← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9917–9956 · переход к 9922.

стр. 9917

أزمّتها زبرجد أخضر رحالها من الذهب ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر، ذكره الحليمي في منهاجه (١)، وهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى ثم نبينا بإخباره ﷺ فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الموقف من ثياب الجنة فإنه من [لبسه] فقد لبس جُنّة تقيه مكاره المحشر وعرقه وحر الشمس وغير ذلك من أهواله. فائدة: ما الحكمة في تقديم إبراهيم ﵊ بالكسوة؟ قال الحليمي: روي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عبد أخوف من إبراهيم ﵇ فيعجل كسوته أمانا له ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السترة حفظا لفرجه من أن يُماسّ مصلاه ففعل ما أمر به فيُجزى بذلك أن يكون أول من يُستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن يراد قتله وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالى دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة [فجزاه] بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وهذا أحسن الاحتمالات إن شاء الله تعالى والله أعلم. قال الحليمي: وإذا بُدئ في الكسوة بإبراهيم ﵇ وثني بمحمد ﷺ أُتي محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة

стр. 9918

فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵇، اهـ، ذكره القرطبي في التذكرة (١). قوله ﷺ : "وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال" الحديث الشمال بكسر الشين المعجمة ضد اليمين، ويراد بها جهة النار. قوله: "فأقول يا رب أصحابي. وفي رواية: أصيحابي بتصغير الأصحاب، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". قال البغوي والخطابي وغيرهما: لم يرد بقوله مرتدين الردة عن الإسلام ولذلك قيده بقوله على أعقابهم وإنما يفهم من الارتداد الكفر إذا أطلق من غير تقييد ومعناه التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها والرجوع عما كان عليه من صدق العزيمة كقولهم: ارتد فلان على عقبه إذا تراجع إلى وراء ولم يرتد بحمد الله تعالى أحد من الصحابة وإنما ارتد قوم من جفاة العرب الذين دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة كعيينة بن حصن ونحوه من المؤلفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحا في خواص أصحابه الذين لزموه وعُرفوا بصحبته فقد صانهم الله وعصمهم من التبديل وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عدد من هذا وصفهم. قال البيضاوي: وهؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الإسلام مُبدّلون للأعمال الصالحة بالسيئة. والثاني مرتدون عن الدين

стр. 9919

إلى الكفر ناكصون على أعقابهم. انتهى، قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : "فأقول سحقا سحقا" هكذا في الروايات: سحقا سحقا، ومعناه بُعدا بُعدا، والمكان السحيق هو البعيد، وفي سحقا سحقا لغتان قُرئ بهما في السبع، إسكان الحاء وضمها. قرأ الكسائي بالضم والباقون بالإسكان ونُصب على تقدير [ألزمهم] الله تعالى سحقا وأسحقهم سحقا. وقال بعضهم: هو منصوب على المصدر والله أعلم. ٥٤٢٠ - وَعَن عَائِشَة ﵁ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر النَّاس حُفَاة عُرَاة غرلًا. قَالَت عَائِشَة فَقلت الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا ينظر بَعضهم إِلَى بعض قَالَ الْأَمر أَشد من أَن يهمهم ذَلِك. وَفِي رِوَايَة من أَن ينظر بَعضهم إِلَى بعض. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥). قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵁. قوله ﷺ : "يحشر الناس حفاة عراة غرلا" الحديث، الحشر الجمع مع سوق لبعث الساعة فإن قيل: فإذا كانت غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل: ليس التكليف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في الدنيا غير مكلفين وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم

стр. 9920

ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم ذلك اليوم وزيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله لهم قدرته على إعادة جميع المخلوقات فاعتبروا يا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب، اهـ. قوله: "حفاة عراة غرلا" أي غير مختونين. قال العلماء ﵁: يحشر غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع له عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان، وقد عارض هذا الباب ما رواه أبو داود (١) وابن حبان في صحيحه (٢) عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث، تقدم في آخر النفخ في الصور وتقدم الكلام عليه. قال أبو عمر: يعني ابن عبد البر (٣): وقد احتج بهذا الحديث من قال إن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يُزمّل في ثيابه ويدفن بها ولا يغسل عنه دمه ولا يُغيّر عنه شيء من

стр. 9921

حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة ﵂ قالوا: ويحتمل أن يكون سمع أبو سعيد الحديث في الشهيد فتأوله على العموم والله أعلم. قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث ابن عباس وعائشة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢)، ولأن الملابس في الدنيا أموال ولا مال في الآخرة زالت [الأموال] بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وذهب أبو حامد الغزالي في كتاب الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة إلى معنى حديث أبي سعيد الخدري وأن رسول الله ﷺ قال: بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة. رواه أبو سفيان مسندا، وكذا قال ﷺ : يحشر الميت في ثيابه، وهو أليق ما رويناه، قاله في الدرة الفاخرة. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣): هذ الحديث لم أقف عليه فالله أعلم بصحته وإن صح فيكون معناه [إن من] أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار، اهـ، والله أعلم، وتقدم في الكلام على حديث أبي سعيد شيء من هذا لكن هذا أبسط. ٥٤٢١ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة حُفَاة فَقَالَت أم سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله واسوأتاه ينظر

стр. 9922

بَعْضنَا إِلَى بعض فَقَالَ شغل النَّاس قلت مَا شغلهمْ قَالَ نشر الصحائف فِيهَا مَثَاقِيل الذَّر وَمَثَاقِيل الْخَرْدَل. رواه الطبراني في الأوسط (١) بإسناد صحيح. قوله: "وعن أم سلمة" تقدم الكلام على مناقبها ﵁. قوله: "فقالت أم سلمة: فقلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: شغل الناس. قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" الحديث، الذر النمل الصغير وسيأتي الكلام عليه مبسوطا، والخردل معروف. وعن ابن أبي مليكة عن القاسم قال: قالت عائشة: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: حفاة عراة. قلت: والنساء؟ قال: والنساء. قلت: يا رسول الله فما نستحيي؟ قال: يا عائشة الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض. رواه البخاري في الرقائق (٢)، فأعظم بيوم تكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك من النظر والالتفات كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوهم ولا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم، اهـ.

стр. 9923

٥٤٢٢ - وَعَن سَوْدَة بنت زَمعَة ﵁ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ يبْعَث النَّاس حُفَاة عُرَاة غرلًا قد ألجمهم الْعرق وَبلغ شحوم الآذان فَقلت يبصر بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ شغل النَّاس لكل أمرئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه عبس ٧٣. رواه الطبراني (١) ورواته ثقات. قوله: "وعن سودة بنت زمعة" بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات. قال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية أم المؤمنين، أسلمت قديما وبايعت، قيل كنيتها أم الأسود وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت ابن عمها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو أسلم معها وهاجرا جميعا إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم قدما مكة فمات بها السكران فتزوجها النبي ﷺ . قال ابن سعد: تزوج رسول الله ﷺ سودة في رمضان سنة عشرة من النبوة بعد وفاة خديجة وقبل عقد عائشة ﵁، ودخل بها بمكة وهاجر بها إلى المدينة وهكذا قال غيره أن رسول الله ﷺ تزوجها قبل عائشة وهو قول ابن إسحاق وقتادة وغيرهما فهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ بعد خديجة

стр. 9924

فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها. روي لها عن رسول الله ﷺ خمسة أحاديث للبخاري منها حديثان، توفيت ﵁ آخر خلافة عمر بن الخطاب، هذا قول الأكثرين، وذكر محمد بن سعد عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالمدينة. قال الواقدي: وهذا أثبت عندنا والله أعلم. قوله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غرلا" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في أول الباب. قوله ﷺ : "قد ألجمهم العرق" الحديث، أي يبلغ أفواههم ويعلو عليها يعني يسيل العرق إلى أفواههم فيصير بمنزلة اللجام على فم الدابة يمنعهم عن الكلام وذلك لإدناء الشمس من العباد في ذلك اليوم فيكونون في العرق على قدر أعمالهم. قوله: "وبلغ شحوم الآذان" الحديث، شحمة الأذن موضع خرق القرط أي طرفها وهو ما لان من أسفلها، ومنه حديث الصلاة أنه كان يرفع يديه إلى (٧١/ أ) شحمة أذنيه، قاله في النهاية (١). ٥٤٢٣ - وَعَن الْحسن بن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة فَقَالَت امْرَأَة يَا رَسُول الله فَكيف يرى بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ إِن الْأَبْصَار شاخصة فَرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يستر عورتي قَالَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عورتها. رواه الطبراني (٢)، وفيه سعيد بن

стр. 9925

المرزبان وقد وثق. قوله: "وعن الحسن بن علي ﵄" ترك الحسن ﵁ الخلافة لله لا لعلة ولا لذلة وكان ذلك تحقيقا لمعجزة رسول ال ﷺ حيث قال: يصلح الله به وهما طائفته وطائفة معاوية، ومات ﵁ بالمدينة مسموما سنة تسع وأربعين ولم يكن بين ولادته وحمل الحسين إلا طهر واحد، وأما الحسين فقتله سنان بن أنس النخعي يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، قاله الكرماني (١)، وتقدم الكلام على الحسن والحسين وعلى أبيهما مبسوطا في مواضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث المتقدمة. ٥٤٢٤ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد. وفي رواية قال سهل أو غيره: ليس فيها معلم لأحد. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). [العفراء] هي البيضاء ليس بياضها بالناصع. [والنقي]: هو الخبز الأبيض. [والمعلم] بفتح الميم: ما يجعل علما وعلامة للطريق والحدود، وقيل:

стр. 9926

المعلم: الأثر، ومعناه أنها لم توطأ قبل فيكون فيها أثر أو علامة لأحد. قوله: "وعن سهل بن سعد" تقدم الكلام عليه. قوله: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفرا كقرصة النقي" الحديث، تقدم معنى الحشر. وقوله: "على أرض بيضاء عفراء"، الأرض العفراء هي البيضاء ليس بياضها [بالناصع]، اهـ قاله الحافظ. وقال في شرح مشارق الأنوار: الأرض البيضاء هي الفارغة من الغرس والعفراء البيضاء التي ليست بالشديدة البياض وهي الحمرة قليلا ومنه قيل للعفراء لأنها كذلك، اهـ. قوله: "كقرصة النقي " هو الخبز [الأبيض]، اهـ. قاله الحافظ. والنقيّ هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحُواريّ الدرمك بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الأبيض الجيد وسمي بالنقي لنقائه من القشر والنخالة ومنه الحديث الآخر: هل رأيتم في زمان رسول الله ﷺ النقي؟ قال: لا. [انتهى]، قال القاضي عياض ﵀ (١) كأن النار غيرت بياض وجه الأرض إلى الحمرة، اهـ. وإنما ضرب المثل بقرصة النقي لاستدارتها وبياضها واستواء أجزائها وبيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ، اهـ. قوله ﷺ : "ليس فيها علم لأحد" وفي رواية: ليس فيها معلم لأحد، الحديث، المعلم قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: ما يجعل علما أو علامة للطريق

стр. 9927

والحدود. وقيل المعلم الأثر لأنها أرض أخرى ومعناه أنها لم توطأ قبل فيكون فيها أثر أو علامة لأحد، [انتهى]، مثل أعلام الحرم ومعالمه المضروبة [عليه]. وقيل المعلم الأثر والعلم المنار والجبل قاله في النهاية (١). وقال في شرح مشارق الأنوار (٢) في قوله: ليس فيها علم لأحد، أي علامة يريد ما أحد أحدثه الخلق على وجه الأرض من الأبنية وغيرها فزال عنها بالتسوية وتبديل صفات الأرض. كذا في الميسر. فقوله: "على أرض بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد" قال الراوي: ليس فيها معلم لأحد، متفق عليه من حديث سهل بن سعد. وفصل البخاري. قوله: ليس فيها معلم لأحد فجعلها من قول [سهل] أو غيره وأدرجها مسلم فيه. قال في الإحياء (٣): ولا يظن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل [لا] تساويها إلا في الاسم: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٤)، قال ابن عباس: [يزاد] فيها ويُنقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مدّ الأديم العكاظي أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم

стр. 9928

نجوم السماء وطمست الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينما أنت كذلك والخلائق إذ تزلزلت السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام على أرجائها وحافاتها فيا هول انشقاقها [في] سمعك، اهـ. ٥٤٢٥ - وَعَن أنس ﵁ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله قَالَ الله على وَجهه قَالَ رَسُول الله ﷺ أَليْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ على الرجلَيْن فِي الدُّنْيَا قَادر على أَن يمْشِيه على وَجهه قَالَ قَتَادَة حِين بلغه بلَى وَعزة رَبنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). ٥٤٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم. قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، رواه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن.

стр. 9929

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف" صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم. فذكره إلى أن قال: أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، الحديث. قوله: "كل حدب"، الحدب بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين ما ارتفع من الأرض، فالحدب كل شيء مرتفع كالأكم والشجر وفي هذا الحديث بيان هوان هذا الصنف وبلوغ هؤلاء القوم إلى حالة جعلوا فيها وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن كل مؤذ وفي المشي إلى المقصد، عاقبهم الله تعالى بهذا في الآخرة لما لم يسجدوا لله تعالى، اهـ. قاله في التذكرة (١). ٥٤٢٧ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله علهي وسلم: يقول: إنكم تحشرون رجالا وركبانا. وتجرون على وجوهكم. رواه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن.

стр. 9930

قوله: "وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده" هو بهز بن حكيم بن معاوية القشيري بضم القاف وفتح المعجمة البصري. قال الحاكم: أبو عبد الله كان بهز من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة ولا متابع له فيها. وقال الخطيب حدث عن الزهري ومحمد بن عبد الله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة وحكيم تابعي ثقة ومعاوية قال صاحب الكمال أنه صحابي وظاهر لفظ البخاري أيضا مشعر بذلك والله أعلم. قوله ﷺ : "تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم " تقدم معناه في الحديث قبله. ٥٤٢٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج فوجا راكبين طاعمين كاسين، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشرهم النار، وفوجا يمشون ويسعون. الحديث رواه النسائي (١).

стр. 9931

قوله: "وعن أبي ذر" تقدم، وقرأ هذه الآية: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (١)، ثم قال أبو ذر: حدثني الصادق والمصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين، الحديث، وقرأ هذه الآية: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، الآية، قوله: فوج طاعمين كاسين راكبين. قال البيهقي (٢): هذا يحتمل أن يكون المراد بالفوج الثاني المسلمين [الذين] خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فيكونون مشاة والأبرار ركبانا وقد قيل:

стр. 9932

بعض الكفار أعتى من بعض فأولئك يسحبون على وجوههم ومن دونهم يحشرون على أقدامهم فهم يمشون ويسعون مع من شاء الله من الفساق وقت حشرهم إلى موقف الحساب، وأراد طهرا أحياها الله تعالى فالأبرار ومن شاء الله من المخلصين لا طهر، اهـ. ٥٤٢٩ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبْعَث الله يَوْم الْقِيَامَة نَاسا فِي صور الذَّر يطؤهم النَّاس بأقدامهم فَيُقَال مَا هَؤُلاءِ فِي صور الذَّر فَيُقَال هَؤُلَاءِ المتكبرون فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَزَّار (١). ٥٤٣٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بؤلس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال. رواه النسائي (٢) والترمذي (٣)، وقال:

стр. 9933

حديث حسن، وتقدم مع غريبه في الكبير. قوله: "وعن عمرو ابن شعيب" تقدم، قوله ﷺ : "يحشر المكتبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال" وفي حديث جابر قبله: "تطؤهم الناس بأقدامهم " الحديث. قال بعضهم: وليس هم كهيئة الذر غير أن الأقدام عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم. قاله في الدرة الفاخرة. وتقدم الكلام على هذا الحديث وغيره في الكبر والله أعلم. ٥٤٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). [الطرائق] جمع طريقة: وهي الحالة. قوله: "عن أبي هريرة" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "يحشر الناس يوم

стр. 9934

القيامة على ثلاثة طرائق" الحديث. الطرائق جمع طريقة وهي الحالة، اهـ قاله الحافظ. وقال غيره: المراد بثلاث طرائق فرق، ومنه قوله تعالى إخبارا عن الجن: (طَرَائِقَ قِدَدًا) (١) أي فرقا مختلفة الأهواء. قوله: "راغبين " أي طالبين طامعين راجين، يحتمل أن يكون إشارة إلى الأبرار. قوله: وراهبين أي خائفين فزعين إشارة إلى المخلصين الذين هم بين الخوف والرجاء والذين تحشرهم النار هم الكفار ويحتمل أن يكون هذا في وقت الحشر إلى موقف الحساب، والحديث الذي تقدم في حشرهم عراة مشاة في وقت النشر من القبور قبل أن يكسوا ويحتمل أن يكون هذا في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ من الحساب، والحديث الذي تقدم في وقت حشرهم إلى موقف الحساب والأول أولى والله أعلم. قوله: "راهبين" [أي خائفين فزعين إشارة إلى المخلصين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار] والرُهب والرَهب بضم الراء وفتحها وسكون الهاء ويقال بفتحها جميعا الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٢) [وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "راغبين راهبين" طالبين وخائفين] والراهب المتبتل المنقطع عن النساء والدنيا وأصله من الرهب والرهبان جمعه قيل ويقع أيضًا على الواحد وجمعه رهابين ومنه قوله ﵇: "لا رهبانية" أي لا تبتل، لا اختصاء، وقيل قوله: "راغبين راهبين " أي طالبين راجين وخائفين

стр. 9935

[فَزعين]. قاله عياض (١) والحشر تقدم معناه. قال العلماء: هذا الحشر في آخر الدنيا قبل القيامة وهو على أربعة أوجه حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ﴾ (٢) الآية. قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس: من شكّ أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وذلك لأن النبي ﷺ قال لهم: اخرجوا، قالوا أين؟ قال إلى المحشر. قال قتادة: هذا أول الحشر. الحشر الثاني، قال قتادة: نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. قال القاضي عياض (٣): قال العلماء هذا الحشر في آخر الدنيا، قيل القيامة [وقبل] النفخ في الصور بدليل قوله ﷺ : وتحشر بقيتهم الثار تبيت معهم حيث باتوا تقيل معهم حيث قالوا، وهذا الحشر آخر أشراط الساعة كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أي من أقصا أرضها ترحل الناس.

стр. 9936

وفي رواية تطرد الناس إلى محشرهم يريد به الشام لأن بها يحشر الناس ليوم القيامة، وفي حديث آخر لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ويدل على أنها قبل القيامة قوله ﷺ : تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا، الحديث. وفي بعض الروايات في غير مسلم: فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم، وخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فذكر الحديث إلى أن قال: أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، فقوله: يتقون بوجوههم كل حدب وشوك يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك على ما ذكر من صفة أرض المحشر والله أعلم. والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١). والحشر الرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (٢) أي ركبانا على النجب. قاله في التذكرة (٣). قوله: "واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير" الحديث، يحتمل أن يكون معناه يتعقبون البعير الواحد ويركب بعضهم ويمشي الباقون عقبا فيكون بعضهم راكبًا وبعضهم ماشيًا كما ورد في الحديث الآخر يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، [وهذا كله إخراج

стр. 9937

وجمع وسوق لا موت ولا فوت] (١)، أهذا حديث صحيح بإجماع، وبهذا النص أخرجه البخاري في الرقائق، وكذا مسلم في صحيحه، فهو حديث متفق عليه، فدل هذا الحديث المجمع على صحته من حيث منطوقه المخصوص على حشر البعران مع الناس ومن حيث دلالته على حشر البهائم لأنه إذا دل على البعران نصا فعلى البهائم تنبيها ودلالة وهذا لا مراء فيه فإنه قد يُدل بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى من حيث التنبيه والدلالة، اهـ. وقد اختلف العلماء في حشر البهائم والوحش والطير، فقال الجمهور الجميع تحشر وتبعث، قاله أبو هريرة وعمرو بن العاصي والحسن البصري وغيرهم. وقال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب، وروى الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: يُقتص للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة، فإذا كانت البهائم والذر يقتص منها فكيف يغفل العاقل عثها، ثم يقول الله لها: كوني ترابًا. وقال ابن دحية في كتاب الآيات البينات. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري (٢): لا تجوز المقاصة بين البهائم لأنها غير مكلفة وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله ﷺ : يُقتص للجماء من القرناء ويسأل العود إذا خدش العود فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدّة التقصي في الحساب وأنه لا بد أن يقتص للمظلوم

стр. 9938

من الظالم. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني يجري القصاص بينهما ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية: وهذا جار على مقتضى العقل والنقل لأن البهيمة تعرف النفع والضر فتنفر من العصى وتقبل العلف وينزجر الكلب وإذا أُشلي استشلى والطير والوحش تفر من الجوارح استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام والبهائم ليست بمكلفة. فالجواب أنها ليست بمكلفة لأن الله يفعل في ملكه ما أراد كما سلط [عليهم] في الدنيا التسخير لبني آدم والذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه ، وأيضًا فإن البهائم إنما يقتص لبعضها من بعض لأنها تطالب بارتكاب نهي ومخالفة أمر لأن هذا مما خص الله تعالى به العقلاء، ولما كثر التنازع رجعنا إلى ما أمرنا به ربنا بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية ووجدنا القرآن يدل على الإعادة في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (٣) والحشر في اللغة الجمع لبعث الساعة، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: فإن قيل فإذا كانت- يعني البهائم- غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل ليس التكيف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في الدنيا غير

стр. 9939

مكلفين وإنما يبعثها ليُعوِّض ما استحق لعوض منها بإيلام أو ظلم ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته، وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم ذلك اليوم زيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله تعالى لهم قدرته على إعادة جميع المخلوقات فاعتبروا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب. قاله صاحب العلم المشهور. قوله ﷺ هـ: "ويحشر بقيتهم النار" الحديث، أي تجمعهم وتسوقهم إلى المحشر، قاله في النهاية (١). ٥٤٣٢ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا، وإنه يلجمهم حتى يبلغ آذانهم. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣). قوله: "وعن أبي هريرة أيضًا" تقدم. قوله ﷺ : "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا الحديث. العرق بفتح العين المهملة والراء معروف. قال القاضي عياض ﵀ (٤) يحتمل أن المراد عرق نفسه وعرق غيره ويحتمل عرق نفسه خاصة وسبب كثرة العرق تراكم

стр. 9940

الأهوال ودنو الشمس من رءوسهم وزحمة بعضهم بعضا اهـ، ومعنى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا أي ينزل ويغوص قوله ﷺ : "وأنه يلجمهم حيث يبلغ آذانهم" أي يصل العرق إلى فيه فيصير بمنزلة اللجام. ٥٤٣٣ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ "يوم يقوم الناس لرب العالمين" قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه. رواه البخاري (١) ومسلم (٢). واللفظ له، ورواه الترمذي (٣) مرفوعًا وموقوفًا، وصحح المرفوع. قوله: "وعن ابن عمر" تقدم. قوله ﷺ : "يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" الحديث، الرشح العرق، سمي به لأنه يخرج من البدن شيئا فشيئا كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء، قاله في النهاية (٤) والله أعلم. ٥٤٣٤ - وعن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر: والله ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض، أو الميل التي تكحل به العين، قال: فتكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى

стр. 9941

كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول اللَّه ﷺ بيده إلى فيه. رواه مسلم (١). قوله: "وعن المقدام" تقدم. قوله ﷺ : "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سُليم بن عامر: واللَّه واللَّه ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين"، الحديث. الدنو القرب، قال الحربي إن كان الميل الذي تكتحل به العين يريد المِرْوَد فطوله معروف وإن كان ميل الأرض فهو ثلث فرسخ وقال النضر الميل القطعة من الأرض ما بين العلمين، وقيل هو مد البصر، قاله صاحب المغيث، وكذا صاحب النهاية (٢). وقال عياض (٣) فهو مقدار من الأرض وذلك عشر غلا من جري الخيل وهو ألف باع من أنواع الدواب وقيل ألف ذراع وقيل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، اهـ. تنبيه: الفرسخ ثلاثة أميال هاشمية ونسب الرافعي وابن الرفعة الأميال الهاشمية إلى هاشم جد النبي ﷺ لأنه قدر أميال البادية والصواب أنها منسوبة إلى بني هاشم فإنهم جعلوا ذلك حين أفضت الخلافة إليهم فإن بني أمية سبقوهم إلى تقديرها بأميال هي أكبر من هذه فغيّروا ذلك التقدير، نبّه عليه ابن الصلاح وغيره، فالبريد على المشهور أربع فراسخ والفرسخ ثلاثة

стр. 9942

أميال هاشمية واللَّه أعلم، قاله الكمال الدميري في شرحه واللَّه أعلم. قوله ﷺ في الحديث: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه" الحديث، الحقو بفتح لحاء وكسرها وسكون القاف وبالواو الخصر ومشد الإزار والحقو أيضًا الإزار هكذا ضبطه النووي في شرح مسلم (١)، واللَّه أعلم. ٥٤٣٥ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسطه، وأشار بيده ألجمها فاه، رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يشير هكذا ومنهم من يغطيه عرقه: وضرب بيده وأشار وأمر يده فوق رأسه من غير أن يصيب الرأس دور راحتيه يمينا وشمالا. رواه أحمد (٢) والطبراني (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، والحاكم (٥) وقال: صحيح الإسناد.

стр. 9943

قوله: "وعن عقبة بن عامر" تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "تدنو الشمس من الأرض" الحديث، أي تقرب من الأرض. قوله: "فيعرق الناس" الحديث، والعرق الرشح من البدن، وتقدم معناه. قوله: "ومنهم من يبلغ إلى العجز" والعجز هو الدبر. قوله: "ومنهم من يبلغ الخاصرة" الخاصرة معقد الإزار. ٥٤٣٦ - وعن عبد العزيز العطار عن أنس ﵁ لا أعلمه إلا رفعه قال: لم يلق ابن آدم شيئًا منذ خلقه اللَّه أشد عليه من الموت، ثم إن الموت أهون مما بعده، وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت. رواه أحمد (١) مرفوعًا باختصار والطبراني في الأوسط (٢) على الشك هكذا واللفظ له وإسنادهما جيد. قوله: "وعن عبد العزيز العطار" وعبد العزيز العطار هذا هو عبد العزيز بن قيس العبدي العطار البصري روى عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعنه ابنه

стр. 9944

سكين والمثنى بن دينار القطَّان الأحمر وحسن بن خالد قال أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات. قوله: "وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى أن السفن لو أُجرِيت فيه لجرت" تقدم معنى قوله حتى يلجمهم العرق، والسفن هي مراكب البحر، قال أبو العبَّاس القرطبي: هذا العرق لشدة الضغط وحر الشمس التي على الرءوس بحيث تغلي منها الهوام وحرارة الأنفاس وحرارة النار المحرقة بأرض المحشر ولأنها يخرج منها أعناق تلتقط الناس في الموقف فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقه في الأرض مقدار سبعين باعا أو ذراعا أو عاما على اختلاف الروايات. فإن قيل: فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحا واحدا فكيف يكونون فيه متفاضلين بعضهم إلى عقبيه وبعضهم إلى فيه وما بينهما؟ قلنا: يزول هذا الاستبعاد بأوجه أقربها وجهان: أحدهما أن يخلق اللَّه ارتفاعا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله فيرتفع على الأرض بحسب ارتفاع ما تحته، وثانيهما أن يحشر جماعات في تفرقة فيحشر فيحشر كل من بلغ عرقه إلى كعبيه في جهة وكل من بلغ حقويه في جهة وهكذا، والقدرة صالحة لأن يمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله فلا يتصل بغيره وإن كان بإزائه كما قد أمسك جرية البحر لموسى ﵇ حيث طلب لقاء الخضر ولبني إسرائيل لما تبعهم فرعون واللَّه أعلم بالواقع من هذه الأوجه، والحاصل أن هذا

стр. 9945

المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات وأبلغ ما نطق به من ذلك الناطقون ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (١) ا هـ. ٥٤٣٧ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود ﵁: قَالَ الْأَرْض كلهَا نَار يَوْم الْقِيَامَة وَالْجنَّة من وَرَائِهَا كواعبها وأكوابها وَالَّذِي نفس عبد اللَّه بِيَدِهِ إِن الرجل ليفيض عرقا حَتَّى يسيح فِي الْأَرْض قامته ثمَّ يرْتَفع حَتَّى يبلغ أَنفه وَمَا مَسّه الْحساب قَالُوا مِم ذَلِك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ مِمَّا يرى النَّاس يلقون رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد قوي (٢). ٥٤٣٨ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ إِن الرجل ليلجمه الْعرق يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا رب أرحني وَلَو إِلَى النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَمن طَرِيقه ابْن حبَان إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا إِن الْكَافِر (٣)

стр. 9946

وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم من حَدِيث الْفضل بن عِيسَى وَهُوَ واه عَن الْمُنْكَدر عَن جَابر وَلَفظه قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِن الْعرق ليلزم الْمَرْء فِي الْموقف حَتَّى يَقُول يَا رب إرسالك بِي إِلَى النَّار أَهْون عَليّ مِمَّا أجد وَهُوَ يعلم مَا فِيهَا من شدَّة الْعَذَاب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (١). ٥٤٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (٢) مِقْدَار نصف يَوْم من خمسين ألف سنة فيهون ذَلِك على الْمُؤمن كتدلي الشَّمْس للغروب إِلَى أَن تغرب رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). ٥٤٤٠ - وَعَن أبي سعيد ﵁ عَن رَسُول اللَّه ﷺ أَنه قَالَ يَوْمًا كانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة فَقيل مَا أطول هَذَا الْيَوْم قَالَ النَّبِيّ ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليخفف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلهم من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (٤).

стр. 9947

٥٤٤١ - وَعَن عبد اللَّه بن عَمْرو ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ تجتمعون يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال أَيْن فُقَرَاء هَذِه الأمة ومساكينها فَيقومُونَ فَيُقَال لَهُم مَاذَا عملتم فَيَقُولُونَ رَبنَا ابتليتنا فصبرنا وَوليت الْأَمْوَال وَالسُّلْطَان غَيرنَا فَيَقُول اللَّه صَدقْتُمْ قَالَ فَيدْخلُونَ الْجنَّة قبل النَّاس وَتبقى شدَّة الْحساب على ذَوي الأَمْوَال وَالسُّلْطَان قَالُوا فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمئِذٍ قَالَ تُوضَع لَهُم كراسي من نور ويظلل عَلَيْهِم الْغَمَام يكون ذَلِك الْيَوْم أقصر على الْمُؤمنِينَ من سَاعَة من نَهَار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قَالَ الْحَافِظ وَقد صَحَّ أَن الْفُقَرَاء يدْخلُونَ الْجنَّة قبل الأغْنِيَاء بِخَمْسِمِائَة عَام وَتقدم ذَلِك فِي الْفقر. ٥٤٤٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء قال وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما

стр. 9948

كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ويبقى محمد ﷺ وأمته قال فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس قال فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان مشركًا يرائي لظهره ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده ومنهم من يعطى أصغْر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلًا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدمه قدم وإذا أطفئ قام قال والرب ﵎ أمامهم حتى يمر بهم إلى النار فيبقى أثره كحد السيف قال فيقول مروا فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرفة العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم من يمر كشد الرجل حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو

стр. 9949

على وجهه ويديه ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال الحمد للَّه الذي أعطاني ما لم يعط أحدا إذ أنجاني منها بعد إذ رأيتها قال فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلل الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول اللَّه أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار فيقول رب اجعل بيني وبينها حجابا حتى لا أسمع حسيسها قال فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه بالنسبة إليه حلم فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل أحسن منه فيعطاه فينزله ويرى أمام ذلك منزلا كأن ما هو فيه بالنسبة إليه حلم قال رب أعطني ذلك المنزل فيقول اللَّه ﵎ له لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك وأي منزل أحسن منه فيعطاه فينزله ثم يسكت فيقول اللَّه جل ذكره ما لك لا تسأل فيقول رب قد سألتك حتى استحييتك فيقول اللَّه جل ذكره ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة قال فيقول الرب جل ذكره لا ولكني على ذلك قادر فيقول ألحقني بالناس فيقول الحق بالناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقول له ارفع رأسك ما لك فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال إنما هو منزل من منازلك قال ثم يأتي رجلًا فيتهيأ للسجود له فيقال له مه فيقول رأيت أنك ملك من الملائكة فيقول إنما أنا خازن من خزانك وعبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه

стр. 9950

قال فينطلق أمامه حتى يفتح له باب القصر قال وهو من درة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلافها ومفاتيحها منها يستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء فيها سبعون بابا كل باب يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك فيقول لها واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فيقال له أشرف فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصرك قال فقال له عمر ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف أعلاهم قال يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فذكر الحديث رواه ابن أبي الدنيا (١) والطبراني (٢) من طرق أحدها صحيح واللفظ له والحاكم (٣) وقال صحيح الإسناد.

стр. 9951

قوله: "وعن عبد اللَّه" يعني ابن مسعود كنيته أبو عبد الرحمن تقدم الكلام على مناقبه. قوله "يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء" تقدم قوله: "وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" الحديث، الكرسي فيه لغتان ضم الكاف وكسرها والضم أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها. قال ابن السكيت كل ما كان من هذا النحو مفرده [مشددة] كعارية وسريّة جاء في جمعه التشديد والتخفيف قاله الكرماني (١). قوله: "فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر" الحديث. سؤال: ما الحكمة في أن الشمس والقمر يوم القيامة يطمس نورهما ويلقيان في جهنم؟ قيل: ليظهر لعبدة الشمس والقمر أنهما ليسا آلهة لأنهما لو كانا آلهة لدفعا عن أنفسهما، ولما ذهب ضوءهما وهذا هو حصول السر في ذهاب ضوئهما في الدنيا بالخسوف وإنما ألقيا في جهنم يوم القيامة ليكون حسرة على من يعبد الشمس والقمر لأنه يُنادى يوم القيامة فيقال من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبعونهم في جهنم، اهـ. تنبيه: ورد في الحديث أن الشمس [تسجد] تحت العرش وربما أشكل

стр. 9952

الأمر في هذا الحديث [على من لم يتبحر] في العلم فقال: نحن نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغرب في عين حمئة فإذا دارت تحت الأرض وصعدت فأين هي من العرش؟ فالجواب: أن الأرضين السبع في ضرب مثال كقطب رحى والعرش لعظم ذاته كالرحى فأين سجدت الشمس؟ سجدت تحت العرش وذلك مستقرها، اهـ قاله في الحواشي. قوله في الحديث: ويبقى محمد وأمته، قال: فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس الحديث الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال اللَّه تعالى سماه إتيانا، وقيل المراد: يأتيهم اللَّه تعالى أي يأتيهم بعض ملائكته. قال القاضي عياض (١): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصوة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه من علامة المخلوق ما ينكرونه ويعلمون به أنه ليس ربهم ويستعيذون باللَّه منه. اهـ. قوله: "فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه، فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه. قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن

стр. 9953

ساقه" الحديث، كشف الساق عبارة عن معظم الأمر وشدته. قال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة. وقال أبو عبيد: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه والأصل أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمّر عن ساقه فاستعير الساق، والكشف عنها في موضع الشدة وكذا قال القتيبي ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (١) هذا من الاستعارات فسمى الشدة ساقا لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمّر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة فأما ما روي أن اللَّه تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فمعناه: أي يكشف عن العظيم من أموره، وقال الخطابي ﵀ إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما يرتفع معه سائر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم بالسجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا يستطيعون السجود اهـ، قاله في التذكرة (٢). قوله ﷺ : "ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون" الحديث، صياصي البقر قرونها، وتقدم الكلام أيضًا بزيادة، [قوله: "فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم" الحديث. قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) الآية،

стр. 9954

وهذا النور حقيقة محسوس يُعطاه المؤمنون يوم القيامة منهم من يعطى نوره يضيء له كما بين مكة وصنعاء ومنهم من نروه كالنخلة السحوق ومنهم من يضيء على موضع قدميه ومنهم من نوره على إبهامه فيطفئ مرة [ويقد] أخرى وكل ذلك على قدر أعمالهم وتخصيص هاتين الجهتين لأن السعداء يُؤتون صحف أعمالهم منهما كما أن الأشقياء يؤتون من شمائلهم ووراء ظهورهم. قيل: أن قوله ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كناية عن جميع جهاتهم وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم جنات، وهذه البشرى حاصلة لجميع المؤمنين وإن كان فيهم من يدخل النار ويخرج منها على مذهب أهل السنة ويحتمل أن يكون هذا في طائفة خاصة من المؤمنين وهم الذين لا يدخلون النار والقسم الآخر مسكوت عنه والتمسك بعموم لفظ المؤمنين والمؤمنات يشهد للأول، ا هـ، قاله في الديباجة. قوله: "فسقى أثر الصراط كحد السيف"، وفي حديث: أدق من الشعر. ويُروى أرق، وكلاهما للخشني وهما بمعنى كل دقيق فهو رقيق، اهـ، قاله عياض (١)] (٢). قوله: "منهم من يمر كطرفة العين" وفي حديث كالطرف والطرف بفتح

стр. 9955

الطاء وسكون الراء كذا الرواية وهي صحيحة أي كسرعة وضع الطرف، كما قال تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (١)، وهو طرف الإنسان بعينه، وهو امتداد لحظِه حيث أدرك، قاله عياض (٢). وقوله: "ومنهم من يمرّ كشد الفرس" وشدّها عَدْوُها البالغ وجريها، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدًّا أي عدوا، قاله في النهاية (٣). ومعنى الحديث أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم. قوله: "حتى يمر الذي يغطي نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه". قال أهل اللغة الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين، وربما قالوا على يديه ومقعدته، واللَّه أعلم. قوله: "فينطلق به إلى غدير عن باب الجنة" الحديث، الغدير عبارة عن القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها، هذا قول أبي عبيد، فهو إذا "فعيل" في معنى "مفعول" على اطراح الزائد. وقد قيل: إنه من الغدر، لأنه يخون وراده فينضب عنهم. قوله: "فيرى ما في الجنة من خلل الباب" خلل الباب عبارة عن الشقوق التي يُرى منها. قوله في الحديث: "أتهزأ بي وأنت رب العزة" وفي رواية: "أتسخر بي" والهزء والسخرية بمعنى واحد، وأما معنى السخرية هنا ففيه

стр. 9956

أقوال أحدها قاله القاضي عياض (١): أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله عند غلبة الفرح عليه والسرور واستحقاقه إياه ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال النبي ﷺ في الرجل الذي غلط ولم يضبط نفسه من الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح بوجود راحلته، خرجه مسلم. الثاني: أن يكون معناه أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلة احتفالي بأعمالي وعدم مبالاتي بها فيكون هذا على جهة المقابلة كما قال اللَّه تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣) أي ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم والاستهزاء في اللغة الانتقام، قاله في التذكرة (٤). الثالث: ما قاله المازري (٥) أنه خرج على المقالة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه لأنه عاهد اللَّه مرارا أن لا يسأله غير ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر
следующие страницы →