← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9707–9746 · переход к 9712.

стр. 9707

أنّ لها أثرا (١). قوله: "والنياحة" تقدم الكلام عليها. وقوله في النائحة: تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران والسربال واحد السرابيل وهي الثياب والقمص يعني أنهن يلطخن بالقطران فيصير لهن كالقمص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجساد هي أعظم ورائحته أنتن وألمها سبب الجرب أشد (٢) وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: لا أخلع سربالا سربلنيه الله. وقد تطلق السرابيل على الدروع ومنه قصيد كعب بن زهير: شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نسْج دَاودَ فِي الهيْجَا سَرَابِيلُ قاله ابن الأثير (٣). والقطران قد ضبطه الحافظ وفسّره فقال ابن عباس هو النحاس المذاب، وقال الحسن هو قطران الإبل (٤). "ودرع من جرب" ودرع المرأة قميصها، وقد ورد أيضا أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران، والجرب [بثر] يعلو أبدان الناس والإبل (٥) وسره أن الجرب سريع الألم لتقريحه الجلد والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها في النار بسبب هذين القميصين أشد العذاب.

стр. 9708

ففيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه وفيه صحة التوبة ما لم يمت المكلف ولم يصل إلى الغرغرة، وفيه ما يدل على أن ذلك من الكبائر، والأحاديث في وعيد النائحة وعظيم عقابها وما ينالها في الآخرة من سخط الله تعالى وأليم عذابه كثيرة جدًّا (١). وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع نائحة فأتاها فضربها الدرّة حتى وقع خمارها عن رأسها [فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة قد وقع خمارها عن رأسها]. فقال: إنها لا حرمة لها، رواه الثعلبي في تفسيره (٢). ٥٣٥٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذِه النوائح يجعلن يَوْم الْقِيَامَة صفّين فِي جَهَنَّم صف عَن يمينهم وصف عَن يسارهم فينبحن على أهل النَّار كَمَا تنبح الْكلاب. رواه الطبراني في الأوسط (٣). قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صف عن يمينهم وصف عن يسارهم" الحديث. وفي حديث آخر ينبحن كما [تنبح] الكلاب في

стр. 9709

يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار (١)، وروى الإمام القرطبي في التذكرة (٢) عن النبي ﷺ قال: تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار يدها على رأسها تقول: يا ويلاه (٣). أخرجه ابن ماجه (٤) ومسلم بمعناه (٥). وقال أنس ﵁: قال النبي ﷺ : تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء مسودة الوجه زرقاء العينين ثائرة الشعر كالحة الوجه عليها جلباب من لعنة الله ودرع من غضب الله إحدى يديها مغلولة إلى عنقها والأخرى قد وضعتها على رأسها وهي تنادي يا ويلاه [ويا] ثبوراه ويا [خزياه] وملك وراءها يقول: آمين آمين، ثم يكون من بعد ذلك حظها النار، اهـ. ٥٣٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٦) وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك

стр. 9710

وَرَوَاهُ الْبَزَّار (١) وَالطَّبَرَانِيّ (٢) فزادا فِيهِ وَقَالَ لَيْسَ للنِّسَاء فِي الْجِنَازَة نصيب. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لعن الله النائحة والمستمعة" وزاد الطبراني فيه، وقال: ليس للنساء في الجنازة نصيب. اعلم أن اللعنة هي البعد من رحمة الله تعالى، والنائحة هي الرافعة صوتها بالندب، والندب تعديد محاسن الميت، وقيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسن. وتقدم الكلام على ذلك. ٥٣٥٨ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت لما مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت غَرِيب وَفِي أَرض غربَة لأبكينه بكاء يتحدث عَنهُ فَكنت قد تهيأت للبكاء عَلَيْهِ إِذْ أَقبلت

стр. 9711

امْرَأَة تُرِيدُ أَن تساعدني فَاسْتَقْبلهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن تدخلي الشَّيْطَان بَيْتا أخرجه الله مِنْهُ فكففت عَن الْبكاء فَلم أبك رواه مسلم (١). قوله: "وعن أم سلمة" تقدم الكلام على مناقبها. قولها: "لما مات أبو سلمة، قلت: غريب وفي أرض غربة لأبكينّه بكاء يتحدث عنه" الحديث، أبو سلمة هو زوج أم سلمة واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي قوله ﷺ لأم سلمة ﵂: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه. فكففت عن البكاء" يحتمل ذلك والله أعلم أن يكون ذلك سبب [ذلك] (٢) صحة إسلام أبي سلمة وحسن هجرته، قاله القرطبي (٣)، وتقدم الكلام على البكاء.

стр. 9712

النهي عن النعي ٥٣٥٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما جَاءَ رَسُول الله ﷺ قتل زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَعبد الله بن رَوَاحَة جلس رَسُول الله ﷺ يعرف فِيهِ الْحزن قَالَت وَأَنا أطلع منَ شقّ الْبَاب وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ أَي رَسُول الله إِن نسَاء جَعْفَر وَذكر بكاءهن فَأمر أَن ينهاهن فَذهب الرجل ثمَّ أَتَى فَقَالَ وَالله لقد غلبنني أَو غلبننا فَزَعَمت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فاحث فِي أفواههن التُّرَاب فَقلت أرْغم الله أَنْفك فوَالله مَا أَنْت بفاعل وَلَا تركت رَسُول الله ﷺ من العنا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵂. قولها: "لما جاء رسول الله ﷺ قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله ﷺ يُعرف فيه الحزن. قالت: وأنا أطّلع من شق الباب. فأتاه رجل فقال: أي رسول الله إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن" الحديث، تقدم الكلام على قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في الجهاد على مناقبهم أيضًا. وقولها: "وأنا أطلع من شق الباب" هو بفتح الشين وهو معروف. وقوله: "إن نساء جعفر" خبره محذوف أي يبكين.

стр. 9713

قوله: "فأمره أن ينهاهن" الحديث. والنهي عن البكاء إنما هو إذا كان مع النياحة ونحوها. قوله: فذهب الرجل ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني أو غلبننا الحديث: معناه: لم يطعن الناهي لهن عن البكاء إما لأنه لم يصرح لهن بأن النبي ﷺ نهاهن فظنن منه أنه [كالمتحسب] في ذلك وكالمرشد للمصلحة أو لأنهن غلبن في أنفسهن على سماع النهي لحرارة المصيبة والله أعلم. قاله القرطبي (١). قوله: فاحث في أفواههن التراب، هو بضم الثاء المثلثة وكسرها يقال حثا يحثو أو حثا يحثي لغتان، وهذا يدل على أنهن صرخن إذ لو كان بكاء العين فقط لم يكن لملئ أفواههن بالتراب معنى وليس أمره ﵇ للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حال ولكن على طريق أن هذا مما [يسكتهن] لو فعلته، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنك [وأمره] ﷺ بذلك مبالغة في إنكار البكاء عليهن ومنعهن منه ثم تأوّله بعضهم على أنه بكاء بنوح وصياح ولهذا تأكد النهي ولو كان مجرد دمع العين لم ينه عنه لأنه ﷺ فعله وأخبر أنه ليس بحرام وأنه رحمة وتأوله بعضهم على أنه كان بكاء من غير نياحة ولا صوت قال: ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهن على محرم [وإنما كان أي منهن مجرّد] (٢) والنهي عنه نهي تنزيه أو أدب لا للتحريم فلهذا أصررن

стр. 9714

عليه متأولات. قال الكرماني (١): ويحتمل أن الرجل لم يُسند النهي إلى رسول الله ﷺ فلهذا لم يُطعنه. اهـ، وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر إذا لم ينته عوقب وأدِّب إن أمكن ذلك وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت، قاله القرطبي (٢). قولها ﵂: "فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت بفاعل" الحديث، أي ألصق بالرغام وهو بفتح الراء وهو التراب وهو إشارة إلى [إذلاله] وإهانته (٣) دعت عليه عائشة لأنها فهمت أنه أحرج رسول الله ﷺ بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، ولذلك قالت له والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ به أي لا تقدر على فعله لتعذره عليك ولا تركت رسول الله ﷺ من العناء، ولم تُرِد الاعتراض على رسول الله ﷺ في أمره، قاله القرطبي (٤). قولها ﵂: "ما أنت بفاعل ولا تركت رسول الله ﷺ من العناء" العناء بفتح العين المهملة والمد المشقة والتعب بتردادك عليه وإغرائك إياه، قاله عياض (٥). قال النووي (٦): معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من

стр. 9715

الإنكار لنقصك وتقصيرك ولا تخبر النبي ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك وتستريح من العناء، وفي حديث عبد العزيز: ولا تركت رسول الله ﷺ من العي، والعيّ بكسر العين المهملة أي التعب وهو بمعنى العناء والله أعلم. ٥٣٦٠ - وَعَن حُذَيفَة ﵁ أَنه قَالَ إِذْ حضر إِذا أَنا مت فَلَا يُؤذن عَليّ أحد إِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن النعي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١) وَقَالَ حَدِيث حسن وَذكره رزين فَزَاد فِيهِ فَإِذا مت فصلوا عَليّ وسلوني إِلَى رَبِّي سلا وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (٢) إِلَّا أَنه قَالَ كَانَ حُذَيْفَة إِذا مَاتَ لَهُ الْمَيِّت قَالَ لَا تؤذنوا بِهِ أحدا إِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هَاتين ينْهَى عَن النعي. ٥٣٦١ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينْهَى عَن النعي وَقَالَ إيَّاكمْ والنعي فَإِنَّهُ من عمل الْجَاهِلِيَّة قَالَ عبد الله والنعي أَذَان بِالْمَيتِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ غَرِيب وَرَوَاهُ من طَرِيق أُخْرَى قَالَ نَحوه وَلم يرفعهُ وَلم يذكر فِيهِ والنعي أَذَان بِالْمَيتِ وَقَالَ وَهَذَا أصح (٣) وَقد كره بعض أهل الْعلم النعي والنعي عِنْدهم أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ

стр. 9716

ليشهدوا جنَازَته وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَا بَأْس أَن يعلم الرجل أهل قرَابَته وإخوانه انْتهى. قوله: "وعن حذيفة" هو ابن اليمان، تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "أنه قال: لما حضر إذا أنا متّ فلا تؤذنّ عليّ أحدا إني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله ﷺ نهى عن النعي" الحديث. وفي حديث ابن مسعود بعده أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن النعي وقال: إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية، الحديث. والنعي بإسكان العين مخففا وبكسرها وتشديد الياء (١) هو إشاعة الإخبار بموت الميت (٢). وقال [الهروي]: النعي بسكون العين الفعل والنعي بكسرها الرجل الميت، ويجوز أن يجمع على نعايا مثل صفي وصفايا (٣). فأما النعي المنهي عنه في قوله ﷺ : "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية" الحديث، وكان من عادتهم إذا مات فيهم شريف أو قتل بعثوا الركبان إلى أحياء العرب تنعاه إليهم، [يقال]: نعاء فلان أو يا نعاء العرب بكسر الهمزة فيهما والمد أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه وعلى ذلك يحمل حديث ابن مسعود إياكم والنعي فإن النعي

стр. 9717

من عمل الجاهلية (١). قوله: "قال عبد الله: والنعي أذان بالميت" أي إعلام بالميت، وقد [ذكر] بعض أهل العلم والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلانا قد مات ليشهدوا جنازته وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يُعلم الرجل أهل قرابته وإخوانه، اهـ، قاله الحافظ. قال العلماء: يجوز نعي الميت وهو الإعلام بموته للصلاة عليه لما يناله من دعائهم له واستغفارهم ورغبتهم إلى الله تعالى [فيهم] وسؤالهم ولما ينالون أيضا من ثواب الصلاة عليه [وعلى ذلك يحمل حديث ابن مسعود: "وإياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية" (٢)]. وأما إذا كان نعي الميت والإعلام بموته ليجتمع الناس عليه على معنى التعظيم له والمصيبة لفقده والتفاخر بما يجتمع له من الناس ويحضره من الأشراف فهذا لا يجوز وعلى هذا يخرج نهي النبي ﷺ عن النهي وهذا هو المقصود من قول حذيفة ﵁ (٣) إذا مت لا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن

стр. 9718

يكون نعيا، ذكره صاحب كتاب العاقبة. واعلم أن جماعة من السلف كرهوا الإعلام أيضًا وهو مردود عليهم وقد فعله أبو هريرة وغيره ولا شك أنه من التعاون على البر والتقوى وأما حديث حذيفة ومن وافقه فهو من باب ترك ما لا بأس به خوفا من الوقوع فيما به بأس والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (١). فائدة: قال الشيخ شهاب الدين بن العماد: واختلف أصحابنا في نعي الميت والإعلام بموته لأجل الصلاة عليه، فالذي حكاه البندنيجي والشيخ أبو إسحاق وغيرهما الكراهة، وقال في الروضة أنه لا بأس به، وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه: ثالثها يستحب ذلك في حق الغريب دون غيره، وذكر صاحب الحاوي [في ذلك وجهين لأصحابنا في استحباب الإنذار بالميت] (٢) وإشاعة موته بالنداء والإعلام فاستحب ذلك بعضهم للميت الغريب والقريب لما فيه من كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم: يستحب للغريب ولا يستحب لغيره كما تقدم عن الماوردي. قال النووي (٣): قلت: والصحيح استحبابه مطلقا إذا كان ذلك [بمجرد] إعلام لما روى الشيخان وغيرهما أن النبي ﷺ قال في الذي مات ليلا أفلا كنتم آذنتموني به؟ وعلى هذا يحمل نعيه ﷺ النجاشي للناس ونعيه جعفر بن أبي

стр. 9719

طالب وزيد بن حارثة كما تقدم وأما نعي الجاهلية فهو الذي نهى عنه ﷺ وهو الذي خاف منه حذيفة فإنهم كانوا يذكرون مآثر الميت ومفاخره. وقال أيضا: قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يستحب إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقاؤه للأحاديث الواردة في ذلك كما ذكره الحافظ في كلامه عن بعض العلماء والله أعلم. قوله في حديث حذيفة: "فزاد رزين فإذا متّ فصلّوا علي وسلوني إلى ربي سلًّا" تقدم الكلام في الصلاة على الميت. قوله: "وسلوني إلى ربي سلا" قال العلماء: ويسل الميت من قبل رأسه لأنه ﷺ سُلّ من قبل رأسه كما رواه الشافعي، وينزل على رأسه ويُدلى في اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه ويقول الذي يدخله القبر باسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ لأنه ﷺ كان يقوله عند دفنه الميت (١). رواه أبو داود (٢) [قال] (٣) في المختصر: ويقول مع ذلك اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأهل العفو أنت. أنت غني عن عذابه وهو فقير إلى

стр. 9720

رحمتك، اللهم اشكر حسنته واغفر سيئاته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. قال الماوردي لأنه مروي عن السلف وأليق بالحال، قاله في مختصر الكفاية (١) والله أعلم وتقدم شيء من ذلك. ٥٣٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن عمر ﵁ لما طعن عولت عَلَيْهِ حَفْصَة فَقَالَ لهَا عمر يَا حَفْصَة أما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الْمعول عَلَيْهِ يعذب قَالَت بلَى رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. (٢) قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم الكلام عليه. قوله: "أن عمر لما طُعن عوّلت عليه حفصة فقال لها عمر يا حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن المعول عليه يُعذّب؟ قالت: بلى" الحديث، أي الذي يُبكى عليه [قال محققو أهل اللغة: يقال عوّل عليه أعول، لغتان. وقال بعضهم لا يقال إلا أعول، وهذا الحديث يرد عليه (٣). وقال في النهاية: ["المعول عليه يعذب" أي الذي يبكى عليه (٤) من الموتى] (٥) [يقال: أعول

стр. 9721

يعول إعوالا إذا بكى رافعا صوته (١)، والمعول]. قال عياض (٢): [كذا] رويناه بالإسكان ورواه بعضهم المعول وهو المبكي عليه يقال أعولت المرأة تعول إذا بكت بصوت وفيه لغة عوّلت وعلى هذه يقال المعول عليه. وفي مسلم فعوّلت حفصة وعوّل صهيب، ولابن الحذاء: واعولت وأعول والاسم العول والمعول بكسر الميم وسكون العين المهملة الذي يحفر به والله أعلم. [قال محققو أهل اللغة يقال:] (٣)] (٤) أعول يعول إعوالا إذا بكى رافعا صوته، قيل أراد به [أن] يوصي بذلك، وقيل أراد الكافر وقيل أراد شخصا بعينه علم بالوحي حاله، ولهذا جاء به معرّفا، ويُروى بفتح العين وتشديد الواو من عول للمبالغة ومنه رجز عامر: وبالصياح عولوا علينا. أي أجلبوا واستغاثوا، والعويل صوت الصدر بالبكاء وقيل كل ما كان من هذا الباب فهو معول بـ[التخفيف فأما] (٥) التشديد فهو من الاستغاثة يقال عولت به وعليه استغثته (٦) اهـ.

стр. 9722

٥٣٦٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من ضرب الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" الحديث، فقوله: "ليس منا" صورته صورة التبرِّي ليكون أبلغ في الزجر والمراد والله أعلم أنه يحتمل ليس على سنتنا وطريقتنا المرضية لا أنه يكفر بذلك ويحتمل نفي الإسلام عن فاعل ذلك إذا فعله مستحلا له وكذا يجب تأويل نظائره كقوله ﷺ من غشنا فليس منا وأشباه ذلك (٢)، اهـ. قاله ابن العماد. قوله: "ضرب الخدود وشق الجيوب" ضرب الخدود هو اللطم وإنما خص الخدّ لأن في لطمها تعريضا لإذهاب السمع والبصر وقد ورد النهي عن ضرب الوجه لهذا المعنى ويلتحق بضرب الخدود الصدور والرأس ونحوه (٣)، قاله ابن العماد. وقوله: "وشق الجيوب" جمع جيب وهو طوق الإنسان الذي يخرج منه رأسه ونحوه من قولك: جبت الشيء إذا قطعته وجابوا الصخر قطعوه. قال الكرماني: فإن قلت اللطم والشق لا يخرج فاعلهما من هذه الأمة فما معنى

стр. 9723

النفي؟ قلت: هو التغليظ اللهم إلا أن يفسّر دعوى الجاهلية بما يوجب الكفر نحو تحليل الحرام وعدم التسليم لقضاء الله، فحينئذ يكون النفي حقيقة (١). وقوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" فهو ما كانت العرب تقوله عند موت الميت كقولهم واجبلاه واسنداه واسيداه واكهفاه ونحو ذلك (٢) فكل ذلك حرام باتفاق الأصحاب، والذي وقع في كلامهم فيه التعبير بالكراهة فمراده كراهة التحريم (٣). قال إمام الحرمين: والإفراط في رفع الصوت في معنى شق الجيب ما لم يكن مغلوبا على ذلك غير مختار (٤) اهـ. والمراد من الدعوى النداء والمعنى ونادى بمثل نداء الجاهلية وذلك أن الرجل منهم إذا غلب في الخصام ونيل منه نادى بأعلى صوته يا آل فلان مستصرخا قومه فأتاه الصريخ من هنا وهنا [فهو] (٥) مهرولين نحوه قائمين بنصره ظالما كان أو مظلوما فأعلمهم النبي ﷺ أن الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية أنه من أهل جهنم، كذا قاله شارح مشارق الأنوار (٦)، والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام، وتقدم الكلام على الفترة.

стр. 9724

ليس منا من حلق ولا خرق ولا صلق ٥٣٦٤ - وَعَن أبي بردة قَالَ وجع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فَأَقْبَلت تصيح برنة فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّن برئ مِنْهُ رَسُول الله ﷺ إِن رَسُول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. رواه البخاري وابن ماجه والنسائي إلا أنه قال: أبرأ إليكم كما برئ رسول الله ﷺ : ليس منا من حلق ولا خرق ولا صلق (١). [الصالقة]: التي ترفع صوتها بالندب والنياحة. [والحالقة]: التي تحلق رأسها عند المصيبة. [والشاقة]: التي تشق ثوبها. قوله: "وعن أبي [بردة] " أبو [بردة] اسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة وقال ابن عساكر: كان أبو بردة أحول، ولما ولي القضاء كان سعيد بن جبير كاتبه، ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان قال: دلوني على رجل جامع لخصال الخير، فدل على أبي بردة، فلما رآه رأى مخبره أفضل من منظره، فقال له: إني موليك على كذا وكذا. قال: أعفني. قال: لا أعفيك. فقال: حدثني أبي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولي عملا وهو يعلم أنه ليس بأهل له فليتبوأ مقعده من النار". ولست بأهل لهذا. فقال له يزيد: الان حرضتني على نفسك، خذ عهدك واخرج،

стр. 9725

فإني غير معفيك، فخرج وأقام مدة ثم قدم عليه، فقال: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله". وأنا أسألك بوجه الله أن تعفيني. فأعفاه ومات بالكوفة سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع ومئة روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعلى بن أبى طالب، روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، منهم الشعبي، وأبو إسحاق السبيعى، وعبد الملك بن عمير، وعمر بن عبد العزيز، واتفقوا على توثيقه وجلالته (١). قوله: "وجع أبو موسى الأشعري ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنّة فلم يستطع أن يرد عليها" الحديث، وجع هو بفتح الواو وكسر الجيم وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "ورأسه في حجر امرأة من أهله" الحجر هو بفتح الحاء وكسرها لغتان (٢). وقوله: "فأقبلت تصيح برنة" هو بفتح الراء وتشديد النون. قال صاحب المطالع: الرنة صوت مع البكاء فيه ترجيع كالقلقلة واللقلقة، يقال: أرنت فهي مُرِنة ولا [يقال] رنّت (٣)، وتقدم ذلك في أحاديث الباب. وقال ثابت في الحديث: لُعنة المرنة، ولعله من نقلة الحديث، هذا كلام صاحب المطالع (٤) اهـ.

стр. 9726

قوله: "فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ " كذا هو في هذا الحديث، ممن وروي مما برئ منه رسول الله ﷺ كذا هو في الأصول مما وهو صحيح أي من الشيء الذي برئ منه رسول الله ﷺ (١). قوله: "إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة" الحديث، والمراد بالتبري المبالغة في الزجر وليس المراد التبري من الدين والخروج منه كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٢) فإن الشرك كفر والمعاصي سواه ليست بكفر عند أهل السنة (٣). قال النووي (٤): ويجوز أن يرد به ظاهره وهو البراءة من فاعلة هذه الأمة ولا يقدر فيه حذف ومن قدر فيه حذفا قال أنا بريء من فعلهن أو ما يستوجبن من العقوبة وأصل البراءة الانفصال وهذا التقدير هو كلام القاضي عياض (٥) فالصالقة التي ترفع صوتها بالندب والنياحة اهـ، قاله الحافظ وقال بعض العلماء: الصالقة بالصاد والسين أصلها السالقة بالسين المهملة والسلق رفع الصوت بالعويل والندب عند المصيبة وقريبا منه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (٦) والصاد قد تبدل من السين وهما لغتان السلق

стр. 9727

والصلق، هذا هو المشهور عند أهل اللغة. وقال ابن الأعرابي (١) الصلق ضرب الوجه ويجوز أن يراد التي تلطم وجهها، وقيل: الصالقة هي الشديدة الصوت، وقيل: الصلق الولولة والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، اهـ، قاله الحافظ وفي معناه قطعه وحرقه، والشاقة التي تشق ثوبها، اهـ. قاله الحافظ. قال بعض العلماء: وفي معنى ذلك التي تصبغ ثيابها بما يفسد ماليتها من سواد ونحوه، ففي هذا الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال القبيحة الدالة على التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله تعالى، والمعنى في تحريم ذلك أنه يشبه التظلم ممن ظلمه والاستعانة من ذلك وذلك عدل من الله العزيز الحكيم، اهـ. قاله الشيخ تقي الدين الحصني (٢). ومتى حصل شيء من هذه الأشياء فإثمه على فاعله خاصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣)، وما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة: ولو جاز فرط الحزن لم يستفد به ... فما بالنا لا نستفيد ونأثم وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان التبري من أهل هذه البدع

стр. 9728

والمعاصي (١)، اهـ. ٥٣٦٥ - وَعَن أسيد بن أبي أسيد التَّابِعِيّ عَن امْرَأَة من المبايعات قَالَت كَانَ فِيمَا أَخذ علينا رَسُول الله ﷺ فِي الْمَعْرُوف الَّذِي أَخذ علينا أَن لَا نخمش وَجها وَلَا نَدْعُو ويلا وَلَا نشق جيبا وَلَا ننشر شعرًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). قوله: "وعن أسيد بن أبي أسيد التابعي" هو أبو سعيد أسيد بن أسيد البراد، أسيد وأبو أسيد: بفتح الهمزة، وكسر السين فيهما، واسم أبي أسيد يزيد، من أهل المدينة، روى عن عبد الله بن أبي قتادة، روى عنه ابن أبي ذئب، وسليمان بن بلال. وهو صالح الحديث (٣). قوله: "عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهو أخذ العهد، وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٤) أي لا يشققن جيوبهن ولا يخمشن

стр. 9729

وجوههن ولا ينشرن شعورهن ولا يدعون ويلا، قيل هو دعوى الجاهلية، قاله الكرماني (١)، فبعث الله تعالى محمد ﷺ بمحو آثار الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا الشعور ويشقوا الجيوب ويخربوا البيوت فزجرهم ﷺ عما كانوا يفعلون (٢)، اهـ. ٥٣٦٦ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ لعن الخامشة وَجههَا والشاقة جيبها والداعية بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه. (٣) قوله: "وعن أبي أمامة" واسمه صدي بن عجلان الباهلي تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور" الحديث، أجمعت الأمة على تحريم النياحة والدعاء بدعوى الجاهلية والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة (٤) وتقدم الكلام على خمش الوجه وشق الجيب وعلى اللعن والله أعلم.

стр. 9730

التَّرْهِيب من إحداد الْمَرْأَة على غير زَوجهَا فَوق ثَلَاث ٥٣٦٧ - عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة قَالَت دخلت على أم حَبِيبَة زوج النَّبِي ﷺ حِين توفّي أَبوهَا أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فدعَتْ بِطيب فِيهِ صفرَة خلوق أَو غَيره فدهنت مِنْهُ جَارِيَة ثمَّ مست بعارضيها ثمَّ قَالَت وَالله مَا لي بالطيب من حَاجَة غير أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول على الْمِنْبَر لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا قَالَت زَيْنَب ثمَّ دخلت على زَيْنَب بنت جحش ﵂ حِين توفّي أَخُوهَا فدعَتْ بِطيب فمست مِنْهُ ثمَّ قَالَت أما وَالله مَا لي بالطيب من حَاجَة غير أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول على الْمِنْبَر لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا. (١) قوله: عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت علي أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها" الحديث، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القريشى المخزومي، كان قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة بأم سلمة،

стр. 9731

وشهد بدرا وأحدا، وجرح بها، واندمل جرحه ثم انتقض جرحه فمات منه، هكذا ذكره ابن عبد البر، وهو والد عمر بن أبى سلمة (١). قولها: "دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ " وأم حبيبة هي أم المؤمنين واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب أخت معاوية ماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين (٢) والله أعلم. قوله: "فدعت" يعني أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره هو برفع خلوق وبرفع غيره أي فدعت بصفرة وهي خلوق أو غيره والخلوق بفتح الخاء المعجمة هو طيب مخلوط (٣). قوله: "ثم مست بعارضيها" العارضان هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما دون الأذن وإنما فعلت هذا لترفع صورة الإحداد، وفي هذا الذي فعلته أم حبيبة وزينب مع الحديث المذكور دلالة لجواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فما دونها (٤). قوله: "ثم قالت أم حبيبة والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" الحديث. قال أهل اللغة: الإحداد مشتق من الحد وهو المنع، فالمرأة تمنع نفسها [مما] كانت

стр. 9732

تتهيأ به لزوجها من تطييب وتزيين يقال أحدّت المرأة على زوجها وحدت إذا امتنعت من الزيثة والخضاب تحدّ إحدادا وحدّت تحد بضم الحاء وتُحد بكسرها حدا، كذا قال الجمهور أنه يقال أحدّت وحدّت (١). وقال الأصمعي: لا يقال إلا أحدت رباعيا ويقال امرأة حادّ ولا يقال حادة (٢)، وقيل للبواب حداد لمنعه الداخل والخارج إلا بإذن وسمي الحديد حديدا للامتناع به أو لامتناعه على من يحاوله (٣) وأما الإحداد في الشرع فهو ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والحلي كله والطيب ولبس المصبغات ما عدا الأسود والأزرق ونحوهما وهو واجب عليها في عدة الوفاة عند عامة [أهل العلم] فلا تلبس الحلي ولا تتطيب ولا تختضب ولا ترجل الشعر ولا تكتحل بالإثمد والصبر لقوله ﷺ في حديث أم عطية: لا تكتحل (٤) ففيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا (٥).

стр. 9733

وأم عطية الأنصارية اسمها نسيبة بضم النون وفتح السين [ومنهم] من قال نَسيبة بفتح النون وكسر السين والمختار الأول وهي بنت كعب وقيل بنت الحارث روي لها عن النبي ﷺ أربعون حديثا اتفق الشيخان منها على ستة وانفرد كل منهما بحديث (١). كانت من كبار نساء الصحابة وكانت تغزو كثيرا مع رسول الله ﷺ تُمرِّض المرضى وتداوي الجرحى وغسلت ابنة رسول الله ﷺ وحديثها أصل في غسل الميت وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت (٢). قال ابن الجوزي: ونسيبة أم عطية بنت كعب ونسيبة بنت رافع بن المعلى ونسيبة بنت نيار بن الحارث فهؤلاء الثلاثة بضم النون وفتح السين وأما نسيبة بنت ثابت بن عصمة ونسيبة بنت سماك بن النعمان ونسيبة بنت كعب أم عمارة الأنصارية فهؤلاء الثلاث بفتح النون وكسر السين وكلهن صحابيات (٣)، اهـ. وسيأتي الكلام على أم عطية [محرر هذا وذاك، ويكتب ما يحرر]. وجاء في حديث آخر في الموطأ (٤) وغيره من حديث أم سلمة اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل لها وإن احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه فإن

стр. 9734

فعلته مسحته بالنهار فحديث الإذن فيه لبيان أنه بالليل للحاجة غير حرام وحديث النهي محمول على عدم الحاجة (١). وقد اختلف العلماء ﵃ في [اكتحال] المعتدة فقال سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار ومالك في رواية عنه يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وعند الشافعي تكتحل ليلا إن احتاجت إليه وغسلت بالنهار وجوزه بعضهم عند الحاجة وإن كان فيه طيب (٢)، وللإحداد تفاصيل مشهورة في كتب الفقه فمن أرادها فليراجع مظانها والله أعلم. قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت" الحديث، ففيه دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها وهو مجمع عليه في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله فيجب على كل معتدة من وفاة سواء المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة والبكر والثيب والحرة والأمة والمسلمة والكافرة وهذا مذهب الشافعي وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية لا يجب الإحداد على الزوجة الكتابية بل يختص بالمسلمة لقوله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر فخص ذلك بالمؤمنة ودليل الجمهور أن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع ﷺ وينتفع به وينقاد له فلهذا قيّد به،

стр. 9735

وقال أبو حنيفة أيضا لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد ولا الأمة إذا توفي عنها سيدها ولا على الزوجة الرجعية، واختلفوا في المطلقة ثلاثا فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر لا إحداد عليها وقال الحكم وأبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد عليها الإحداد وهو قول ضعيف للشافعي وحكى القاضي قولا عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها وهو شاذ غريب، ودليل من قال لا إحداد في المطلقة ثلاثا (١). قوله ﷺ : "إلا على ميت" فخص الإحداد بالميت بعد تحريمه في غيره والله أعلم (٢). قوله ﷺ : "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" فالمراد به وعشرة أيام بلياليها هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى عن أبي كثير والأوزاعي أنها أربعة أشهر وعشر ليال وأنها تحل في اليوم العاشر، وعندنا وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر (٣). واعلم أن التقييد بأربعة أشهر وعشرا خرج على غالب المعتدات أنها تعتد بالأشهر [أما إذا] كانت حاملا فعدتها بالحمل ويلزمها الإحداد في جميع العدة سواء قصرت المدة أم

стр. 9736

طالت فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء لا يلزمها الإحداد أربعة أشهر وعشرا وإن لم تضع الحمل (١) والله أعلم. فائدة: قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق لأن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجرا عن النكاح لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه ناكحها ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي فإنه يُستغنى بوجوده عن زاجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها زوجها وإن لم يكن مدخولا بها بخلاف الطلاق فاستظهر للميت بوجوب العدة وإنما توقتت بأربعة أشهر [وعشرا] لأن الأربعة أشهر فيها ينفخ الروح في الولد [إن] كان لأن ظهور الولد يوجد إذن إذ أربعون يوما نطفة وأربعون علقة وأربعون مضغة وبعد ذلك ينفخ فيه الروح وزيادة العشر للاحتياط. قاله الكرماني (٢) وغيره والله أعلم، وفي هذه المدة يتحرك الولد في [الباطن] قالوا ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء ويجعل بالإقرار كالطلاق [لما] ذكرناه من الاختيار للميت ولما كانت الصغيرة من الزوجات نادرة ألحقت بالغالب في حكم وجوب العدة والإحداد (٣) [والله تعالى أعلم].

стр. 9737

تنبيه: أم عطية المذكورة في حديث الاكتحال اسمها نُسيبة مصغر النسبة البصرية الأنصارية الصحابية الجليلة ونسيبة بضم النون وفتح السين المهملة بعدها ياء ساكنة آخر الحروف ثم باء موحدة ثاني الحروف. وقيل: نُبيشة بنون وباء موحدة ثم مثناة تحت وشين معجمة. وقال ابن معين هو بفتح النون وكسر السين وكانت تغزو مع رسول الله ﷺ فتمرض المرضى وتداوي الجرحى (١). روي لها عن رسول الله ﷺ أربعون حديثا للبخاري منها سبعة (٢). واختلف في اسم أبيها فقيل الحارث وقيل كعب قاله الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وكانت من فاضلات الصحابيات وكانت غاسلة للميتات وقد غسّلت ابنة النبي ﷺ زينب، هكذا قاله الجمهور، توفيت في السنة الثامنة من الهجرة (٣) والله أعلم. قوله: "قالت زينب" يعني بنت أبي سفيان المذكورة في أول الباب "ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" الحديث فذكرت نحو ما ذكرته أم حبيبة [زوج النبي ﷺ ] زينب بنت جحش الأسدية زوج النبي ﷺ .

стр. 9738

قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١): قالت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لنا: أسرعكن بي لحوقا أطولكن [باعا]، فكنا إذا اجتمعنا نمد أيدينا في الجدار نتطاول حتى توفيت زينب وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة وكانت زينب امرأة صناعة كانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله (٢). قالت عائشة: لم تكن امرأة خيرا منها أصدق حديثا وأوصل للرحم وأكثر صدقة وكانت ﵂ تفتخر بأن الله زوجني من فوق عرشه، [حيث قال ]: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٣)، ماتت بالمدينة سنة عشرين وأجمع أهل السير على أنها أول نساء رسول الله ﷺ موتا بعده، وتقدم الكلام على مناقبها مبسوطا والله أعلم.

стр. 9739

[التَّرْهِيب من أكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق] ٥٣٦٨ - عَن أبي ذَر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ يَا أَبَا ذَر إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تؤمرن على اثْنَيْنِ وَلَا تلين مَال يَتِيم رَوَاهُ مُسلم (١) وَغَيره (٢). قوله: "عن أبي ذر" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ لأبي ذر: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم" تقدم هذا الحديث في كتاب القضاء، وتقدم الكلام عليه، وكذلك تقدم الكلام على حديث أبي هريرة الذي بعده والذي بعده أيضا وعلى حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مواضع من هذا التعليق. ٥٣٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا هن قَالَ الشّرك بِالله وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله

стр. 9740

إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ الْكَبَائِر سبع أولهنَّ الْإِشْرَاك بِالله وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم (١) وفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هِجْرَة الموبقات المهلكات. ٥٣٧٠ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا واكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَقد ترك عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢). [٥٣٧١] وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة الْإِشْرَاك بِالله وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل الله يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم

стр. 9741

فَذكر الحَدِيث وَهُوَ كتاب طَوِيل فِيهِ ذكر الزَّكَاة والديات وَغير ذَلِك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ٥٣٧٢ - وَعَن أبي بَرزَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة قوم من قُبُورهم تأجج أَفْوَاههم نَارا فَقيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ ألم تَرَ أَن الله يَقُول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، رَوَاهُ أبُو يعلى (٢) وَمن طَرِيقه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣) من طَرِيق زِيَاد بن الْمُنْذر أبي الْجَارُود عَن نَافِع بن الْحَارِث وهما واهيان متهمان عَن أبي بَرزَة. قوله: "وعن أبي برزة" واسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور فى اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: ثضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن

стр. 9742

نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقال: نيار شيطان. وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديما، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة. روى له عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على حديثين، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدى، والأزرق بن قيس، وغيرهم. نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان فى خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة ﵁ (١). قوله ﷺ : "يبعث الله يوم القيامة قوما من قبورهم تأجّج أفواههم نارا. فقيل من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (٢) الحديث، التأجج هو الاشتعال والالتهاب حتى يسمع للنار صوت.

стр. 9743

التَّرْغِيب فِي زِيَارَة الرِّجَال الْقُبُور والترهيب من زِيَارَة النِّسَاء واتباعهن الْجَنَائِز ٥٣٧٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ زار النَّبِي ﷺ قبر أمه فَبكى وأبكى من حوله فَقَالَ اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لهَا فَلم يُؤذن لي واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها فَأذن لي فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكر الْمَوْت رَوَاهُ مُسلم (١) وَغَيره (٢). قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله: "زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله" الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (٣) عن عمر بن الخطاب قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكيت فقال: ما يبكيكم؟ قلنا: بكينا لبكائك. قال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب استأذنت ربي

стр. 9744

في زيارتها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فأبى فأدركني ما يدرك الولد من الرقة، اهـ. هذا تعليم للأمة في قضاء حق الآباء والأمهات والأقارب أي لم أترك قضاء حقها مع أنها كانت كافرة فلا تتركوا الزيارة (١) اهـ. ويقال: كان قبر أمه ﷺ بالأبواء فمرّ به عام الحديبية والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد هو جبل بين مكة والحديبية عنده بلد [تنسب] إليه، وقد روي أنه ﷺ زار قبر أمه في ألف فارس مقنع (٢) أي [لابس] السلاح (٣) وأمّه ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وماتت أمّه آمنة وعمره ﷺ يومئذ أربع سنين وقيل ثمان سنين (٤) وقيل ست سنين (٥) وقيل سبع (٦) وقيل تسع وقيل خمس

стр. 9745

وقيل [اثنتي] عشرة [سنة] [وشهر وعشرة أيام] (١) وقيل عشرة، [هذا] (٢) جملة ما اختلفوا فيه (٣) وكفله بعد موت أبيه جده عبد المطلب [ثم توفي وهو ابن ثمان سنين] (٤) وحملت به أمه أيام التشريق في شعب أبي طالب ووُلد ﷺ في دار محمد بن يوسف أخي الحجاج وقيل [بل] في شعب بني هاشم وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول عام الفيل، وقيل لثمان خلون منه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وقيل لعشر خلون منه (٥). ومات أبوه عبد الله وله من العمر خمس وعشرون سنة وقيل ثلاثون ورسول الله ﷺ في بطن أمه وقيل أنه مات بالمدينة ولرسول الله ﷺ شهران وقيل سبعة أشهر وقيل غير ذلك (٦). وأقام في بني سعد خمس سنين، والمتفق عليه أن عبد الله لم يره وكفله بعد موت أبيه بخمسة أيام جده عبد المطلب فلما حضرته الوفاة أوصى به أبا طالب عمّه وعمره ﷺ يومئذ ثمان سنين وقيل أكثر وقيل أقل، فأحسن تربيته إلى أن ملك نفسه ﷺ وانفرد عنه وكان أبو طالب خرج إلى الشام تاجرا ورسول الله ﷺ معه فرآه بحيرا الراهب فعرفه بعلامة النبوة والصفة التي

стр. 9746

كانت عنده فقال لعمه أتحبّ هذا الغلام؟ قال: نعم. فقال: والله لئن [عاينوه] اليهود ليقتلونه فإنه عدوهم وأشار إلى عمه بردّه إلى مكة فردّه، وأقام بها إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة ثم خرج إلى الشام لتجارة خديجة بنت خويلد ثم عاد إلى مكة فتزوجها بعد ذلك بشهرين وتزوجها وله من العمر خمس وعشرون سنة [وشهرين] وعشرة أيام وهي يومئذ ابنة [ثمان] وعشرين سنة، فلما بلغ خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة ورضيت قريش بحكمه وكان ﷺ يدعى بينهم بالأمين فلما بلغ أربعين سنة بعثه الله تعالى لكافة الخلق أجمعين بالقرآن والرسالة، فدعا إلى الدين فأجابه [السباقون] مثل علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأبي بكر وعثمان وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام ثم خرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة فأقام بها شهرا [ثم رجع] إلى مكة في جوار المطعم بن عدي فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جنّ نصيبين فأسلموا فلما [أتى] له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به ﷺ وعاش ثلاثا وستين سنة ونحر في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة وأعتق ثلاثا وستين رقبة ﷺ (١) اهـ. قال النووي (٢): قوله: فبكى وأبكى من حوله، وبكاؤه ﵇ على قبر أمه إنما كان لما فاتها من إدراك أيامه ومن الإيمان به.
следующие страницы →