← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9882–9921 · переход к 9887.

стр. 9882

[التَّرْهِيب من الْجُلُوس على الْقَبْر وَكسر عظم الْميِّت] [٥٤٠٣] عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير من أَن يجلس على قبر رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١). قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" الحديث. قال النووي في شرح مسلم (٢): في هذا الحديث حجة لمن رآى تحريم القعود على القبر والمراد بالقعود الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء وقد صرح بعض الشافعية بكراهة ذلك ومما يوضحه قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور" فلذلك قال أصحابنا: تجصيص القبور مكروه والقعود عليها حرام. قال النووي في شرح المهذب (٣): المشهور من مذهبنا أنه لا يكره المشي بين المقابر بالنعلين ونحوهما وممن صرح بذلك الخطابي والعبدري [وآخرون، ونقله العبدري] (٤) عن أكثر

стр. 9883

العلماء، وقال أحمد: يكره، واحتج أصحابنا بحديث أنس وفيه: قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم وحجتهم لباسه ﷺ النعال السبتية وفيه الإسوة الحسنة ولو كان لباسها بين المقابر لا يجوز لبيّن ذلك لأمته، وأجابوا عن حديث [ابن الخصاصية] (١) وفيه فرآى رجلا يمشي بين المقابر في نعليه فقال يا صاحب السبتتين ألقهما، بوجهين: أحدهما وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما لمعنى فيهما لأن النعال السبتية لباس [لأهل] الرفاهية والتنعيم فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء، والثاني لعله كان فيهما نجاسة وبهذا يجمع بين الحديثين. وفي الحديث وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودلائله من الكتاب والسنة مشهورة، والنعال السبتية هي المدبوغة بالقرظ قال أبو عبيدة ذكرت السبتية لأن أكثرهم في الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعة منهم، وقال آخرون لا بأس بذلك، وحكي عن مالك في الموطأ أنه حمل الحديث على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة من البول والغائط وهذا تأويل ضعيف، وظاهر هذا الحديث يأبى ذلك لاسيما [وقد] حمل كثير من الصحابة الحديث على الجلوس لغير ما ذكره مالك منهم أبو هريرة وابن مسعود وابن عمر وحجة مالك أن عليا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها وإذا جاز ذلك جاز المشي والقعود وبه قال زيد بن ثابت والعلة في ذلك أن الموتى يجب الاستحياء منهم كما يجب من الأحياء وذلك والله أعلم أن

стр. 9884

الأرواح بأفنية القبور ولهذا أمرنا بالسلام عليهم. قال القرطبي في شرح الموطأ وقد قيل أن النهي عن القعود عليها أن يضرب عليها خباء أو فسطاطا وقيل مباح القعود [عليها] (١) مطلقا، اهـ. وقيل: أراد للإحداد [للنساء] والحزن وهو ملازمتهن [والمبيت] والمقيل على القبور، [وقيل] (٢) بل هو على ظاهره [لما فيه من التهاون بالميت والموت، وقيل:] [أراد به] (٣) احترام الميت وتهويل الأمر في القعود عليه تهاونا بالميت، قاله في النهاية (٤)، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الحديث الآخر لا تجلسوا على القبور. وقال أصحابنا يعني الشافعية: تجصيص القبر مكروه، والتجصيص التبييض بالجص وهو النورة ومن جهة المعنى أن ذلك زينة وهي لا تناسب حال الميت بخلاف التطيين فإنه لا بأس به. وقال الإمام الغزالي أنه كالتجصيص وفيه بعد والله أعلم. قاله الكمال الدميري في شرحه (٥). والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه كالجلوس كما نقله النووى في زوائد الروضة عن الأصحاب، وكذا الاتكاء عليه، وجزم في أواخر كتاب الجنائز من شرح مسلم بتحريم جميع ذلك (٦). وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه

стр. 9885

وإن كان في مقبرة مسبّلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب. قال الشافعي في الأم (١) ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما ينبى ويؤيد الهدم قوله في الحديث: ولا قبرا مشرفا إلا سويته. وقوله: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس وتقدم الكلام في زيارة القبور أبسط من هذا على ذلك. [٥٤٠٤] وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن أَمْشِي على جَمْرَة أَو سيف أَو أخصف نَعْلي برجلي أحب إِلَيّ من أَن أَمْشِى على قبر. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (٢). [٥٤٠٥] وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ لِأَن أَطَأ على جَمْرَة أحب إِلَيّ من أَن أَطَأ على قبر مُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (٣).

стр. 9886

[٥٤٠٦] وَعَن عمَارَة بن حزم ﵁ قَالَ رَآنِي رَسُول الله ﷺ جَالِسا على قبر فَقَالَ يَا صَاحب الْقَبْر انْزِلْ من على الْقَبْر لَا تؤذي صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك، رواه الطبراني في الكبير (١) من رواية ابن لهيعة. قوله: "وعن عمارة" عمارة بن حزم الأنصاري بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم من بني النجار، أخو عمرو بن حزم، وأمه خالدة بنت أنس بن سنان بن وهب بن لوذان. كان من السبعين الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة في قول الجميع، وآخى رسول الله ﷺ بينه، وبين محرز بن نضلة. شهد بدرا ولم يشهدها أخوه عمرو، وشهد عمارة أيضا أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وقتل يوم اليمامة شهيدا (٢). قوله: "رآني رسول الله ﷺ جالسا على قبر فقال: يا صاحب القبر انزل من على القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك" الحديث. قال العلماء: ينبغي أن يعامل الميت بالاحترام والإكرام بعد موته كما كان يعامل بذلك في حال حياته. قال: وينبغي لزائره إذا أتى لزيارته أن يأتي من قبل وجهه فيجعل القبلة

стр. 9887

وراء ظهره وحاصل ذلك معاملته بما كان يعامل به حيا (١). وقد روي أن عائشة ﵁ لما دفن عندها عمر بن الخطاب كانت تتخمر أي تتغطى بالخمار وكانت بعد موت رسول الله ﷺ وموت أبيها لا تفعل ذلك فقيل لها في ذلك فقالت: وَإِنِّي لأَسْتَحْيِيهِ وَالتُّرْبُ بَيْنَنَا ... كمَا كُنْتُ أَسْتَحْيِيهِ وَهُوَ يَرَانِي ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام. [٥٤٠٧] وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ كسر عظم الْمَيِّت ككسره حَيا، رواه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) وابن حبان في صحيحه (٤).

стр. 9888

قوله: "وعن عائشة ﵂" تقدم الكلام على مناقبها، قوله ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حيا" الحديث، روى البيهقي عن الشافعي ﵁ أنه قال يعني في الإثم (١)، ففي هذا الحديث أن من كسر عظم ميت عوقب عليه لكن قال العلماء لا قصاص عليه ولا دية ولكن يعزر لإتيانه

стр. 9889

المعصية، [فكأنه يشير إلى أن كسر العظم غالبا إنما يكون من نبش القبور، وقد لعن رسول الله ﷺ النباش،] ووقع في الإلمام عزو هذا الحديث إلى مسلم وهو سبق قلم وغلط ابن حزم فقال في محلاه: هذا الحديث لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد وهو ضعيف جدا لا يحتج به بلا خلاف، واختلف أهل الحديث في أن هذا من فتيا عائشة موقوفا عليها أم هو مرفوع إلى النبي ﷺ وادعى بعض العلماء أن رفعه ثابت وسكوت الحافظ عن رفعه فيه دلالة ظاهرة على أنه رواه مرفوعا والله تعالى أعلم، قاله ابن عقيل أيضا، وفي الحديث من الفقه احترام الميت وتحريم نبشه لما فيه من هتك حرمته ويجوز [للعذر كما إذا] دفن بغير غسل أوإلى غير القبلة أو وقع في القبر شيء [له قيمة] خلافا لأبي حنيفة ولا ينبش لأجل الصلاة بل يصلى على قبره خلافا لأحمد (١) وفيه تحريم كسر عظمه وكذا قطع شيء من جسده وعلى الحفار إذا وجد عظم الميت في الحفر أن ينتقل عنه ومن احترامه أن لا يجلس على قبره ولا يطؤه، اهـ قاله في شرح الإلمام. * * *

стр. 9890

كتاب البعث وأهوال يوم القيامة فصل في النفخ في الصور وقيام الساعة ٥٤٠٨ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵁ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا الصُّور قَالَ قرن ينْفخ فِيهِ. رواه أبو داود (١) والترمذي وحسنه (٢) وابن حبان في صحيحه (٣). قوله: "عن عبد الله بن عمرو بن العاصي " تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور قال قرن ينفخ فيه "، الصور هو

стр. 9891

القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ عند بعث الموتى إلى المحشر. وقال بعضهم إن الصور جمع صورة يريد صورة الموتى ينفخ فيها الأرواح، والصحيح الأول إلا أن الأخبار تعاضدت عليه تارة بالصور وتارة بالقرن، قاله في النهاية (١)، وفي حديث أبي هريرة (٢) أنه قال: يا رسول الله وما الصور؟ قال: القرن. قلت: وكيف هو. قال: هو عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دائرة فيه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وهو حديث

стр. 9892

طويل رواه الطبراني. قال الإمام القرطبي (١): وقد اختلف في عدد النفخات فقيل ثلاث نفخة الفزع لقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (٢) الآية، ونفخة الصعق ونفخة البعث لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (٣)، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وقيل هما نفختان ونفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لهما أي فزعوا فزعا ماتوا فيه، وحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث وهو الصحيح. قال عبد الله بن عمرو: ينفخ في الصور من باب إيلياء الشرقي، والنفخة الثانية من الباب الآخر. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (٤) قال: يؤمر إسرافيل أن ينفخ في الصور من صخرة بيت المقدس فإذا نفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى وهو الناقور الذي قال الله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)) (٥) لم يبق على الأرض حي إلا مات ثم تبقى الخلق في تلك الرقدة أربعين كما ورد في الحديث مبهما في قوله: أبيت، وورد في غير مسلم مفسرًا

стр. 9893

بأربعين سنة ثم يأمر الله تعالى إسرافيل ﵇ بعد تمام هذه الأربعين فينفخ النفخة الثانية، قال الله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (١) فالنفخة للإماتة والثانية للإحياء. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي بها كل ميت فالنفخة الأولى للفناء وهي نفخة الصعق ويكون معها نقر لقوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)) (٢) أي في الصور، فإذا نفخ فيه للإصعاق [حيِيَ] بين النقر والنفخ لتكون الصيحة [أهدَّ] وأعظم فلا يسمعها أحد إلا أصغى وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه إبله قال فيصعق ويصعق الناس ثم يمكث الناس أربعين عاما ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرًا من السماء مثل الطل كمني الرجل فتنبت الأجساد في القبور كما ينبت البقل، الطل الذي ينزل من السماء في الصحو والطل أيضا أضعف المطر، قاله في النهاية (٣). وقد أخبر الله تعالى أن إنشاء الأجساد مثل إخراج النبات من الأرض، قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٤)، أي كما ينبت نبات الأرض الماء كذلك تنبت الأجساد بهذا

стр. 9894

الماء فإذا تهيأت الأجساد وكملت نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر لأن المراد إرسال الأرواح من [نقب] الصور إلى أجسادها لا تنفيرها من أجسادها فالنفخة الأولى للنفير وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فمات منه ونظير الصيحة الشديدة الذي يصيحها الرجل بصبي فيفزع منه فيموت، فإذا نفخ إسرافيل ﵇ خرجت الأرواح من المحال كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى كل ذلك في لحظة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١) ولقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢)، يروى عن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى أجسادها فتدخل في الخياشم حتى تمشي مشي السم في اللديغ والمنادي ينادي على صخرة بيت المقدس يا أيتها العظام البالية ويا أيتها الأشعار المتمرطة ويا أيتها الأعضاء المتهمشة ويا أيتها الجلود المتمزقة قوموا إلى موقف الحساب والعرض الأكبر فينشيء الله الأجساد على عجب الذنب إذ هو مما لا تأكله الأرض فإذا أحيا الله العظام وهي رميم جاءت كل روح واتصلت ببدنها فعاد الخلق كما كانوا أول مرة لا ينقص منهم مثقال ذرة حتى أن الغرلة التي قطعها الختان تعاد فيخرجون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم فيحشر المؤمنون وجوههم ضاحكة

стр. 9895

مستبشرة ويحشر الكافرون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (١) ثم يتبع جميع البشر صوت المنادي إلى المحشر فيسيرون حفاة عراة، الحديث، قاله في الدرة الفاخرة. [وعند] أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم. قال بعضهم بأوصافها فيعاد الوصف أيضا كما يعاد الجسم واللون، قال ابن العربي: وذلك جائز في حكمة الله تعالى وقدرته وهين عليه جميعه ولكن لم يرد بإعادة الوصف خبر. قال القرطبي: قلت فيه أخبار كثيرة والله أعلم وجميع ما ذكر أعلاه ذكره القرطبي (٢) وصاحب العاقبة عبد الحق الإشبيلي (٣). ٥٤٠٩ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كيفَ أنعم وَقد الْتَقم صَاحب الْقرن الْقرن وحنى جَبهته وأصغى سَمعه ينْتَظر أَن يُؤمر فينفخ فَكَأَن ذَلِك ثقل على أَصْحَابه فَقَالُوا فَكيف نَفْعل يَا رَسُول الله أَو نقُول قَالَ قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل على الله توكلنا وَرُبمَا قَالَ توكلنا على الله رواه الترمذي (٤) واللفظ له وقال حديث حسن وابن حبان في

стр. 9896

صحيحه (١) ورواه أحمد (٢) والطبراني من حديث زيد بن أرقم ومن حديث ابن عباس أيضًا. قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "كيف أنعم " الحديث، أي كيف أتنعم من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح (٦٨/ أ) [والترفه، قاله في النهاية (٣). قوله ﷺ : "وصاحب القرن" الحديث، حكى عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه قال: القرن كهئية البوق، وصاحب القرن هو إسرافيل ﵊، وهو قرن من نور محيط بالسموات والأرضين، وإن إسرافيل عليه

стр. 9897

الصلاة والسلام إذا أخذ في التسبيح عطل على الملائكة تسبيحهم بحسن صوته وطيب نغمته، فالصور قرن من نور له أربع عشرة دارة الدارة الواحدة كاستدارة السماء والأرض، فيها ثقب بعدد أرواح البرية فتخرج البرايا لها دوي كدوي النحل فتملأ ما بين الخافقين، ثم تذهب كل نسمة إلى جثتها، فسبحان ملهمهم إياها، حتى الوحش والطير وكل ذي روح فإذا الكل كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (٢)، والزجرة الصيحة العظيمة، والله تعالى أعلم، وفي الحديث أن إسرافيل ﵊ له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على عاتقه، وإنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله تعالى حتى يصير مثل الوضع يروى بفتح الضاد وسكونها. وقال ابن الأثير: أنه أصغر من العصفور، والجمع وُضعان، وفي أول التعريف والإعلام للسهيلي أن أول من سجد من الملائكة لآدم إسرافيل ﵊، ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ، قاله محمد بن الحسن النقاش، والله تعالى أعلم. قوله: "حَسبنَا الله وَنعم الْوَكيل على الله توكلنا وَرُبمَا"، توكلنا على الله، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: التوكل عمل القلب، ومعنى ذلك أنه ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم في الإدراكات. وقال

стр. 9898

بعضهم: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى كانطراح الميت بين يدي الغاسل، يقلّب كيف يشاء. وقال سهل: التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد، وتقدم الكلام على معنى التوكل والله تعالى أعلم. ٥٤١٠ - وَعَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ كنت عِنْد عَائِشَة ﵁ وَعِنْدهَا كَعْب الْأَحْبَار فَذكر إسْرَافيل فَقَالَت عَائِشَة يَا كعْب أَخْبرنِي عَن إسْرَافيل فَقَالَ كعْب عنْدكُمْ الْعلم قَالَت أجل قَالَت فَأَخْبرنِي قَالَ لَهُ أَرْبَعَة أَجْنِحَة جَنَاحَانِ فِي الْهَوَاء وَجَنَاح قد تسربل بِهِ وَجَنَاح على كَاهِله والقلم على أُذُنه فَإِذا نزل الْوَحْي كتب الْقَلَم ثمَّ درست الْمَلَائِكَة وَملك الصُّور جاث على إِحْدَى رُكبَتَيْهِ وَقد نصب الْأُخْرَى فالتقم الصُّور يحني ظَهره وَقد أَمر إِذا رأى إسْرَافيل قد ضم جنَاحه أَن ينْفخ فِي الصُّور فَقَالَت عَائِشَة هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن (١). قوله: "وعن عبد الله بن الحارث" هو أبو الوليد، عبد الله بن الحارث بن سراقة البصري. نسيب محمد بن سيرين، قيل: هو ختنه على أخته، وهو والد

стр. 9899

يوسف بن عبد الله، تابعي، ثقة، روى عن نفر من الصحابة، منهم عائشة، وابن عباس، روى عنه عاصم الأحول، وخالد. قوله: "كنت عند عائشة، وهذا كعب الأخبار" الحديث، تقدم الكلام على مناقب أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنه. "وعندها كعب الأحبار"، هو كعب بن ماتع بالميم وبالتاء المتناة فوق، وبعدها عين مهملة، الرعيني، من آل ذي رعين من حمير، كني أبا إسحاق. والأحبار العلماء، وأحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها لغتان، أي كعب العلماء، قاله ابن قتيبة وغيره. وقال أبو عبيد سمي كعب الأحبار لكونه صاحب كتب الأحبار، جمع حبر وهو ما يكتب به، وهو مكسور الحاء، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وقيل في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو رحمه اللّه تعالى من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وقد روى عنه جماعة من الصحابة، وكان أعلم أهل زمانه بالتوراة، وكان لهم فهم ودين، ومن أكبار أحبار يهود، توفي في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين، قيل مقتل عثمان بعام، ذكر ذلك ابن عباس، ابن محمد الدوري عن يحيى بن معين، وقيل توفي سنة اثنتين وثلاثين وقد بلغ مائة سنة وأربعا وستين سنة، ذلك ذلك عالم أصبهان الحافظ أبو القاسم إسماعيل ابن الفضل في كتاب سير السلف، له فيما حدثني غير واحد من أصحابه عنه، وفيه من الفقه الإباحة قي الحديث عن التوراة لأهل العلم بها وسماع ذلك مباح، فقد سمع ذلك النبي ﷺ على ما ثبت في غير ما حديث.

стр. 9900

قوله رضي الله تعالى عنه: "قالت: أجل" الحديث، "أجل " حرف معناه تصديق المخبِر بقول القائل، قد كان كذا، تقول: أجل، قوله رضي الله تعالى عنه: " ... "، الكاهل، ما بين الكتفين. قوله: "وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور يحني ظهره"، الحديث، إسرافيل ﵊ هو مبلغ الأوامر ونافخ الأرواح في الأجساد، وصاحب الصور، وصوره كهيئة البوق له أربع أجنحة أحدهما يسد به المشرق والآخر يسد به المغرب والثالث يسد فيه من السماء إلى الأرض والرابع التئم به من عظمة الله تعالى، ورأسه تحت قوائم العرش، وقدماه تحت الأرض السابعة، وبين عينه لوح من جوهر، إذا أراد الله تعالى أن يحدث أمرا أمر القلم أن يكتب في اللوح ثم أولى اللوح إلى إسرافيل ﵊ فيكون بين عينيه، ثم ينتهي إلى ميكائيل. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لما فرغ الله تعالى من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخ. قيل: يا رسول الله: وما الصورة. قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع يفزع منها أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله تعالى أن يديمها ويطولها، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، والثانية نفخة الصعقة يصعق فيها أهل السماوات

стр. 9901

والأرض إلا من شاء الله، وهو قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وبين النفختين أربعون سنة، والثالثة نفخة البعث وهو القيام لرب العالمين، قاله في مختصر عجائب المخلوقات. قال الجوهري (١): إسرافيل اسم أعجمي كأنه مضاف إلى إيل، وقال الأخفش: ويقال إسرافين بالنون، مثل: جبرين ونحوه، وروى مجاهد عن ابن عباس (٢) أنه قال: إن زاوية من زوايا العرش على كاهله ورأسه قد مرق من السماء السابعة. قال: ولما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم ﵊ أول من سجد إسرافيل ﵊ فأثابه الله تعالى] (٣) أن كتب القرآن في جبهته. وقد روي [موقوفًا] عن عمر بن عبد العزيز قال: ومنذ خلقت النار لم تجف له دمعة ومن يخلق من الملائكة إنما يخلق من دموع إسرافيل وهو صاحب اللوح المحفوظ والصور وصاحب النفخة. وقال ابن عباس: ينفخ النفخة لأولى فيموت الخلق وتسير الجبال وتكور الأرض والشمس والقمر ثم ينفخ الثانية لقيام الخلق من القبور. [فإسرافيل ﵊ من أعظم الملائكة خلقا، وهو في السماء السابعة، تحت قائمة من قوائم العرش، واللوح المحفوظ بين يديه

стр. 9902

القلم وراء شحمة أذنه وسعة ما بين منكبيه مسيرة خمس مائة عام، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرضين السابعة، نصفه نار ونصف من ثلج، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو يقول: اللهم كما ألفت بين بارد وحار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين، انتهى. والصور قرن ينفخ فيه، قال مجاهد كهيئة البوق، كما تقدم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١): الناقور الصور. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (٢)، أي نفخ في الصور، والملك الذي وكل به بهذه النفخة وجعل على يده هذه الصعقة قد استعد لها وتهيأ لإمضائها. وذكر أبو الحسن بن صخر في فوائده من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : مازال صاجط الصور منذ وكل به مستعدًا ينظر نحو العرش أن يؤمر فينفخ قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عيناه كوكبان دريان. وفي مسند البزار عن أبي سعيد ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل صلى الله تعالى وسلم عليهم. ذكره صاجط العاقبة (٣). وذكر كعب الأحبار أن أقرب الملائكة إلى الله تعالى إسرافيل ﵊ وله أربع أجنحة، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وقد تسربل بالثالث والرابع، وبينه وبين اللوح حجاب، فإذا أراد الله أمرا أن يوجبه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل

стр. 9903

فينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل ثلاث مرات بكذا وكذا فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتي يقول جبريل الحق من عند الحق، فينزل إلى النبي ﷺ فيوحي إليه (١)؛ من كتاب العظمة] (٢). ٥٤١١ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تطلع عَلَيْكُم قبل السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء من قبل الْمغرب مثل الترس فَلَا تزَال ترْتَفع فِي السَّمَاء وتنتشر حَتَّى تملأ السَّمَاء ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أَيهَا النَّاس أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه قَالَ رَسُول الله ﷺ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجلَيْن ينشران الثَّوْب فَلَا يطويانه وَإِن الرجل ليمدر حَوْضه فَلَا يسْقِي مِنْهُ شَيْئا أبدا وَالرجل يحلب نَاقَته فَلَا يشربه أبدا رواه الطبراني بإسناد جيد (٣) رواته ثقات مشهورون. مدر الحوض أي طينه لئلا يتسرب منه الماء. قوله: "وعن عقبة بن عامر" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يطلع الله عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس"، والساعة اسم للوقت الذي تقوم فيه القيامة، سمي بها لأنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم. قاله الزجاج، أو لوقوعها بغتة لسرعة

стр. 9904

حسابها أو على العكس لطولها أو لأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من الساعات عند الخلق والله تعالى أعلم. واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته [لأنها] قيامة صغرى وقيامة كبرى فالصغرى هي ما تقوم على الإنسان في خاصيته من خروج روحه وفراق أهله وانقطاع سعيه وحصوله على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة والقيامة التي تعم الأرض بمرة إنما تأتيتهم بغتهم وتأطرهم على غفلة لكنها تقوم في يوم جمعة في غير شهر معروف ولا سنة معروفة. قوله ﷺ : "فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقى منه شيئا" الحديث، قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدر الحوض أي طيَّنه لئلا يتسرب منه الماء، اهـ. والمقصود من الحديث إعلام الأمة بقرب الساعة [ليكونوا] على حذر وإصلاح حال. ٥٤١٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لتقوم السَّاعَة وثوبهما بَينهمَا لا يبايعانه وَلَا يطويانه ولتقوم السَّاعَة وَقد انْصَرف بِلَبن لقحته لَا يطعمهُ ولتقوم السَّاعَة يلوط حَوْضه لَا يسْقِيه ولتقوم السَّاعَة وَقد رفع لقمته إِلَى فِيهِ لَا يطْعمهَا رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحه (٢).

стр. 9905

لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه ﵁، قوله ﷺ : "لتقومن الساعة وثوبهما بينهما لا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقوم الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته لا يطعمه" الحديث. الساعة هنا الصعقة الثانية التي للموت والأولى هي صعقة الفزع كما تقدم. قوله: "وقد انصرف الرجل بلبن لقحته لا يطعمه " أي لا يأكله، واللقحة بالكسر والفتح لغتان مشهورتان والكسر أشهر، والجمع لقح كبركة وبرَك وهي الناقة الغزيرة اللبن. وقيل القريبة العهد من النتاج وثاقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن وجمع لقح بكسر اللام وفتحها. وقوله ﷺ : "وهو يلوط حوضه لا يسقيه" الحديث، وفي رواية: يليط حوضه. قال الحافظ: لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره أي يطينه ويصلحه، وتقدم فأخبر ﷺ أنه يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله وأقرب من ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه فتقوم الساعة دون بلوغها إليه وكذلك القول في [المتبايعين] من نشر الثوب وطيه فاعلمه. ٥٤١٣ - وَعَن أبي مرية عَن النَّبِي ﷺ أَو عَن عبد الله بن عَمْرو ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ النافخان فِي السَّمَاء الثَّانِيَة رَأس أَحدهمَا بالمشرق وَرجلَاهُ بالمغرب أَو قَالَ رَأس أَحدهمَا بالمغرب وَرجلَاهُ بالمشرق ينتظران مَتى يؤمران أَن ينفخا فِي الصُّور فينفخان. رواه أحمد (١) بإسناد جيد هكذا على

стр. 9906

الشك في إرساله أو اتصاله. (١) قوله: "وعن أبي مُرَية" ويقال أبو مراية العجلى قال ابن سعد: "اسمه: عبد الله بن عمرو، وكان قليل الحديث "، وذكره ابن حِبَّان في "الثقات " روى عن أبي موسى الأشعري، وسلمان الفارسي. وعنه أسلم العجلي. قال الآجري: "سمعت أبا داود -يعني السجستاني- يقول: أبو مُراية لم يرَ سلمان قط"، وقال البرقاني، عن الدارقطني: "يُعتبر به"، وقال البيهقي في كتاب "القدر": "فيه نظر"، قال إسماعيل بن عُلية: "كان التيمي يقول: عن أبي مُرَيَّة، وقتادة يقول: عن أبي مُراية". قوله ﷺ : "النافخان في السماء الثانية ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخان" الحديث، تقدم الكلام على النفخ في الصور وهو القرن في أول الباب. ٥٤١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ قيل أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل وَلَيْسَ من الْإِنْسَان شَيءْ لَا يبْلى إِلَّا عظم وَاحِد وَهُوَ عجب الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق

стр. 9907

يَوْم الْقِيَامَة. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). ٥٤١٥ - وَلمُسلم قَالَ إِن فِي الإِنْسَان عظما لا تَأْكُله الأَرْض أبدا فِيهِ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا أَي عظم هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ عجب الذَّنب. ورواه مالك (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) باختصار، قال: كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب. [عجب الذنب] بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم، وهو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وأصل الذنب من ذوات الأربع. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون " قيل أربعون يوما. "قال أبو هريرة: أبيت"، الحديث، في قوله: أبيت، تأويلان: الأول أي امتنعت من بيان ذلك وتفسيره وعلى هذا كان عنده علم من ذلك سمعه من النبي ﷺ . الثاني: أبيت أن أسأل عن ذلك النبي ﷺ وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك والأول أظهر، وإنما لم يبينه لأنه لم ترهق حاجة إلى ذلك ولأنه ليس من البينات والهدى الذي أُمِر بتبليغه، وقد جاء في حديث من رواية غيره في غير

стр. 9908

مسلم أن بين النفختين أربعين عاما، اهـ، قاله القرطبي (١)، [وفي] التحفة: وأبيتُ، يروى بفتح التاء أي أبيت أن تعرفه فإنه غيب لم يرد الخبر ببيانه وبضمها أي أبيت أن أقول ما لم أسمعه. قوله ﷺ : "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل"] (٢)، قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (٣)، قاله البغوي في تفسيره [على ذلك] في سورة الأعراف. قوله ﷺ : "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى" الحديث، وخص من بني آدم الذين يأكلهم التراب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم كما صرح به الحديث في كتاب الجمعة. وقوله: " [إلا عظم] واحد وهو عَجْبُ الذنب منه يُركب الخلق يوم القيامة" الحديث، قال الحافظ عجب الذنب بفتح العين المهملة وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وقال بعضهم عجم

стр. 9909

الذنب هو العظم بين الإليتين الهابط من الصلب يقال لطرفه العصعص وأصل الذنب من ذوات الأربع، اهـ، وقال القرطبي وغيره: يقال عجم بالميم والباء لغتان وهو جزء لطيف في أصل الصلب عند العجز وهو العسيب من الدواب، وقيل هو رأس العُصعُص كما رواه أبو داود (١) في كتاب البعث من حديث سعيد الخدري الذي بعد هذا وفيه: قلت يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل منه تنشئون منه خلق وفيه يركب أي أول ما خلق من الإنسان هو ثُمّ إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى. وقال المزني (٢): إن عجب الذنب أيضا يبلى، والحديث يرد عليه. ثم يفتح الله خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة فيمطر به الأرض فإذا [كمني] الرجال فيلقى الأرض عطشى ميتة هامدة [فتحيا] وتهتز ولا يزال يمر عليها حتى يعمها ويكون الماء فوقها أربعين ذراعا فإذا الأجسام تنبت من العصعص الذي هو عجب وهو أول ما يخلق من الإنسان وفي الحديث، الإنسان بدأ من عجب الذنب ومنه يعود، وهو عظم على قدر الحمصة ليس له مخ فمنه تنبت الأجسام في مقابرها كما ينبت البقل حتى يشتبك بعضها في بعض فإذا رأس هذا عند منكب هذا ويد هذا عند جنب هذا وفخذ هذا [عندا] (٣) على عجز هذا

стр. 9910

لكثرة البشرة [في قوله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ (١) فإذا تمت البشرة] (٢) على حسبها الصبي صبي والشيخ شيخ والكهل كهل والفتى فتى والشاب شاب أمر الجليل ﷻ أن تهب ريح من تحت العرش فيها نار لطيفة [فينشف] ذلك عن الأرض وتبقى الأرض بارزة ليس فيها حدب ولا عوج ولا أمت وقد عادت الجبال رمالا وهو الكثيب المهيل ثم الله تعالى يحيى إسرافيل فينفخ في الصور [من أعلا] (٣) صخرة بيت المقدس والصور قرن من نور؛ -من كتاب الدرة الفاخرة-، [يعني صخرة] (٤) وهي أقرب الأرض إلى السماء باثنتي عشر ميلا، قاله الزركشي. ٥٤١٦ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا عجب ذَنبه قيل وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشؤون. رواه أحمد (٥) وابن حبان في

стр. 9911

صحيحه (١) من طريق دراج عن أبي الهيثم. قوله: "وعن أبي سعيد" تقدم. قوله: "إنه لما حضره الموت دعا ثياب جُدد فلبسها"، جُدد جمع جديد. قوله: "ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" الحديث، يُذكر ما ذُكِر في الترغيب في الكلام على ذلك إلى آخره ويقال بعده: قال ابن عبد البر (٢): ويحتمل أن كل ميت يبعث على حاله التي مات فيها، قال: ومن قال أن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم احتج بحديث أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث. قال ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أمر أن يُزمّل بثيابه ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ولا يغير شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة، قال ابن عبد البر (٣): وتأوله بعضهم على أنه يبعث على العمل الذي يختم له به وظاهره على غير ذلك، ويحتمل أن أبا سعيد إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها إما مخففة أو مشكوكة فأراد أن يكون بثياب محققة الطهارة وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها ولا سيما عند انختام الآجال فإن

стр. 9912

الإنسان [مختوم] على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور فإن الأعمال بالخواتيم، اهـ. [وتأول بعض العلماء حديث أبي سعيد على غير ذلك، وقال: معنى الثياب العمل الصالح يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيء ولم يرد به الثوب نفسه، ولعرب تقول: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، وفلان دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، والعقل لا يأبى حمله على ما فهمه الراوي فإنه يمكن إعادة ثيابه البالية كما يمكن إعادة العظام النخرة. قال ابن عبد البر: وفيه الأمر بمراعاة الإخوان أحياء وأمواتا والمواساة بمثل ذلك من أموالهم وبأن يكونوا أوصياءهم ويستحب أن يكون الكفن من قطن وأن يكون نظيفا وأن يكون من آثار الصالحين، وقال ابن المبارك أحبّ إلي أن يكون في ثيابه التي كان يصلي فيها] (١). وقال الخطابي (٢) أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره وقد روي في تحسين الكفن أحاديث، وقال ابن العربي: ليس المراد بتحسين الكفن [علو] القيمة ولا الرفيع وإنما يريد الكثافة والستر فمعنى فليحسن كفنه يحصنه بالستر. قال: وتأوله بعض العلماء على المعنى وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر وعمله الذي يختم له به، يقال فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (٣) أي عملك فأصلح، ويقال: فلان دنس

стр. 9913

الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب. وهذا كالحديث الآخر: يبعث العبد على ما مات عليه (١)، اهـ. ٥٤١٧ - وَعنه ﵁ أَنه لما حَضَره الْمَوْت دَعَا بِثِيَاب جدد فلبسها ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي يَمُوت فِيهَا. رَوَاُهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي إِسْنَاده يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ الغافقي الْمصْرِيّ احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَله مَنَاكِير وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ أَحْمد سيئ الْحِفْظ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ (٢) وَقد قَالَ كل من وقفت على كَلَامه من أهل اللُّغَة إِن المُرَاد بقوله يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا أَي فِي أَعماله قَالَ الْهَرَوِيّ وَهَذَا كحديثه الآخر يبْعَث العَبْد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ قَالَ وَلَيْسَ قَول من ذهب إِلَى الأكفان بِشَيْء لِأن الْمَيِّت إِنَّمَا يُكفن بعد الْمَوْت انْتهى. قَالَ الْحَافِظ وَفعل أبي سعيد رَاوِي الحَدِيث يدل على إجرائه على ظَاهره وَأَن الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا وَفِي الصِّحَاح وَغَيرهَا أَن النَّاس يبعثون عُرَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل بعده إِن شَاءَ الله فَالله سُبْحَانَهُ أعلم.

стр. 9914

فصل في الحشر وغيره ٥٤١٨ - عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يقول: إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا. زاد في رواية: مشاة. إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا. ٥٤١٩ - وفي رواية قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا [كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كلنا فاعلين]. ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصالح: وكنتعليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله: العزيز الحكيم. قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في رواية: فأقول: سحقا سحقا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، ورواه الترمذي (٣) والنسائي (٤) بنحوه. [الغرل] بضم الغين المعجمة وإسكان الراء: جمع أغرل، وهو الأقلف.

стр. 9915

قوله: "عن ابن [عباس] " تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إنكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلا" زاد في رواية: "مشاة" الحديث، قوله: "حفاة" الحفاة جمع الحافي وهو الذي لا خف في رجليه ولا نعل، والعراة جمع العاري، والغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء جمع أغرل وهو الأقلف، اهـ. قاله الحافظ. ورواه بعضهم الأغلف، والقلفة هي الجلدة التي يقطعها الختان من ذكر الصبي ومعناه غير مختونين وبقيت معه غرلته وهي الجلدة في الختان ومثله الأرغل بتقديم الراء، قاله أبو السعادت. وقال الأزهري (١) وغيره هو الأغرل والأرغل والأغلف بالغين المعجمة في الثلاثة، والأقلف والأعرم بالعين المهملة [وجمعه] (٢) عرل ورعل وغلف وقلف وعرم. قوله: "مشاة" المشاة جمع الماشي، حبس الحركة المخصوصة فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدو، اهـ. والمقصود أنهم يحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم. قاله النووي في شرح المسلم (٣) وغيره، والمراد أنهم يُعادون كما خلقوا ويبقون على تلك الحال لأن لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون. قال ابن عقيل: وذلك أن بشرة حشفة الأقلف [موقاة] بالقلفة فتكون بشرتها أرق

стр. 9916

وموضع الحس كلما كان أرق كان الحس أصدق كراحة الكف إذا كانت [مرفهة [من الأعمال [صلحت] للحس فإذا [كانت] يد قصار أو نجار خشنت فخفي فيها الحس فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها ليذيقها من حلاوة فضله ونعيم جنته والسر في الختان مع [كون] القلفة معفوا عما تحتها من النجس أنه سنة إبراهيم ﵇ حيث بُلي بالترويع بذبح الولد فأحبّ أن يحصل لكل والد من أهل ملته ترويعا بقطع عضو وإراقة دم ولده ويبتلي أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم فتكون هذه الحالة مظهرة للصبر والتسليم لأن الآباء والأولاد أسوة بإبراهيم ﵇، اهـ. قوله ﷺ : "ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم ﵇" الحديث، فيه فضيلة عظيمة لإبراهيم ﵇ وخصوص له كما خص موسى ﵇ بأن النبي ﷺ يجده متعلقا بساق العرش مع أن النبي ﷺ أول من تنشق عنه الأرض ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقا بل هو أفضل من وافى القيامة. قال الكرماني (١): فإن قلت هذا يدل على أن إبراهيم أفضل، قلت لا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة [كونه] أفضل مطلقا، اهـ. وروي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ﵊ خليل الله ثم محمد ﷺ ثم النبيئون والرسل عليهم الصلاة والسلام ثم يكسى المؤذنون وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر

стр. 9917

أزمّتها زبرجد أخضر رحالها من الذهب ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر، ذكره الحليمي في منهاجه (١)، وهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى ثم نبينا بإخباره ﷺ فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الموقف من ثياب الجنة فإنه من [لبسه] فقد لبس جُنّة تقيه مكاره المحشر وعرقه وحر الشمس وغير ذلك من أهواله. فائدة: ما الحكمة في تقديم إبراهيم ﵊ بالكسوة؟ قال الحليمي: روي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عبد أخوف من إبراهيم ﵇ فيعجل كسوته أمانا له ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السترة حفظا لفرجه من أن يُماسّ مصلاه ففعل ما أمر به فيُجزى بذلك أن يكون أول من يُستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن يراد قتله وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالى دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة [فجزاه] بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وهذا أحسن الاحتمالات إن شاء الله تعالى والله أعلم. قال الحليمي: وإذا بُدئ في الكسوة بإبراهيم ﵇ وثني بمحمد ﷺ أُتي محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة

стр. 9918

فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵇، اهـ، ذكره القرطبي في التذكرة (١). قوله ﷺ : "وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال" الحديث الشمال بكسر الشين المعجمة ضد اليمين، ويراد بها جهة النار. قوله: "فأقول يا رب أصحابي. وفي رواية: أصيحابي بتصغير الأصحاب، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". قال البغوي والخطابي وغيرهما: لم يرد بقوله مرتدين الردة عن الإسلام ولذلك قيده بقوله على أعقابهم وإنما يفهم من الارتداد الكفر إذا أطلق من غير تقييد ومعناه التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها والرجوع عما كان عليه من صدق العزيمة كقولهم: ارتد فلان على عقبه إذا تراجع إلى وراء ولم يرتد بحمد الله تعالى أحد من الصحابة وإنما ارتد قوم من جفاة العرب الذين دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة كعيينة بن حصن ونحوه من المؤلفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحا في خواص أصحابه الذين لزموه وعُرفوا بصحبته فقد صانهم الله وعصمهم من التبديل وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عدد من هذا وصفهم. قال البيضاوي: وهؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الإسلام مُبدّلون للأعمال الصالحة بالسيئة. والثاني مرتدون عن الدين

стр. 9919

إلى الكفر ناكصون على أعقابهم. انتهى، قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : "فأقول سحقا سحقا" هكذا في الروايات: سحقا سحقا، ومعناه بُعدا بُعدا، والمكان السحيق هو البعيد، وفي سحقا سحقا لغتان قُرئ بهما في السبع، إسكان الحاء وضمها. قرأ الكسائي بالضم والباقون بالإسكان ونُصب على تقدير [ألزمهم] الله تعالى سحقا وأسحقهم سحقا. وقال بعضهم: هو منصوب على المصدر والله أعلم. ٥٤٢٠ - وَعَن عَائِشَة ﵁ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر النَّاس حُفَاة عُرَاة غرلًا. قَالَت عَائِشَة فَقلت الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا ينظر بَعضهم إِلَى بعض قَالَ الْأَمر أَشد من أَن يهمهم ذَلِك. وَفِي رِوَايَة من أَن ينظر بَعضهم إِلَى بعض. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥). قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵁. قوله ﷺ : "يحشر الناس حفاة عراة غرلا" الحديث، الحشر الجمع مع سوق لبعث الساعة فإن قيل: فإذا كانت غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل: ليس التكليف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في الدنيا غير مكلفين وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم

стр. 9920

ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم ذلك اليوم وزيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله لهم قدرته على إعادة جميع المخلوقات فاعتبروا يا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب، اهـ. قوله: "حفاة عراة غرلا" أي غير مختونين. قال العلماء ﵁: يحشر غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع له عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان، وقد عارض هذا الباب ما رواه أبو داود (١) وابن حبان في صحيحه (٢) عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث، تقدم في آخر النفخ في الصور وتقدم الكلام عليه. قال أبو عمر: يعني ابن عبد البر (٣): وقد احتج بهذا الحديث من قال إن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يُزمّل في ثيابه ويدفن بها ولا يغسل عنه دمه ولا يُغيّر عنه شيء من

стр. 9921

حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة ﵂ قالوا: ويحتمل أن يكون سمع أبو سعيد الحديث في الشهيد فتأوله على العموم والله أعلم. قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث ابن عباس وعائشة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢)، ولأن الملابس في الدنيا أموال ولا مال في الآخرة زالت [الأموال] بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وذهب أبو حامد الغزالي في كتاب الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة إلى معنى حديث أبي سعيد الخدري وأن رسول الله ﷺ قال: بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة. رواه أبو سفيان مسندا، وكذا قال ﷺ : يحشر الميت في ثيابه، وهو أليق ما رويناه، قاله في الدرة الفاخرة. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣): هذ الحديث لم أقف عليه فالله أعلم بصحته وإن صح فيكون معناه [إن من] أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار، اهـ، والله أعلم، وتقدم في الكلام على حديث أبي سعيد شيء من هذا لكن هذا أبسط. ٥٤٢١ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة حُفَاة فَقَالَت أم سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله واسوأتاه ينظر
следующие страницы →