الأمر في هذا الحديث [على من لم يتبحر] في العلم فقال: نحن نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغرب في عين حمئة فإذا دارت تحت الأرض وصعدت فأين هي من العرش؟ فالجواب: أن الأرضين السبع في ضرب مثال كقطب رحى والعرش لعظم ذاته كالرحى فأين سجدت الشمس؟ سجدت تحت العرش وذلك مستقرها، اهـ قاله في الحواشي. قوله في الحديث: ويبقى محمد وأمته، قال: فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس الحديث الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال اللَّه تعالى سماه إتيانا، وقيل المراد: يأتيهم اللَّه تعالى أي يأتيهم بعض ملائكته.
قال القاضي عياض (١): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصوة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه من علامة المخلوق ما ينكرونه ويعلمون به أنه ليس ربهم ويستعيذون باللَّه منه. اهـ. قوله: "فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه، فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه. قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن
стр. 9953
ساقه" الحديث، كشف الساق عبارة عن معظم الأمر وشدته. قال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة. وقال أبو عبيد: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه والأصل أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمّر عن ساقه فاستعير الساق، والكشف عنها في موضع الشدة وكذا قال القتيبي ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (١) هذا من الاستعارات فسمى الشدة ساقا لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمّر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة فأما ما روي أن اللَّه تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فمعناه: أي يكشف عن العظيم من أموره، وقال الخطابي ﵀ إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما يرتفع معه سائر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم بالسجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا يستطيعون السجود اهـ، قاله في التذكرة (٢).
قوله ﷺ : "ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون" الحديث، صياصي البقر قرونها، وتقدم الكلام أيضًا بزيادة، [قوله: "فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم" الحديث. قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) الآية،
стр. 9954
وهذا النور حقيقة محسوس يُعطاه المؤمنون يوم القيامة منهم من يعطى نوره يضيء له كما بين مكة وصنعاء ومنهم من نروه كالنخلة السحوق ومنهم من يضيء على موضع قدميه ومنهم من نوره على إبهامه فيطفئ مرة [ويقد] أخرى وكل ذلك على قدر أعمالهم وتخصيص هاتين الجهتين لأن السعداء يُؤتون صحف أعمالهم منهما كما أن الأشقياء يؤتون من شمائلهم ووراء ظهورهم.
قيل: أن قوله ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كناية عن جميع جهاتهم وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم جنات، وهذه البشرى حاصلة لجميع المؤمنين وإن كان فيهم من يدخل النار ويخرج منها على مذهب أهل السنة ويحتمل أن يكون هذا في طائفة خاصة من المؤمنين وهم الذين لا يدخلون النار والقسم الآخر مسكوت عنه والتمسك بعموم لفظ المؤمنين والمؤمنات يشهد للأول، ا هـ، قاله في الديباجة.
قوله: "فسقى أثر الصراط كحد السيف"، وفي حديث: أدق من الشعر. ويُروى أرق، وكلاهما للخشني وهما بمعنى كل دقيق فهو رقيق، اهـ، قاله عياض (١)] (٢).
قوله: "منهم من يمر كطرفة العين" وفي حديث كالطرف والطرف بفتح
стр. 9955
الطاء وسكون الراء كذا الرواية وهي صحيحة أي كسرعة وضع الطرف، كما قال تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (١)، وهو طرف الإنسان بعينه، وهو امتداد لحظِه حيث أدرك، قاله عياض (٢). وقوله: "ومنهم من يمرّ كشد الفرس" وشدّها عَدْوُها البالغ وجريها، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدًّا أي عدوا، قاله في النهاية (٣). ومعنى الحديث أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.
قوله: "حتى يمر الذي يغطي نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه". قال أهل اللغة الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين، وربما قالوا على يديه ومقعدته، واللَّه أعلم.
قوله: "فينطلق به إلى غدير عن باب الجنة" الحديث، الغدير عبارة عن القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها، هذا قول أبي عبيد، فهو إذا "فعيل" في معنى "مفعول" على اطراح الزائد.
وقد قيل: إنه من الغدر، لأنه يخون وراده فينضب عنهم.
قوله: "فيرى ما في الجنة من خلل الباب" خلل الباب عبارة عن الشقوق التي يُرى منها. قوله في الحديث: "أتهزأ بي وأنت رب العزة" وفي رواية: "أتسخر بي" والهزء والسخرية بمعنى واحد، وأما معنى السخرية هنا ففيه
стр. 9956
أقوال أحدها قاله القاضي عياض (١): أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله عند غلبة الفرح عليه والسرور واستحقاقه إياه ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال النبي ﷺ في الرجل الذي غلط ولم يضبط نفسه من الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح بوجود راحلته، خرجه مسلم. الثاني: أن يكون معناه أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلة احتفالي بأعمالي وعدم مبالاتي بها فيكون هذا على جهة المقابلة كما قال اللَّه تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣) أي ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم والاستهزاء في اللغة الانتقام، قاله في التذكرة (٤).
الثالث: ما قاله المازري (٥) أنه خرج على المقالة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه لأنه عاهد اللَّه مرارا أن لا يسأله غير ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر
стр. 9957
الرجل أن قول اللَّه : ادخل الجنة وتردده إليها وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له فسمى الجزاء على السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي أي أتعاقبني بالإطماع.
القول الرابع قاله أبو بكر الصوفي أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على اللَّه تعالى كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بي لأنك رب العالمين وما أعطيتني من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ولكن العجب أنك أعطيتني هذا وأنا غير أهل له. قال: والهمزة في أتسخر بي همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متذلل، اهـ.
قوله: "فينطلق يرمل في الجنة" الرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، قوله: "ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقول له: مه" الحديث، مه كلمة معناها الكف عما يفعله. قوله: "تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه" القهرمان هو الذي يتولى حفظ ما تحت يديه وهو خادم الشخص القائم بقضاء حوائجه.
قوله: "فقال عمر: ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا، فكيف أعلاهم؟ "، الحديث، ابن أم عبد هو عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
стр. 9958
فصل في ذكر الحساب وغيره
٥٤٤٣ - عن أبي برزة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: "عن أبي برزة" أبو برزة هذا اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد اللَّه. قوله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به" الحديث، وفي حديث معاذ الذي بعده: وعن علمه ماذا عمل فيه. قال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي. قلت:
стр. 9959
قوله: "وعن علمه فيما عمل فيه" هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن علمه ما قال فيه وإنما قال ما عمل فيه فلينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق اللَّه في ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى عليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (١) أو خالف علمه [فيدخل] في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ (٢) الآية. وقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ (٤) الآية، والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدًا وتقدم ذلك واللَّه أعلم، قاله في التذكرة (٥).
٥٤٤٤ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لن تَزُول قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع خِصَال عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن شبابه فِيمَا أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وَفِيمَا أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ (٦).
стр. 9960
٥٤٤٥ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال من نوقش الحساب عذب فقلت أليس يقول اللَّه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (١) فقال إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك.
رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥).
قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : "من نوقش الحساب عُذِّب" الحديث، المناقشة الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء، يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرًا، يقال انتقشت منه جميع حقي، وقيل المناقشة هو نفس عذابه المراد، يعذب بمحاسبته وقيل بل [إذا] (٦) نوقش وزنت أعماله وخطراته وهمه وصغائره وكبائره لم يكن يتخلص إن لم يعف اللَّه عنه كما قال ﵇: لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، الحديث، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى (٧) وللحديث معنيان: أحدهما أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو
стр. 9961
التعذيب لما فيه من التوبيخ، والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار، [وتؤيده] الرواية الأخرى وهو حديث ابن الزبير من نوقش الحساب هلك مكان عُذّب، هذا كلام القاضي، وهذا الثاني هو الصحيح ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصى عليه ولم يُسامح هلك وأدخل النار ولكن اللَّه يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، اهـ، قاله النووي (١).
قولها ﵂ فقلت: "أليس يقول ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ (٢) " أي سهلا هينا لا يناقش فيه ولا يعترض فيما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال، ووجه المعارضة أن الحديث عام في تعذيب كل من حوسب والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين، وجوابها: أن المراد بالحساب في الآية العرض يعني الإبراز والإظهار. وعن عائشة ﵂: "هو أن يُعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه" اهـ. وقوله: "إنما ذلك العرض" هو بكسر الكاف أي عرض الأعمال لا الحساب.
قوله ﷺ : "وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك" أي يحاسب حسابا على سبيل الاستقصاء والمناقشة حتى لا يترك منه شيء، يؤيده قوله ﷺ : "من نوقش الحساب عذب" وفي رواية: "هلك"، كما تقدم، وهذا لمن لم يحاسب نفسه في الدنيا فيناقش بالصغيرة والكبيرة فأما من تاب وحاسب
стр. 9962
نفسه فلا يناقش واللَّه أعلم. وفي هذا الحديث بيان فضيلة عائشة أم المؤمنين ﵂ وحرصها على التعلم والتحقيق فإن رسول اللَّه ﷺ ما كان يتضجر من المراجعة إليه وإثبات الحساب والعرض والعذاب وجواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب وتفاوت الناس في الحساب وغير ذلك واللَّه أعلم.
تنبيه: في آخر الكتاب باليمين، حكى النووي (١) عن القاضي عياض في ذلك قولين أحدهما أن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذّب اللَّه من [يشاء] من عصاتهم والثاني إنما يأخذ كتابه بيمينه الناجون من النار خاصة، اهـ. قاله الكمال الدميري.
لطيفة: فيها بشرى: قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يُؤتى كتابه في ستر من اللَّه تعالى فيقرأ سيئاته فإذا قرأها تغير لونه حتى يمرّ بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته بدلت حسنات، فعند ذلك يقرأ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢) الآية، قاله ابن رجب الحنبلي (٣).
٥٤٤٦ - وعن ابن الزبير ﵄ قال قال رسول اللَّه ﷺ من نوقش الحساب هلك. رواه البزار (٤) والطبراني في الكبير (١) بإسناد صحيح.
стр. 9963
قوله: "وعن ابن الزبير" سيأتي الكلام على ترجمته في الكلام على الحوض إن شاء اللَّه تعالى. قوله ﷺ : "من نوقش الحساب هلك" تقدم الكلام عليه.
٥٤٤٧ - وَعَن عتبَة بن عبد اللَّه ﵁ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لَو أَن رجلًا يخر على وَجهه من يَوْم ولد إِلَى يَوْم يَمُوت هرما فِي مرضاة اللَّه لحقره يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا بَقِيَّة (٢).
٥٤٤٨ - وَعَن مُحَمَّد بن أبي عميرَة ﵁: وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أَحْسبهُ رَفعه إِلَى النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَو أَن رجلًا خر على وَجهه من يَوْم ولد إِلَى يَوْم يَمُوت هرما فِي طَاعَة اللَّه لحقره ذَلِك الْيَوْم ولود أَنه رد إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يزْدَاد من الأجر وَالثَّوَاب رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٣).
стр. 9964
٥٤٤٩ - وروي عن أنس بن مالك ﵁: عن النبي ﷺ قال يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من اللَّه عليه فيقول اللَّه لأصغر نعمة أحسبه قال في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح ثم تنحى وتقول وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح فإذا أراد اللَّه أن يرحم عبدا قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك أحسبه قال ووهبت لك نعمي رواه البزار (١).
قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم. قوله ﷺ : "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح" فذكره، إلى أن قال: "فيقول اللَّه لأصغر نعمة -أحسبه قال في ديوان النعم- خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح" الحديث أي تأتي عليه والإيعاب والاستيعاب الإستئصال والاستقصاء في كل شيء، قاله في النهاية (٢).
٥٤٥٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رجلًا من الْحَبَشَة أَتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه فضلْتُمْ علينا بالألوان والنبوة أَفَرَأَيْت إِن آمَنت بِمثل مَا آمَنت بِهِ وعملت بِمثل مَا عملت بِهِ إِنِّي لكائن مَعَك فِي الْجنَّة فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ نعم ثمَّ
стр. 9965
قَالَ النَّبِيّ ﷺ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَانَ لَهُ بهَا عهد عِنْد اللَّه وَمن قَالَ سُبْحَانَ اللَّه كتب لَهُ مائَة ألف حَسَنَة فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللَّه كيفَ نهلك بعد هَذَا فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجل ليجيء يَوْم الْقِيَامَة بِعَمَل لَو وضع على جبل لأثقله فتقوم النِّعْمَة من نعم اللَّه فتكاد تستنفد ذَلِك كُله لَوْلا مَا يتفضل اللَّه من رَحمته ثمَّ نزلت ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ (١) فَقَالَ الحبشي يَا رَسُول اللَّه وَهل ترى عَيْني فِي الْجنَّة مثل مَا ترى عَيْنك فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ نعم فَبكى الحبشي حَتَّى فاضت نَفسه قَالَ ابْن عمر فَأَنا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ يدليه فِي حفرته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة أَيَّوب بن عتبَة (٢).
٥٤٥١ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الأَسْقَع ﵁ عَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ يبْعَث اللَّه يَوْم الْقِيَامَة عبدا لا ذَنْب لَهُ فَيَقُول اللَّه أَي الأمريْنِ أحب إِلَيْك أَن أجزيك بعملك أَو بنعمتي عنْدك قَالَ يَا رب إِنَّك تعلم أَنِّي لم أعصك قَالَ خُذُوا عَبدِي بِنِعْمَة من نعمي فَمَا تبقى لَهُ حَسَنَة إِلَّا استغرقتها تِلْكَ النِّعْمَة فَيَقُول رب
стр. 9966
بنعمتك ورحمتك فَيَقُول بنعمتي ورحمتي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١).
٥٤٥٢ - وعن جابر ﵁ قال خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال خرج من عندي خليلي جبريل آنفا فقال يا محمد والذي بعثك بالحق إن للَّه عبدا من عباده عبد اللَّه خمسمائة سنة على رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب فيستنقع في أسفل الجبل وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة يتعبد يومه فإذا أمسى نزل فأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها ثم قام لصلاته فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه اللَّه وهو ساجد قال ففعل فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا فنجد له في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي اللَّه فيقول له الرب أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول اللَّه قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي رب
стр. 9967
برحمتك أدخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ولم تك شيئًا فيقول أنت يا رب فيقول من قواك لعبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل ليلة رمانة وإنما تخرج مرة في السنة وسألته أن يقبضك ساجدا ففعل فيقول أنت يا رب قال فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة أدخلوا عبدي الجنة فنعم العبد كنت يا عبدي فأدخله اللَّه الجنة قال جبريل إنما الأشياء برحمة اللَّه يا محمد رواه الحاكم (١) عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال صحيح الإسناد.
قوله: "وعن جابر" تقدم الكلام عليه. قوله: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: خرج من عندي خليلي جبريل آنفا" أي قريبا. قوله: "وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع" أي حلوة والعذب من الماء هو الحلو الطيب. قوله:
стр. 9968
"تبِضُّ بماء عذب" تبض معناه قطر وسال واختلفوا في ضبطه هناك فضبطه بعضهم بالمعجمة وبعضهم بالمهملة أي تبرق قوله: "فأصاب من الوَضوء" الحديث، الوضوء بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به والوُضوء بالضم هو الفعل، وتقدم الكلام على ذلك في باب الوضوء في كتاب الطهارة. [قوله: "والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ"، تقدم الكلام على الفرسخ. وقوله: "وأخرج له عينا عذبة بعرض الإصبع تبضّ بماء عذب"، تبضّ معناه قطر وسال واختلفوا في ضبطه هناك فضبطه بعضهم بالمعجمة وبعضهم بالمهملة أي تبرق].
٥٤٥٣ - وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه ﷺ : سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحدا الجنة عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما.
قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "سدّدوا وقاربوا" أي اطلبوا السداد واعملوا به وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، والسداد الصواب وهو بين الإفراط والتفريط فلا تغلوا ولا تُقصِّروا. قوله: "فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله" الحديث، المراد بيان أن النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل اللَّه ورحمته والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل
стр. 9969
الإيجاب بل غايته أنه يُعَدّ للعامل لأن يتفضل عليه وتقرب إليه الرحمة كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، فدخول الجنة بفضل اللَّه ورحمته والنجاة من النار بعفوه ومغفرته وعلى هذا حمل غير واحد ما جاء في الآيات في دخول الجنة فالأعمال كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (٢) اهـ. قوله: "ولا أنت يا رسول اللَّه" الحديث، قال أبو العبَّاس القرطبي: كأنه وقع لهم أن النبي ﷺ لعظيم معرفته باللَّه وكثرة عباداته أن يُنجيه عمله فردّ النبي ﷺ ذلك وسوّى بينه وبينهم في ذلك المعنى وأخبر أنه عن فضله ورحمته لا يستغني.
قوله: "إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته" أي يلبسني ويغمدني بها ومنه غمدت السيف وأغمدته إذا جعلته في غمده وسترته به أو يحفظني اللَّه برحمته كما يحفظ السيف في غمده، في نوادر الأصول (٣) الذي سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ كان [أي السائل] (٤) في عمًى من [هذا الأمر] وأن اللَّه منَّ عليه [ ﷺ ] بالنبوءة وشرح الصدر وكل ذلك رحمة منه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (٥)، اهـ،
стр. 9970
فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث ثوبان أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ومع هذا فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تُنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا ترى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة اللَّه وعفوه وفضله واللَّه أعلم.
٥٤٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه قالوا ولا أنت يا رسول اللَّه قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته وقال بيده فوق رأسه.
رواه أحمد (١) بإسناد حسن ورواه البزار (٢) والطبراني (٣) من حديث أبي موسى والطبراني (٤) أيضًا من حديث أسامة بن شريك والبزار (٥) أيضًا من
стр. 9971
حديث شريك بن طارق بإسناد جيد. (١)
قوله: "وعن أبي سعيد" هو الخدري، تقدم. قوله ﷺ : "لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه. قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته" الحديث. يقال تغمده اللَّه برحمته أي غمده بها وسترها بها وألبسه رحمته وإذا اشتملت على شيء فغطته فقد تغمدته أي صارت له كالغمد للسيف، وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله.
[فإن قلت: كل المؤمنين لا يدخلون الجنة إلا تغمدهم بفضله فما وجه تخصيص الذكر برسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: تغمد اللَّه تعالى له بعينه مقطوع به أو إذا كان له بفضل اللَّه فلغيره بالطريق الأولى أن يكون بفضله لا بعلمه.
فإن قلت: قال اللَّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (٢)، قلت: الباء ليست للسببية -[ويمكن أن تكون سببية وعُبر بالعمل عن الفضل الناشيء عنه العمل إقامة للمسبب مقام سببه ﴿وَاللَّهُ
стр. 9972
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (١)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ (٢) الآية، واللَّه أعلم] (٣) - بل للإلصاق والمصاحبة أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة لثواب أعمالكم اهـ] (٤).
تنبيه: واعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب بل ثبوتهما بالشريعة المطهرة حتى لو عذب اللَّه تعالى جميع المؤمنين كان عدلا ولو أدخلهم الجنة فهو فضل لا يجب عليه شيء وكذا لو أدخل الكافرين الجنة لكان له ذلك ولكن أخبرنا بأنه لا يفعل بل يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين. والمعتزلة يُثبتون بالعقل الثواب والعقاب ويجعلون الطاعة سببا للثواب موجبا له، والحديث يردّ عليهم، قاله الكرماني (٥). أي جميع الكلام على حديث أبي سعيد هذا.
٥٤٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، رواه مسلم (٦)
стр. 9973
والترمذي (١) ورواه أحمد (٢).
ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ قال يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة ورواته رواه الصحيح الجلحاء التي لا قرن لها.
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة" الحديث، هو على بناء المفعول، والحقوق مرفوعة وهي الرواية المعتدّ بها، وزعم بعضهم بناءه للفاعل وضم الدال ونصب الحقوق والفعل مسندا إلى الجماعة الذين خوطبوا به والصحيح ما تقدم، واللام جواب قسم مقدر كذا في الميسر وهو كتاب يتعلق بالحديث. قوله ﷺ : "حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" الحديث، الجلحاء التي لا قرن لها، قاله الحافظ وقال بعضهم القرناء ضد الجلحاء وهي كناية على العدل بين الخلق. وقوله: "حتى للذرة من الذرة" الذرة بالذال المعجمة النملة الحمراء الصغيرة، وسئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وقيل الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى
стр. 9974
في شعاع الشمس الداخل في النافذة قاله في النهاية (١)، فهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها في القيامة كما يُعاد أهل التكليف من الآدميين وكما تُعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغهم دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (٢)، وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليمس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء للجماء فليس هو من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة واللَّه أعلم، وتقدم شيء من ذلك في الفصل قبله.
لطيفة لها تعلق بالقصاص في عجائب المخلوقات: عن موسى بن عمران ﷺ أنه اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها ثم ارتقى ليصلي إذْ أقبل فارس فشرب من ماء العين وترك عندها كيسا فيه دراهم فجاء بعده راعي غنم فرآى الكيس فأخذه ومضى ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس على رأسه حزمة حطب فوضعها هناك واستلقى ليستريح فما كان إلا قليلا حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده فأقبل على الشيخ يطالبه به ولم يزل يضربه حتى قتله. فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟ فأوحى اللَّه تعالى
стр. 9975
إليه أن الشيخ كان قتل أبا الفارس وعلى أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس فجرى بينهما القصاص وقضى الدين وأنا حليم عادل، اهـ، قاله الكمال الدميري في منافع الحيوان (١) واللَّه أعلم [بالصواب].
٥٤٥٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا رواه أحمد (٢) بإسناد حسن ورواه أحمد (٣) أيضًا وأبو يعلى (٤) من حديث أبي سعيد.
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "ليختصم كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا" الحديث، [الخصام هو] الجدل.
٥٤٥٧ - وعن عائشة ﵂ أن رجلًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ جلس بين يديه فقال يا رسول اللَّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم فقال له رسول اللَّه ﷺ يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن
стр. 9976
كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول اللَّه ﷺ ويهتف فقال رسول اللَّه ﷺ ما لك ما تقرأ كتاب اللَّه ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء ٤٧ فقال الرجل يا رسول اللَّه ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء يعني عبيده أشهدك أنهم كلهم أحرار رواه أحمد (١) والترمذي (٢) وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان وقد روى أحمد بن حنبل هذا الحديث عن عبد الرحمن بن غزوان انتهى.
стр. 9977
قال الحافظ: وإسناد أحمد والترمذي متصلان ورواتهما ثقات عبد الرحمن هذا يكنى أبا نوح ثقة احتج به البخاري وبقية رجال أحمد ثقات احتج بهم البخاري ومسلم.
قوله: "وعن عائشة" تقدم الكلام على مناقبها ﵂.
قوله: "إن لي مملوكين يكذبونني ويخونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم" الحديث، المراد بالمملوكين هم الأرقاء، والشتم هو السب واللعن. قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) الآية، القسط العدل، وتقدم هذا الحديث في باب الشفقة على خلق اللَّه.
٥٤٥٨ - وعن أم سلمة ﵂ قالت كان رسول اللَّه ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول اللَّه ﷺ يدعوك فقالت لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك فقال رسول اللَّه ﷺ لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك وفي رواية لولا القصاص لضربتك بهذا السواك رواه أبو يعلى (٢) بأسانيد أحدها جيد.
стр. 9978
قوله: "وعن أم سلمة" هي أم المؤمنين، تقدم الكلام على مناقبها. قولها: "كان رسول اللَّه ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها" الحديث، الوصيفة بفتح الواو وكسر الصاد هي الخادم.
قوله: "فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب بلهمة" البهمة تقدم الكلام عليها في الباب المذكور أعلاه. قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : لولا خشية القود لأوجعتُك بهذا السواك" القود القصاص.
٥٤٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ من ضرب مَمْلُوكه سَوْطًا ظلما اقْتصّ مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (١).
٥٤٦٠ - وعن عبد اللَّه بن أنيس ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول يحشر اللَّه العباد يوم القيامة أو قال الناس عراة غرلا بهما قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الديان أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة قال قلنا كيف وإننا نأتي عراة غرلا بهما قال الحسنات والسيئات رواه أحمد (٢) بإسناد حسن.
стр. 9979
قوله: "وعن عبد اللَّه بن أنيس" وعبد اللَّه بن أنيس مختلف في نسبه قيل الجهني وقيل أنصاري ومختلف في أنهما اثنان أو واحد ومختلف في قدوم جابر عليه هل هو إلى الشام أو إلى مصر. قال الحافظ المقدسي هذا حديث لم يسنده أحد من المشهورين بتخريج السنن الصحاح ولا الحسان كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وإنما ذكره البخاري تعليقًا (١) بغير إسناد متصل فقال: ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن أنيس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يحشر العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قَرُب" فاحترز البخاري من أن يضاف إليه تصحيحه بقوله: ويذكر لأنه ليس كل ما يذكر صحيحا ولم
стр. 9980
يسم ابن عقيل لأنه ليس من شرط كتابه وذلك من عادته في تخريج حديث من لا يكون على شرطه [لأن في سند] هذا الحديث ابن عقيل، قال الترمذي وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبل حفظه وسمعت محمد بن [عقيل] يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق [والحميدي] يحتجون بحديثه. قال محمد وهو مقارب الحديث ولفظ مقارب يروى بفتح الراء وكسرها فمن فتح أراد أن غيره يُقاربه في الحفظ ومن كسر أراد أنه يُقارب غيره فهو في الأول مفعول وفي الثاني فاعل والمعنى واحد. قال الشيخ تقي الدين السبكي الترمذي يصحح أحاديث محمد بن عقيل وله حديث يتعلق بالأصول يرده لتفرده به لما في ابن عقيل من الكلام وهو حديث عبد اللَّه بن أنيس في الصوت وقد صنف فيه المقدسي شيخ الحافظ المنذري جزءا فقال: أنبأنا به الحافظ شرف الدين الدمياطي أن جابر بن عبد اللَّه حدثه فقال: بلغني عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ حديث سمعه من رسول اللَّه ﷺ لم أسمعه قال: فابتعت بعيرًا [فشددت] عليه رحلي وسرت عليه شهرا حتى أتيت الشام فإذا هو عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري. قال: فأرسلت إليه أن جابرا على الباب، قال: فخرج إليّ واعتنقني واعتنقته فقلت له: حديث بلغني عنك سمعته من رسول اللَّه ﷺ خشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يحشر اللَّه العباد أو قال يحشر اللَّه الناس عراة غرلا، الحديث.
قوله ﷺ : "يحشر العباد يوم القيامة - أو قال الناس، الشك من الرواي"
стр. 9981
قوله: "عراة غرلا بهما"، الحديث [وتقدم] الكلام على العراة والغرل. وأما البهم فجمع بهيم وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج والبرص وغير ذلك وإنما هي أجساد مصحّحة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقال بعضهم: روي في تمام الحديث قيل: وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء يعني من أعراض الدنيا، وقيل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شيء، وهذا يخالف الأول من حيث المعنى ومنه الحديث في خيل دهم بهم. قوله: "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" الصوت معلوم ولا يجوز على كلام اللَّه تعالى صفته وأنه لا يحل لمسلم أن يعتقد أن كلام اللَّه تعالى صوت وحرف من طريق العقل والشرع وقد دل الدليل العقلي على استحالة قيام الصوت بالقديم لأن الصوت والحرف مخلوقان وكلام اللَّه [يجل] عن ذلك كله وأما من طريق الشرع فلأنه لم يرد في وصف كلام اللَّه حرف وصوت من طريق صحيحة ولفظ النداء لا يحتاج إلى تأويل بل إطلاقه ورد به الكتاب العزيز، ولفظ الصوت يقبل التأويل ومعناه أنه [تعالى وتقدَّس] يأمر [مناديا] ينادي بصوت أن اللَّه يقول: أنا الملك أنا الدين، فيتفق المعقول مع المنقول. وقال بعضهم أيضًا: معناه يجعل ملكا من ملائكته يناديهم بصوته أو صوت يحدثه اللَّه تعالى يسمع الناس، ومنه رواية أبي [ذر]، [فيُنادي] على ما لم يُسم فاعله واللَّه أعلم. قوله: "أنا الملك أنا الديان" الحديث، قيل هو
стр. 9982
القهار وقيل الحاكم والقاضي، وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، يقال دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا، [ومنه شعر الأعشى الخزمازي يخاطب النبي ﷺ : يا سيّد الناس وديّان العربْ (١). ومنه حديث أبي طالب قال له ﵇ (٢): أريد من قريش كلمة تدين لهم بها العرب، أي تطيعهم وتخضع لهم. اهـ، قال في النهاية] (٣).
ومنه الحديث: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، أي أذلها واستعبدها وقيل حاسبها (٤)، وفي شرح الأسماء والصفات للبيهقي (٥) لما أن تكلم على معنى اسمه تعالى الديان، روي من حديث عبد الرزاق عن أيوب
стр. 9983
عن أبي قلابة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، ولكن كما شئت كما تدين تدان. ثم قال: هذا مرسل. [فإذا استوى كل واحد على قبره فمنهم العريان والمكسو والأسود والأبيض ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف ومنهم من يكون له نور كالمصباح إلى آخر الحديث [إلا أنّ كل] واحد منهم لا يزال مطرقا برأسه ما يدري ما يصنع ألف عام حتى يظهر من [الغرب] نار لها دوي [يساق] فيدهش لها [رءوس] الخليقة إنس وجن ووحش وطير فيأتي كل واحد من الخلق عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر فمن كان له حينئذ عمل جيد أشخص له عمله بغلا ومنهم من يشخص له حمارا ومنهم من يشخص له عمله كبشا تارة يحمله وتارة [يكفيه] ويجعل لكل واحد منهم نورا [شعاعي بين] يديه وعن يمينه [من الدرة] (١).
٥٤٦١ - وعن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات فإن لم يكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار، رواه الطبراني في الأوسط (٢)
стр. 9984
ورواته مختلف في توثيقهم.
قوله: "وعن أبي أمامة الباهلي" واسمه صُديّ بن عجلان، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله ﷺ : "يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به" الحديث. قوله ﷺ : "حتى يورد الدرك الأسفل من النار" الحديث، الدرك بالتحريك وقد يسكن واحد الأدراك وقد قرئ بالوجهين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١)، وهي منازل في النار، والدرك إلى أسفل والدرج إلى فوق، قاله ابن الأثير في النهاية (٢) واللَّه أعلم.
تنبيه: أما مظالم العباد فلا بد من استيفائها، ففي معجم الطبراني (٣) عن
стр. 9985
النبي ﷺ : الظلم عند اللَّه تعالى يوم القيامة ثلاث دواوين: ديوان لا يغفر اللَّه منه شيئا وهو الشرك باللَّه ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (١) الآية، وديوان لا يترك اللَّه منه شميئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا، وديوان لا يعبؤ اللَّه به شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على الكبائر والصغائر لكن مستحقه أكرم الأكرمين وما يعفو عنه من حقه ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه وأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه لعدله وإيصال كل حق إلى صاحبه.
وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا يخرجون إلى الجبال ويتضرعون فأوحى اللَّه تعالى إلى أنبيائهم لو مشيتم إليّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيا ولا أرحم منكم باكيا حتى تردّوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا من يومهم.
مسألة فقهية: فأما حقوق العباد فيتصور في مسائل كمن غصب أموالا ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم فاختلف في ذلك، فقالت طائفة لا توبة إلا بالأداء وقد تعذر فتعذرت التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا
стр. 9986
لأن هذا حق آدمي لم يصل إليه واللَّه تعالى لا يترك من حقوق عباده شيئًا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلابد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة أو كلمة أو رمية بحجر. وقالت طائفة يدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة. وقالت طائفة أخرى بل باب التوبة مفتوح لهذا التائب ولم يُغلق عنه ولا عن مذنب باب التوبة وتبوته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها واللَّه تعالى أعلم.
٥٤٦٢ - وَرُوِيَ عَن زَاذَان قَالَ دخلت على عبد اللَّه بن مَسْعُود وَقد سبق إِلَى مَجْلِسه أَصْحَاب الْخَزّ والديباج فَقلت أدنيت النَّاس وأقصيتني فَقَالَ لي ادن فأدناني حَتَّى أقعدني على بساطه ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول إِنَّه يكون للْوَالِدين على ولدهما دين فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يتعلقان بِهِ فَيَقُول أَنا ولدكما فيودان أَو يتمنيان لَو كَانَ أَكثر من ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١).
٥٤٦٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ بَينا رَسُول اللَّه ﷺ جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول اللَّه بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ
стр. 9987
لي مظلمتي من أخي فَقَالَ اللَّه كَيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول اللَّه ﷺ بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل عَنْهُم من أوزارهم فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْعَفو.
٥٤٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁: قالوا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا لا، قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخرلك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول
стр. 9988
أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذا ثم يقول الآن نبعث شاهدا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط اللَّه عليه رواه مسلم (١).
ترأس بمثناة فوق تم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة أي تصير رئيسا. وتربع بموحدة بعد الراء مفتوحة معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويقال له المرباع.
قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله: "قالوا يا رسول اللَّه هل ترى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا" الحديث. تضارون، روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى التشديد لا تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه، ومعنى المخففة لا يلحقكم في رؤيته ضير. قوله [صلى اللَّه تعالى عليه وسلم] في رؤية الشمس في الظهيرة، والظهيرة ساعة الزوال لأن الشمس تظهر في ذلك الوقت أي تعلو غاية ما لها أن تعلو. وقال يعقوب: الظهيرة نصف النهار حتى تكون الشمس حيال رأسك، انتهى.
قوله: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا؟ "
стр. 9989
وسمى القمر بدرا لأنه يبادر الشمس، شبّه رؤية الباري برؤية القمر لذلك إشارة إلى وضوحها وعدم الشك والمشقة والاختلاف فيها، ومذهب جميع أهل السنة أن رؤية اللَّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، [وأجمعوا] على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون ربهم دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللَّه تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا خطأ صريح وجهل قببيح فقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة ولكن الجمهور من السلف والخلف على أنها لا تقع في الدنيا ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها اللَّه تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على جهة الاشتراط ولا يلزم من رؤية اللَّه تعالى إثبات جهة للَّه تعالى عن ذلك بل يراه المؤمنون لا من جهة كما يعلمون لا من جهة. اهـ.
قوله: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" أي ترون ربكم رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة وهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. [اختلف العلماء] (١) في رؤية اللَّه تعالى فقال بعضهم لا يُرى الباري لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقال
стр. 9990
بعضهم: يراه أهل الجنة في الآخرة بغير تشبيه كما أنهم يعرفونه في الدنيا بغير كيف ولا تشبيه فأهل الجنة يرونه بغير كيف ولا تشبيه كما شاء هو ، فأما من قال بأنه لا يُرى ذهب إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١)، وقال تعالى: [لموسى ﵊: رضيت؟ قال]: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (٢) ولفظة لن [تراني] تقتضي [الأبد]. وأما من قال بالرؤية احتج بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣)، وقال في موضع آخر: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤)، قال ابن عباس: الزيادة النظر إلى وجهه تعالى، والأحاديث الواردة في الصحاح صريحة بذلك، اهـ] (٥).
قوله ﷺ : "فيلقى العبد ربه فيقول: أي فل" الحديث، أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم. وقال صاحب النهاية وغيره: أي فل أي حرف ينادى به القريب وفل أي فلان وفُل بضم الفاء وإسكان اللام ومعناه يا فلان كما تقدم وهو ترخيم على خلاف القياس، وقال ابن الأثير ليس ترخيما لفلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيما لفتحوا اللام أو
стр. 9991
ضموها [وبه] قال سيبويه وقال ليست ترخيما وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء وقد جاء في غير النداء: قال: في [لغةٍ أمسكَ] فلانا عن فُلِ، [بكسر] اللام للقافية. وقال قوم إنها ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم ومنه حديث أسامة في الوالي الجائر يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقال: أي فل أين ما كنت تصف؟ اهـ. قوله: "ألم أكرمك وأسوِّدك" بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك، اهـ، قاله المنذري. قوله: "وأذرك ترأس" بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة، أي تصير رئيسا، اهـ، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (١): ترأس القوم يرأسُهم رياسة إذا صار رئيسهم ومقدِّمهم ومعناه رئيس القوم وكبيرهم ومنه الحديث، رأس الكفر من قبل المشرق ويكون إشارة إلى الدجال أو غيره من رؤساء الضلال الخارجين بالمشرق، قاله في النهاية.
قوله: "وتربع" وقد ضبطه المملي بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة فقال: معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويُقال له المرباع، اهـ. يقال ربعت القوم أربعهم إذا أخذت ربع أموالهم مثل عشرتهم أعشرهم يريد ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع وهو الربع من رأس ما غنموه إذا غزى بعضهم بعضا ومنه قوله لعدي بن حاتم: إنا نأكل المرباع وهو لا يحل لك في دينك ومنه شعر وفد تميم: نحن الرءوس وفينا يقسم الربع.