← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9777–9816 · переход к 9782.

стр. 9777

فِيهَا مَا تذكر قَالَ لَو بلغت مَعَهم الكدا فَذكر تشديدا فِي ذَلِك قَالَ فَسَأَلت ربيعَة بن سيف عَن الكدا فَقَالَ الْقُبُور فِيمَا أَحسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١) وَالنَّسَائِيّ (٢) بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره فَقَالَ لَو بلغتهَا مَعَهم مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِيك وَرَبِيعَة هَذَا من تَابِعِيّ أهل مصر فِيهِ مقَال لَا يقْدَح فِي حسن الإِسْنَاد. الكدا بِضَم الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْمَقَابِر. قوله: "وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ لفاطمة ﵂: "لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر" الحديث. قال الحافظ: الكدى بضم الكاف وبالدال المهملة مقصور هو المقابر. وقال في النهاية (٣): أراد المقابر وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع

стр. 9778

صلبة والكدى هي جمع كدية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة من الأرض لئلا تنهار. أقولها: "قالت معاذ الله" أي عياذة بالله أن يكون ذلك قولها وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر وهو [يدل] على عذر لجاهل [بهذا] وموآخذة [اللوم] (١) و [هذا] في جاهل قريب العهد أما من نشأ بين المسلمين ولم يسأل عن أمر دينه فغير معذور. قوله: "لعلك بلغتِ معهم الكُدى؟ " تعظيم لأمر اتباع المرأة الجنازة [وفعل] هذا حين كان [محرما] ولهذا لعن زوارات القبور ثم نسخ، ولا شك أن هذا يختلف باختلاف [أحوال] المرأة. وأما من حيث الفتنة فيحرم عليها ولذلك المتزوجة يحرم عليها الخروج بإذن زوجها إلا للتعزية القريبة التي لا تضر] (٢). [ويروى الكرى بالراء وهي المقابر أيضا جمع كرية أو كروة من كريت الأرض وكرؤخمها إذا حفرتها كالحفرة من حفرت [انتهى]، وكذا ذكره السهيلي الكرى بالراء في الروض الأنف (٣)] (٤). [قوله: "لو بلغت" يدل على جواز فرض المسائل وبيان ما عليها على

стр. 9779

الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم التحذير] (١). [قوله: "فذكر (٢) عن الأمور التي تتعلق بالأكابر على سبيل التعظيم وتصريحه في الرواية الأخرى دليل على جواز ذلك لمصلحة] (٣). قوله: "فلما حاذى رسول الله ﷺ بابه" المحاذاة المقابلة. قوله: "فماذا نحن بامرأة مقبلة، قال أظنه عرفها فلما ذهبت إذا فاطمة" [وتقدم الكلام عليها،] ففيه جواز تأمل المرأة ليعرف هل هي قريبته أم غيرها ومشي المرأة قريبا بحيث يعرفها الرجال والإنكار على المرأة خروجها من البيت لغير حاجة أو لجنازة ونحوها. قوله: "ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به"، فيه استحباب التعزية والدعاء للميت بالرحمة وهو معنى فرحمت إليهم ميتهم وهي مستحبة من أهل البيت قبل الدفن وبعده. [وقال أبو حنيفة: لا تستحب بعده. قال أصحابنا: وهي تمتد إلى ثلاثة أيام ثم تحرم لما فيها من إيلام القلب وتجديد الحزن بذكر الميت لأهله إلا أن يكون المعزى أو المعزى غائبا وتقدم الكلام على التعزية مبسوطا في بابه] (٤).

стр. 9780

قوله ﷺ في رواية النسائي: لو بلغتها معهم [] يعني القبور [] ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك، الحديث [يدل على جواز فرض المسائل وبيان ما عليها على الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم التحذير] (١). قال قتيبة: الكدى القبور ونراه أنه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك يحرم الجنة لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله الإسلام فلم ير الجنة أبدا، وأعظم نعمة الله تعالى على عبده الإسلام والإسلام منار كمنار الطريق فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء سنن الجاهلية التي [أطفأها] الله تعالى بسيف رسول الله ﷺ فقد كفر منة الإسلام والكفور ممقوت غير مأمون عليه السلب فغلظ رسول الله ﷺ الزجر لتموت تلك السنن كذا في نوادر الأصول (٢)، قاله في شرح مشارق الأنوار. وقال السهيلي (٣) في قوله: ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ولم يقل جدك يعني أباه فيه تقوية للحديث الضعيف إن الله تعالى أحيا أمّه وأباه وآمنا به، والله أعلم. ويحتمل أن يكون أراد تخويفها بقوله: حتى يدخلها جد أبيك فيتوهم أنه الجد الكفار ومن جدوده ﷺ إبراهيم وإسماعيل لأن قوله ﷺ حق وبلوغها معهم الكدى لا أيوجب، خلودا في النار فهذا من لطيف الكناية فافهمه، والله أعلم. ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (٤).

стр. 9781

وقال في شرح الإلمام في قوله: ما رأيت الجنة، محمول على عدم رؤيتها مع أول الرائين [فإنه] يرده حتى يراها جد أبيك لأنه لا يراها أبدا فإن عبد المطلب مات قبل البعثة فيحمل على المبالغة والتحذير وهذا بناء على صحة الحديث وربما تعلق بهذا من قال أن والديه أحياهما الله له حتى أسلما كما ورد في حديث ضعيف جدا لأنه لم يذكر أباه. وجوابه [إن صح هذا] مفهوم لقب وليس بحجة خلافا للدقاق وفي البخاري (١) أنه ﵇ دعا الذي سأله عن أبيه فأخبره أنه في النار، وقال له إن أبي وأباك في النار، ولهذا لم يُؤذن له في استغفاره لأمه وعلى هذا إنما ذكر الأب لشهرته وعظمته عندهم، اهـ. تنبيه: قول السهيلي: إن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به أنه حديث ضعيف ولقد استُفتي شيخ الإسلام العسقلاني الشهير بابن حجر عنه فقال: [أنه حديث مرفوع واللّه تعالى أعلم]. [قوله] سألت ربيعة بن سيف عن الكدى، قال الحافظ وربيعة هذا من تابعي أهل مصر وفيه مقال لا يقدح في حسن الإسلام، اهـ. وربيعة بن سيف المعافري الاسكندري روى عن عبد الله بن عمرو ولا يعرف [ربيع] سماعا من ابن عمرو [وقال] ابن عساكر قال ابن يونس توفي قريبا من سنة عشرين ومائة وليس له في أبي داود والنسائي سوى هذا الحديث وله في الترمذي حديث واحد وهو ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر وهو منقطع إنه حديث موضوع والله أعلم] (٢).

стр. 9782

٥٣٨١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: خرج رَسُول الله ﷺ فَإِذا نسْوَة جُلُوس قَالَ مَا يجلسكن قُلْنَ نَنْتَظِر الْجِنَازَة قَالَ هَل تغسلن قُلْنَ لَا قَالَ هَل تحملن قُلْنَ لَا قَالَ هَل تدلين فِيمَن يُدْلِي قُلْنَ لَا قَالَ فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى (٢) من حَدِيث أنس. قوله: "وروي عن علي" تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله في كتاب النكاح. قوله: "خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس قال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة" الحديث. قوله: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" أي غير آثمات وقياسه [موزورات] يقال: وزر فهو موزور وإنما قال: مأزورات للازدواج بمأجورات (٣).

стр. 9783

وعن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (١)، الحديث معناه نهانا رسول الله ﷺ عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم (٢) وهو معنى قولها ولم يعزم علينا فإن العزيمة دالة على التأكد (٣) فأما نهي العزم فهو الحرام ومنه قول أم عطية ولم يعزم علينا أي لم ينهنا نهي عزم بل نهي كراهة وفيه دليل على أن النهي يطلق على الحرام وعلى المكروه وهو كذلك عن الأصوليين وأصل النهي المنع، والمنع قد يكون منع تحريم وقد يكون [منع] كراهة. قال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث. (٤) قال القاضي (٥): قال جمهور العلماء يمنعن من اتباعها واختاره علماء المدينة. قال ابن [العطار]: فإن اقترن باتباعهن لها محرم أو جرًّا إلى مفسدة كان حراما شديد التحريم (٦) وأجازه مالك وكرهه للشابة (٧)، وقد رآى ابن مسعود مسعود نساء في جنازة فطردهن، وقال: والله لا أرجع إن لم ترجعن وحصبهن

стр. 9784

بالحجارة (١)، فعلى هذا فليس للنساء نصيب في حضور الجنائز (٢) والله أعلم. والمعتمد في المذهب كراهة اتباعهن الجنازة وأما قول الشيخ أبي نصر المقدسي لا يجوز للنساء اتباع الجنازة فمحمول على كراهة التنزيه فإن أراد التحريم فهو مردود مخالف لقول الأصحاب (٣) ثم قال وما ذكرناه من كراهة كراهة الاتباع هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء كافة حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق وأحمد وإسحاق وبه قال الثوري وغيرهم ولم يكرهه مالك إلا لشابة (٤) [كما تقدم]، [وتقدم الكلام على خروج النساء مع الجنازة في أوائل هذا الباب] (٥).

стр. 9785

التَّرْهِيب من الْمُرُور بقبور الظَّالِمين وديارهم ومصارعهم مَعَ الْغَفْلَة عَمَّا أَصَابَهُم وَبَعض مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وسؤال مُنكر وَنَكير ﵉ [٥٣٨٢] عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأصْحَابه يَعْنِي لما وصلوا الْحجر ديار ثَمُود لَا تدْخلُوا على هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِن لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تدْخلُوا عَلَيْهِم لَا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). [٥٣٨٣] وَفِي رِوَايَة قَالَ لما مر النَّبِي ﷺ بِالْحجرِ قَالَ لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم أَن يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ ثمَّ قنع رَأسه وأسرع السّير حَتَّى أجَاز الْوَادي (٢) قوله: "عن ابن عمر" المراد بابن عمر عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه في أولى هذا التعليق. قوله: "أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه" يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين" الحديث، الحجر بكسر الحاء اسم لأرض ثمود أي بلاد ثمود قوم صالح ﵇. قال أبو عمرو بن العلاء سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، [وكان] مساكن ثمود

стр. 9786

[الحجر بين] الحجاز والشام عند وادي القرى (١) وكانوا عربا وكان صالح ﷺ من أفضلهم نسبهم فبعثه الله تعالى إليهم رسولا وهو شاب فدعاهم حتى شمط ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ولما طال دعاؤه اقترحوا أن يخرج إليهم الناقة آية فكان من أمرها وأمرهم ما ذكر الله في كتابه العزيز (٢). قال: قالوا: وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وانتقل صالح ﵇ بعد هلاك قومه إلى الشام بمن أسلم معه فنزلوا رملة فلسطين ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها صالح ﵇ وهو ابن ثمان وخمسين سنة وكان أقام في قومه عشرين سنة (٣) والله أعلم. قوله ﷺ لأصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، الحديث. المعذبين بفتح الذال المعجمة يعني ديار هؤلاء وهم أصحاب الحجر قوم ثمود وأمثالهم (٤) المعذبون بعذاب الصيحة وهلاكهم بها دفعة واحدة (٥). قوله: "إلا أن تكونوا باكين" استثناء من عامة أحوال [المخاطبين] أي لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا في حال من الأحوال إلا في حال البكاء، خشي ﷺ على أصحابه ﵃ أن يجتازوا على تلك الديار غير

стр. 9787

متّعظين بما أصاب أهل تلك الديار وقد أمرهم الله تعالى بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن (١). قال أبو سليمان الخطابي ﵀ (٢): معنى الحديث أن الداخل في ديار قوم أهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيا إما شفقة عليهم وإما خوفا من حلول مثلها به فهو قاسي القلب قليل الخشوع غير مستشعر للخوف والوجل فلا يأمن إذا كان هذا حاله أن يصيبه ما أصابهم، اهـ. قال الكرماني (٣): وفي هذا الحديث دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكن بعدهم ولا تتّخذ وطنا لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيا أبدا، وقد نهي أن يدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وفيه المنع من المقام بها والاستيطان، اهـ. قال ابن بطال شارح البخاري رحمه الله تعالى (٤): هذا إنما هو من جهة التشاؤم بالبقعة التي نزل بها السخط، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٥) الآية، في مقام التوبيخ على السكون فيها، فيها، وقد تشاءم ﷺ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى

стр. 9788

فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى إلا أن إباحته ﷺ الدخول فيها على وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد صلاته لأن الصلاة موضع بكاء واعتبار، وزعم الظاهرية أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك فعليه سجود السهو إن كان ساهيا وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، اهـ. وقال النووي في شرح مسلم (١) في هذا الحديث: الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب ومثله الإسراع في وادي محسّر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بهم ومصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك. [قوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، نبّه ﷺ على أن الإنسان لا ينبغي له السكنى في أماكن الظلمة مخافة أن يصيبهم بلاء فيصاب به أو تسرق طباعه من طباعهم ولو كانت خالية منهم لأن آثارهم مُذكِّرة بأحوالهم وربما أورثت قسوة وجبروتا في قلوبهم] (٢). [فائدة: بعث الله صالح بن عبيد بن أسد بن أرم بن سام بن نوح إلى قومه وهم [ثمود] بن [عاثر] بن أرم، قال وهب بن منبه بعثه الله حين راهق الحلم وكان يمشي حافيا ولا يتخذ حذاء (٣). وقال ابن مسعود: بُعث وله أربعون سنة ولم يبدث نبي إلا بعد الأربعين، وكانت آيته ناقة خرجت من هضبة من

стр. 9789

الأرض يتبعها فصيل لها وكانت تنفجح لهم فيحلبون ريّهم وتشرب ذلك اليوم جميع مياههم وهم يشربون الماء في اليوم الثاني ولا تأتهم فلما طال عليهم أمرها ملّوها فاجتمع تسعة رهط من شرارهم على عقرها (١)] (٢). قوله ﷺ في الرواية الأخرى: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم" الحديث، كونهم ظلموا أنفسهم هو أنهم كذبوا نبيهم صالح بن عبيد ﵊، [وعقروا] ناقته. قوله في الرواية الأخرى: "لا يصيبكم" بالرفع لأنه استئناف كلام وقوله في الرواية الثانية: "أن يصيبكم ما أصابهم" هو بفتح الهمزة من أن أي خشية أن يصحيبكم أو حذر أن يصيبكم كما صرح بذلك في بعض الروايات، وكان هذا في غزوة تبوك، قاله النووي (٣). قوله: "ثم قنّع رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي" الحديث، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم. قال بعض العلماء: يحتمل أنه ﷺ أخذ قناعا على رأسه أي ستره بقناع شبه الطيلسان ويجوز أن يكون مبالغة من الإقناع أي أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا ولا شمالا لئلا يقع بصره عليها (٤)، والله أعلم.

стр. 9790

[٥٣٨٤] عَن عَائِشَة ﵂ أَن يَهُودِيَّة دخلت عَلَيْهَا فَذكرت عَذَاب الْقَبْر فَقَالَت لَهَا أَعَاذَك الله من عَذَاب الْقَبْر قَالَت عَائِشَة فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن عَذَاب الْقَبْر. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها. قوله: "إن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت أعاذك الله من عذاب القبر. قالت عائشة: فسألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال نعم، عذاب القبر حق" الحديث، قاله الكرماني (٣). قال النووي (٤): [مذهب] أهل السنة إثبات عذاب القبر لأن العقل لا والشرع ورد به فوجب قبوله ولا يمنع منه تفرق الأجزاء. فإن قلت: نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يُسأل ويقعد ويُضرب، فالجواب أنه غير ممتنع كالنائم فإنه يجد ألما ولذة ونحن لا نحسّه وكذا كان جبريل ﵊ يتكلم مع النبي ﷺ ولم يدركه الحاضرون. وأما الإقعاد فيحتمل أن يكون مختصا بالقبر ولا امتناع في أن يوسع له في قبره فيقعد ويضرب بالمطرقة، اهـ. وقد صحت الأخبار عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة [ولا] مطعن فيها ولا معارض لها. وجاء في الآثار أن الكافر

стр. 9791

يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب. قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في العاقبة (١): واعلم أن عذاب القبر ليس مختصا بالكافرين ولا موقوفًا على المنافقين بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله وما استوجب من خطئيته وزلله وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر في الكافر والمنافق وعذاب المؤمن لا يكون كعذاب الكافر والحمد للّه قد يكون عذاب المؤمن في ضمة القبر أو ضيقه أو صعوبة مثظره أو بما يصيبه من الروعات عند [مشاهدته] تلك الزلات. قوله: قالت يعني عائشة: "فما رأيتُ رسول اللّه ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" الحديث. [التعوذ طلب الدفع من الشيء مخافة الوقوع فيه]، وفي الصحيح أن رسول اللّه ﷺ كان يتعوذ باللّه من أربع وذكر منها: عذاب القبر. وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يدعو به، ومن المعلوم أنه ﷺ معصوم مما ذكر فيه من الفتنة وعذاب القبر ولكنه دعا به لأمرين: أحدهما إظهار العبودية والتذلل والإذعان لقضاء اللّه تعالى وقدره. والثاني: ليُشرِّع ﷺ ذلك لأمته حتى يقتدوا به فإنهم إذا علموا أن المعصوم ﷺ يدعو به فالمعرض له أولى بذلك (٢). وقد ورد في عذاب القبر أحاديث منها: الضرب إما بمطارق من حديد أو غيره لما روي عن أبي أمامة قال: أتى النبي ﷺ بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال: [أو دفنتم] هاهنا فلانًا وفلانة أو فلانًا وفلانا.

стр. 9792

قالوا نعم. فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب. ثم قال: والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير [نارا] (١)، ومنها تسليط العقارب والحيات عليه لقوله ﷺ في الحديث: والذي نفسي بيده ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا (٢)، وسيأتي الكلام على التنين [قريبا]، ومنها رض رأس الميت بحجر أو [بشق] شدقه ونحو ذلك. وقد ورد ذلك في حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ في ترك الصلاة مطولا (٣). ومنها: ضيق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة. ومنها ما خرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في الكافر: "يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه". وقد ورد ما يدلّ على أن التضييق عام للمؤمن والكافر وصرح بذلك طائفة من العُلماء منهم ابن بطة وغيره فروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجا منها سعد بن معاذ" وخرجه الإمام أحمد (٤).

стр. 9793

تتمة: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ والجواب: أنه نوعان نوع دائم بدليل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١)، وفي حديث البخاري (٢) عن جابر بن سمرة في رؤيا النبي ﷺ الرجل الذي يشدخ رأسه بحجر والذي يشد شدقه إلى قفاه، وفيه: فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة. وفي حديث العبَّاس (٣) في حديثي القبر: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا [فجعل] التخفيف [قيد المدة] رطوبتهما فقط. وفي الصحيح (٤) في قصة الذي لبس بُردين وجعل يمشي ويتبختر فخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة والنوع التاني إلى مدّة تنقطع وهو بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدّة ثم يزول عنه العذاب وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة واستغفار أو ثواب [حج أو عمرة] تصل إليه من بعض [أقاربه] أو غيرهم [وهذا] كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلصمن العذاب بشفاعته، وقد روى ابن أبي الدنيا (٥) عن محمد بن موسى الصائغ عن عبد اللّه بن نافع قال: مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتم لذلك ثم

стр. 9794

أنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة فقال: [لم أتكن قلت أنك] من أهل النار؟ قال: قد كان [كذلك] إلا أنه دفن عندنا رجل من الصالحين فشفع في أربعين من جيرانه فكنت منهم. قال ابن أبي الدنيا (١): وحدّثني أحمد بن يحيى قال: حدّثني بعض أصحابنا قال: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. وقال [عمرو] بن جرير: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتى بها ملك إلى قبره فقال: يا صاحب القبر الغريب هذه هدية من أخ عليك شفيق (٢). قال ابن أبي الدنيا: وحدثني عبد اللّه بن بجير قال حدّثني بعض أصحابنا قال: رأيتُ أخا لي في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء، قال: إي واللّه، انتهى (٣): ٥٣٨٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ إِن الْمَوْتَى ليعذبون فِي قُبُورهم حَتَّى إِن الْبَهَائِم لتسمع أَصْوَاتهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسنرواه الطبراني في الكبير (٤) بإسناد حسن. قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 9795

قوله ﷺ : "إن الموتى ليعذبون في قبورهم" الحديث. والعذاب هو العقوبة وإنما لم يسمعه من يعقل من الجن والإنس لقوله في الحديث الآخر: لولا أن تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم عذاب القبر، وسيأتي الحديث بعد [فكتمه] اللّه عنا حتى نتدافن بحكمته الإلهية ولطائفه الربانية لغلبة الخوف عند سماعه فلا يقدر على القرب من القبر [للدفن] أو يهلك الحي عند سماعه إذ لا يُطاق سماع شيء من عذاب اللّه في هذه الدار لضعف هذه القوى ألا ترى أنه إذا سمع الناس صوت صعقة الرعد القاصف أو [الزلازل] الهائلة هلك كثير من الناس وأين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كلّ من يليه، وقد قال ﷺ في الجنازة: لو سمعها إنسان لصعق. قلت: هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب ولا هوان فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال فنسأل اللّه تعالى معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه وكرمه. قاله القرطبي في التذكرة. (١) قوله ﷺ : حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم، الحديث. فائدة: قال بعض أهل العلم، ولهذا السبب [تذهب] الناس بدوابهم إذا مغِلتْ إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين. قالوا: فإذا سمعتُ الخيل عذاب القبر أحدّث ذلك فزعا وحرارة تذهب المغل (٢).

стр. 9796

وقد قال عبد الحق الإشبيلي (١): حدّثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف إشبيلية فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدّثون ودابة ترعى قريبا منهم فإذا بالدابة أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولّت فارة فعلت ذلك مرة بعد أخرى. قال أبو الحكم فذكرت عذاب القبر وقول النبي ﷺ : إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم، ثم ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه في كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي ﷺ : إنهم ليعذبون عذبا تسمعه البهائم، وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، اهـ. ذكره ابن قيم الجوزية في كتاب الروح. (٢) [٥٣٨٦] وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لَوْلا أَن لا تدافنوا لَدَعَوْت اللّه أَن يسمعكم عَذَاب الْقَبْر رَوَاهُ مسلم. (٣) قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : لولا أن [لا] تدافنوا لدعوت اللّه أن يُسمعكم عذاب القبر، الحديث فيه إطلاع اللّه تعالى لنبيه ﵊ على ما شاء من الغيب ومعنى الحديث أن لا يدفن بعضكم بعضا لما تشاهدونه من الهول العظيم وقيل لموتكم أجمعين من شدة سماع العذاب فلا تجدون من

стр. 9797

يدفنكم وقيل معناه أي لولا مخافة عدم دفنكم الموتى والمعنى السابق إلى الفهم من قوله ﷺ : لولا أن لا تدافنوا، [إلى آخره] هو أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا التدافن حذرا من عذاب القبر، وفي هذا المعنى نظر لأن المؤمن لا يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن اللّه تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وإنما المعنى في ذلك هو أن الناس لو سمعوا ذلك لأهم كلّ واحد خُوَيصة نفسه حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن أو أنهم لو سمعوا صياح المعذبين لكان فيهم من [تحمله] العصبية وخوف الفضيحة في ذويه وقرابته على أن ينبذهم بالعراء لئلا يخبر عن حالهم مخبر كذا في الميسّر في شرح مشارق الأنوار (١). [٥٣٨٧] وَعَن هانئ مولى عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ كَانَ عُثْمَان ﵁ إِذا وقف على قبر يبكي حَتَّى يبل لحيته فَقيل لَهُ تذكر الْجنَّة وَالنَّار فَلَا تبْكي وتذكر الْقَبْر فتبكي فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول الْقَبْر أول منزل من منَازِل الآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ فَمَا بعده أيسر وَإِن لم ينج مِنْهُ فَمَا بعده أَشد قَالَ وَسمعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول مَا رَأَيْت منْظرًا قطّ إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَزَاد رزين فِيهِ مِمَّا لم أره فِي شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ قَالَ هانئ وَسمعت عُثْمَان ينشد على قبر فَإِن تنج مِنْهَا تنج من ذِي عَظِيمَة وَإِلَا فَإِنِّي لَا أخالك.

стр. 9798

قوله: "وعن هانئ مولى عثمان بن عفان" المولى له معان متعددة لكن المراد به هاهنا العتيق ليناسب العبد. فإن قلت المولى جاء بمعنى المعتق والعتيق وابن العم والناصر والجار والحليف لا بمعنى السيد. قلت: جاء أيضًا بمعنى الولي والمتصرف في الْأَمر والموالي العبيد لأن الصحابة كانوا استرقوا طائفة من العجم فصاروا عبيدا، وتقدّم الكلام على مناقب عثمان بن عفان، وعفان يحتمل الصرف وعدمه، قاله الكرماني. (١) قوله ﷺ : ما رأيتُ منظرا قط إلا والقبر أفظع منه، [أفظع بمعنى أشنع،] والفظيع الشنيع الشديد المجاوز المقدار. قال الخطابي (٢) وهو يحتمل وجهين أن يكون بمعنى الفظيع كأنه قال لم أر منظرا [قط] (٣) فظيعا كاليوم قط، اهـ. والقبر واحد القبور في الكثرة وأقبر في القلة واختلفوا في أول من سنّ القبر فقيل الغراب لما قتل قابيل هابيل وقيل بنو إسرائيل وليس بشيء، وقيل: كان قابيل يعرف الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به فبعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليدفنه فقال عند ذلك: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ (٤)، الآية، وعلى هذا لم يكن ندمه ذاك توبة بل ندم على فقده لا

стр. 9799

على قتله فكان [دفن] قابيل لهابيل سنة باقية في بني آدم وفي التنزيل ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ (١) أي جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له ولم يجعله مما [يلقى علي] وجه الأرض تأكله الطير والوحش والسباع (٢)، وللّه در القائل: ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا (٣) وكان يزيد الرقاشي يقول: أيها المقبور في حفرته المختلى في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله المتباعد عن آماله وأمواله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أقوالك اغتبطت ثم يبكي، وكان إذا نظر إلى القبر بكى كما يخار الثور، اهـ (٤). قول عثمان ﵁ في البيت الذي ذكره: وإلا فإني لا إخالك ناجيا، ومعنى إخالك أظنك. قال الجوهري: إخالك بكسر الهمزة هو الأفصح وبنو أسد يقولون أخالك بالفتح وهو القياس (٥)، اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية (٦): يقال خلت إخال بالكسر والفتح والكسر أفصح وأكثر استعمالًا.

стр. 9800

[٥٣٨٨] وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن أحدكم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار فَيُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللّه يَوْم الْقِيَامَة رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وأبو داود (٥) دون قوله: قوله: فيقال إلى آخره. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي" الحديث [في التنزيل حق الكافرين ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٦) فأخبر اللّه تعالى أن الكافرين يعرضون على النار كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان للخبر الصحيح في ذلك] (٧) معناه إن كان من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة. قال القرطبي في

стр. 9801

شرحه هذا منه ﷺ إخبار عن غير الشهداء فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها وغير الشهداء إما مؤمن وإما غير مؤمن وهو الكافر، فهذا يرى مقعده من النار غدوا وعشيا، وهذا هو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١) الآية، وأما المؤمن المؤاخذ بالذنب فله مقعدان مقعد في النار زمن تعذيبه ومقعد في الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي إلا إذا قلنا أنه أراد بأهل الجنة كلّ من يدخلها كيف ما كان فلا يحتاج إلى ذلك التفسير وهذا الحديث وما في معناه يدلّ على أن الميت ليس بعدم وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح البدن ويجوز أن يكون هذا العرض [على الروح وحده وأن تكون] (٢) على الروح مع جزء من البدن والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلى الحي لا بالنسبة إلى الميت إذ لا يتصور في حقه شيء من ذلك (٣) واللّه أعلم، اهـ، قاله في الديباجة. وقال بعض العُلماء: هذا الحديث يدلّ على أن [الأرواح] ليست في الجنة وإنما تعرض عليها بكرة وعشيا [وكذا ذكر ابن عطية وغيره] (٤)، وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون العرض بكرة وعشيا

стр. 9802

على الروح المتصلة بالبدن، فالروح وحدها في الجنة فيكون [الإشارة] والتخويف للجسد في هاتين الوقتين باتصال الروح به، وأما الروح فيه أبدًا في تنعم أو عذاب، والوجه الثاني أن الذي يعرض بالغداة والعشي هو مسكن ابن آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الروح مستقرة فيه في مدّة البرزخ وإن كانت في الجنة أو النار، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب أن المؤمن إذا فتح له في قبره باب إلى الجنة وقيل له هذا منزلك فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي (١) وسيأتي الحديث قريبا بتمامه (٢). وأما السَّلام على أهل القبور فلا يدلّ على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن لها مع ذلك اتصال سريع بالجسد ولا يعلم كنه ذلك وكيفيته على الحقيقة إلا اللّه تعالى ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة أن النائم يعرج بروحه إلى العرش هذا مع أتعلقها، ببدنه وسرعة عودها إليه عند استيقاظه فأرواح الموتى المتجردة عن أبداخهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر في مثل تلك السرعة واللّه أعلم (٣)، اهـ.

стр. 9803

قوله: "فيقال هذا مقعدك" أي هذا مستقر وما تصير إليه يوم بعثك (١)، اهـ. تنبيه: هل العذاب على الروح أو على الجسد؟ فالجواب: أنه عليهما معا لكن حقيقته على الروح [ويألم] الجسد [مع] ذلك وينعم لكن لا يظهر أثر ذلك [إلا] لمن يشاء من أهل الدنيا ولهذا لو نبش على الميت لوُجد كهيئته يوم وضع [انتهي]. وإذا تقرر ذلك فمن قال إن التنعيم والعذاب يقع على الروح والبدن معا يقول إن الميت يعرف من يزوره ويسمع من [يقرأ] عنده إذ لا مانع من ذلك، ومن قال إن [التنعيم] والعذاب يقع على الروح فقط لا يمنع ذلك أيضًا إلا من [زعم] منهم أن الأرواح المعذبة مشغولة بما هي فيه والأرواح المنعمة مشغولة بما هي فيه، وقد ذهب إلى ذلك طوائف من الناس والمشهور [خلافه]، اهـ، قاله ابن حجر (٢). وهل كلّ مؤمن يعرض على الجنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان ومن أراد اللّه إنجاءه من النيران، وأما من أنفذ اللّه تعالى أعليه، وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فله مقعدان يراهما جميعا كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة كلّ من يدخلها كيف كان (٣) واللّه أعلم.

стр. 9804

قال أبو العباس القرطبي رحمه اللّه تعالى (١): ثم قيل هذ العرض إنما هو على الروح وحده ويجوز أن يكون مع جزء من البدن واللّه أعلم بحقيقة ذلك، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد فترد إليه الروح كما ترد عند المساءلة حين يقعده الملكان ويقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة. قلت: ظاهر الحديث هذا ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد أو إلى البعض الي يدرك منه حالة العرض. فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشي وليل أو نهار. قلت المراد وقت الغداة والعشي عند الأحياء ويحتمل أن يمثل له وقت الغداة والعشي في حال عرض المقعد عليه وقد ورد في سؤال الملكين أنه يمثل له وقت صلاة العصر ودنو الشمس للغروب وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند اللّه تعالى فإن قيل فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ويعذب ولا يظهر له أثر؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاما لا نحس نحن شيئا منها، وكذ يجد اليقظان لذة وألما لما يسمعه أو يتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه وكذا كان جبريل ﵊ يأتي النبي ﷺ فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون وكان هذا ظاهر جلي واللّه أعلم. وتقدم مثل هذا من كلام الكرماني، لكن هذا أوضح ففي هذا

стр. 9805

الحديث أن الميت يعرض عليه في قبره بالغداة والعشي مقعده من الجنة كما دل عليه الحديث وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ويوافق هذا في أحد الشقين قوله تعالى: ﴿[النَّارُ] يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١) الآية، ويُروى من حديث ليث عن أبي قيس عن [هذيل] عن عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال (٢): أرواح آل فرعون الذين يعرضون على النار غدوا وعشيا في أجواف طير سود فيعرضون على النار كلّ يوم مرتين فيقال لهم هذه داركم، فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ (٣) الآية، وعنه أيضًا أن أرواحهم في جوف طير سود تغدوا على جهنم وتروح كلّ يوم مرتين فذلك عرضها، [وسيأتي الكلام على الروح ومستقرها واختلاف العُلماء في ذلك قريبا إن شاء اللّه تعالي] (٤). قال ابن أبي الدنيا (٥): حدّثنا حمَّاد بن محمد الفزاري قال: بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان من الساحل فقال له: يا أبا عمرو إنا نرى طيرا أسود تخرج من البحر فإذا كان العشي عاد مثلها بيضا، قال:

стр. 9806

فطنتم لذلك؟ [قالوا]: نعم. قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار فلتفحها فيسود ريشها ثم تلقي ذلك الريش ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقالط: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١) اهـ. [٥٣٨٩] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ يُسَلط على الْكَافِر فِي قَبره تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا تنهشه وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة فَلَو أَن تنينا مِنْهَا نفخت. رواه أحمد (٢) وأبو يعلى (٣)، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه (٤)، كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم. يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا الخ قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة" الحديث، التنين الحية الكبيرة، وقيل التنين نوع من الحيات كثير

стр. 9807

السم وذكرها إما للتأكيد أو لبيان أنواع العذاب. قوله: "تنهشه" النهش واللدغ معناهما واحد في اللغة، وذكر كلا اللفظين هنا، إما للتأكيد، أو لبيان أنواع العذاب، لأنه ربما يكون النهش أشد ألما من اللدغ أو بالعكس (١). قوله: "وتلدغه" اللدغ بالدال المهملة هو ضرب أو عض ذات السم. قوله: "فلو أن تنينا منها سحب في الأرض ما أنبتت خضرا يصف شدّة سمه وحرارة فمه" يعني احترقت الأرض بوصول حرارة فمه إليها (٢) واللّه أعلم. فائدة: ما الحكمة في تخصيص العدد بتسعة وتسعين؟ قال العُلماء: يحتمل وجوها أحدها: أن يكون توقيفيا [موكولا إلى النبي بطريق الوحي] وليس مستقلا من اكتساب العقل كتخصيص عدفى ركعات الصلاة ومقادير الزكوات وغيرهما مما لا مجال للعقل في معرفة كميتها وانما هو لحكمة علمها النبي ﷺ بطريق الوحي. والثاني أن يقال: إن للّه تعالى تسعة وتسعين اسما كلّ اسم منها دال على صفة يجب [الإيمان] بها كالرحمن والرحيم وغيرهما، فلما أنكر [المعرض] ولم يؤمن [بها] لا جملة ولا تفصيلا وأعرض عنها في الدنيا سلط عليه في الآخرة عددها من الحيات. والثالث أن يكون مقابلا لما أعد اللّه تعالى لعباده في الآخرة من الرحمات وهي تسع وتسعون رحمة أعد اللّه للكافرين تسعة وتسعين تنينا (٣).

стр. 9808

[٥٣٩٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن فِي قَبره لفي رَوْضَة خضراء فيرحب لَهُ قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر أتدْرُونَ فِيمَا أنزلت هَذِه الآيَة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعيشَة الضنك قَالُوا اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ عَذَاب الْكَافِر فِي قَبره وَالَّذِي نَفسِي بِيَد إِنَّه يُسَلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا أَتَدْرُونَ مَا التنين سَبْعُونَ حَيَّة لكل حَيَّة سبع رُؤُوس يلسعونه ويخدشونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رواه أبو يعلى (٢) وابن حبان في صحيحه (٣) واللفظ له، كلاهما من طريق دراج عن ابن حجيرة عنه. قوله ﷺ : "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء فيرحب له قبره سبعون ذراعا" الحديث، أما نعيم القبر فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ

стр. 9809

الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (١)، [والروضة] معروفة ويرّحب له قبره أي يوسع والرحب هو المكان الواسع. قوله أتدرون ما المعيشة الضنك؟ الضنك الشقاء وإنما هو شدة الضيق والشدة وإن كان المعنى متقاربا شيئًا وقد جاء في حديث أنه عذاب القبر، هذا قاله عياض (٢)، وقد اختلف في وقت هذه المعيشة الضنك متى هي فقالت فرقة هي في الدنيا ومعنى ذلك عندهم أن الكافر وإن كان متسع الحال والمال فمعه الحرص والأمل والتعذيب بأمور الدنيا والرغبة وامتناع صفاء العيش لذلك ما يصير معيشته ضنكى (٣). وقالت فرقة المعيشة الضنك في البرزخ وهي أن يرى مقعده من النار غدوة وعشيا وما يكون من الأهوال في مدّة البرزخ وحمل هذه الفرقة على هذا التأويل أن الآية تقتضي أن المعيشة الضنك هي قبل يوم القيامة بقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٤)، وبقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٥)، وقالت فرقة: بل المعيشة الضنك في الآخرة، وهي عذابهم في جهنم وأكلهم الزقوم وما ذكره من الوعيد لهم (٦)، اهـ، قاله في الديباجة.

стр. 9810

سؤال: ما الحكمة في القبر؟ قال بعضهم ستر المؤمن وأحواله لأن سائر الأديان لا يدفنون موتاهم فيكون فيه كشف موتاهم وأيضًا يكون سجنا للكافر وحصنا للمؤمن. وقال القبر: روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، اهـ. قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (١). وتقدم الكلام على التنين وعلى تسعة وتسعين والحكمة في ذلك في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم. [٥٣٩٢] وَعَن عبد اللّه بن عمر ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ ذكر فتان الْقَبْر فَقَالَ عمر أترد علينا عقولنا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ نعم كهيئتك الْيَوْم فَقَالَ عمر بِفِيهِ الْحجر. رواه أحمد (٢) من طريق ابن لهيعة والطبراني (٣) بإسناد جيد. قوله: "وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي" تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قوله: "أن رسول اللّه ﷺ ذكر فتّان القبر فقال عمر أترد علينا عقولنا يا رسول اللّه؟ " فقال رسول اللّه ﷺ نعم كهيئتك اليوم. الحديث.

стр. 9811

[وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين وهما منكر ونكير، وعذاب القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة (١)]، جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال ملكين وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتيهما، وجاء في حديث أبي داود وغيره سؤال ملك واحد ولا تعارض في ذلك والحمد للّه بل كلّ ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حال واحدة وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والجواب (٢)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا بما فيه شفاء واللّه أعلم. قوله: "فقال عمر بفيه الحجر" معناه أن عمر لم يهب السؤال لما علم أن الشهيد لا يفتن والصديق أجل خطرًا وأحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء. [٥٣٩٢] وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قلت يَا رَسُول اللّه تبتلى هَذ الأمة فِي قبورها فَكيف بِي وَأَنا امْرَأَة ضَعِيفَة قَالَ يثبت اللّه الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة إِبْرَاهِيم رواه البزار (٣)، ورواته ثقات.

стр. 9812

قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵂. قولها: "قالت قلت يا رسول اللّه تبلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ " الحديث، الابتلاء هو الاختبار ويكون بالخير والشر والمراد [به] هاهنا هو الثاني وهو نظير الفتنة في قوله ﷺ : أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، الحديت، فالفتنة الابتلاء والامتحان. يقال فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بها، [وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين وهما منكر ونكير وعذاب القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق الحديث وتعذيبه إلى يوم القيامة (١)] (٢). فائدة: السؤل في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق؟ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد (٣): الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق فمن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القباء ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة؛ وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام واللّه أعلم. فيثبت اللّه الذين آمنوا ويرتاب المبطلون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمؤمن. قال اللّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

стр. 9813

الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (١)، وثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك ومن نبيك، وفي الصحيحين (٢) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم وذكر الحديث، زاد البخاري (٣): وأما الكافر والمنافق [فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري؛ الحديث. وسيأتي قريبا، هكذا ذكره البخاري. وأما المنافق] والكافر بالواو وورد كذلك عدة أحاديث. وقول أبي عمر بن عبد البر: إن الكافر الجاحد ليس ممن يسأل [عن ربه ودينه] (٤) فيقال له: ليس كذلك بل هو من جملة [المشركين] وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر اللّه تعالى في كتابه أنه يسأل الكفار يوم القيامة. قال اللّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ (٥)، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ (٦)، وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (٧)، فإذا سئلوا يوم

стр. 9814

القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم، اهـ. قال ابن عبد البر (١) في حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها: [ومنهم] من يروى تسأل وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك وهو أمر لا يقطع به. قوله ﷺ في حديث عائشة: قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢)، والقول الثابت هو كلمة التوحيد لأنها راسخة في قلب المؤمن، وتثبيتهم في الدنيا أنهم إذا فتنوا لم يزلوا عنها، وفي الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب واللّه أعلم. قاله الكرماني (٣). [٥٣٩٣] وَعَن أنس ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه وَإنَّهُ ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا آلاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا النَّبِيّ مُحَمَّد فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنه عبد اللّه وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار أبدلك اللّه بِهِ مقْعدا من الْجنَّة قَالَ النَّبِيّ ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيَقُول لا أَدْرِي كنت أقول مَا يَقُول النَّاس فِيهِ فَيُقَال لا دَريت وَلَا تليت ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن رواه

стр. 9815

البخاري (١) واللفظ له ومسلم (٢). قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا" الحديث القرع الصوت، والضمير في نعالهم لأصحاب الميت وقيل أن أهل القبور يؤذيهم صوت النعال. وفي حديث آخر: وإنه ليسمع خفق نعالهم وخفق النعل هو صوتها عند دوسها على الأرض، قاله الكرماني (٣) وغيره. فرع: ولا يكره المشي على المقابر بالنعلين على المشهور لقوله ﷺ : إنه ليسمع خفق نعالهم، وما ورد من الأَمر بإلقاء السبتين في أبي داود (٤) والنسائي (٥) بإسناد حسن [ويحتمل] أن يكون لأنهما من لباس المترفين أو أنه كان فيهما نجاسة والنعال الستبية بكسر السين المدبوغة بالقرظ، اهـ. قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج (٦)] (٧) [وكذا رواه] ابن ماجه (٨) وصححه

стр. 9816

وصححه ابن حبان (١) من حديث بشر بن الخصاصية في أثناء حديث قال فيه فإذا برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتين ألق سبتتيك فنظر فلما عرف رسول اللّه ﷺ خلع نعليه. وقال البيهقي لما أخرجه لا يعرف هذا الحديث إلا بهذا الإسناد. وروى الطبراني (٢) من حديث عصمة بن مالك قال نظر رسول اللّه ﷺ إلى رجل يمشي في نعليه بين المقابر فقال: يا صاحب السبتية اخلع نعليك، اهـ. مسألة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: كيف يمكن الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٣) وبين قوله ﷺ : "إن الميت إذا وضع في في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا"، [وإذا] تقرر ذلك فللعلماء في الجمع بين الحديث والآية مذاهب فمنهم من أول الآية وحمل الحديث على ظاهره وعمّمه في جميع الموتى ومن هؤلاء من خصه ببعض الموتى ومنهم من خصه ببعض أحوال الموتى ومنهم من أوّل الحديث وحمل الآية على ظاهرها وعمومها، والمسألة مشهورة جدًا وقد حررتها في شرح البخاري (٤)، واللّه أعلم، انتهى. قوله ﷺ : "أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا النبي
следующие страницы →