← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9672–9711 · переход к 9677.

стр. 9672

إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، اهـ. قال النووي (١): والثانى هو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة (٢) فاذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء وإلا فلا فائدة له وقد أثبت رسول الله ﷺ له فائدة. فإن قيل كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في قوله لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا (٣) وبقوله ﷺ اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم (٤) فالجواب عنه من وجوه ذكرها الإمام القرطبي (٥):

стр. 9673

أحدهما: أن هذا الذي تحدث عنه بالشر كان مستظهرا به ومشهورا به، فيكون ذلك من باب "لا غيبة في فاسق". وثانيها: أن محل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله فمسوغ؛ ليتعظ به الفساق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلنين بالبدع والكبائر. وثالثها: أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشر يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال النبى ﷺ : "أوجبت له النار"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار عياض. وهذا هو الصواب في الجواب. ورابعها: أن يكون النهي عن سب الأموات متأخرا عن هذا الحديث، فيكون ناسخا والله تعالى أعلم. قوله في الحديث: "فقال عمر: فداك أبي وأمي، مر بجنازة، فأثني عليها خيرا" الحديث الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور قاله الكرمانى (١). ٥٣٣٧ - وَعَن أبي الْأسود قَالَ قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فمرت بهم جَنَازَة فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر ﵁ وَجَبت ثمَّ مر بِأُخْرَى فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر وَجَبت ثمَّ مر بالثالثة

стр. 9674

فَأَثْنوا على صَاحبهَا شرا فَقَالَ عمر وَجَبت قَالَ أَبُو الْأسود فَقلت مَا وَجَبت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ قلت كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة نفر بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة قَالَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَة فَقَالَ وَثَلَاثَة فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: "وعن أبي الأسود الدؤلي" اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلبس، بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة وإسكان اللام بينهما، ابن نفاثة، بضم النون وتخفيف الفاء وبثاء مثلثة، ابن على بن الدول، ويقال: اسمه ظالم بن عمرو بن ظالم، وقيل: اسمه عمرو بن ظالم، وقيل: عثمان بن عمرو، وقيل: عمرو بن سفيان. وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم، وهو بصرى، كان قاضى البصرة. سمع عمر ابن الخطاب، وعليا، والزبير، وأبا ذر، وعمران بن الحصين، وأبا موسى الأشعرى، وابن عباس، وولى البصرة. قال يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله: هو ثقة. روى له البخاري ومسلم، وهو أول من تكلم في النحو (٢). قوله ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله الله الجنة. قال فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قال فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد"، الحديث.

стр. 9675

أعلى البينات الأربع في إقامة حدّ خاص فمتى شهد لمسلم أربعة من المسلمين أدخله الله الجنة لأنهم شهداء الله تعالى في أرضه، ثم لما سألوه عن الاثنين وهي البينة الوسطى أجابهم إلى ذلك لأن الأموال تثبت بها وثواب الجنة جزاء الأعمال فهي بمنزلة المال ولم يسألوه [عن الواحد] إذ لا يثبت لنا شيء بشهادة الواحد بل يثبت علينا كصيام شهر رمضان (١) والله أعلم. قال: أبو محمد عبد الحق صاحب العاقبة (٢): وهذا الحديث مخصوص والله أعلم، والذي قبله وهو قوله مر بجنازة فأثنى عليها خير الحديث يعطي العموم كما تقدم وأن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة الناس فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة وغير مستنكر إذا أحب الله عبدا أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣)، تفسيرها كما قال [﵊: "إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله يحب فلان فأحبوه. قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض". وذكر في البغضاء مثل ذلك، رواه مسلم (٤) وغيره.

стр. 9676

قال:] (١) الحافظ عبد الحق وقد شوهد رجال من المسلمين علماء وصالحون كثر الثناء عليهم فصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها والمشتغلون بها وربما كثر الله الخلق من الجن والإنس أو غيرهم ويكونوا في صور الناس، ثم روي بإسناده أنه لما مات عمرو بن قيس [الملائي] بناحية فارس اجتمع لجنازته من الخلق ما لا يُحصى كثرة فلما دفن نظروا فلم يجدوا واحدا وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس وهو ممن روى له مسلم والأربعة ولما مات الإمام أحمد صلى عليه ما لا يحصى عددا فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ذلك ألفي ألف وثلاثمائة ألف ونحوها، وصلى على قبره ما لا يحصى عددا ولما مات الأوزاعي صلى عليه ما لا يحصى عددا وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة ثلاثون ألفا لما رأوا من كثرة الخلق في جنازته ولما رأوا من العجب ذلك اليوم، ولما مات سهل بن عبد الله التستري انكبّ الناس على جنازته وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله، ورئيت فيها الملائكة تنزل من السماء تتمسح بجنازته ويقال أن الكعبة لم تخل من طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم فإنها خلت لانحشار الناس تبركا بها ورغبة في الصلاة عليها وقد شوهد من جنائز الصالحين من تشيعه الطير وتسير معها حيث سارت حدّث بذلك الثقات ذو النون المصري وغيره اهـ.

стр. 9677

٥٣٣٨ - وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين إِنَّهُم لَا يعلمُونَ إِلَّا خيرا إِلَّا قَالَ الله قد قبلت علمكُم فِيهِ وغفرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: "عن أنس" تقدم. قوله ﷺ : "ما من مسلم يموت يشهد له أربعة أهل أبيات" الحديث، يستحب ذكر الميت بما يعلمه فيه من الخير لعله يغفر له بشهادتهم فيه كما في هذا الحديث، والحكمة في ذكر من تقدم من الكفار [بما] وقع منهم ليكون ذلك تخويفا لنا بأن الأصفياء وقعت مؤاخذتهم بالقليل فكيف نبارز بالعظائم منا وإذا مات أحدنا [لا يدري] ما ختم له وأيضا فقد علم أنهم مغفور لهم فلا نقص فيهم والله أعلم.

стр. 9678

٥٣٣٩ - وروى أَحْمد عَن شيخ من أهل الْبَصْرَة لم يسمه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ يرويهِ عَن ربه مَا من عبد مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين بِخَير إِلَّا قَالَ الله قد قبلت شَهَادَة عبَادي على مَا علمُوا وغفرت لَهُ مَا أعلم (١). ٥٣٤٠ - وَرُوِيَ عَن عَامر بن ربيعَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ العَبْد وَالله يعلم مِنْهُ شرا وَيَقُول النَّاس خيرا قَالَ الله لملائكته قد قبلت شَهَادَة عبَادي على عَبدِي وغفرت لَهُ علمي فِيهِ. رواه البزار (٢). قوله: "عن عامر بن ربيعة" هو عامر بن ربيعة ابن مالك بن عامر بن ربيعة بن حجر بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وائل بن عبد الله العنزي العدوي، حليف الخطاب بن نفيل والد عمر بن الخطاب، وقال ابن سعد: ولما حالف الخطاب تبناه، فكان يقال: عامر بن الخطاب؛ حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) فرجع عامر إلى نسبه، فقيل عامر بن

стр. 9679

ربيعة، وعامر من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديما قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وكانت معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، وهاجر إلى المدينة، فلم يقدمها أحد قبله إلا أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجة عامر أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين يزيد بن المنذر الأنصاري، وشهد عامر بدرًا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقدم مع عمر الجابية في سنة ست عشرة، وعقد عمر لواءه ودفعه إلى عامر أسند عامر بن ربيعة عن رسول الله ﷺ الحديث، فأخرج له أحمد في "المسند" أحد عشر حديثا، وأخرج عنه في "الصحيحين" حديثان متفق عليهما، وروى عامر عن أبي بكر وعمر، وروى عنه ابن عمر، وابنه عبد الله بن عامر، وابن الزبير عبد الله وغيرهم، وليس في الصحابة من اسمه عامر بن ربيعة غيره. قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيته فلم يشعر الناس إلا بجنازته وقد أخرج، وقيل: إنه مات قبل قتل عثمان بأيام (١). قوله ﷺ : "إذا مات العبد والله يعلم منه شرا ويقول النار خيرا، قال الله لملائكته: قد قبلت شهادة عبادي على عبدي وغفرت له علمي فيه" وفي الحديث أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرًا وهو يسمع وأهل النار من ملأ الله أذنيه من ثناء

стр. 9680

الناس شرا وهو يسمع"، انفرد به ابن ماجه (١) وأبو نعيم (٢)، اهـ. [قال ﵊: إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله يحب فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وذكر في البغضاء مثل ذلك. رواه مسلم (٣) وغيره] (٤). ٥٣٤١ - وَعَن أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دعِي إِلَى جَنَازَة سَأل عَنْهَا فَإِن أثني عَلَيْهَا خير قَامَ فصلى عَلَيْهَا وَإِن أثني عَلَيْهَا غير ذَلِك قَالَ لأَهْلهَا شَأْنكُمْ بهَا وَلم يصل عَلَيْهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٥). ٥٣٤٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساويهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه

стр. 9681

كلهم من رِوَايَة عمرَان بن أنس الْمَكِّيّ عَن عَطاء عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول عمرَان بن أنس مُنكر الحَدِيث قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث أم سَلمَة الصَّحِيح قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضرتم الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ رواه أبو داود (١) والترمذي (٢). حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: عمران بن أنس منكر الحديث. [قال الحافظ] وتقدم حديث أم سلمة الصحيح قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا حضرتم الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون (٣). قوله: "وعن ابن عمر" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساويهم" الحديث، فيه الأمر بالكف عن سب الأموات. قال العلماء: لا يجوز غيبة الميت، وقد ورد في بعض الأخبار أن

стр. 9682

من اغتاب ميتا فكأنما اغتاب نبيا، وقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (١) لا تسبّوا الموتى فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا، وروى غيره أن رسول الله ﷺ قال: لا تسبّوا الموتى فتؤذوا الأحياء (٢). ٥٣٤٣ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ قَالَت عَائِشَة ﵂ مَا فعل يزِيد بن قيس لَعنه الله قَالُوا قد مَاتَ قَالَت فأستغفر الله فَقَالُوا لَهَا مَا لَك لعنته ثمَّ قلت أسْتَغْفر الله قَالَت إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم أفضوا إِلَى مَا قدمُوا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ دون ذكر الْقِصَّة وَلأبي دَاوُد إِذا مَاتَ صَاحبكُم فَدَعوهُ لَا تقعوا فِيهِ رواه ابن حبان في صحيحه (٣)، وهو عند البخاري

стр. 9683

دون ذكر القصة (١). ولأبي داود: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه (٢). قوله: "وعن مجاهد" هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومي، مولاهم مولى عبد الله بن أبى السائب، ويقال: مولى السائب ابن أبى السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبى ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين. روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبى نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث. قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثماثين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل:

стр. 9684

سنة ثلاث ومائة (١). قوله ﷺ : "لا تسبّوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا"، وفي رواية أبي داود: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه (٢)، الحديث. الإفضاء الإسراع فمعنى أفضوا أي وصلوا أو صاروا إلى ما قدموا من خير وشر فإن كانوا من أهل السعادة فقد صاروا إليها فينبغي عليكم تبعة من سبّهم وإن كانوا من أهل الشقاء فتتحملون من أوزارهم بالسبّ. وفي الحديث النهي عن سبّ الأموات كالأحياء، وهو حرام فيهما، وإنما خصص الأموات لأنهم في محل أن يرحموا وليس في محل المؤاخذة لانقطاع حياتهم وخراب أيديهم وأيضا فإن مجازاتهم على أعمالهم لا تزيد بسب الأحياء لهم فإنه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وهذا معنى قوله: فإنهم أفضوا إلى ما قدّموا، أي من خير وشر. ومن أسباب النهي أيضا: أن الأحياء يتأذون بذلك كما جاء: لا تسبّوا الموتى فتؤذوا الأحياء فيقع الإنسان بسبّهم في إثمين إثم لأذى الحي وإثم لذكر الميت بالسب والأذى. فقوله: "لا تسبّوا الأموات" عام مخصوص [بذلك، وممن] يغلب شره [لوحظ به الفساق]، [نعم] إن كان الميت كافرا فيجوز ذلك لأنه عدو لله وللمؤمنين وعذابه في ازدياد إلى أبد الآبدين والله

стр. 9685

أعلم. قاله في شرح الإلمام (١). قال النووي في أذكاره (٢): قال العلماء: يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلنا بفسقه وأما الكافر [والمعلم] بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة وحاصله أنه ثبت في النهي عن سب الأموات أحاديث صحيحة مشهورة معروفة، وجاء في [التخصيص] في سبّ الأشرار أشياء كثيرة منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته، ومنها أحاديث كثيرة في الصحيح كالحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ عمرو بن لحي وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه وقصة ابن جذعان وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح المذكور في الجنازة لما مرت فأثنوا عليها شرا فلم ينكر عليهم النبي ﷺ بل قال: وجبت. وتقدم الكلام على ذلك. قاله في الأذكار (٣). واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحها وأظهرها [أموات الكفار] يجوز ذكر مساويهم، وأما ذكر أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص، وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من

стр. 9686

الرواة (١)، اهـ. ولهذا ما زال المحدثون يذكرون الرواة بما فيهم من الكذب وسوء الحفظ وغيره ولا يكون ذلك حراما والله أعلم. خاتمة: روى الطبراني في كتاب الدعاء (٢) من حديث أنس رفعه إلى النبي ﷺ : من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ورسوله هذا ما وعد الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما كتب له عشرون حسنة. ومن حديث نافع (٣) قال: كان ابن عمر ﵁ إذا رآى جنازة قال: هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما. قال البندنيجي والقاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه البحر: ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها وأن يثني عليها بالخير إن كانت أهلا للثناء ولا يجازف في ثنائه وأن يقول من رآها سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس، اهـ. قاله في هادي النبيه (٤). * * *

стр. 9687

التَّرْهِيب من النِّيَاحَة على الْمَيِّت والنعي وَلَطم الخد وخمش الْوَجْه وشق الجيب ٥٣٤٤ - عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي (١)، وقال: بالنياحة عليه. قوله: "عن عمر" تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله ﷺ : "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه " وفي رواية: ما نيح عليه (٢). وفي النسائي: بالنياحة عليه (٣). وعن ابن عمر (٤) مرفوعًا إلى النبي ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة [فقالت]: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ أن [الله يعذب المؤمن] ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وقالت: حكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥)، فما قال ابن عمر شيئًا. وعنها أنه قيل لها: أن ابن عمر يقول الميت يعذب ببكاء

стр. 9688

الحي. فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، وقرأت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقالت: إنما مرّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها. رواه البخاري ومسلم (١) فهذه الأحاديث وشبهها تدل على تعذيب الميت. واختلف العلماء في أحاديث [تعذيب الميت بالبكاء] (٢) فتأولها [المزني وأصحابنا و] (٣) الجمهور فقالوا: ليست على ظاهرها وإطلاقها، واختلفوا في تأويلها على أقوال أظهرها والله أعلم أنها محمولة على أن يكون للميت سبب في البكاء والنياحة بأن أوصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه سبب منسوب إليه. قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، الوزر الحمل والثقل وأكثر ما يطلق في الحديث [على الذنب والإثم، قال: وزر يَزِر فهو وازر إذا حمل ما يثقل ظهره من الأشياء المثقلة ومن الذنوب] وجمعه أوزار ومنه الحديث "قد وضعت الحرب أوزارها"، أي انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال، ومعنى الآية لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى أي لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها.

стр. 9689

قال المزني: هذا كان من عادة العرب كان أحدهم إذا احتُضر أوصى بأن يبكى عليه ويناح، ومنه قول طرفة [العبدي]: إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ (١) وقال غيره من العرب: فَقُومَا فَقُولَا بِالَّذِي تَعْرِفَانِهِ ... وَلَا تَخْرِقَا جَيْبًا وَلَا تَحْلِقَا شَّعَرْ إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ (٢) قالوا فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم وكان من عادة العرب الوصية بذلك وقالت طائفة: الأحاديت محمولة على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو لم يوص بتركهما [أو أهمل الوصية بتركهما فيكره أو يحرم، وإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة ولكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر ويعذّب] بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملهما عذِّب بهما. وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مُرمِل النسوان ومُؤْتِم الولدان ومخرب العمران ومفرق الإخوان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام

стр. 9690

شرعا. وقالت طائفة: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره. قال القاضي عياض (١): وهو أولى الأقوال: واحتجوا بحديث فيه أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على أمها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صُوَيحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم (٢). وقالت عائشة: معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم (٣). [وذهبت عائشة ﵂ إلى أن هذه الأحاديث في الكفار يعذبون زيادة على كفرهم بسبب ما نيح عليهم (٤) ثم روت عائشة (٥) أن رسول الله ﷺ مر على قبر يهودية فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها] (٦). وذهب بعض العلماء إلى أن الميت يسمع بكاء الحي ونياحه فيتألم بذلك، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري وروى فيه حديثًا موافقا لما تأوله (٧)، وقال بعض أهل العلم هذا في رجل لم يؤدّب أهله ولم يعلمهم ما يحتاجون إليه

стр. 9691

من الحلال والحرام فإذا مات فصرخوا عليه أو ناحوا كان هذا الفعل المحرم منسوبا إليه حيث لم يسبق منه تعليم مانع من الإقدام على هذا الفعل المحرم ويؤيده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) (٢)، اهـ. قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (٣). قوله: "بما نيح عليه" والنياحة رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت. [وقيل هو البكاء على الميت مع تعديد محاسنه (٤)] (٥) وأصل النياحة اجتماع النساء [وتقابلهن] بعضهن لبعض للبكاء على الميت والتناوح التقابل ثم استعمل في صفة بكائهن وهو البكاء بصوت وندبة (٦)، وأما البكاء فيمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قال حسان بن ثابت: بكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لَهَا بُكَاها ... وَمَا يُغْنِي البُكَاءُ وَلَا العَويلُ كذا قال الجوهري (٧) والصواب أن قائل [ذلك] البيت كعب بن مالك لا حسان بن ثابت كما هو في سيرة ابن هشام (٨) وغيرها فيجوز على الميت قبل

стр. 9692

الموت بالإجماع لبكاء النبي ﷺ على ولده إبراهيم قبل الموت وعلى ولد ابنته قبل الموت، وفي صحيح مسلم (١) أن النبي ﷺ عاد سعد بن عبادة فبكى وقال: إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه، رواه مسلم. [وفي الصحيحين (٢)] عن أسامة بن زيد أن زيد رسول الله الله ﷺ رفع إليه ابن لابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال له سعد ما هذا؟ قال: هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. ويجوز البكاء أيضا بعد الموت لما في صحيح مسلم (٣) أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وفي الشرح والروضة والشامل وغيره: أن البكاء بعد الموت خلاف الأولى، وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال القيامة فلا يكره ولا يكون خلاف الأولى وإن كان للجزع [وعدم] التسليم للقضاء فيكره أو يحرم فإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة لكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر (٤). وقوله: "استعبر له" (٥) أي

стр. 9693

جرت عبرته وفيه دليل على أن الميت يبكي رقّة لبكاء الحي. وقوله: "إن أحدكم إذا بكى" محمول على بكاء يسمعه الميت، فأما مجرد دمع العين فلا يُعذّب به الميت قطعا لأنه لا يسمعه ولا يشاهده وقد بكى النبي ﷺ على ولده إبراهيم وقال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون. وروى الطبراني في معجمه الكبير (١) أنه ﷺ قال عند موت ولده إبراهيم لولا أنه وعد حق وموعد صدق وأن الأخير لاحق بالأول لحزنا أكثر من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. ففي هذا الحديث تسلية من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الموت وعد حق كالدين على الإنسان وموعد صدق يعني في الاجتماع في الآخرة، وأن الأخير لا يبقى بعد الأول وعن قريب يلحق به. قال النووي (٢): والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد

стр. 9694

بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين. ٥٣٤٥ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نيح عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). ٥٣٤٦ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تبْكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عَلَيْهِ فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَنْت كذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عمر بِنَحْوِهِ وَفِيه فَقَالَ يَا رَسُول الله أُغمي عَليّ فصاحت النِّسَاء واعزاه واجبلاه فَقَالَ ملك مَعَه مرزبة فَجَعلهَا بَين رجْلي فَقَالَ أَنْت كَمَا تَقول قلت لَا وَلَو قلت نعم ضَرَبَنِي بهَا وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن عمر رواه البخاري (٢). وزاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه. ورواه الطبراني في الكبير (٣) عن الأعمش عن عبد الله بن عمر بنحوه، وفيه: فقال يا رسول الله: أغمي علي فصاحت النساء: واعزاه واجبلاه، فقال ملك

стр. 9695

معه مرزبة فجعلها بين رجلي فقال: أنت كما تقول: قلت: لا، ولو قلت نعم ضربني بها. والأعمش لم يدرك ابن عمر. قوله: "وعن النعمان بن بشير" تقدم ترجمته. قوله: "أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه وا كذا" فذكره، زاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه، الحديث. قال صاحب العاقبة: قال بعض العلماء أو أكثرهم إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره أو يكون قد وصى به وهذا أيضا لم يكن من سنة عبد الله بن رواحة ولا ومن اختياره ولا مما وصّى به، اهـ. وقيل: هو محمول على من تبكي عليه وتعدد أفعاله التي تستوجب العذاب من القتل والنهب ونحوهما. وقيل معنى العذاب التوبيخ: فإنهم إذا ذكروه في الندب بخصال حميدة فيقال له: أكنت كذلك؟ فسمى بذلك عذابا، ويؤيده أن عبد الله بن رواحة (١) أغمي عليه فقالت أخته: واجبلاه واكذا وكذا، فقال: حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي [أنت] كذلك؟ وقيل: معنى العذاب حزنه بسماع بكائهم فإنه يسوءه إتيانهم بما يكره ربه ، فقد روي أن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإذا رأوا خيرا فرحوا به وإن رأوا [شرا] كرهوه فعلى هذا التوجيه التعذيب من الحي له لا من الله تعالى. وقال ابن بطال (٢): كل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه النياحة

стр. 9696

والله أعلم، قاله الكرماني، اهـ. قال النووي (١): قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى للحديث الصحيح فإذا وجب فلا تبكينّ باكية، وقد نصّ الشافعي والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم وتأولوا حديث فلا تبكين باكية على الكراهة فأما البكاء من غير ندب ولا نياحة فقد روي فيه الإباحة وهو بكاء الرحمة والرقة التي لا يكاد يخلو منها البشر ولا يوجد [قلب] إلا وبها منه أثر، وقد قال عمر (٢): دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة، النقع ارتفاع الصوت واللقلقة تتابع ذلك. وقال أبو عبيد (٣): قال بعضهم يريد عمر بالنقع وضع التراب على الرأس. قال أبو عبيد: وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد واللقلقلة رفع الصوت. وأما حديث النبي ﷺ في هذا الباب في إباحة البكاء من غير نياحة ولا صياح فصحيح مشهور تغني شهرته عن ذكره هنا والله أعلم. تنبيه: يستحب للمريض أن يوصي أهله بالصبر على مصيبتهم بترك البكاء عليه ويقول لهم: صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (٤) أن الميت يعذب ببكاء

стр. 9697

أهله عليه فإياكم يا أحبابي والسعي في أسباب عذابي ويستحب له استحبابا متأكدا أن يوصي باجتناب ما جرت به العادة من البدع في الجنائز ويؤكد عليهم العهد بذلك (١)، اهـ. لطيفة في المعنى: قال بلال بن سعد: لا ينبغي أن يُبكى على ميت خرج من السجن إلى البستان بل ينبغي أن يبكى على من خرج من البستان إلى السجن. فإن قيل: لم يبكي العارفون على الميت؟ قيل: للفراق والوحشة وللخوف عليه لأنهم لا يدرون عاقبته ولو علموا لما بكوا كما قال بلال ﵁: لا [تقولوا] واحزناه بل [قولوا] واطرباه. ٥٣٤٧ - وَعَن الْحسن قَالَ إِن معَاذ بن جبل أُغمي عَلَيْهِ فَجعلت أُخْته تَقول واجبلاه أَو كلمة أُخْرَى فَلَمَّا أفاق قَالَ مَا زلت مؤذية لي مُنْذُ الْيَوْم قَالَت لقد كَانَ يعز عَليّ أَن أوذيك قَالَ مَا زَالَ ملك شَدِيد الِانْتِهَار كلما قلت واكذا قَالَ أكذاك أَنْت فَأَقُول لَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحسن لم يدْرك معَاذًا (٢). قوله في رواية الطبراني: فصا حت النسواة واعِزّاه واجبلاه. قوله: "واجبلاه" أي كنت في عزة ومِنعَة من أجلك فكنت لي كالجبل. قاله عياض (٣). وقوله: "فقال ملك معه مرزبة فجعلها بين رجليّ فقال أنت كما تقول؟ قلت:

стр. 9698

لا، ولو قلت نعم ضربني بها" الحديث. المرزبة بالتخفيف المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد ويقال لها الأرزبة أيضا بالهمز والتشديد، قاله في النهاية (١). ٥٣٤٨ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واجبلاه واسيداه أَو نَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه هَكَذَا كنت، رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٢) وَالتِّرْمِذِيّ (٣) وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب. [اللهز]: هو الدفع بجميع اليد في الصدر.

стр. 9699

إن الميت ليعذب ببكاء الحي ٥٣٤٩ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ إِذا قَالَت واعضداه وامانعاه واناصراه واكاسياه جبذ الْمَيِّت فَقيل أناصرها أَنْت أكاسيها أَنْت رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد رواه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد. قوله: "وعن أبي موسى" واسمه عبد الله بن قيس، تقدمت ترجمته. قوله: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فذكره إلى أن قال: إلا وكل به ملكان يلهزانه هكذا كنت" اللهز هو الدفع بجميع اليد في الصدر، قاله الحافظ. وقال الشيخ تقي الدين الحصني: اللهز ضرب الصدر باليد وهي مقبوضه (٢)، اهـ. وتقدم الكلام على البكاء في الأحاديث المتقدمة والله أعلم. ٥٣٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر الطعْن فِي النّسَب والنياحة على الْمَيِّت. رواه مسلم (٣). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "اثنتان هما في الناس كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" الحديث، من الكبائر الطعن في

стр. 9700

الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع، كذا عدّه الحافظ الذهبي (١) والعلامة شمس الدين بن قيم الجوزية (٢) كما في صحيح مسلم (٣)، والطعن يقال طعن بالرمح واليد يطعن بالضم وطعنَ في العرض والنسب يطعن، وقيل: هما لغتان فيهما (٤)، أي هما كفر واقع بهم. والمراد كفر النعمة لأن من أنكر نسبه فقد كفر نعمته، ولهذا قال في الحديث الآخر (٥): ما من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر. وفي معنى الحديث أقوال أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. والثاني أنه يؤدي إلى الكفر (٦). والثالث أنه كفر النعمة والإحسان. والرابع أن ذلك في المستحل فإن حُمل على الكفر الحقيقي فالمراد به أنه من أفعال الجاهلية فأطلق عليه كفرا من باب التشبيه قوله في الرواية الأخرى: ثلاث من عمل الجاهلية. [والجاهلية] ما قبل النبوة، سموا بذلك لكثرة جهلهم. قوله: "والنياحة على الميت" فهي كفر لنعمة الله فإن المعطي والمانع والرازق والمحيي والمميت هو الله تعالى، فإذا لم يرض العبد بالقضاء وناح

стр. 9701

وصاح استحق العذاب، والنياحة الندب وذكر الشمائل بأن يقال واكهفاه واجبلاه، ويُنسب إلى أمور ليس منها شيء، ولهذا جاء الوعيد الشديد في النياحة واستماعها. قال أصحابنا ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء، وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام. اهـ، قاله النووي في أذكاره (١). ٥٣٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة من الْكفْر بِالله شقّ الجيب والنياحة والطعن فِي النّسَب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان ثَلَاثَة هِيَ الْكفْر وَفِي أُخْرَى ثَلَاث من عمل الْجَاهِلِيَّة لَا يتركهن أهل الْإِسْلَام فَذكر الحَدِيث (٢). الجيب هُوَ الْخرق الَّذِي يخرج الْإِنْسَان مِنْهُ رَأسه فِي الْقَمِيص وَنَحْوه. قوله في رواية لابن حبان: "ثلاثة هي الكفر" وفي رواية أخرى: ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: شق الجيب والنياحة والطعن في النسب. والجيب هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في القميص ونحوه، قاله الحافظ، وتقدم الكلام على الطعن في النسب والنياحة والله أعلم. [ففي هذه الأحاديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة] (٣)، وقد

стр. 9702

جاء في كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم. قاله العراقي في شرح الأحكام (١). ٥٣٥٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما افْتتح رَسُول الله ﷺ مَكَّة رن إِبْلِيس رنة اجْتمعت إِلَيْهِ جُنُوده فَقَالَ ايأسوا أَن تردوا أمة مُحَمَّد على الشّرك بعد يومكم هَذَا وَلَكِن افتنوهم فِي دينهم وأفشوا فيهم النوح رواه أحمد بإسناد حسن (٢). قوله: "وعن ابن عباس" تقدم الكلام عليه. قوله: "لما افتتح رسول الله ﷺ مكة رنّ إبليس رنّة اجتمعت إليه جنوده" الحديث، وفي تفسير ابن مخلد أن إبليس لعنه الله رنّ أربع رنّات، رنّة حين لعن ورنة حين أهبط ورنة حين ولد النبي ﷺ ورنّة حين أنزلت فاتحة الكتاب (٣)، وكذا ذكره ابن الأنباري بمعناه

стр. 9703

فقال في كتاب الرد له: حدثني أبي، إلى أن قال: حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال: إن إبليس لعنه الله رنّ أربع رنّات حين لعن وحين أهبط من الجنة حين بُعِث محمد ﷺ وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة (١)، اهـ. الرنة بفتح الراء هي الصوت [وسيأتي الكلام على ذلك] (٢). قول إبليس لجنوده: ولكن افتنوهم في دينهم وأفشوا فيهم النوح، تقدم الكلام على النياحة. ٥٣٥٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صوتان ملعونان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مزمار عِنْد نعْمَة وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (٣).

стр. 9704

لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة ٥٣٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تصلي الْمَلَائِكَة على نائحة وَلَا مرنة رواه أحمد (١) وإسناده حسن إن شاء الله. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة" الحديث، الصلاة في اللغة الدعاء، وهي من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء، وتقدم الكلام على معنى الصلاة مبسوطا في مواضع من هذا التعليق. قوله: "ولا نائحة ولا مرنة" تقدم الكلام على النوح. وقوله: "ولا مرنة" الرنة [هي] الصوت عند البكاء ويشبه أنه الذي فيه [الترجيع] ومثله القلقلة واللقلقة، يقال منه: أرنَّت فهي مُرِنّة ولا يقال رنّت. قال أبو حاتم والعامة تقول: رنت قال ثابت وفي الحديث: لعنتِ الرانة من البقلة (٢). ٥٣٥٥ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع فِي أمتِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة لَا يتركونهن الْفَخر فِي الأحساب والطعن فِي الْأَنْسَاب

стр. 9705

وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم والنياحة وَقَالَ النائحة إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا. رواه مسلم (١) وابن ماجه (٢)، ولفظه: النياحة من أمر الجاهلية قال رسول الله ﷺ : النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران، ودرعا من لهب النار. [القطران]: بفتح القاف وكسر الطاء، قال ابن عباس: هو النحاس المذاب، وقال الحسن: هو قطران الإبل، وقيل: غير ذلك. قوله: "وعن أبي مالك الأشعري" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" الحديث، [والمراد بأمر الجاهلية أيام الجاهلية، وهي مدة الفترة التي كانت بين عيسى ورسول الله ﷺ ، وسميت بها لكثرة جهالاتهم] (٣). فائدة: وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربع مائة سنة وأربعا وثلاثين سنة، [وذكر] الكلبي أن بين عيسى ونبينا محمد ﷺ خمسمائة سنة وتسعا وستين سنة وبينهما أربعة من الأنبياء واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان. قال القشيري: ومثل هذا لا يعلم إلا بخبر صدق (٤).

стр. 9706

وقال ابن الجوزي: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه ذكر عيسى ﵇ فقال: ليس بيني وبينه نبي فظاهر هذا يمنع وجود نبي بينهما ومن الممكن أن يتأول فقال لا نبي يغير حكما فإن عيسى أحل وحرّم ومن بعث بعده دعا إلى دينه ولم يغير (١). وقال قتادة ومقاتل والضحاك [ووهب بن منبه كان بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة إلا أن وهبا زاد عشرين سنة وعن الضحاك] (٢) أيضا أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة (٣)، اهـ. وقوله: "أربع من أمر الجاهلية" أي من شأنهم وخصالهم، "لا يتركوهن" يعني غالبا، والفخر في الأحساب يعني الافتخار بالآباء والكبراء والرؤساء، وقد قال النبي ﷺ (٤): إن الله أذهب عنكم عبية الجاهية وفخرها بالآباء، الحديث (٥)، وتقدم الكلام عليه في الكبر. قوله: "والطعن في الأنساب" استحقارها وعيبها (٦). قوله: "والاستسقاء بالنجوم" هو استدعاؤهم السقي من النجوم معتقدين

стр. 9707

أنّ لها أثرا (١). قوله: "والنياحة" تقدم الكلام عليها. وقوله في النائحة: تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران والسربال واحد السرابيل وهي الثياب والقمص يعني أنهن يلطخن بالقطران فيصير لهن كالقمص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجساد هي أعظم ورائحته أنتن وألمها سبب الجرب أشد (٢) وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: لا أخلع سربالا سربلنيه الله. وقد تطلق السرابيل على الدروع ومنه قصيد كعب بن زهير: شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نسْج دَاودَ فِي الهيْجَا سَرَابِيلُ قاله ابن الأثير (٣). والقطران قد ضبطه الحافظ وفسّره فقال ابن عباس هو النحاس المذاب، وقال الحسن هو قطران الإبل (٤). "ودرع من جرب" ودرع المرأة قميصها، وقد ورد أيضا أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران، والجرب [بثر] يعلو أبدان الناس والإبل (٥) وسره أن الجرب سريع الألم لتقريحه الجلد والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها في النار بسبب هذين القميصين أشد العذاب.

стр. 9708

ففيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه وفيه صحة التوبة ما لم يمت المكلف ولم يصل إلى الغرغرة، وفيه ما يدل على أن ذلك من الكبائر، والأحاديث في وعيد النائحة وعظيم عقابها وما ينالها في الآخرة من سخط الله تعالى وأليم عذابه كثيرة جدًّا (١). وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع نائحة فأتاها فضربها الدرّة حتى وقع خمارها عن رأسها [فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة قد وقع خمارها عن رأسها]. فقال: إنها لا حرمة لها، رواه الثعلبي في تفسيره (٢). ٥٣٥٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذِه النوائح يجعلن يَوْم الْقِيَامَة صفّين فِي جَهَنَّم صف عَن يمينهم وصف عَن يسارهم فينبحن على أهل النَّار كَمَا تنبح الْكلاب. رواه الطبراني في الأوسط (٣). قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صف عن يمينهم وصف عن يسارهم" الحديث. وفي حديث آخر ينبحن كما [تنبح] الكلاب في

стр. 9709

يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار (١)، وروى الإمام القرطبي في التذكرة (٢) عن النبي ﷺ قال: تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار يدها على رأسها تقول: يا ويلاه (٣). أخرجه ابن ماجه (٤) ومسلم بمعناه (٥). وقال أنس ﵁: قال النبي ﷺ : تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء مسودة الوجه زرقاء العينين ثائرة الشعر كالحة الوجه عليها جلباب من لعنة الله ودرع من غضب الله إحدى يديها مغلولة إلى عنقها والأخرى قد وضعتها على رأسها وهي تنادي يا ويلاه [ويا] ثبوراه ويا [خزياه] وملك وراءها يقول: آمين آمين، ثم يكون من بعد ذلك حظها النار، اهـ. ٥٣٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٦) وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك

стр. 9710

وَرَوَاهُ الْبَزَّار (١) وَالطَّبَرَانِيّ (٢) فزادا فِيهِ وَقَالَ لَيْسَ للنِّسَاء فِي الْجِنَازَة نصيب. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لعن الله النائحة والمستمعة" وزاد الطبراني فيه، وقال: ليس للنساء في الجنازة نصيب. اعلم أن اللعنة هي البعد من رحمة الله تعالى، والنائحة هي الرافعة صوتها بالندب، والندب تعديد محاسن الميت، وقيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسن. وتقدم الكلام على ذلك. ٥٣٥٨ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت لما مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت غَرِيب وَفِي أَرض غربَة لأبكينه بكاء يتحدث عَنهُ فَكنت قد تهيأت للبكاء عَلَيْهِ إِذْ أَقبلت

стр. 9711

امْرَأَة تُرِيدُ أَن تساعدني فَاسْتَقْبلهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن تدخلي الشَّيْطَان بَيْتا أخرجه الله مِنْهُ فكففت عَن الْبكاء فَلم أبك رواه مسلم (١). قوله: "وعن أم سلمة" تقدم الكلام على مناقبها. قولها: "لما مات أبو سلمة، قلت: غريب وفي أرض غربة لأبكينّه بكاء يتحدث عنه" الحديث، أبو سلمة هو زوج أم سلمة واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي قوله ﷺ لأم سلمة ﵂: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه. فكففت عن البكاء" يحتمل ذلك والله أعلم أن يكون ذلك سبب [ذلك] (٢) صحة إسلام أبي سلمة وحسن هجرته، قاله القرطبي (٣)، وتقدم الكلام على البكاء.
следующие страницы →