهيم ولم يزل أهل الشام على العمل بالتلقين ويقعد الملقِّن عند رأس القبر ولا يُلقّن ميت طفل فيقول يا عبد الله بن أمة الله أو يا فلان ابن حواء اذكر ما خرجت عليه أو اثبت على ما كنت عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، لأن الخبر ورد بذلك (١) وهو ما روى الطبراني (٢) عن أبي أمامة الباهلي قال: أمرنا رسول الله ﷺ فقال: إذا مات

стр. 9663

أحد من إخوانكم فسوّيتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فيستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته ويكون الله حجيجه دونهما. فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه، قال ينسبه إلى أمه حواء، إسناده صحيح وقد قوّاه [الضياء] في أحكامه، قال النووي في الروضة (١): والخبر في التلقين ضعيف لكن أحاديث الفضائل يُتسامح فيها، وقد اعتضد بشواهد صحيحة والله أعلم. التلقين عن القاضي حسين والمتولي في مختصر الكفاية (٢).

стр. 9664

فائدة: ذكر الإمام القرطبي أن أبا حامد الغزالي قال في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة (١): وقد روي عن ابن مسعود ﵁ (٢) أنه قال: يا رسول الله [ما أول] ما يلقى الميت إذا دخل قبره: قال يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت: فأول من يناديه ملك اسمه رومان [يجوس] خلال المقابر فيقول يا عبد الله اكتب عملك فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس، فيقول: هيهات كفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك إصبعك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر [حينئذ] حسناته وسيئاته كيوم واحد ثم يطوي الملك تلك الرقعة ويعلقها في عنقه. قال رسول الله ﷺ (٣): قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أي عمله فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر وهما ملكان أسودان يخرقان الأرض [بأنيابهما] لهما شعور مسدولة يجرّانها على الأرض كلامهما كالرعد القاصف وأعينهما كالبرق الخاطف ونفسهما كالريح العاصف بيد كل واحد منهما مقمع من حديد، الحديث. فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة فتدخل في منخر الميت فيحيى الميت من الصدر ويكون [كهيئته] عند الغرغرة ولا يقدر على حراك غير أنه يسمع وينظر. قال فيسألانه بعنف وينهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيث ما تحرك انفسح فيه، [ووجد

стр. 9665

فرجة]، فيقال له: من ربك وما دينك ومن نبيك وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت فيقول لهما: من وكلكما علي ومن أرسلكما إلي، وهذا لا يقوله إلا علماء الأحبار، فيقول أحدهما للآخر: صدق وكفي شرّنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ثم يفرشان له من حريرها ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة ويسأل متى تقوم الساعة فليس إليه شيء أحب إليه من قيامها، اهـ. فائدة أخرى: جاء في حديث البخاري (١) ومسلم (٢) سؤال الملكين وكذلك في حديث الترمذي ونصّ على اسميهما ونعتيهما، وجاء في حديث في أبي داود سؤال ملك واحد ولا تعارض في ذلك والحمد لله بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حال واحدة عند انصراف الناس عنه ليكون السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أشد وأعظم وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واقترف من سيء الأعمال. وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، آخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والمراجعة والجواب لما عمل من صالح الأعمال. وقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو أن الملكين يأتيانه جميعا ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره لأنه لم يقل في

стр. 9666

الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد ولو قاله هكذا صريحا لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس والله تعالى أعلم. وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما. واختلفت الأحاديث أيضا في كيفية السؤال والجواب وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقص ووجه آخر وهو: أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال فيكون الإنسان مسؤولا عن الجميع كما جاء في حديث البراء وسيأتي ذلك في غير هذا الباب؛ قاله القرطبي (١). وهو أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص باسم المنافق؟ فقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد (٢): والآثار الدالة على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق ممن كان منسوبًا إلى أهل القبلة ودين الإسلام بظاهر الشهادة. وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، فيثبت الله الذين آمنوا ويرتاب المبطلون. والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

стр. 9667

الْآخِرَةِ﴾، وقد ثبت في الصحيح (١) أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك وما نبيك؟ ويؤيد ذلك ما في الأحاديث. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل. فيقول: لا أدري، الحديث. قاله ابن قيم الجوزية (٢) .... في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هل يكشف له حتى يرى النبي ﷺ ؟ فالجواب: أن هذا لم يرد في حديث صحيح وإنما ادعاه بعض من لا يحتج به بغير مستند إلا من جهة قوله: في هذا الرجل، وأن الإشارة هنا تكون للحاضر، وهذا لا معنى له لأنه حاضر في الذهن والله تعالى أعلم. قاله الحافظ العسقلاني الشهير ابن حجر (٣). أيضا هل يسمع الميت التلقين؟ فالجواب: نعم لوجود الاتصال لأن لكل روح اتصال بجسدها وهو اتصال معنوى لا يشبه الاتصال في الحياة، بل أشبه شئ به حال النائم وإن كان هو أشد حالا من حال النائم انفصالا، ولا يقاس على حال الحي إذا كان في قعر بئر مردوم مثلا فإنه لا يسمع كلام من هو على البئر والله تعالى أعلم. قاله الحافظ العسقلاني أيضا (٤).

стр. 9668

وكان على هذا السؤال عند تلقين الميت لكن [ ... ] (١) وفي كل خير والله تعالى أعلم .... أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وبالأحاديث المشهورة كقوله ﷺ : (٢) "اللهم اغفر لحينا وميتنا" وغير ذلك (٣). واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل ثواب قراءة القرآن فالمختار أن قول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والله تعالى أعلم. قاله النووي (٤). وتقدم في هذا المعنى وفي الصدقة أبسط من هذا. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (٥) أنه قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعة أيام فكانوا يستحيون أن يطعم عنهم تلك الأيام، والله تعالى أعلم.

стр. 9669

٥٣٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ مروا على النَّبِي ﷺ بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا رواه أبو داود واللفظ له وابن ماجه (١). قوله رحمه الله تعالى: "عن أبى هريرة" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ "وجبت" أي الجنة، "وجبت" أي النار. قال أهل اللغة الثناء بتقديم الثاء وبالمد يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر. وفيه لغة شاذة أنه يستعمل في الشر أيضا. وأما النثاء بتقديم النون وبالقصر فيستعمل في الشر خاصة. وإما استعمل الثناء الممدود هنا في الشر مجازا لتجانس الكلام كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٢)، وما أحسن ما صنع مسلم بإلحاق هذا الحديث بحديث أبي قتادة ﵁ (٣) أن النبي ﷺ مر عليه بجنازة فقال: "مستريح ومستراح منه". فقالوا: يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ فقال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، ومعنى هذا الحديث أن

стр. 9670

الموتى قسمان: مستريح ومستراح منه، ونصب الدنيا تعبها. وأما استراحة العباد من الفاجر فمعناه اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون بوجوه منها: ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات. فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك، وربما نالهم ضرورة وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدواب منه كذلك لأنه يؤذيها بضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك. واستراحة العباد والشجر قيل لأنها تمنع القطر بمعصيته، قاله الداودي. وقال الباجي: يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره (١)، قاله في الديباجة. ٥٣٣٦ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خير فَقَالَ نَبِي الله ﷺ وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شَرّ فَقَالَ نَبِي الله ﷺ وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ عمر فدَاك أبي وَأمي مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خير فَقلت وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شَرّ فَقلت وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه رواه البخاري ومسلم واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). قوله: "عن أنس" تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 9671

قوله ﷺ : "ما هذه الجنازة؟ " فذكر الحديث إلى قوله: "وجبت وجبت وجبت" الحديث، هكذا وقع الحديث في الأصول: وجبت ثلاثا. قوله ﷺ : "فأثنى عليها خير وأثنى عليها شر" هكذا وقع في بعض الأصول مرفوع ووقع في بعض الأصول: "خيرا وشرا"، بالنصب بإسقاط الجار أي فأثنى بخير وبشر، ففي هذا الحديث استحباب توكيد الكلام المهتم بتكراره ليحفظ ويكون أبلغ (١). وأما معنى الحديث: قال النووي (٢): ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل والصدق والعدالة وكان ثناؤهم مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث. وكذلك لو كان القائل فيه عدوا له وإن كان فاضلا لأن شهادته عليه في حياته كانت غير مقبولة وإن كان عدلا. وكذلك الحكم في الآخر على ما تقدم. وقيل ذلك فيمن علم الله تعالى أنه لا يحمله الحسد والعداوة أو فرط المحبة وكثرة الإطراء والغلو المذموم فيقول ما ليس فيه من خير أو شر. ولكن إنما ذلك لمن وفق الله ممن يريد بقوله .. وقال بعضهم: في تكرار "أنتم شهداء الله في الأرض" ثلاثا إشارة إلى القرون الثلاثة الذي قال ﵊ فيهم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، والأظهر فيه التأكيد على ما تقرر، وأنه ﷺ كان] (٣)

стр. 9672

إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، اهـ. قال النووي (١): والثانى هو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة (٢) فاذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء وإلا فلا فائدة له وقد أثبت رسول الله ﷺ له فائدة. فإن قيل كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في قوله لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا (٣) وبقوله ﷺ اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم (٤) فالجواب عنه من وجوه ذكرها الإمام القرطبي (٥):

стр. 9673

أحدهما: أن هذا الذي تحدث عنه بالشر كان مستظهرا به ومشهورا به، فيكون ذلك من باب "لا غيبة في فاسق". وثانيها: أن محل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله فمسوغ؛ ليتعظ به الفساق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلنين بالبدع والكبائر. وثالثها: أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشر يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال النبى ﷺ : "أوجبت له النار"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار عياض. وهذا هو الصواب في الجواب. ورابعها: أن يكون النهي عن سب الأموات متأخرا عن هذا الحديث، فيكون ناسخا والله تعالى أعلم. قوله في الحديث: "فقال عمر: فداك أبي وأمي، مر بجنازة، فأثني عليها خيرا" الحديث الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور قاله الكرمانى (١). ٥٣٣٧ - وَعَن أبي الْأسود قَالَ قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فمرت بهم جَنَازَة فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر ﵁ وَجَبت ثمَّ مر بِأُخْرَى فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر وَجَبت ثمَّ مر بالثالثة

стр. 9674

فَأَثْنوا على صَاحبهَا شرا فَقَالَ عمر وَجَبت قَالَ أَبُو الْأسود فَقلت مَا وَجَبت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ قلت كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة نفر بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة قَالَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَة فَقَالَ وَثَلَاثَة فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: "وعن أبي الأسود الدؤلي" اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلبس، بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة وإسكان اللام بينهما، ابن نفاثة، بضم النون وتخفيف الفاء وبثاء مثلثة، ابن على بن الدول، ويقال: اسمه ظالم بن عمرو بن ظالم، وقيل: اسمه عمرو بن ظالم، وقيل: عثمان بن عمرو، وقيل: عمرو بن سفيان. وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم، وهو بصرى، كان قاضى البصرة. سمع عمر ابن الخطاب، وعليا، والزبير، وأبا ذر، وعمران بن الحصين، وأبا موسى الأشعرى، وابن عباس، وولى البصرة. قال يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله: هو ثقة. روى له البخاري ومسلم، وهو أول من تكلم في النحو (٢). قوله ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله الله الجنة. قال فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قال فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد"، الحديث.

стр. 9675

أعلى البينات الأربع في إقامة حدّ خاص فمتى شهد لمسلم أربعة من المسلمين أدخله الله الجنة لأنهم شهداء الله تعالى في أرضه، ثم لما سألوه عن الاثنين وهي البينة الوسطى أجابهم إلى ذلك لأن الأموال تثبت بها وثواب الجنة جزاء الأعمال فهي بمنزلة المال ولم يسألوه [عن الواحد] إذ لا يثبت لنا شيء بشهادة الواحد بل يثبت علينا كصيام شهر رمضان (١) والله أعلم. قال: أبو محمد عبد الحق صاحب العاقبة (٢): وهذا الحديث مخصوص والله أعلم، والذي قبله وهو قوله مر بجنازة فأثنى عليها خير الحديث يعطي العموم كما تقدم وأن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة الناس فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة وغير مستنكر إذا أحب الله عبدا أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣)، تفسيرها كما قال [﵊: "إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله يحب فلان فأحبوه. قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض". وذكر في البغضاء مثل ذلك، رواه مسلم (٤) وغيره.

стр. 9676

قال:] (١) الحافظ عبد الحق وقد شوهد رجال من المسلمين علماء وصالحون كثر الثناء عليهم فصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها والمشتغلون بها وربما كثر الله الخلق من الجن والإنس أو غيرهم ويكونوا في صور الناس، ثم روي بإسناده أنه لما مات عمرو بن قيس [الملائي] بناحية فارس اجتمع لجنازته من الخلق ما لا يُحصى كثرة فلما دفن نظروا فلم يجدوا واحدا وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس وهو ممن روى له مسلم والأربعة ولما مات الإمام أحمد صلى عليه ما لا يحصى عددا فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ذلك ألفي ألف وثلاثمائة ألف ونحوها، وصلى على قبره ما لا يحصى عددا ولما مات الأوزاعي صلى عليه ما لا يحصى عددا وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة ثلاثون ألفا لما رأوا من كثرة الخلق في جنازته ولما رأوا من العجب ذلك اليوم، ولما مات سهل بن عبد الله التستري انكبّ الناس على جنازته وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله، ورئيت فيها الملائكة تنزل من السماء تتمسح بجنازته ويقال أن الكعبة لم تخل من طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم فإنها خلت لانحشار الناس تبركا بها ورغبة في الصلاة عليها وقد شوهد من جنائز الصالحين من تشيعه الطير وتسير معها حيث سارت حدّث بذلك الثقات ذو النون المصري وغيره اهـ.
следующие страницы →