← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9847–9886 · переход к 9852.

стр. 9847

أنه جسم، وقد قال الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (١). قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقال تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)) (٢) يعني النفس عند خروجها من الجسد، وهذه [صفة الجسم ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليه انتهى. قوله ﷺ : "فتعاد روح في جسده" هذه] حياة أخرى غير الحياة المألوفة في دار الدنيا بل [هي حياة أخرى بل] تعاد الروح إلى الجسد إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا يُسأل ويمتحن في قبره فهذا حق وقد دل عليه النص الصريح وهو قوله: "فتعاد روحه إلى جسده" فهذا لا يدل على حياة مستقرة، وإنما تدل على إعادة لها إلى البدن وتعلق به والروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بَلِي وتمزق، وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام. أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه وتفارقه من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته [وتجردت عنه فإنها لم تفارقه] (٣) فراقًا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة. وقد ذكرنا من

стр. 9848

الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام المسلم على الميت وهذا الردّ إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا، قاله في كتاب الروح (١). وقال أبو عمر بن عبد البر (٢): أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المتقين على أفنية قبورهم. وقال ابن عبد البر في شرح حديث ابن عمر: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، الحديث. قال: وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذُهب إليه في ذلك والله أعلم. إن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق أفنية القبور. وقال مالك رحمه الله تعالى أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت. [قال:] وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور: سبعة أيام من دفن الميت لا [تفارق] ذلك، قاله صاحب كتاب الروح (٣). وقوله ﷺ في حديث البراء: هاه هاه لا أدري، الحديث]. [قال الحافظ:

стр. 9849

هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد. وقد يقال للتوجع وهو أليق بمعنى الحديث واللّه أعلم. اهـ. وقال بعض العلماء: هاه هاه، هذه كلمة تقال في الإيعاد وفي حكاية الضحك وقد يقال للتوجع فتكون الهاء في الأولى مبدلة من همزة آه وهو الأليق بمعنى هذا الحديث يقال: تأوّه وتهوّه آهة وهاهة، اهـ. قاله في النهاية. (١) وقال القرطبي (٢): هاه هاه هي حكاية صوت المبهور من تعب أو جري ثقيل، اهـ. وقال بعضهم: هاه هاه بسكون الهاء بعد الألف كلمة يقولها المتحير في الكلام من الخوف أو من عدم الفصاحة وليس لها معنى لكن إذا صدرت هذه الكلمة من شخص علم أنه لا يقدر على الجواب، اهـ. قوله: "ويضيق عليه في قبره حتى تختلف فيه أضلاعه" الحديث] (٣)، [أي يتجاوز أضلاعه من كل جنب إلى جنب الآخر وفي حديث آخر فيقال للأرض التئمي عليه أي اجتمعي فتلتئم أي فتجتمع عليه. وخرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في الكافر: يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه. وقد ورد ما يدل على أن التضييق عام للمؤمن والكافر، وصرّح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره.

стр. 9850

فروى شعبة سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي ﷺ قال: إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناج منها لنجا منها سعد بن معاذ. خرّجه الإمام أحمد (١). وفي الحديث فإنه لو نجا منه أحد نجا [منها] سعد بن معاذ [ولكنه] لم يزد على ضمه، خرجه الطبراني (٢). وفي حديث آخر عن أنس أن النبي ﷺ دفن صبيا أو صبية وقال: لو نجى أحد من ضمة القبر لنجا منه هذا الصبي. خرجه الخلال، والطبراني (٣)،

стр. 9851

وخرج ابن أبي الدنيا (١). عن عبيد الله بن محمد التيمي قال: سمعت أبا بكر التيمي شيخا من قريش كان يقال: أن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة إذا غاب عنها ولدها ثم قدم عليها فمن كان مطيعا ضمته برأفة ورفق ومن كان لله عاصيا ضمته بعنف سخطا منها عليه لربها وقد يرفع عذاب القبر أو بعضه في بعض الأشهر الشريفة، فروي بإسناد ضعيف عن أنس بن مالك أن عذاب القبر يرفع عن الموتى في شهر رمضان، وكذلك فتنة القبر عمن مات يوم الجمعة وليلة الجمعة، والله أعلم، قاله ابن رجب (٢) في كتابه في زيارة الموتى] (٣). [قوله في الحديث: "ثم يقيض له أعمى" ويقيض يقدر من القيض أصله وهو القشر الأعلى من البيض فقولك قيّض الله لي فلانا أي أباحه واستولى عليّ استيلاء القيض على البيض (٤) ويقيض بضم الياء الأولى وفتح الثاني أي يقدر

стр. 9852

ويوكل عليه الزبانية، لا عين له حتى يرى عجزه وجريان دمعه فيرحمه (١). قوله: "أبكم" وفي رواية أصم، لا يسمع عويله فيرق له. قوله: "معه مرزبة من حديد" المسموع في الحديث بتشديد الباء ولكن في (٢) اللغة بتخفيف الباء وهو الشيء الذي يكسر به المدر والإرزبة مثلها (٣) ولكن الباء من الإرزبة بتشديد الباء بخلاف المرزبة، وفي مواضع أخر قال يرويها المحدثون بتشديد الياء والصواب تخفيفه وتشديد الباء إذا أبدلت الميم بالهمزة (٤) والله أعلم. قوله: "لو ضرب بها جبلا لصار ترابا فيصير ترابا ثم يعاد فيه الروح " معناه أن العذاب لا ينقطع عنهم بإفنائهم مرة بل تعاد فيهم الروح مرة أخرى بعد إفنائهم (٥)، ا هـ. قوله: "فيضربه بها ضربة يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين" تقدم الكلام على الثقلين في مواضع. قوله: "فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده" الحديث، قد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق

стр. 9853

السبع الطباق وتسجد لله تعالى بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان، وكذلك روح النائم الميت تصعد بها الملائكة حتى تجاوز السبع السماوات وتقف بين يدي الله فتسجد له وتقضي فيها قضاءه ويريها الملك ما أعد الله لها في الجنة ثم تهبط فتشهد غسله وحمله ودفنه، وقد تقدم في حديث البراء هذا: اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض، فتعاد إلى القبر وذلك في مقدار تجهيزه وتكفينه، فقد صرح بذلك في حديث ابن عباس حيث قال: فيبسطون به على قدر فراغهم من غسله وإكفانه فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه. وقد ذكر أبو عبد الله بن مندة من حديث عيسى بن عبد الرحمن فذكره إلى أن قالى: حدثنا عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة عن عبيد الله عن أبيه قالى: أردت مالي بغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام فسمدت قراءة من القبر لم أسمع أحسن منها فجئت إلى رسولى الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: ذلك عبد الله، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم التي كانت به، ففي هذ الحديث بيان سرعة انتقال أرواحهم من العرش إلى الثرى ثم انتقالها من الثرى إلى مكانها والله أعلم، قاله في كتاب الروح (١).

стр. 9854

مسألة: هل تعاد الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا تعاد؟ فقد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة وأغنانا عن أقوال الناس حيث صرح بإعادة الروح إليه في حديث البراء المطول قال: فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه. وذهب إلى هذا القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف والله أعلم، قاله في كتاب الروح (١). قوله: "فيقول الله : اكتبوا كلتاب عبدي في عليين" الحديث. قال ابن عباس لكعب الأحبار: فقال يا كعب كل ما في القرآن قد عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني عنهم ما سجين وما عليون وما سدرة المنتهى وما قول الله لإدريس ورفعناه مكانا عليا. قال: أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين وأما سجين فالأرض السابعة السفلى وأرواح الكفار تحت خد إبليس فذكره (٢) هذا على قول من قال إن أرواح المؤمنين في عليين في السماء وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة، فهذا قول قد قاله جماعة من السلف والخلف ويدل عليه قوله ﷺ عند موته: اللهم الرفيق الأعلى (٣)، وتقدم حديث أبي هريرة أن الميت إذا خرجت روحه عرج بها إلى

стр. 9855

السماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة التي فيها الله (١). وتقدم قوله في حديث البراء وفيه ورواه أحمد وفيه أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع] (٢) من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، الحديث. وخرّج ابن أبي الدنيا من طريق يونس عن الحسن قال: إذا احتضر المؤمن حضره خمسمائة من الملائكة فيقبضون روحه فيعرجون به إلى سماء الدنيا فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضين فيريدون أن يستخبروه فتقول الملائكة ارفقوا به فإنه خرج من كرب عظيم، فيسأله الرجل عن أخيه وعن صاحبه فيقول هو كما عهدت حتى يستخبروه عن الرجل الذي قد مات قبله فيقول: ما أتى عليكم؟ فيقولون: أوَ قد مات؟ فيقول: إي والله. فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية (٣)، انتهى. وفي الحلية في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: إن لله تعالى في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين (٤) الحديث.

стр. 9856

قوله: "إلا قالوا ما هذا الروح الطيب" هذا في وصف المؤمن ذكر الروح مذكرا والروح يذكر ويؤنث وكذلك في قوله: "انطلقوا به" أي بالروح، قوله: "رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي" الحديث، أي فأخبرهم بأن حال طيب ليفرحوا (١)، اهـ. قوله: "فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الريح الخبيث؟ " الحديث، الملأ الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم (٢). قوله: "ثم قرأ رسول الله ﷺ : (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (٣) " الآية، سم الخياط بفتح السين وضمها وكسرها، الفتح أشهر وبه قرأ القراء السبعة وهو ثقب الإبرة، وكل ثقب ضيق فهو سم والجمع السموم ومسام الإنسان هي [ثقبه المتسعة]، [ومعناه لا يدخلون الجنة أبدًا كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا، ذكره النووي (٤) في شرح مسلم] (٥)، [والجمل] (٦) أراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوان المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع.

стр. 9857

قال الشاعر: لقد عَظُمَ البعيرُ بغيرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البعيرُ (١) وقُرئ الجمل وهو جمل السفينة، قرأه ابن عباس، حكاه الجوهري. قوله: فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، تقدم في حديث كعب ذكر سجين. قال القرطبي (٢): وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل في الأرض السابعة وقيل تحتها وقيل في سجين وهي صخرة سوداء على شفير جهنم أعاذنا الله منها بمنه وكرمه. قوله: "ثم تطرح روحه طرحما، ثم قرأ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (٣) " والسحيق البعيد من سحق بالضم إذا بعد ومنه قيل للثوب الخلق البالي السحق لأنه بعد عن الانتفاع. وقوله: "فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين " تقدم معنى الثقلين في الباب. قول الحافظ: حديث البراء حديث حسن وهو مشهور بالمنهال بن عمرو، عن زادان، عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهاني إلى آخر ترجمته. والمنهال هو ابن عمرو الأسدي الكوفي، روى عنه كبار التابعين، روى له الجماعة سوى مسلم، وحديث منهال رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ورواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث

стр. 9858

جميع أهل السنة، اهـ. وزادان من الثقات روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في صحيحه. [قوله: "المنهال بن عمرو تفرد بهذه الزيادة" وهي قوله: تعاد روحه في جسده، وضعفه، فالمنهال أحد الثقات العدول. قال ابن معين المنهال ثقة وأعظم ما قيل فيه أنه سمع من بيته صوت غناء وهذا لا يوجب القدح في روايته وإطراح حديثه. وقال بعضهم تركه شعبة عمدا بسبب أنه سمع من بيته طبنبورا فرجع ولم يسمع منه] (١). قال الحاكم: هذا الحديث فيه شواهد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة وقد تكلم ابن حزم في المنهال ولم يحتج بحديثه الطويل في عذاب القبر ولا يلتفت لكلام ابن حزم فيه بعد احتجاج الشيخين به، ولما رآى ابن حزم (٢) حديثه هذا رادا على معتقده في إنكار تعذيب الأجساد في قبورها طعن فيه وطعنه مردود والحديث صحيح دال على أن عذاب القبر يلحق الجسد على الكيفية التي علمها الله سبحانه، اهـ، قاله القرطبي في كتاب التذكار (٣). قوله في الترغيب في حديث عيسى بن المسيب: "ويضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها"، [وقوله: لم يقلّوها]، أي لم يرفعوها.

стр. 9859

[٥٣٩٧] وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا قبض أَتَتْهُ مَلَائِكَة الرَّحْمَة بحريرة بَيْضَاء فَيَقُولُونَ اخْرُجِي إِلَى روح الله فَتخرج كأطيب ريح الْمسك حَتَّى إِنَّه ليناوله بَعضهم بَعْضًا فيشمونه حَتَّى يَأتُوا بِهِ بَاب السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا هَذِه الرّيح الطّيبَة الَّتِي جَاءَت من الأَرْض وَلَا يأْتونَ دَمَاء إِلَّا قَالُوا مثل ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَلهم أَشد فَرحا بِهِ من أهل الْغَائِب بغائبهم فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُولُونَ دَعوه حَتَّى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غم الدُّنْيَا فَيَقُول قد مَاتَ أما أَتَاكُم فَيَقُولُونَ ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية وَأما الْكَافِر فيأتيه مَلَائِكَة الْعَذَاب بمسح فَيَقُولُونَ اخْرُجِي إِلَى غضب الله فَتخرج كأنتن ريح جيفة فَيذْهب بِهِ إِلَى بَاب الأَرْض رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١) وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد صَحِيح.

стр. 9860

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله في حديثه: "حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون ما فعل فلان؟ فيقولون دعوه حتى يستريح " الحديث، وذكر معاوية بن يحيى عن عبد الرحمن بن سلمة أن إبراهيم المسمعي حدثه أن أبا أيوب الأنصاري. (١) حدثه أن رسول الله ﷺ قال: إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل

стр. 9861

الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا، فيقولون: أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت فلانة؟ فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال: إنه قد مات قبلي، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية. قاله في كتاب الروح (١)، وفي الحلية (٢) في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: إن لله تعالى في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح يسألونه عن أرواح الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. [٥٣٩٨] وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ شَهِدنَا جَنَازَة مَعَ نَبِي الله ﷺ فَلَمَّا فرغ من دَفنهَا وَانْصَرف النَّاس قَالَ نَبِي الله ﷺ إِنَّه الْآن يسمع خَفق نعالكم أَتَاهُ مُنكر وَنَكِير أعينهما مثل قدور النّحاس وأنيابهما مثل صياصي الْبَقر وأصواتهما مثل الرَّعْد فيجلسانه فيسألانه مَا كانَ يعبد وَمن كانَ نبيه فَإِن كانَ مِمَّن يعبد الله قَالَ أعبد اللّه ونبيي رواه الطبراني في الأوسط (٣) وقال تفرد به ابن لهيعة. قال الحافظ ابن لهيعة حديثه حسن في المتابعات وأما ما انفرد به فقليل من يحتج به والله أعلم صياصي البقر قرونها.

стр. 9862

قوله: "وعنه ﵁" تقدم الكلام عليه. قوله: "شهدنا جنازة مع نبي الله ﷺ " شهدنا بمعنى حضرنا، وتقدم الكلام على الجنازة وعلى قوله: إنه الآن يسمع خفق نعالكم. قوله: "أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس" المنكر والنكير كلاهما ضد المعروف، سميا بذلك لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما. قوله: "وأنيابهما مثل صياصي البقر" أي [قرونها]. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: صياصي البقر قرونها، واحدها صيصة بالتخفيف. قوله: "جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه " أي جاءنا بالمعجزات الدالة على نبوته والهدى أي الدلالة الموصلة إلى البغية واتبعناه فيما جاء به إلينا اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. قوله: "ويسلط عليه عقارب وتنانين" جمع تنين. تتمة: قال سهيل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا لي: ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: أَلِمثلي يقال هذا وقد علَّمتُ الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا وقالا أكتبت عن حريز بن عثمان. قلت: نعم. فقالا: إنه كان يبغض عليا فأبغضه الله تعالى (١)، اهـ. قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على ذلك. [٥٣٩٩] وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا قبر الْمَيِّت أَو قَالَ أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر وَللْأَخر

стр. 9863

النكير فَيَقُولانِ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول مَا كَانَ يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُولَانِ قد كنَّا نعلم أنَك تَقول هَذَا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ ثمَّ يُقَال لَهُ نم فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم فَيَقُولَانِ نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لا يوقظه إِلَّا أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك وَإِن كَانَ منافقا قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فَقلت مثله لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك فَيُقَال للْأرْض التئمي عَلَيْهِ فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). الْعَرُوس يُطلق على الرجل وعَلى الْمَرْأَة مَا داما فِي أعراسهما. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "إذا قبر الميت أو قال أحدكم: أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير" الحديث، قال صاحب [الغريبين] (٣) يقال

стр. 9864

قبرته أي دفنته وأقبرته أي جعلت له قبرا، وقوله في الملكين أسودان قيل أراد به سواد منظرهما وأزرقان أراد به زرقة أعينهما لما في سواد اللون وزرقة العين من الهول والزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدو أنه أصفر اللون أزرق العين ويحتمل أن يكون المراد بالسواد قبح المنظر وفظاظة الصورة، يقال كلمت فلانا [فما رد] علي [سوداء] ولا بيضاء أي فما أجابني بكلمة قبيحة ولا حسنة وبالزرقة تقليب البصر وتحديد النظر، يقال زرقت عينه إذا انقلبت وظهر بياضها وهي كناية عن شدة الغضب فإن الغضبان ينظر إلى المغضوب عليه شزرا بحيث تنقلب عينه ويحتمل أن يراد بالزرقة العمى فإن العين إذا ذهب نورها تزرقت. قال الله تعالى: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) (١) أي عميا عيونهم لا نور لها، ويؤيد هذا قوله في الحديث: فيقيض له أعمى وإنما أتاه الملكان على هذه الصورة المذكورة ليكون خوفهما أشد على الكفار ليتحيروا في الجواب، والمؤمنون لا يخافون منهما بأن ينطق الله ألسنتهم بجوابهما مكافأة لخوفهم من الله سبحانه في الدنيا وهذه الصورة نعم المؤمن والكافر والصالح والطالح لقوله: إذا قُبر الميت (٢). قيل يسمى المنكر والنكير ملكي الكفار فأما ملكا المؤمنين فسميا بالمبشر والبشير (٣).

стр. 9865

قوله: [لهما] منكر ونكير كلاهما ضد المعروف [يقول] لمن يعرفه معروف ولمن لا يعرفه منكر ونكير سميا به لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورتهما ومثلهما (١). قوله: "فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا" الحديث، أي إما بإخبار الله تعالى إياهما ومشاهدة أثر السعادة عليه لجوابه المطابق لرضى الله تعالى. قوله: "ثم ينور له " أي يجعل له في قبره نور وضياء، فالقبر منزل من منازل الآخرة يعني للآخرة منازل أولها القبر ومنها عرصة القيامة ومنها الوقوف عند العرض ومنها الوقوف عند الميزان ومنها المرور على الصراط ومنها الجنة والنار. قوله: "فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " يعني بالرجل النبي ﷺ ، وإنما يقوله بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسئول لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة السائل ثم يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت (٢). وتقدم أيضا مثل هذا. قوله: "فيقولان له نم كنومة العروس " يطلق على الرجل وعلى المرأة ما داما في أعراسهما، قاله الحافظ: وإنما مثل استراحة الميت بنومة العروس لأنه أعز أحوال الإنسان وأرغده في الاستراحة، اهـ. فالعروس عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله [لميتُه] غداة ليلة وفاته وإنما ضرب المثل بنومة العروس لأن الإنسان أعز ما يكون في أهله وذويه وأرغد وأنعم ليلة الأعراس وفي

стр. 9866

أمثالهم كاد العروس أن يكون أميرا (١)، اهـ. قوله: "حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك "، المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام عليه في أذكار النوم. ٥٤٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره إِنَّه يسمع خَفق نعَالهمْ حِين يولوا مُدبرين فَإِن كَانَ مُؤمنا كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسه وَكَانَ الصّيام عَن يَمِينه وَكَانَت الزَّكَاة عَن شِمَاله وَكَانَ فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة وَالصَّلَاة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رجلَيْهِ فَيُؤتى من قبل رَأسه فَتَقول الصَّلَاة مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى عَن يَمِينه فَيَقُول الصّيام مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى عَن يسَاره فَتَقول الزَّكَاة مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى من قبل رجلَيْهِ فَيَقُول فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس مَا قبلي مدْخل فَيُقَال لَهُ اجْلِسْ فيجلس قد مثلت لَهُ الشَّمْس وَقد دنت للغروب فَيُقَال لَهُ أرأيتك هَذَا الَّذِي كَانَ قبلكُمْ مَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ فَيَقُول دَعونِي حَتَّى أُصَلِّي فَيَقُولُونَ إِنَّك ستفعل أخبرنَا عَمَّا نَسْأَلك عَنهُ أرأيتك هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ قبلكُمْ مَاذَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ قَالَ فَيَقُول مُحَمَّد أشهد أَنه رَسُول الله ﷺ وَأَنه جَاءَ بِالْحَقِّ من عِنْد اللّه فَيُقَال لَهُ على ذَلِك حييت وعَلى ذَلِك مت وعَلى ذَلِك تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَمَا أعد الله لَك فِيهَا فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك وَمَا أعد الله لَك

стр. 9867

فِيهَا لَو عصيته فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ فِيهِ ويعاد الْجَسَد كمَا بَدَأَ مِنْهُ فتجعل نسمته فِي النسيم الطّيب وَهِي طير تعلق فِي شجر الْجنَّة فَذَلِك قَوْله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (١) الآيَة وَإِن الْكَافِر إِذا أُتِي من قبل رَأسه لم يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي عَن يَمِينه فَلَا يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي عَن شِمَاله فَلَا يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي من قبل رجلَيْهِ فَلَا يُوجد شَيْء فَيُقَال لَهُ اجْلِسْ فيجلس مَرْعُوبًا خَائفًا فَيُقَال أرأيتك هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم مَاذَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ فَيَقُول أَي رجل وَلَا يَهْتَدِي لاسمه فَيُقَال لَهُ مُحَمَّد فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس قَالُوا قولا فَقلت كَمَا قَالَ النَّاس فَيُقَال لَهُ على ذَلِك حييت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك من النَّار وَمَا أعد الله لَك فِيهَا فَيَزْدَاد حسرة وثبورًا ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة وَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَمَا أعد الله لَك فِيهَا لَو أطعته فَيَزْدَاد حسرة وثبورا ثمَّ يضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه فَتلك الْمَعيشَة الضنكة الَّتِي قَالَ الله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) رواه الطبراني في الأوسط (٢)، وابن حبان في صحيحه (٣) واللفظ له وزاد الطبراني قال أبو عمر يعني الضرير.

стр. 9868

قلت لحماد بن سَلمَة: كَانَ هَذَا من أهل الْقبْلَة قَالَ نعم قَالَ أَبُو عمر كَانَ شهد بِهَذِهِ الشَّهَادَة على غير يَقِين يرجع إِلَى قلبه كَانَ يسمع النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فيقوله. ٥٤٠١ - وَفِي رِوَايَة للطبراني يُؤْتى الرجل فِي قَبره فَإِذا أُتِي من قبل رَأسه دَفعته تِلَاوَة الْقُرْاَن وَإِذا أُتِي من قبل يَدَيْهِ دَفعته الصَّدَقَة وَإِذا أُتِي من قبل رجلَيْهِ دَفعه مَشْيه إِلَى الْمَسَاجِد الحَدِيث. النَّسمَة بِفَتْح النُّون وَالسِّين هِيَ الرّوح. قَوْله تعلق بِضَم اللَّام أَي تَأْكُل. قَالَ الْحَافِظ: وَقد أملينا فِي التَّرْهِيب من إِصَابَة الْبَوْل الثَّوْب وَفِي النميمة جملَة من الْأَحَادِيث فِي أَن عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل والنميمة لم نعد من تِلْكَ الْأَحَادِيث هُنَا شَيْئا وَالْأَحَادِيث فِي عَذَاب الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه

стр. 9869

وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات عند رجله. قال: فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، وكذلك يقول الصيام وكذلك الزكاة وكذلك فعل الخيرات"، الحديث. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: هذا لمن أخلص في عمله لله وصدق الله في قوله وفعله وأحسن نيته له في سره وجهره فهو الذي تكون أعماله حجة له ودافعة عنه فلا تعارض بين هذا الحديث وبين ما تقدم من الأحاديث فإن الناس مختلفوا الحال في خلوص الأعمال، اهـ. قاله في التذكرة (١). قوله: "فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنَت للغروب" وفيه: "فيقول دعوني حتى أصلي" الحديث، ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر فلا تعارض والحمد لله قاله في التذكرة (٢). أيضا قوله ﷺ : "ويعاد الجسد لما بدئ منه فتجعل نسمته في النسم الطيب " الحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: النسمة الروح وهي بفتح النون والسين، اهـ. ويدل على ذلك قوله ﷺ في الحديث نفسه حتى يرجعه الله إلى جسده ثم يبعثه، [انتهى]. وقال أبو عمر بن عبدالبر (٣): فالنسمة [هنا] الروح. وقال: وقيل النسمة الروح والنفس والبدن وأصل هذه اللفظة أعني النسمة الإنسان بعينه وإنما قيل للروح نسمة والله أعلم لأن حياة الإنسان بروحه فإذا فارقته عُدِم أو صار [كالمعدوم]،

стр. 9870

والدليل على أن النسمة الإنسان قوله ﷺ : "من أعتق نسمة مؤمنة" (١)، وقوله علي ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (٢). وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، وقال: النسمة نفس الروح والنسيم هبوب الريح (٣)، اهـ. وقال في شرح مشارق الأنوار (٤): النسمة هي النفس أخذت من النسيم وهي الريح اللينة الطيبة إذ حياة النفوس بالأنفاس وقد نسمت الريح نسما ونسيما، اهـ. قوله في النسيم والنسم بفتح النون والسين واحدته نسمة وهي نفس الإنسان والمراد أرواح بني آدم، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وقيل في الأرض السابعة وقيل تحتها وأرواح المؤمنين منعمة في الجنة. قاله في التنقيح (٥). قوله: "وهي طير يعلق في شجر الجنة" ولم يقل في جوف طائر، قال أبو عمر بن عبد البر (٦) يحتمل أن تكون الروح في صور طير وهذا اختيار أبي محمد بن حزم [وأبي عمر بن عبد البر، وأما ابن حزم] فإنه قال: معنى قوله

стр. 9871

- ﷺ نسمة المؤمن طائر يعلق، الحديث هو على ظاهره لا على ظن أهل الجهل وإنما أخبر ﷺ أن نسمة المؤمن طائر يعلق بمعنى أنها تطير في الجنة لا أنها [تمسخ] في صور الطير وهذا الذي قاله في غاية الفساد لفظا ومعنى فإن حديث نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة غير حديث أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، والذي ذكره يحتمل في الحديث الأول وأما الحديث الثاني فلا يحتمله بوجه من الوجوه فإنه ﷺ أخبر أن أرواحهم في حواصل طير خضر وأن تلك تسرح في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش هي لها كالأوكار للطائر (١)، اهـ. [وهذا] في الشهداء وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت وعلم من هذا أن الأمر يختلف بحسب حال الأرواح في القوة والضعف والكبر والصغر فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن هو دونها (٢) والله أعلم. قوله: "يعلق في شجر الجنة" بضم اللام أي يأكل. قاله الحافظ، وقال في كتاب الروح (٣) يعلق يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي. يقول: يأكل من ثمار الجنة ويسرح بين أشجارها والعلوقة [والمعلاق] والعلوق الرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم علوقا أي طعاما، ومنه قول عائشة ﵁: والنساء إذ ذاك خفاف لم يغشهن

стр. 9872

اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، وأصل اللفظة من التعلق وهو ما يعلق القلب والنفس من الغداء. قال: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث أيضا، فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذ لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم. قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد واحتجوا أيضًا بما روي عن أبي هريرة (١) أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين، وعن عبد الله بن عمر [مثل] ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر (٢) وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله وهو قوله ﷺ : "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي"، الحديث. قلت: لا تعارض بين قوله ﷺ : نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، وبين قوله ﷺ : [إن أحدكم إذا مات] عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وهذا الخطاب يتناول [الميت على فراشه والشهيد كما أن قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة يتناول] (٣) الشهيد وغيره ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ترد روحه أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أُعدّ له فإنما يدخله يوم القيامة ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم

стр. 9873

ليست هي تلك القنادي التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك، اهـ قاله في كتاب الروح (١). وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم لأن القرآن والسنة مما يدلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) (٢) الآية، وأما الآثار فقوله ﷺ : "جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها"، [وروى الطبراني (٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (٤). عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: أرواح المؤمنين في جوف طير خضر كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة والزرزور بضم الزاي طائر من نوع العصفور وسمي بذلك لزرزرته أي تصويته. وقال

стр. 9874

المنذري] (١) وتأوي إلى قناديل من ذهب مكللة في ظل العرش، وغير ذلك من الأحاديث الواردة بمثل ذلك. قال أبو عمر (٢) وهذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وفي بعضها في صور طير وفي بعضها في أجواف طير وفي بعضها كطير. قال: والذي عندي والله أعلم أن يكون القول قول من قال كطير وصور طير لمطابقته لحديثنا المذكور وهو حديث كعب بن مالك وأنه قال فيه: نسمة المؤمن طائر ولم يقل في [أجواف] طائر لكن الذي في صحيح مسلم (٣) أجواف طير خضر. قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل كأنه ﷺ قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة (٤). اهـ. وأما قول من قال إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم فتخصيص ليس في اللفظ ما يدل عليه وهو حمل اللفظ [العام] على أقل مسمياته فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليل جدا، والنبي ﷺ علق الخبر بوصف الإيمان [فهو المقتضي] له ولم يُعلقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختص بالشهيد علق بوصف الشهادة (٥). قلت: وهذا أصل لمسألة عظيمة مهمة وهي [أين] (٦) مستقر الأرواح ما

стр. 9875

بين الموت إلى القيامة؟ هل هي في السماء أم في الأرض، وهل هي في الجنة والنار أو لا؟ وهي مما اختلف فيه الناس قديما، فقال قائلون أرواح المؤمنين في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وهذا مذهب أبي هريرة وعبد الله بن عمر (١) واحتجوا بحديث كعب بن مالك وبقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (٢) فإن هذا ذكره الله تعالى عقب ذكر خروجها من البدن بالموت، وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام: مقربين في الجنة منعمين، وأصحاب يمين، وحكم له بالسلامة من العذاب، ومكذبة ضالة فلهم نزل من حميم وتصلية جحيم. واحتجو أيضا بقوله تعالى: (يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)) (٣) الآية. وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين: أن هذا يُقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك ولا ينافي ذلك قول من قال أن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث. المذهب الثاني قول مجاهد: ليس هي في الجنة ولكنهم في فنائها يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها (٤) فيدل له ما رواه أحمد (٥) عن ابن عباس أن

стр. 9876

النبي ﷺ قال: الشهداء على بارق نهر على باب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم من الجنة رزقهم بكرة وعشيا وهذا لا ينافي كونهم في الجنة ورزقهم يجري عليهم فهم في الجنة ولكن لم [يصلوا] مقاعدهم منها. المذهب الثالث أنهم في أفنية القبور (١). قال مالك: بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت وإلى هذا ذهب جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر مستدلا بقوله ﷺ : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وأشباهه مثل أحاديث السلام على أهل القبور (٢). والجواب أن للروح شأنا آخر تكون في أعلا عليين ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم على الميت رد السلام وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط كثير من الناس في هذ الموضع حيث يعتقد أن الروح من [جنس] ما يعهد من الأجسام الذي إذا شغلت مكانا لا يمكن أن تكون في غيره وهذا غلط محض بل الروح تكون في السماوات السبع وتعلم بالمسلم على القبور وترد ﵇، فروح النبي ﷺ في الأفق لأعلى ويردها الله إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه، وقد رأى رسول الل ﷺ موسى قائما يصلي في قبره وراءه في السماء السادسة، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر وإما أن يكون المتصل منهما بالقبر [بمنزلة] شعاع الشمس

стр. 9877

وجرمها في السماء [السابعة] (١) وكذلك روح المؤمن الميت تصعد إلى السموات السبع وتقف بين يدي الله تعالى ويقضي فيها قضاءه ويريها الملك ما أعد الله لها في الجنة ثم تهبط فتشهد غسله وحمله ودفنه ولهذا قال مالك وغيره: إن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت، وأما السلام على أهل القبور وخطابهم فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة وأنها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم [صلى الله عليه وعلى أبيه وبقية إخوانه الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وسلم] الذي روحه في أعلا عليين مع الرفيق الأعلى عند قبره وترد السلام (٢)، قاله في الديباجة. (٣) تنبيه: وإنما تدخل أرواح الشهداء والمؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب بها العقوبة أو حقوق الآدميين حتى يبرأ منها ففي الحديث عن سمرة بن جندب (٤) قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فقال:

стр. 9878

ها هنا أحد من بني فلان فلانا فلم يجبه أحد ثم أجابه رجل فقال: إن فلانا الذي توفي [احتبس] عن الجنة من أجل الدين الذي عليه فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله. وروى الطبراني (١) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: أرواح المؤمنين في جوف طيور خضر كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة. الزرزور بضم الزاي طائر من نوع العصفور سمي بذلك لزرزرته أي تصويته. وقال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود وهذا الحديث صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة ومنه حديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة، اهـ. قول الحافظ: وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ : ما من مسلم يموت يوم

стр. 9879

الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر، (١) اهـ. قال العلماء هذا من الأحاديث التي عدّها بعض العلماء أنه ينجي من عذاب القبر، وخرّجه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن المنكدر عن جابر (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء، غريب من حديث جابر ومحمد، تفرد به عمر بن موسى الوجيه وهو مدني فيه ابن عن محمد بن جابر. قال الإمام القرطبي (٣): اعلم أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب بل يخصصها ويبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال هذا ما [تقتضيه] ظواهر الأخبار في هذا الباب وهو مما ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد صلى الله عليه وعلى آله إلى يوم التناد. وقد روى ابن ماجه (٤) عن جابر عن النبي ﷺ قال: إذا دخل الميت في قبره مثلت له

стр. 9880

الشمس عند غروبها فيجلس يسمح عينيه ويقول: دعوني أصلي، ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر فلا تعارض والحمد لله، وتقدم ذلك أيضا في حديث أبي هريرة المطول الذي فيه ذكر النسمة. فوائد يختم بها الباب: الفائدة الأولى: الأجساد إذا بليت وفنيت وأراد الله تعالى إعادتها كما هي كانت أولا هل تعاد بالأجساد الأول أم يخلق الله تعالى أجسادا غيرها. الجواب: أن الذي يعيده الله تعالى الأجساد الأول لا غيرها، وهذا هو الصحيح بل الصواب ومن قال غيره فقد أخطأ فيه لمخالفته ظاهر القرآن والحديث، اهـ. قاله شيخ الإسلام ابن حجر (١). الفائدة الثانية: إذا نقل الميت من مكان إلى مكان هل تنقل روحه إلى القبر الثاني أم لا؟ الجواب: أن الروح هان لم تكن داخلة في جسد الميت لكن لها به اتصال فأي موضع نقل ذلك الاتصال تستمر وتقدم شيء في معنى ذلك، [قاله] ابن حجر أيضا. الفائدة الثالثة: هل إذا دفنت رقبة الميت في مكان والجثة في مكان أين تكون الروح من المكانين. الجواب: كذلك كما في الفائدة التي قبله والله أعلم.

стр. 9881

[٥٤٠٢] وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمرو ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَّا وَقَاه الله فتْنه الْقَبْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل (١).

стр. 9882

[التَّرْهِيب من الْجُلُوس على الْقَبْر وَكسر عظم الْميِّت] [٥٤٠٣] عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير من أَن يجلس على قبر رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١). قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" الحديث. قال النووي في شرح مسلم (٢): في هذا الحديث حجة لمن رآى تحريم القعود على القبر والمراد بالقعود الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء وقد صرح بعض الشافعية بكراهة ذلك ومما يوضحه قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور" فلذلك قال أصحابنا: تجصيص القبور مكروه والقعود عليها حرام. قال النووي في شرح المهذب (٣): المشهور من مذهبنا أنه لا يكره المشي بين المقابر بالنعلين ونحوهما وممن صرح بذلك الخطابي والعبدري [وآخرون، ونقله العبدري] (٤) عن أكثر

стр. 9883

العلماء، وقال أحمد: يكره، واحتج أصحابنا بحديث أنس وفيه: قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم وحجتهم لباسه ﷺ النعال السبتية وفيه الإسوة الحسنة ولو كان لباسها بين المقابر لا يجوز لبيّن ذلك لأمته، وأجابوا عن حديث [ابن الخصاصية] (١) وفيه فرآى رجلا يمشي بين المقابر في نعليه فقال يا صاحب السبتتين ألقهما، بوجهين: أحدهما وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما لمعنى فيهما لأن النعال السبتية لباس [لأهل] الرفاهية والتنعيم فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء، والثاني لعله كان فيهما نجاسة وبهذا يجمع بين الحديثين. وفي الحديث وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودلائله من الكتاب والسنة مشهورة، والنعال السبتية هي المدبوغة بالقرظ قال أبو عبيدة ذكرت السبتية لأن أكثرهم في الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعة منهم، وقال آخرون لا بأس بذلك، وحكي عن مالك في الموطأ أنه حمل الحديث على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة من البول والغائط وهذا تأويل ضعيف، وظاهر هذا الحديث يأبى ذلك لاسيما [وقد] حمل كثير من الصحابة الحديث على الجلوس لغير ما ذكره مالك منهم أبو هريرة وابن مسعود وابن عمر وحجة مالك أن عليا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها وإذا جاز ذلك جاز المشي والقعود وبه قال زيد بن ثابت والعلة في ذلك أن الموتى يجب الاستحياء منهم كما يجب من الأحياء وذلك والله أعلم أن

стр. 9884

الأرواح بأفنية القبور ولهذا أمرنا بالسلام عليهم. قال القرطبي في شرح الموطأ وقد قيل أن النهي عن القعود عليها أن يضرب عليها خباء أو فسطاطا وقيل مباح القعود [عليها] (١) مطلقا، اهـ. وقيل: أراد للإحداد [للنساء] والحزن وهو ملازمتهن [والمبيت] والمقيل على القبور، [وقيل] (٢) بل هو على ظاهره [لما فيه من التهاون بالميت والموت، وقيل:] [أراد به] (٣) احترام الميت وتهويل الأمر في القعود عليه تهاونا بالميت، قاله في النهاية (٤)، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الحديث الآخر لا تجلسوا على القبور. وقال أصحابنا يعني الشافعية: تجصيص القبر مكروه، والتجصيص التبييض بالجص وهو النورة ومن جهة المعنى أن ذلك زينة وهي لا تناسب حال الميت بخلاف التطيين فإنه لا بأس به. وقال الإمام الغزالي أنه كالتجصيص وفيه بعد والله أعلم. قاله الكمال الدميري في شرحه (٥). والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه كالجلوس كما نقله النووى في زوائد الروضة عن الأصحاب، وكذا الاتكاء عليه، وجزم في أواخر كتاب الجنائز من شرح مسلم بتحريم جميع ذلك (٦). وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه

стр. 9885

وإن كان في مقبرة مسبّلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب. قال الشافعي في الأم (١) ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما ينبى ويؤيد الهدم قوله في الحديث: ولا قبرا مشرفا إلا سويته. وقوله: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس وتقدم الكلام في زيارة القبور أبسط من هذا على ذلك. [٥٤٠٤] وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن أَمْشِي على جَمْرَة أَو سيف أَو أخصف نَعْلي برجلي أحب إِلَيّ من أَن أَمْشِى على قبر. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (٢). [٥٤٠٥] وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ لِأَن أَطَأ على جَمْرَة أحب إِلَيّ من أَن أَطَأ على قبر مُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (٣).

стр. 9886

[٥٤٠٦] وَعَن عمَارَة بن حزم ﵁ قَالَ رَآنِي رَسُول الله ﷺ جَالِسا على قبر فَقَالَ يَا صَاحب الْقَبْر انْزِلْ من على الْقَبْر لَا تؤذي صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك، رواه الطبراني في الكبير (١) من رواية ابن لهيعة. قوله: "وعن عمارة" عمارة بن حزم الأنصاري بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم من بني النجار، أخو عمرو بن حزم، وأمه خالدة بنت أنس بن سنان بن وهب بن لوذان. كان من السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة في قول الجميع، وآخى رسول الله ﷺ بينه، وبين محرز بن نضلة. شهد بدرا ولم يشهدها أخوه عمرو، وشهد عمارة أيضا أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وقتل يوم اليمامة شهيدا (٢). قوله: "رآني رسول الله ﷺ جالسا على قبر فقال: يا صاحب القبر انزل من على القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك" الحديث. قال العلماء: ينبغي أن يعامل الميت بالاحترام والإكرام بعد موته كما كان يعامل بذلك في حال حياته. قال: وينبغي لزائره إذا أتى لزيارته أن يأتي من قبل وجهه فيجعل القبلة
следующие страницы →