Полный текст (2 217 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مسيرَة شهر أَو أَكثر وَهُوَ فِي سكره فَيبقى عليلاً نَحْو مُدَّة هيجانه وَلَا يكون هَذَا الْعرق إِلَّا فِي الفحول من الفيلة وَذَوي الجرأة والإقدام مِنْهَا ثمَّ قَالَ وَأما السَّنَد فَإِنَّهُم جيل معروفون فِي بِلَادهمْ يُقَال سَنَد فلَان إِلَى الْجَبَل إِذا ارْتَفع سموا بذلك لارْتِفَاع فِي أَرضهم والسند كالرابية من الأَرْض وَالْجمع سنود وأسناد والإسناد مصدر أسندت الحَدِيث إِلَى فلَان أَي رفته إِلَيْهِ وَيُقَال للناقة الموثقة الْخلق سناد والسناد عيب من عُيُوب القوافي فَرجع فَقَامَ أرفخشد مقَام أَبِيه سَام أحسن قيام وَتزَوج فولد لَهُ شالغ بشين مُعْجمَة وَألف وَلَام مَفْتُوحَة وغين مُعْجمَة وَيُقَال بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ الْوَكِيل أمه شبروما بنت سيدوك فاستودعه أَبوهُ أرفخشد النُّور وَالْحكمَة ومواريث الْأَنْبِيَاء وَمَات أرفخشد وَمَعْنَاهُ مِصْبَاح مضيء وَله من الْعُمر أَرْبَعمِائَة سنة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة فَقَامَ بِأَمْر أَبِيه والمؤمنون مَعَه قَلِيلُونَ لِأَن إِبْلِيس جعل يغوي بني آدم لما مَاتَ أرفخشد بِكُل طَرِيق وَإِذا نزل وَاحِد من بني سَام إِلَى بني يافث وَحَام وَرَأى مَا هم فِيهِ من اللَّذَّات وَالشرَاب وَالزِّنَا وأنواع الطَّرب افْتتن بذلك فهجروا بِلَادهمْ وتتبعوا الْقَوْم وَصَارَ الرجل يجذب من بني أَبِيه وهم كل يَوْم ينقصُونَ وَتمّ لإبليس مُرَاده وَلم يبْق من شالغ إِلَّا قَلِيل من بني أَبِيه لَا طَاقَة لَهُم ببني يافث وَحَام وَاشْتَدَّ كفرهم أَكثر مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ بَنو قابيل اللعين إِلَّا أَنهم لَا يتقاتلون وَلَا يَغْزُو بَعضهم بَعْضًا وَلَا يتَعَرَّض كافرهم لمؤمنهم واختطوا الأَرْض وملئوها عرضا وطولاً وَشَكتْ الأَرْض إِلَى الله مِنْهُم وَتزَوج شالغ وَولد لَهُ عَابِر وَهُوَ هود ﵇ وَمعنى شالغ الرَّسُول وشالغ وَبَنُو أَبِيه قد سكنوا الْموضع الَّذِي نزل فِيهِ نوح لِئَلَّا يضايقوا بني حام وَيَافث وَقد رَضوا مِنْهُم بالمتاركة وَكَانَ بَنو يافث قدمُوا عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم وملكوه اسْمه خامر بن يافث وَكثر بغيهم وإبليس نكر بَعضهم على بعض وَلم يزَالُوا على ذَلِك طول عمر شالغ إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة فَأمر أَن يستودع الِاسْم الْأَعْظَم وَالْحكم والنور ابْنه عَابِر وَهُوَ هود النَّبِي ﵇ فَدَعَا وَأوصى إِلَيْهِ وَأخذ عَلَيْهِ الْعَهْد فِي النُّور المحمدي وَقبض شالغ وعمره أَرْبَعمِائَة سنة فسلك بِهِ مَسْلَك آبَائِهِ وَدَفنه إِلَى جَانب أَبِيه فاضطربوا بعد
стр. 107
موت شالخ وتباغضوا وَفِي زَمَنه ملك عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْقَبِيلَة كَانَ رجلا خياراً شَدِيد الْخلق يعبد الْقَمَر رأى من صلبه أَرْبَعَة آلَاف ولد مِنْهُم شَدِيد وَشَدَّاد وعلوان وَكَانَت بِلَاده مُتَّصِلَة بِالْيمن وَهِي بِلَاد الْأَحْقَاف وسنجار وَالدَّم والدهناء ويبرين إِلَى عمان وحضرموت وَكَانَ يُقَال الْعقبَة عَاد كَمَا يُقَال لبني تَمِيم تَمِيم ثمَّ يُقَال للأولين مِنْهُم عَاد الأولى وإرم تَسْمِيَة لَهُم باسم جدهم وَلمن بعدهمْ عَاد الْأَخِيرَة قَالَ تَعَالَى ﴿وانه اهلك عَاد الأُولَى﴾ النَّجْم ٥٠ وَكَانُوا أعْطوا من الْخلق وَالْقُوَّة مالم يُعْط أحد من بني آدم قبلهم وَلَا بعدهمْ وَلذَلِك تجبروا فسموا جبارين واحتقروا من سواهُم من الْخلق من ولد يافث وَحَام وهم الَّذين ملكوا سَائِر الأقاليم وَكَانَ على أَوْلَاد سَام بِبَابِل كيومرث بن أميم بن لاوذ بن سَام بن نوح وَهُوَ أول ملك بِبَابِل وَقسم عَاد الأَرْض بَين ولديه شَدِيد وَشَدَّاد فَهَلَك شَدِيد وَكَانَ أظلم وأطغى من أَبِيه عَاد وَمَات عَاد وَله من الْعُمر ألف وَمِائَتَا سنة فَرجع الْملك إِلَى شَدَّاد بن عَاد وَقوم هَذَا هم عَاد الثَّانِيَة وهم الَّذين قَالُوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فصلت ١٥ روى أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يحمل الصَّخْرَة على الْحَيّ فيهلكهم وَكَانَ طول الرجل مِنْهُم مائَة وَعشْرين ذِرَاعا بذراعهم وَعرضه سِتُّونَ ذِرَاعا وَكَانَ أحدهم يضْرب الْجَبَل الصَّغِير فيقطعه وَكَانُوا يسلخون الْعمد من الْجبَال فيجعلون طول العملد مثل طول الْجَبَل الَّذِي يسلخونه من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ ثمَّ ينصبون الْعمد فيبنون فَوْقهَا الْقُصُور وَأَرَادَ شَدَّاد ملك الأَرْض كلهَا فَوجه إِلَى بني يافث وَبني حام وَبَقِيَّة بني سَام من أهل بَيته وَقَومه ثَلَاثَة نفر مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم عشرَة آلَاف من الْجَبَابِرَة من ولد عَاد وَوجه إِلَى أَوْلَاد سَام الَّذين بِبَابِل ابْن أَخِيه الضَّحَّاك بن علوان بن عَاد وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَجم ايراسف وَلما جَاءَهُم هرب مِنْهُ ملكهم جمشيد لعلمه أَن لَا طَاقَة لَهُ بِقِتَال الْجَبَابِرَة الَّذين مَعَه فَطَلَبه الضَّحَّاك حَتَّى ظفر بِهِ فامتلخ أمعاءه ونشره بمنشار وَملك أرضه ومملكته وَمِنْهُم كَانَت الْجَبَابِرَة بِالشَّام الَّذين يُقَال لَهُم الكنعانيون وَوجه إِلَى ديار حام ابْن عَمه الْوَلِيد بن عمليق وَبِه سمى العمالقة وَهُوَ ابْن دومع ابْن عوص بن إرم بن سَام بن نوح وَكَانَ على بني حام ملكة يُقَال لَهَا بطريا أُخْت
стр. 108
حوريا الَّتِي بنى لَهَا جُبَير المؤتفكي العملاقي مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة فوصل الْوَلِيد بن عمليق إِلَيْهَا وَاسْتولى وَغلب على ملكهَا وقتلها وَملك مصر وَعمر عمرا طَويلا وَهُوَ الَّذِي بنى الأهرام على أحد الْأَقْوَال وَلما مَاتَ ولي مصر ابْنه الريان بن الْوَلِيد بن عمليق وَوجه إِلَى ولد يافث ابْن أَخِيه غَانِم بن علوان أَخا الضَّحَّاك بن علوان وَكَانَ ملك يافث قبراسيات بن ترك بن يافث بن نوح فغلبه غَانِم وَاسْتولى على ملكه وأرضه وَلم يزل شَدَّاد ملكا إِلَى أَن بنى الْمَدِينَة وأخذته الصَّيْحَة عِنْد إِرَادَة دُخُولهَا فَتَوَلّى بعده رجل يُقَال لَهُ الخلجان بن عتيد آخر عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح وانتقلوا من دِيَارهمْ إِلَى الْأَحْقَاف من عمان إِلَى حَضرمَوْت فَزعًا مِمَّا أصَاب قَومهمْ من الصَّيْحَة وقصة بِنَاء الْمَدِينَة وصفهَا مَذْكُور مَشْهُور لَا نطول بِذكرِهِ قَالَ ابْن بابويه وجدت فِي كتاب المعمر بن عُثْمَان أَنه ذكر عَن هِشَام بن سعيد الرّحال قَالَ وجدنَا بالإسكندرية حجرا مَكْتُوبًا فِيهِ أَنا شَدَّاد بن عَاد وَأَنا الَّذِي شيدت الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد وجندت الأجناد وسددت بساعدي السوَاد فبنيتها إِذْ لَا شيب وَلَا موت وَإِذا الْحِجَارَة مثل الطين فِي اللين وكنزت كنزاً فِي الْبَحْر لم يُخرجهُ أحد حَتَّى أمة مُحَمَّد
ثمَّ تزوج شالخ مرْجَانَة وَقيل معلب بنت عوليم فَولدت لَهُ عَابِر بِعَين مُهْملَة وباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة وَكَانَ أشبه ولد آدم بِآدَم فَلَمَّا وَضعته سَمِعت النداء والأصوات من كل مَكَان هَذَا نور مُحَمَّد
يكسر كل صنم وَيقتل كل من طَغى وَكفر فَخرج عَابِر أكمل قومه جمالاً وَقد أرسل بنبوة خَاصَّة وَمن حَدِيثه أَنه لماء أهلك الله شداداً وغيبت عَنْهُم الْمَدِينَة وطلبوها فَلم يجدوها ولوا عَلَيْهِم أَخا عَاد واسْمه الخلجان بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح كَمَا تقدم وانتقلوا من تِلْكَ الديار فَزعًا مِمَّا أصَاب قَومهمْ إِلَى الْأَحْقَاف والأحقاف رمال مَا بَين عمان إِلَى حَضرمَوْت وَمضى لَهُم سنُون لَا يدينون بدين وَلَا يعْرفُونَ الله وملكوا الأَرْض كلهَا وقهروا أَهلهَا بقوتهم وَبَقِي الْوُلَاة الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّم ذكرهم مَعَ من مَعَهم بِمصْر وَغَيرهَا كَمَا هم قد ملكوا الْبِلَاد بعد شَدَّاد وقطن هَؤُلَاءِ بالأحقاف وَكَانُوا إِحْدَى عشرَة قَبيلَة العتود والجلود وصداء
стр. 109
ودقل وزمر وشود وزمل وَحمد والصمود وجاهد ومناف فَجَاءَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ يرتعد وَزعم أَنه من أَوْلَاد شِيث وَأَنه كَانَ على سيف الْبَحْر مِمَّا يَلِي جدة قد انْفَرد لعبادة ربه وسألهم مَا الَّذِي وأقعكم إِلَى هَذِه الْأَحْقَاف والرمل وَغَيرهَا أخصب وَأحسن فحدثوه حَدِيث هَلَاك عَاد وَالْمَدينَة فَضَحِك وَقَالَ هَل سَمِعْتُمْ أحدا فِي الأَرْض لَا رب لَهُ قَالُوا لَا قَالَ لَو كَانَ مَعَه رب يبعده وَيسْجد لَهُ مَا أَصَابَهُ شَيْء كَمَا كَانَ مَعَ آبَائِهِ الْأَوَّلين وَهَا هُوَ معي يحفظني ويرعاني وَأخرج لَهُم صنماً لطيفاً من الذَّهَب الْأَحْمَر عَيناهُ من الْيَاقُوت الْأَزْرَق فَوَضعه وَسجد لَهُ وَقد وكل ماردا كلما سجد لَهُ قَالَ لَهُ المارد ارْفَعْ رَأسك وسلني مَا بدا لَك فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك قَالُوا هَذَا هُوَ الْحق وَنحن لَا إِلَه لنا وسنشاور ملكنا الخلجان فنحت لَهُم إِبْلِيس حجرا وَأمرهمْ أَن يبنوا لَهُ بَيْتا ويمنعوه فِيهِ فَفَعَلُوا ووكل بِهِ مارداً وَقَالَ لَهُم اجعلوا هَذَا الْيَوْم عيداً تذبحون عِنْده وتتقربون إِلَيْهِ بالقرابين يخاطبكم بِجَمِيعِ مَا تُرِيدُونَ فسجدوا لَهُ فخاطبهم المارد بقوله يَا أهل عَاد لَو كَانَ هَذَا الْفِعْل مِنْكُم قَدِيما مَا كنت أهلكت ملككم شَدَّاد والآن قد عَفَوْت عَنْكُم فاستقيموا على عبادتي أؤمنكم من كل سوء وأخصب بِلَادكُمْ وَسَماهُ لَهُم الهناة فَصَارَ صنم الخلجان وَهُوَ أول صنم اتخدته عَاد فاتخذت كل قَبيلَة مِنْهُم صنماً سموهُ باسم سيد قبيلتهم وَلم يزَالُوا كَذَلِك عاكفين على عبَادَة الْأَصْنَام حَتَّى أذن الله فِي هلاكهم ثمَّ إِن الله جعل يُتَابع لهود المنامات حَتَّى إِذا أعلمهُ فِي نَومه أَنه مرسله إِلَى قومه وَقد ألهمه عِبَادَته وَشرح صَدره لقبُول ذَلِك وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة أرسل الله إِلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ إِن الله أَرْسلنِي إِلَيْك بأنك الَّذِي ألهمك بَين قَوْمك توحيده واختارك لرسالته فاشدد حيازيمك وَانْطَلق إِلَى عَاد قَوْمك برسالة رَبك فأنذرهم بآياته وخوفهم عِقَابه فَقَالَ هود السّمع وَالطَّاعَة لأمر رَبِّي ثمَّ قَامَ فَشد وَسطه وَأخذ عَصَاهُ فِي يَده وأتى قومه فِي ناديهم وأبلغهم رسَالَته وَأَنْذرهُمْ عَذَابه وَأَن يعبدوا الله وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَأَن يرفضوا هَذِه الْأَصْنَام الَّتِي اتَّخَذُوهَا الهة
стр. 110
وَقَالَ لَهُم ﴿يَا قوم اعبدوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُم إِلَّا مفترون يَا قوم لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ على الَّذِي فطرني أَفلا تعقلون وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿صِرَاط مُسْتَقِيمٍ﴾ الْآيَات هود ٥٠ ٥٦ قَالَ بعض الْأَعْلَام فَكَذبُوهُ وَقَالُوا ﴿قَالُواْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تكن من الواعظين﴾ الشُّعَرَاء ١٣٦ ثمَّ إِنَّهُم بطشوا بِهِ وخنقوه وتركوه كالميت فَبَقيَ يَوْمه وَلَيْلَته مغشياً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ رب قد علمت مَا فعل بِي قومِي ثمَّ أعَاد عَلَيْهِم القَوْل فَقَالُوا يَا هود اترك عَنَّا مَا تَقول فَإِن بطشنا بك الثَّانِيَة نسيت الأولى فَقَالَ ارْجعُوا إِلَى الله وتوبوا إِلَيْهِ وَأوحى الله إِلَيْهِ يَا هود قد أبلغت بِهِ فَارْجِع عَنْهُم يَوْمك ذَلِك فَإِن لَهُم وقتا آخذهم فِيهِ أَخذ عَزِيز مقتدر ثمَّ لما رأى قومه وعظه وتحذيره آمن رُؤَسَاء قبيلته ففت فِي أَعْضَاء سائرها فَجعل الله يهْدِيهم بقوله حَتَّى حصل مَعَه ثَلَاث قبائل فَأمره الله بمحاربتهم فحاربهم فَكَانَت الْحَرْب بَينهم سجالاً وَلما رَأَوْا أَن لَا طَاقَة لَهُم بقتاله وَمن مَعَه أَجمعُوا أَن يستغيثوا بعوج بن عنق على هود وَمن مَعَه فيكفيهم أمره فأجابهم وأتى فَأوحى الله إِلَى هود إِنِّي مخفيك أَنْت وَمن مَعَك عَن أَعينهم فَلَا يرونك تقَاتلهمْ كَمَا تحب وهم لَا يصلونَ إِلَيْك فَأعْلم هود الْمُؤمنِينَ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَإِذ انجر الْكَلَام إِلَى ذكر عوج بن عنق فلنذكره وَأمه قَالَ فِي القامون عوج ابْن عنق ولد فِي منزل آدم ﵇ وعاش إِلَى زمن مُوسَى ويحكى عَن خلقه شناعة انْتهى وَأمه عنق بنت آدم لصلبه وَقيل اسْمهَا عنَاق بِأَلف قبل الْقَاف وَهِي أول بغي على وَجه الأَرْض من ولد آدم وعملت السحر وجاهرت بِالْمَعَاصِي وَخلق الله لَهَا عشْرين إصبعاً فِي كل يَد طول كل إِصْبَع ذراعان بذراعها فِي كل إِصْبَع ظفران حديدان كالمنجلين العظيمين وَكَانَت مساحة مجلسها من الأَرْض جريباً فَلَمَّا بَغت خلق الله لَهَا أسوداً كالفيلة وذئاباً كَالْإِبِلِ ونسوراً كالحمر فسلطهم عَلَيْهَا فَقَتَلُوهَا وأكلوها وَفِي كتاب المبتدا أَن حَوَّاء حملت بعنق وَحدهَا فِي بطن وَلم تحمل ولدا وَاحِدًا إِلَّا شِيث وَهَذِه المشؤمة فرأت فِي منامها كَأَن حَيَّة لَهَا رَأس عَظِيم خرجت
стр. 111
مِنْهَا وَكَأَنَّهَا طارت سَاعَة وَوَقعت على الأَرْض فشرقت وغربت وَأَنَّهَا لم تقصد لوجه من الْوُجُوه إِلَّا اشتعل نَارا ودخاناً وقصت رؤياها على آدم فَقَالَ أحسبك اشْتَمَلت على ولد نسْأَل الله السَّلامَة من شَره فَكَادَتْ أَن تَمُوت حَوَّاء فِي وَضعهَا وَنظرت إِلَيْهَا على غير صُورَة بنيها وَذَلِكَ أَن الله أشنع صورتهَا وَعظم خلقهَا وَأَصَح مَا جَاءَ فِي صفتهَا مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أَنه خطب فَذكر الجبارين وَذكر عوجا ابْنهَا فوصفها وَهُوَ على الْمِنْبَر فَقَالَ إِن أول بغي على وَجه الأَرْض عنق بنت آدم خلقهَا الله خلقا لم يخلق أحدا من بني آدم مثلهَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ لَهَا فِي كل يَد عشرُون إصبعاً فِي كل إِصْبَع ظفران كالمنجلين ومجلسهما من الأَرْض قدر جريب وَكَانَ ضوء وَجههَا كلهب النَّار وَإِن الله لما أخرجهَا إِلَى الدُّنْيَا وَرَآهَا آدم وحواء ارتاع مِنْهَا وَقَالَ بئْسَمَا ولدت يَا حَوَّاء فَقَالَت يَا صفوة الله هَل لي وَلَك فِي قدرَة الله اعْتِرَاض وَكَانَ لَا يكفيها لبن حَوَّاء فتحلب لَهَا الْإِبِل والأغنام وَلم تكفها وتشب فِي الْيَوْم كَغَيْرِهَا فِي الشَّهْر وَفِي الشَّهْر كَغَيْرِهَا فِي السّنة فَمَا آن فطامها إِلَّا وَقد غلظ أمرهَا وَكثر شَرها على بني أَبِيهَا وسمتها حَوَّاء عنق وَهِي بِالْعَرَبِيَّةِ المسؤمة وَجعلت تؤذي إخوتها وَمَتى مَا علقت بِأحد خرقت ثِيَابه وأدمته وَكسرت كل مَا تقع يَدهَا عَلَيْهِ وَزَاد شَرها وَكَانَت إِذا نهتها حَوَّاء عَن شَيْء لَا تعْمل غَيره وَإِذا هَمت أَن تمنعها خافتها على نَفسهَا لعظم خلقهَا لِأَنَّهُ مَا فِي بني آدم أعظم من خلقهَا وَجعل إخوتها يهابونها وَلَا يأوون موضعا تكون فِيهِ وآدَم يشنؤها فَلَمَّا رَأَتْ مِنْهُم ذَلِك كَانَت تخرج إِلَى الصَّحرَاء وتطلب الْبر وتحتال على الوحوش وَالطير فتأكلها وَلما رَآهَا إِبْلِيس اسْتحْسنَ صورتهَا فتصور لَهَا فِي صُورَة تقاربها وجاءها وَهِي خَالِيَة بِنَفسِهَا فحياها فأجابته وَقَالَت لَهُ من أَنْت فَإِنِّي لم أرك قبل هَذَا فَقَالَ صدقت يَا عنق أَنا من ولد قابيل أَخِيك الَّذِي هرب من أَبِيه فَمَا يمنعك أَن تَأْتِينَا فِي مَنَازلنَا فَإِن أَبَاك وأمك يشنؤك وَلَا خير عِنْدهم فسارت مَعَه إِلَى عِنْد قابيل وَولده فَلم تمنع من جاءها عَن نَفسهَا حَتَّى حملت بعوج وَأَرَادَ الله أَن يَجعله حَدِيثا فِي الأَرْض فولدته أعظم مِنْهَا فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس يَا عنق هَل لَك أَن أجعلك ملكة الْجِنّ مثل مَا كَانَ أَبوك ملك الْإِنْس فَقَالَت وَكَيف ذَاك فَقَالَ إِن الله أعلم أَبَاك الِاسْم الَّذِي
стр. 112
كَانَ إِذا دعِي بِهِ أجَاب فَكَتبهُ لأمك حَوَّاء وَهُوَ فِي عضدها فِي كتاب من الْفضة علقته عَلَيْهَا حرْزا مني وَمن وَلَدي فَلَا سَبِيل لنا عَلَيْهَا فَإِن قدرت أَن تأخذيه وتهربي بِهِ إِلَى عِنْد قابيل ثمَّ إِنَّك تدعين بِهِ فِيمَا أردْت فَإِنَّهُ يكون وتملكين الْجِنّ وَأول من يطيعك أَنا وجندي وَكَانَ الْكتاب فِي يَد حَوَّاء لَا يفارقها فَعَادَت عنق ورصدتها حَتَّى حَاضَت وأزالته من يَدهَا فسرقته وَخرجت بِهِ إِلَى الْبر فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس قد ملكت مَا تحبين فادعي بِمَا شِئْت فَقَالَت اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق هَذَا الِاسْم أَلا تجْعَل لأبي وَأمي عَليّ سَبِيلا وسخر لي إِبْلِيس وَجُنُوده فِيمَا أحب وَأُرِيد فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس مرينا بِأَمْرك فَأَمَرته أَن يحملهَا إِلَى بني قابيل فَلَمَّا رأوها عجبوا من خلقهَا وأعلموا قابيل عَن حاليها فأعلمته وأعلمه إِبْلِيس بِالِاسْمِ الْأَعْظَم فَقَالَ لَهُ قابيل هَل لَك من حِيلَة نَأْخُذهُ مِنْهَا فَنحْن أَحَق بِهِ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس رفقا لِئَلَّا تشعر بذلك فتهلكنا وَكَانَت أَي شَيْء أَرَادَتْهُ يحضرهُ لَهَا إِبْلِيس فَأول مَا عمل لَهَا الْخمر فَشَرِبت مَعَ بني قابيل تَدْعُو لنَفسهَا من استحسنته وإبليس يجْتَهد فِي تَحْصِيل الِاسْم الْأَعْظَم وَلما أَن زنت وحاضت وشربت وَلم تفارق الِاسْم الْأَعْظَم فِي أَيَّام حَيْضهَا بدله الله بِالسحرِ فَرفع عَنْهَا فَكَانَت إِذا أَرَادَت الْعَمَل لَا يتم لَهَا فَعلم إِبْلِيس أَن الله رَفعه عَنْهَا إجلالاً لَهُ وَأَن الَّذِي بَقِي مَعهَا هُوَ السحر فَسَأَلَهَا فِيهِ فَأَخْرَجته إِلَيْهِ ثِقَة بمودته فَعمل إِبْلِيس بِهِ وانتشر السحر فِي بني قابيل وَغلب عَلَيْهِم إِبْلِيس واستعبدهم وَأخرج لَهُم المزامير والعيدان وَجَمِيع الملاهي وعنق لَا ترد يَد لامس وحملت بعوج وَلم تعلم مِمَّن حملت بِهِ فَلذَلِك نسب إِلَيْهَا فربته حَتَّى عظم وَقَوي وَبَقِي يطوف الأَرْض جبلا جبلا وَلم يُسَلِّطهُ الله على أحد من خلقه إِلَى زمن مُوسَى ﵇ فَأَرَادَ أَن يَرْمِي عسكره بِالْجَبَلِ فَجعله الله طوقاً فِي عُنُقه وَقَتله مُوسَى ﵇ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا قلت وَمن كَانَت هَذِه أمه فَغير عَجِيب أَن يكون عدوا للأنبياء وَقد قيل إِنَّه مَا زَالَ يفتك بالأنبياء وَيقتل إِلَى أَن هلك لَعنه الله تَعَالَى وأغار على الْأَنْبِيَاء حَتَّى قتل ثَمَانمِائَة وَأَرْبَعَة ع شَرّ نَبيا وروى أَنه جَاءَ إِلَى نوح مستغيثاً ليحمله فِي السَّفِينَة فخافه نوح فَقَالَ لَهُ عوج لَا بَأْس عَلَيْك يَا نوح مني دَعْنِي أَمْشِي مَعَ سفينتك فَإِنِّي أعلم أَن سفينتك لَا تسعني وَلَا تحملنِي فَأوحى الله إِلَى نوح ذَر عوجا وَلَا
стр. 113
تخف مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا قدرَة لَهُ عَلَيْك فَقَالَ لَهُ نوح ضع يدك على مؤخرة السَّفِينَة فَإِن الله قد أَمرنِي بذلك فَبلغ المَاء رُكْبَتَيْهِ وَفِي رِوَايَة مَا بلغ نصف سَاقيه وَكَانَ لَا يأوي إِلَى المدن وَلَا تسعه إِلَّا الصحارى وكهوف أعدهَا لنَفسِهِ تكنه من الأمطار وحر الشَّمْس سُئِلَ عوج مَا أعجب مَا رَأَيْت قَالَ كنت أخوض الْبَحْر دَائِما إِلَى ساقي أَو إِلَى ركبتي أَو إِلَى حقوي أَو إِلَى صَدْرِي فبلغت موضعا وَوضعت فِيهِ رجْلي فَلم أبلغ قراره فَرَجَعت هَارِبا فاعترضتني حَيَّة فأخذتها بيَدي ورفعتها حَتَّى ظهر بَيَاض إبطي وَلم يظْهر لَهَا رَأس وَلَا ذَنْب وعثر على نقباء مُوسَى الاثنى عشر حِين أرسلهم إِلَى أرِيحَا بلد الجبارين عيُونا فَأَخذهُم فِي كمه مَعَ فَاكِهَة كَانَ حملهَا من بُسْتَان فنثرهم بَين يَدي الْملك فردهم الْملك إِلَى مُوسَى ليعلموه بِمَا عاينوه قَالَ فِي الْأنس الْجَلِيل تَارِيخ الْقُدس والخليل كَانَ طول عوج ثَلَاثَة آلَاف وثلاثمائة وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَثلث ذِرَاع وَكَانَ يحتجز السَّحَاب وَيشْرب مِنْهُ وَكَانَ يضْرب بِيَدِهِ فَيَأْخُذ الْحُوت من قاع الْبَحْر ثمَّ يرفعهُ إِلَى السَّمَاء فيشويه بِعَين الشَّمْس فيأكله انْتهى رَجعْنَا إِلَى استغاثة قوم هود الْكَافرين بعوج على هود وَقَومه الْمُؤمنِينَ اسْتَغَاثُوا بِهِ وضمنوا لَهُ إِن كفاهم هودا وَمن مَعَه أَن يفرضوا لَهُ فرضا يكون عَلَيْهِم وعَلى بنيهم أبدا وَكَانَ عوج أعظم خلقه من عَاد كَانَ أعظمهم يصل إِلَى ركبته أَو إِلَى وَسطه وَكَانَ إِذا جَاع قصد إِلَى مَدِينَة من المدن فيأتهيم بحزمة حطب يَضَعهَا على بَاب الْمَدِينَة فتسد بَابهَا وَتَعْلُو على السُّور فَإِذا رَأَوْا الْحَطب علمُوا أَنه جَاع لِأَنَّهُ جعل ذَلِك عَلامَة لجوعه وَمَنْفَعَة لَهُم فيكفيهم ذَلِك الْحَطب طول سنتهمْ فَيجْمَعُونَ لَهُ من كل منزل مِمَّا يَأْكُلُون على أقدارهم فيضعونه لَهُ فِي الصَّحرَاء فَيَأْخذهُ وينصرف وَهَذَا كَانَ دأبه فَلَمَّا قدم بالحطب إِلَى قوم هود الْكَافرين شكوا إِلَيْهِ أَمر هود وَقَومه الْمُؤمنِينَ وسألوه أَن يعينهم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم أروني عسكره أكفيكم أمره فوعدوه يَوْمًا بِعَيْنِه لِيُقَاتِلُوا فِيهِ هوداً وَقَومه حَتَّى إِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يداهم هوداً ﵇ بِالْقِتَالِ وَكَانَ هود إِذا شَاءَ ظهر لَهُم بِمن مَعَه فيقاتلهم وَإِن شَاءَ يغيب بِمن مَعَه فَلَا يرونه صرفا من الله لبصرهم عَن رُؤْيَته فَأَتَاهُم عوج فَلَمَّا أبصره قوم هود ارتاعوا فَقَالَ لَهُم هود لَا ترتاعوا وَأخْبرهمْ بِصَرْف الله أبصار أعدائه عَنْهُم فَلَا
стр. 114
يرونهم فازدادوا إِيمَانًا كَمَا تقدم ذكر ذَلِك ثمَّ اختفى هود بِمن مَعَه فأبصر عوج قوم هود ﵇ الْكَافرين فَقطع من الْجَبَل قِطْعَة على قدر الْعَسْكَر على عَاتِقه فألقاها على الْعَسْكَر فَقتل كل من وَقعت عَلَيْهِ وَكلما انفلت وَاحِد مِنْهُم أَخذ كفا من تُرَاب فدفنه فِيهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك صَاح الْبَاقُونَ يَا عوج نَحن أَصْحَابك قتلتنا وَتركت هودا فَقَالَ إِنَّمَا جِئتُكُمْ لأهْلك لكم عسكراً وَلم أجد غير هَذَا فَقَالُوا إِن هوداً سحر اعيننان فيرونا وَنحن لَا نراهم وَإِنَّمَا جِئْنَا بك لتَكون عوناً لنا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَانْصَرف عَنَّا فتركهم وَانْصَرف وَكَذَلِكَ أَرَادَ أَن يعْمل بِقوم مُوسَى فِي التيه فَإِنَّهُ وقف على عَسْكَرهمْ وهم لَا يعشرُونَ وَكَانَ فرسخين فِي فرسخين فَقطع من الْجَبَل قِطْعَة ليطقبها عَلَيْهِم فَأرْسل الله تَعَالَى هدهداً فِي منقاره حجر مذرب من ججر السامور فَضرب وسط الْحجر بِالْحجرِ فَوَقع فِي عُنُقه وَأخْبر الله مُوسَى فَخرج بعصاه إِلَيْهِ وَكَانَ طول مُوسَى عشرَة أَذْرع وَعَصَاهُ مثلهَا ونزا من الأَرْض مثلهَا وضربه على أَسْفَل كَعبه فَقتله ذكر ذَلِك ابْن فضل الله فِي إمْلَائِهِ وعمره ثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة سنة قلت قَالَ الْعَلامَة شمس الدّين بن الْقيم فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالمنار المنيف فِي الصَّحِيح والضعيف كلَاما يبين فِيهِ بطلَان قصَّة عوج إِلَى أَن قَالَ وَلَا ريب أَن هَذَا وَأَمْثَاله من وضع زنادقة أهل الْكتاب الَّذين قصدُوا الِاسْتِهْزَاء والسخرية بالرسل وأتباعهم انْتهى وَقَالَ الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالبداية وَالنِّهَايَة فِي قصَّة عوج ابْن عنق جَمِيع مَا يحكون عَنهُ هذيان لَا أصل لَهُ وَهُوَ من مختلقات زناديق أهل الْكتاب وَلم يكن قطّ على عهد نوح وَلم يسلم من الْكفَّار أحدا انْتهى وَقَالَ الْعَلامَة جلال الدّين السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي آخر جَوَاب عَن سُؤَاله عَنهُ وَالْأَقْرَب فِي أمره أَنه كَانَ من بَقِيَّة عَاد وَأَنه كَانَ لَهُ طول فِي الْجُمْلَة مائَة ذِرَاع أَو اشبه ذَلِك لَا هَذَا الْقدر الْمَذْكُور وَأَن مُوسَى ﵇ قَتله بعصاه
стр. 115
حذف هَذَا الْقدر الَّذِي يحْتَمل قبُوله انْتهى يَعْنِي بذلك مَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب العظمة قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق بن جميل حَدثنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش حَدثنَا الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ أقصر قوم عَاد سبعين ذراعان وأطولهم مائَة ذِرَاع انْتهى ثمَّ إِن هوداً دَعَا على قومه أَن يبتليهم الله بالخوف والجوع فَأمْسك الله عَنْهُم الْقطر فَهَلَكت مَوَاشِيهمْ وجفت أَشْجَارهم واغبرت أَرضهم وَكَانَت بِلَاد رمل فأسرع الْقَحْط والجفاف إِلَيْهَا فَلَمَّا أحسوا بِالْهَلَاكِ اجْتَمعُوا وَقَالُوا قد كَانَ هود يخوفنا ونكذبه أَتَرَوْنَ أَن نأتي إِلَيْهِ فنسأله أَن يسْأَل ربه فيسقينا أَو نتركه ونتوجه إِلَى مَكَّة فنستسقي كَمَا كَانَ يفعل آبَاؤُنَا فأوفدوا إِلَى مَكَّة وَفْدًا يستسقون لَهُم وهم قيل بن عقير ونعيم بن هزال ومرثد بن مسعد بن عفير كَانَ مرْثَد مُؤمنا يكتم إيمَانه وجلهم بن الْحصين ابْن خَال مُعَاوِيَة بن بكر ولقمان بن عَاد وَأَصْحَاب النسور فَانْطَلق كل رجل مِنْهُم مَعَ قوم من رهطه حَتَّى بلغ عَددهمْ تسعين رجلا فنزلوا بِمَكَّة على مُعَاوِيَة بن بكر وَكَانُوا أَخْوَاله وأصهاره فأكرمهم وَأَقَامُوا عِنْده شهرا يشربون الْخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان فَلَمَّا رأى مُعَاوِيَة بن بكر مكثهم وَقد بَعثهمْ الْقَوْم يتغوثون لَهُم شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وصعب عَلَيْهِ واستحيا أَن يَأْمُرهُم بِالْخرُوجِ فيظنون أَنه ثقل عَلَيْهِ مكانهم عِنْده فَشَكا إِلَى قينتيه فَقَالَتَا اعْمَلْ شعرًا تغنيهم بِهِ لَعَلَّه يخرجهم وَيذكرهُمْ مَا جَاءُوا لَهُ من طلب السقيا فَقَالَ مُعَاوِيَة شعرًا فتغنتا بِهِ وَهُوَ قَوْله // (من الوافر) //
(أَلا يَا قيلُ ويحكَ قُم فهَيْنِمْ ... لعلَّ الله يُصبحُنا غَماما)
(فيسقي أرضَ عادٍ إنَّ عاداً ... قد أَمسوْا لَا يُبينُون الكلاما)
(وَقد كَانَت نساؤهمُ بخيرٍ ... فقد أمست نساؤهمُ أَيامى)
(وإنّ الوحشَ يأتيهمْ جهاراً ... وَلَا يخْشَى لعاديٍّ سهاما)
(وأنتمْ هَهُنَا فِيمَا اشتهيتم ... نهاركم وليلكمُ تَمامًا)
стр. 116
(فقُبِّح وفدكم من وفدِ قومٍ ... وَلَا لُقُّوا التّحيّة والسّلاما)
فَقَالَ بَعضهم لقد صدقت الْمُغنيَة إِنَّمَا بعثكم قومكم تستسقون لَهُم فَقَالَ لَهُم مرْثَد الْمُؤمن وَالله لَا تَقول بدعائكم وَلَكِن بِطَاعَة نَبِيكُم هود وَأظْهر حِينَئِذٍ إيمَانه فَقَالُوا يَا مرْثَد لَا تقدم مَعنا فَإنَّك قد اتبعت دين هود فَتخلف مرْثَد وَمَعَهُ لُقْمَان فَمَضَوْا واستسقوا فَرفعت لَهُم ثَلَاث سحائب حَمْرَاء وبيضاء وسوداء ونادى مُنَاد يَا قيل اختر لقَوْمك فَقَالَ اخْتَرْت السَّوْدَاء فَكَانَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الْأَحْقَاف ٢٤ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِية أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ الحاقة ٧ فَدخلت بَينهم فصرعتهم فَهَرَبُوا إِلَى الْبيُوت فَكَانَت تلقع الْبَيْت من أساسه فَتضْرب بِهِ الْبَيْت الآخر فتطحنهما مَعًا وَتحمل الْإِبِل وَالنِّسَاء وَالرِّجَال وتقلع الشّجر من أُصُولهَا فَقَالَ سَبْعَة من عَاد رَأْسهمْ الخلجان وَهُوَ ملكهم وأعظمهم جسماً قومُوا نقف على شَفير الْوَادي وَكَانُوا قد زووا أَهَالِيهمْ فِي شعب ذَلِك الْوَادي فَترد الرّيح فوقفوا وكشفوا عَن صُدُورهمْ وَقَالُوا من أَشد منا قُوَّة فصرعتهم الرّيح وتركتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ الحاقة ٧ وَلم يبْق إِلَى الخلجان وَحده فَتقدم إِلَى الْجَبَل وَهُوَ يبكي وَأخذ بِجَانِب مِنْهُ فهزه فاهتز فِي يَده فَعرض هود عَلَيْهِ التَّوْبَة فَأبى فَجَاءَتْهُ الرّيح فَدخلت تَحت قَدَمَيْهِ وَأمْسك بِالْجَبَلِ فَرَفَعته هُوَ والجبل فِي يَده قد شدّ عَلَيْهِ من أَصله إِلَى الْهَوَاء ثمَّ قلبه الرّيح على أم رَأسه وَلم يبْق من عَاد وَاحِد وَاعْتَزل هود وَمن مَعَه قومه الْمُؤمنِينَ فِي حَظِيرَة وَمَا يصيبهم مِنْهَا إِلَّا مَا يلين جُلُودهمْ ثمَّ أرسل الله عَلَيْهِم طيوراً سُودًا فنقلتهم كلهم إِلَى الْبَحْر ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ الْأَحْقَاف ٢٥ ثمَّ تقدم هود وَمن آمن مَعَه من دِيَارهمْ الَّتِي سخط الله عَلَيْهِم فِيهَا إِلَى الشحر فسكنوا هُنَالك وَلما مَاتَ هود ﵇ قبر بِمَكَّة وَقيل بحضرموت وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر وقبره مَعْرُوف هُنَالك وروى ابْن إِسْحَاق أَن أَبَا سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة وَعبد الله بن زيد أَقبلَا من
стр. 117
الشَّام فَلَمَّا وصلا إِلَى وَادي الْقرى لقيهمَا رجل من عَاد فَقَالَ أَطْعمُونِي فَجعل يلف كل مَا قدم إِلَيْهِ لفاً ثمَّ قَالَ احْمِلُونِي فضاقوا بِهِ ذرعاً وكرهوا صحبته فأطعمه عبد الله بن زيد وَحمله على بعير فَجعل يسحب رُكْبَتَيْهِ لطولهما فَلَمَّا انْتهى إِلَى وَادي العقيق قَالَ العادي لعبد الله إِنَّك حَملتنِي وأطعمتني فَأحب أَن أكافئك فاتبعني وَلَا تلْتَفت فَتَبِعَهُ إِلَى الْوَادي فَقَالَ انْظُر إِلَى مسْقط ظِلِّي فاحفر عِنْده فَانْطَلق عبد الله وحفر فَإِذا صَخْرَة عَظِيمَة فَقَالَ اقلعها فَلم يطق فَرَفعهَا العادي بِأُصْبُعِهِ وَانْحَدَرَ وَعبد الله مَعَه إِلَى سرب فِي الأَرْض فَإِذا سراج يزهر وَإِذا برجلَيْن من قوم عَاد ميتين فَقَالَ لَهُ العادي إِن هذَيْن صَاحِبَايَ فَإِذا مت فضمني إِلَيْهِمَا وَاحْتمل من المَال حَاجَتك ثمَّ اخْرُج وضع الصَّخْرَة على السرب وَلَا تلْتَفت حَتَّى تخرج من الشّعب وَعمد العادي إِلَى ريشة قد نتف جانبيها نَحوا من ذِرَاع فَأدْخلهَا فخارةً فِيهَا شبه القطران ثمَّ أخرجهَا فَأدْخلهَا منخره ثمَّ غمسها الثَّانِيَة فَأدْخلهَا منخره الآخر ثمَّ صَاح صحية كَاد عبد الله يهْلك مِنْهَا وَمَات العادي فضمه عبد الله إِلَى صَاحِبيهِ وَاحْتمل من المَال حَاجته وَوضع الصَّخْرَة على السرب بعد جهد جهيد وَمضى فَكَانَ أَكثر قُرَيْش مَالا انْتهى قَالَ المَسْعُودِيّ وَقد كَانَ فِي ملك النمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح ﵇ هيجان الرّيح الَّتِي أسقطت صرح النمرود وَفِي إقليم بابل من ارْض الْعرَاق فَبَاتَ النَّاس ولسانهم سرياني فَلَمَّا أَصْبحُوا تَفَرَّقت لغاتهم على اثْنَيْنِ وَسبعين لِسَانا فَسمى الْموضع بابل لتبلبل الْأَلْسِنَة بِهِ فَصَارَ من كَانَ من ولد سَام بن نوح تِسْعَة عشر لِسَانا وَفِي ولد حام سِتَّة عشر لِسَانا وَفِي ولد يافث سَبْعَة وَثَلَاثُونَ لِسَانا وَكَانَ من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ يعرب وجرهم وَعَاد وجديس وطسم وَعبيد وَثَمُود وعملاق ووبار وَعبد ضخم فَسَار يعرب بن قحطان بن عَابِر وَهُوَ هود ﵇ ابْن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح بِمن تبعه من وَلَده وَولد وَلَده وَهُوَ يَقُول // (من الرجز) //
(أَنا ابْن قَحطان الهُمامِ الأنبلِ ... يَا قوم سِيرُوا فِي الرّعيل الأولِ)
(نَحْو يَمِين الشّرق فِي تمهُّل ... أَنا البديِّ بِاللِّسَانِ المُنهل)
(ذِي الْمنطق البيِّنِ غير المُشكلِ ... )
стр. 118
فَحل بِالْيمن وَسَار بعده عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح بولده وَمن تبعه فَحل بالأحقاف من بِلَاد عمان إِلَى حَضرمَوْت واليمن وتفرق هَؤُلَاءِ فِي الأَرْض وانقرضوا وملكهم جيرون بن سعيد بن عَاد وَحل بِدِمَشْق فمصر مصرها وَجمع عمد الرخام والمرمر وشيد بنيانها وَهَذَا الْموضع فِي وقتنا سوق من أسواقها بِبَاب الْمَسْجِد يعرف بِبَاب جيرون وَسَار بعد عَاد ثَمُود بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح وَمن تبعه من وَلَده وَغَيرهم فنزلوا الْحجر بَين الشَّام وَمَكَّة إِلَى قرح وَسَار طسم وجديس بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح فنزلوا الْيَمَامَة وَسَار عملاق بن لاوذ بن إرم بن سَام بن نوح فنزلوا أكناف الْحرم والتهائم وَمِنْهُم من سَار إِلَى مصر وَالْمغْرب وَقد ذكر أَن هَؤُلَاءِ بعض فَرَاعِنَة مصر وَبَعض النَّاس ألحق العمالقة بعيص بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ﵇ ثمَّ سَار وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم بن سَام فَنزل أَرض وبار الأَرْض الْمَعْرُوفَة برمل عالج فبغوا فِي الأَرْض فَأَصَابَتْهُمْ نقمة فهلكوا جَمِيعًا قَالَ الشّعْر // (من مخلع الْبَسِيط) //
(ومرَّ دهرٌ على وَبَار ... فهَلَكت جهرةً وَبَارُ)
ثمَّ سَار عبد ضخم بن إرم بن سَام بن نوح فنزلوا الطَّائِف فهلكوا بِبَعْض غوائل الدَّهْر ورثوا فيهم يَقُول الْأَزْدِيّ // (من المنسرح) //
(وعبدُ ضخمٍ إِذا نسبْتَهم] ... أَبيض وجهٍ الحِجا مَعَ النسبِ)
(وابتدعوا منطقاً بخطّهم ... فبيَّن الخطّ صحّة الْعَرَب)
وَذكر أَنهم أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ وَوضع الأحرف أَب ث وَسَار جرهم بن قحطان واسْمه يقطان بن قحطان وجرهم لقب لَهُ وطافوا الْبِلَاد حَتَّى نزلُوا بِمَكَّة
стр. 119
وَسَار أميم بن لاوذ بن إرم بن سَام فَحل بِأَرْض فَارس وَنصب كيومرث بن أميم ملكا عَلَيْهِم وَسَار عبيل بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح ﵇ فِي وَلَده وَمن تبعه فنزلوا بِالْجُحْفَةِ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فهلكوا بالسيل فَسمى الموضح بِالْجُحْفَةِ لإجحافه عَلَيْهِم وَكَانَ يثرب بن قامة بن مهلئل بن إرم بن عبيل نزل بِالْمَدِينَةِ فسميت باسمه فَهَلَك أُولَئِكَ بِبَعْض غوائل الدَّهْر وأقصدتهم سهامه فَقَالَ بعض وَلَده مِمَّن رثاهم شعر // (من الْخَفِيف) //
(عينُ جودي على عَيبلٍ وَهل يرجعُ ... مَا فاتَ فيضها بانسجام)
(عمّروا يثرباً وَلَيْسَ بهَا سَفرٌ ... وَلَا سارحٌ وَلَا ذُو سَنَام)
(غرسوا لينها ببحرٍ معينٍ ... ثمّ حفُّوا الفسيلَ بالآجام)
قَالَ فِي حقيبة الْأَسْرَار وَكَانَ فِي ولد سَام بن نوح رجل يُقَال لَهُ بواط بن لاوذ كَانَ على دين آبَائِهِ لم يُشْرك وَله أَوْلَاد كثير ضلوا وَكَانَ يُحِبهُمْ وَلَا يقدر أَن يفارقهم وَكَانَ قد أفهمهُ الله تَعَالَى جَمِيع اللُّغَات فَلَمَّا قوي اضطرابهم خَافَ أَن يقتتلوا ويفتن بَعضهم بَعْضًا وَكَانُوا قد أهلهم للعربية لأَنهم من أَوْلَاد سَام بن نوح فَقَالَ لَهُم اعقدوا لي لِوَاء وَرَايَة أرفعها للنَّاس وَأفهم كل طَائِفَة مَا أَقُول لَهُم فعقدوا لَهُ لِوَاء على رمح طَوِيل فرفعه بِيَدِهِ ثمَّ جَاءَ فأركزه فِي وسط الْقَوْم وَأَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن اجْتَمعُوا واسمعوا فَاجْتمع الْقَوْم حوله وأنصتوا فَجعل يلْتَفت إِلَى قوم بعد قوم ويكلمهم كلا بِلِسَانِهِ فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مِنْهُ فرحوا وَقَالُوا يَا فلَان مَا هَذَا الَّذِي جرى علينا وَكَانُوا يعْرفُونَ عقله وَعلمه فَقَالَ لكل قوم بلسانهم هَذِه عُقُوبَة عاقبكم الله بهَا بِسَبَب كفركم وعصيانكم وترككم طَاعَة ربكُم كَمَا فعل بِمن كَانَ قبلكُمْ من الطوفان حَتَّى لم يبْق أحدا وَلَوْلَا أَن الله وعد أَبَاكُم نوحًا أَلا يهْلك أحدا بعد الطوفان بِعَذَاب عَام لسلط عَلَيْكُم عذَابا يهلككم بِهِ وَلَكِن عاقبكم باخْتلَاف أَلْسِنَتكُم وَتغَير لغاتكم وَفِي ذَلِك عِبْرَة لكم فَقَالُوا صدقت يَا شَيخنَا فأشر علينا مَا نصْنَع فألهمه الله تَعَالَى أَن قَالَ تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وليأخذ كل رجل مِنْكُم طائفته وَأهل بَيته وَمن هُوَ على لِسَانه وينحاز إِلَى جِهَة من الأَرْض يسكنونها وَلَا
стр. 120
يدْخل عَلَيْهِ أحد غَيره فاستدعى ألوية وعقدها وَدفع كل لِوَاء إِلَى رَئِيس مِنْهُم بِلِسَانِهِ على حِدة فَجعل أَوْلَاد يافث مَعَ اخْتِلَاف لغاتهم فرقة وَلَهُم لِوَاء وَقَالَ عَلَيْكُم بمهب الشمَال وَلكم من المجرة إِلَى مُنْتَهَاهَا وَدفع لِوَاء إِلَى بني حام وَقَالَ أَنْتُم عَلَيْكُم بمهب الْجنُوب وَلكم من مطلع سُهَيْل إِلَى مُنْتَهَاهَا وَهُوَ الْمغرب فافترق هَؤُلَاءِ من الْمشرق وَهَؤُلَاء من الْمغرب وَعقد لِوَاء ثَالِثا لبني سَام وَقَالَ عَلَيْكُم بمهب الدبور وَلكم من بَنَات نعش إِلَى مطلع سُهَيْل ثمَّ قَالَ وَأما أَنا فَإِنِّي بَاقٍ هَهُنَا على هَذَا اللِّوَاء مَعَ فالغ وَذَوِيهِ ولي وَلَهُم مهب الصِّبَا فَمن أَرَادَ مِنْكُم أَن يُقيم معي فَلْيفْعَل وانحاز بِمن مَعَه إِلَى فالغ بن عَابِر وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَم إِلَى الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة وَبَقِي فالغ بن عَابِر فِي مَوْضِعه وَكَفاهُ الله شَرّ الْكفَّار من بني يافث وَحَام وشتت الله شملهم وَلما هدم الله بِنَاء ملكهم بَقِي فالغ وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ بقرية الثَّمَانِينَ وَلم يُفَارق قُبُور آبَائِهِ وَكَانَ قد تزوج عَابِر فولد لَهُ فالغ وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وَإِلَى عَابِر ترجع الْعَرَب قيسيها ويمنيها فَمن وَلَده قحطان بن عَابِر وجرهم بن قحطان واسْمه يقطان وجرهم لقبه قَالَ الْعَلامَة المَسْعُودِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى مروج الذَّهَب ومعادن الْجَوْهَر الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر أهل الْعلم والقدماء من كهلان وحمير وَالْعُلَمَاء مِنْهُم أَن قحطان بن عَابِر وَهُوَ هود بن شالخ بن أرفخشد بن نوح ﵈ وَعَلِيهِ قَول أبي الطّيب من قصيدة يمدح بهَا // (من الطَّوِيل) //
(إِلَى الثَّمر الحُلو الَّذِي طيِّئٌ لَهُ ... فروعٌ وقحطانُ بن هودٍ لَهُ أصلُ)
ولعابر الَّذِي هُوَ هود ﵇ أَوْلَاد مِنْهُم فالغ وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وقحطان وملكان وَقيل إِن ملكان هُوَ ابْن قحطان لَا أَخُوهُ وَهُوَ يَعْنِي ملكان وَالِد الْخضر ﵇ وَولد لقحطان أحد وَثَلَاثُونَ ولد ذكرا فولد قحطان يعرب بن قحطان وَولد يعرب يشجب بن يعرب وَولد يشجب عبد شمس وَيُقَال عبد الْملك وَهُوَ سبأ ابْن يشجب وَسمي سبأ لِأَنَّهُ أول من سبا السبايا فولد سبأ رجلَيْنِ حمير بن سبأ
стр. 121
وكهلان بن سبأ فالعقب الْبَاقِي من هذَيْن الرجلَيْن وَلَو كُنَّا بصدد ذكر مُطلق الْأَنْسَاب لذكرنا من فروع أنسابهم وفنون أخبارهم كثيرا إِلَّا أَنا قصدنا ذكر العدنانية لَا القحطانية لمَكَان نسبه ﵊ وَأم فالغ ميثا وَقيل عُرْوَة بنت صفّين وَكَانَ مِنْهُ الْجَبَابِرَة وانقرضوا جَمِيعًا وَلم يعقب فالغ إِلَّا من ابْنه أرغو وَقَامَ بِالْأَمر بعد أَبِيه عَابِر وَكَانَ عمره مِائَتي سنة فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة أوحى الله إِلَيْهِ أَن يستودع النُّور وَالِاسْم الْأَعْظَم ابْنه أرغو كَمَا سَيَأْتِي وَمن حَدِيث فالغ بن عَابِر مَا ذكره صَاحب كتاب المبتدا أَن الله تَعَالَى لما أَرَادَ أَن ينْقل النُّور إِلَى فالغ اخْتَار أَبوهُ امْرَأَة من قومه فَلَمَّا انْتقل النُّور إِلَيْهَا شكر الله تَعَالَى فَلَمَّا تمّ حملهَا وَوَضَعته رباه أحسن تربية وَعلمه الصُّحُف فَلَمَّا بلغ من عمره ثَمَانِينَ سنة مَاتَ أَبوهُ فالغ بعد أَن أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد فِي النُّور فسلك بِهِ مَسْلَك آبَائِهِ وَدَفنه إِلَى جَانب أَبِيه وَقد اضْطربَ قومه وافترقوا وتباغضوا وَمَا اتَّفقُوا على فالغ وَلَا أطاعوه وبنوا لَهُم مَدِينَة بابل ليسكنوا فِيهَا وَكَانَ طولهَا عشرَة فراسخ فِي عرض سِتَّة فراسخ واجتخع فِيهَا بَنو حام وَبَنُو يافث وَبَنُو سَام جَمِيعهم وفالغ وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ قَلِيلُونَ فَلم يسكنوا مَعَهم وَلَا قربوا موضعا هم فِيهِ بل كَانُوا فِي قَرْيَة الثَّمَانِينَ الَّتِي نزل بهَا نوح ﵇ وَأقَام أُولَئِكَ عَلَيْهِم ملكا يجمعهُمْ اسْمه جامر بن يافث وَهُوَ أَبُو فَارس الَّذِي سميت بِهِ الْفرس فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا أَيهَا الْملك لم يبْق على وَجه الأَرْض من يخالفك إِلَّا فالغ وَمن مَعَه وهم قَلِيلُونَ فَلَو غزوناهم وتركناهم لنا عبيدا أَو يدْخلُونَ فِي ديننَا فَقَالَ افعلوا مَا بدا لكم وأرفدهم من بني حام وَيَافث بعسكر عَظِيم وَولى عَلَيْهِم رجلا اسْمه شودب بن جرجان بن حام وَأمرهمْ أَن يستأصلوهم وَأَن يأتوه بفالغ أَسِيرًا وَقد كَانَ جامر بن يافث قد بنى لَهُ مَدِينَة يسكنهَا خوفًا من الطوفان أَن يعود لِأَنَّهُ كَانَ يحدث بِأَمْر الطوفان وَأَنه لم ينج مِنْهُ أحد وَأَن المَاء ارْتَفع فَوق الْجبَال فَأَرَادَ أَن يعلي الْبناء أَكثر مِمَّا كَانَ الطوفان لحقه حَتَّى إِذا عَاد سما هُوَ وَقَومه فِي أعاليه فَلَمَّا أكمل بناءه سَمَّاهُ المجدل وَكَانَ وَطوله فِي الْهَوَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع وَعرضه ألفا وَخَمْسمِائة ذِرَاع فَلَمَّا فرغ مِنْهُ عزم على تجهيز الْعَسْكَر لغزو فالغ فَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وهم أجمع مَا كَانُوا وملكهم مَعَهم إِذْ أَصْبحُوا بِالْغَدَاةِ وَقد تبلبلت ألسنتهم وَهدم الله بنيانهم من
стр. 122
الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم وأهلكهم الله وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأتى الله ببنيانهم مَنّ الْقَوَاعِدِ﴾ الْآيَة النَّحْل ٢٦ فاشتغلوا بِأَنْفسِهِم عَن فالغ وَمن مَعَه وَأصْبح كل قوم يَتَكَلَّمُونَ بلغَة لَا يعرفهَا الْقَوْم الْآخرُونَ فحاروا واضطربوا وَلم تفهم طَائِفَة مَا تَقول الْأُخْرَى فانحازوا فرقا كل فرقة تَتَكَلَّم بِلِسَان فَكَانَ للرجل ينحاز وَأهل بَيته مَعَه يَتَكَلَّمُونَ بلغَة وَاحِدَة يفهم بَعضهم بَعْضًا فَإِذا خالطهم أحد من غَيرهم لَا يفهمون قَوْله وَلَا يفهم قَوْلهم وانحازت طَائِفَة مِنْهُم ألهمها الله الْعَرَبيَّة فتكلموا بهَا فاولئك الَّذين يُقَال لعهم الْعَرَب وهم العرباء من خُصُوص بني سَام بن نوح فَمنهمْ عَاد وعبيل وَثَمُود وجديس وطسم وعمليق وأميم وَعبد ضخم ووبار ويثرب وجرهم كَمَا تقدم ذكر ذَلِك قَرِيبا فَهَؤُلَاءِ من بني سَام كلهم تكلمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ بإلهام لَهُم من الله تَعَالَى فَنزلت بَنو سَام المجدل سرة الأَرْض وَهُوَ مَا بَين ساتيدما إِلَى الْبَحْر وَمَا بَين الْيمن إِلَى الشَّام وَجعل الله النُّبُوَّة وَالْكتاب وَالْجمال والأدمة وَالْبَيَاض فيهم وَنزل حام مجْرى الْجنُوب وَالدبور وَيُقَال لتِلْك النَّاحِيَة الداروم وَجعل الله فيهم أدمة وبياضاً قَلِيلا فعمر بِلَادهمْ وَسَمَّاهُمْ وَرفع عَنْهُم الطَّاعُون وَجعل فِي أَرضهم الأثل والأراك وَالْعشر والمغاث وَالنَّخْل وخزن الشَّمْس وَالْقَمَر فِي سمائهم وَنزل بَنو يافث الصفون مجْرى الشمَال وَالصبَا وَفِيهِمْ الْحمرَة والشقرة فأخلى الله لَهُم أَرضهم فاستدبروها وأخلى سماءهم فَلَيْسَ يجْرِي فَوْقهم شَيْء من النُّجُوم السَّبْعَة الْجَارِيَة لأَنهم صَارُوا تَحت بَنَات نعش والجدي والفرقدين وابتلوا بالطاعون وَلَحِقت عبيل وعتيد بِموضع يثرب والعماليق بِصَنْعَاء ثمَّ انحدر بَعضهم إِلَى يثرب فأخرجوا مِنْهَا عتيداً فنزلوا بِالْجُحْفَةِ وَلَحِقت ثَمُود بِالْحجرِ ومايليه فهلكوا ثمَّ لحقت طسم وجديس بِالْيَمَامَةِ فهلكوا وَلَحِقت أميم بِأَرْض وبار فهلكوا بهَا وَهِي بَين الْيَمَامَة وهجر وَلَا يصل إِلَيْهَا الْيَوْم أحد غلبت عَلَيْهَا الْجِنّ وَإِنَّمَا سميت وبار بوبار بن أميم
стр. 123
وَكَانَت الشَّام يُقَال لَهَا أَرض بني كنعان ثمَّ جَاءَ بَنو إِسْرَائِيل فَقتلُوا بهَا وَنَفَوْا باقيهم عَنْهَا ذكر هَذَا صَاحب كتاب حقيبة الْأَسْرَار وَهُوَ فِيهِ قَلِيل مُخَالفَة فِي الْبَعْض لما ذكره صَاحب مروج الذَّهَب فَمَا فِي المروج أَحَق إِلَيْهِ بالعروج وَاخْتلف أهل التَّارِيخ فِيمَن كَانَ ملكهم بعد فَارس بن لاوذ بن إرم بن سَام بن نوح صَاحب المجدل فَقيل هُوَ كيومرث بن لاوذ بن أميم بن إرم بن سَام بن نوح وَمعنى كيومرث حَيّ نَاطِق ميت وَقيل لوا عَلَيْهِم هوشنك بيشداد وَمَعْنَاهُ الدّين الْحَاكِم فَأخذ قومه بِعبَادة الله وَترك الْأَوْثَان وَقَامَ فيهم خَطِيبًا فَحَذَّرَهُمْ سخط الله تَعَالَى وَمَا فعل بِقوم نوح وَصَاحب المجدل وَقَالَ قد بَقِيتُمْ يَا بني سَام فِي موضعكم ونبيكم فالغ صَاحب النُّور وَقد وليتكُمْ الْآن فَمن دَان بدين فالغ وَقَالَ بِشَرِيعَتِهِ فَأَنا مِنْهُ وَهُوَ مني وَله الْأَمْن والمراعاة وَالْإِحْسَان وَمن أبي وَجحد الرَّحْمَن قتلته وَلَو كَانَ أخي أَو ابْني فاستقيموا أستقم لكم وَاتَّقوا الله واعبدوه فَاتَّبعُوهُ ودانوا بدين الله وسلكوا شرائع نوح ﵇ وَكثر عَددهمْ وأخصبت بِلَادهمْ وفالغ فيهم وهوشنك يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل وَقت مَا يحْتَاج إِلَيْهِ هُوَ وَالَّذين مَعَه وَعمر هوشنك الأَرْض وهندس الْمِيَاه وأجراها إِلَى العمائر وَأمر بقتل السبَاع وَاسْتِعْمَال جلودها مدبوغة وَهُوَ أول من ذبح الْبَقر وَالْغنم والوحش وَأكل لحومها وَبنى الْمَدَائِن وَلما بنى مَدِينَة السوس سَمَّاهَا بِلِسَانِهِ الشوش أَي الْحَسَنَة ثمَّ بنى مَدِينَة تستر سَمَّاهَا بِلِسَانِهِ شوشتر أَي هَذِه أحسن وَهُوَ أول من اتخذ السجون وسجن النَّاس فِيهَا وَكَانَ ملكه أَرْبَعِينَ سنة وعمره يَوْم مَوته سَبْعمِائة سنة واشهر ثمَّ ملك بعد طهمورث بن هماد فَسَار سيرته وسلك طَرِيقَته وَبنى مرو وآمد وقلعة سارس بأصفهان وَكَانَ ملكه ثَلَاثِينَ سنة وعمره يَوْم مَاتَ سِتّمائَة سنة وَفِي زَمَانه ولد لفالغ ابْنه أرغو وَإِلَيْهِ انْتقل النُّور فَأخذ بِهِ فالغ طَريقَة آبَائِهِ وأجداده من تَعْلِيم الصُّحُف وَدين الله تَعَالَى وَمَات فالغ فِي زمن جمشيد وَهُوَ أَخُو طهمورث وَمَعْنَاهُ السَّيِّد الشجاع وَهُوَ الَّذِي جند الأجناد وَجعل النَّاس خمس طَبَقَات مقاتلة ونساك وَكتب وصناع وخدام وَهُوَ أول من أثار علم الطِّبّ وطبع السيوف وصبغ الثِّيَاب بالألوان الْمُخْتَلفَة وَاتخذ السراويلات وَبنى إصطخر
стр. 124
وهمذان وطوس وَكَانَ مُدَّة ملكه سِتّمائَة وَسِتَّة عشرَة سنة وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي أَيَّامه الضَّحَّاك بن علوان بن عَاد أرْسلهُ إِلَيْهِ شَدَّاد بن عَاد فهرب مِنْهُ جمشيد فَقتله الضَّحَّاك واستوثق لَهُ الْأَمر وَغير عبَادَة الله وَشرع نوح وطغى وتجبر وَطلب أرغو بن فالغ صَاحب النُّور المحمدي فَمَنعه الله مِنْهُ واختفى هُوَ وَمن مَعَه وَالضَّحَّاك فِي طلبه وَكَانَ أرغو يُسمى العابد وَهُوَ بِهَمْزَة مَفْتُوحَة فغين مُعْجمَة مَضْمُومَة وَكَانَ من جبابرة تملكوا وانقرضوا وَلَا عقب لَهُ إِلَّا من ساروغ عَاشَ أرغو مِائَتي سنة وَثَلَاثِينَ وَقَامَ بعده وَلَده ساروغ وَمن حَدِيث أرغو على مَا فِي كتاب المبتدا أَن الضَّحَّاك بن علوان طلبه وَأَنه اختفى مِنْهُ بِمن مَعَه وَهُوَ فِي طلبه فَقيل إِنَّه هرب ببنيه والعصابة القليلة الَّتِي مَعَه إِلَى أَن دخل إِلَى ديار بني يافث وَهُنَاكَ مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَقد ولد لَهُ ساروغ وَنور مُحَمَّد
قد انْتقل إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي خرج بعد موت أَبِيه فالغ إِلَى ديار يافث وَذَلِكَ أَنه سكن مغارة فِي بعض جبال تِلْكَ الأَرْض وابتنى هُنَاكَ قبَّة من الرصاص وَهِي بَاقِيَة إِلَى الْآن وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى دله على معادن تِلْكَ الأَرْض كلهَا فاستخرج الرصاص وَعمل مِنْهُ قبَّة وَأمر وَلَده أَن يدفنوه فِيهَا وَقد وصل إِلَى هَذِه الْقبَّة رجل من الْعَرَب من حمير فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فِي وقْعَة كَانَت بَينه وَبَين الرّوم وَالرجل يعرف بِعَبْد الله بن عمر الحيراني وَكَانَ عَالما بأيام الْعَرَب ووقائعهم حَافِظًا لأشعارهم فَلَمَّا وَقعت الْوَاقِعَة بَين مُعَاوِيَة وَملك الرّوم أسر مَعَ جملَة من الْمُسلمين فَلَمَّا جَاءَ عيد الشعانين جلس الْملك للنَّاس وَكَانَ اليعد ثَلَاثَة أَيَّام فَأول يَوْم يطعم أهل بَيته ورؤساء الرّوم وَالثَّانِي رُؤَسَاء بَلَده وَغَيرهم من أَصْحَاب الْأَمْوَال وَالثَّالِث الغرباء وَالْمَسَاكِين وَهُوَ فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام جَالس على سَرِيره والأطعمة تنقل بَين يَدَيْهِ وبطارقته من حوله وَهُوَ ينظر إِلَى النَّاس فَإِذا فرغ من عيده قضى الْحَوَائِج وَأطلق الأسرى وَأحسن إِلَى الْفُقَرَاء فَلَمَّا جَاءَ الْيَوْم الثَّالِث قَالَ فأخرجت فِي الأسرى لم آكل غير أَنِّي جعلت أتأمل فِي الْملك فرآني لَا أكل فَقَالَ خُذُوا هَذَا الْمُسلم فاعزلوه فِي ذَوي الْحَاجَات فَفَعَلُوا ثمَّ أَمر بإصلاح شأني وتغيير حَالي وأحضرني وقربني وَقَالَ من أَنْت فقد انكرك أَمرك يَوْم الطَّعَام فَقلت أَيهَا الْملك مَا رَأَيْته مِنْك أحب إِلَيّ من الطَّعَام فَقَالَ لَا شكّ
стр. 125
أَنَّك مُمَيّز عَارِف عَاقل فكساني وحملني على دَابَّة فَكَانَ كثيرا مَا يسألني عَن أَيَّام الْعَرَب ووقائعها فَأخْبرهُ فيطرب وَكَانَ فصيحاً بِالْعَرَبِيَّةِ عَالما باللغة وَكَانَ هُوَ يحدثني بِأَحَادِيث بني إِسْرَائِيل وَالْفرس وَالروم وَأَمْسِكْنِي عِنْده وأحبني وَكَانَ أهل دولته يتوسلون بِي فِي حوائجهم وَكَانَ يَخْلُو بِي ويسألني عَن الدّين وَالْإِسْلَام وَصفَة النَّبِي وأخباره وقصته فَأخْبرهُ فَقَالَ لي يَوْمًا أُرِيد السّفر إِلَى مَوضِع أهمني وَتَكون معي فَقلت إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى قبَّة من رصاص بنيت فِي أول الزَّمَان لأنظر إِلَيْهَا بَيْننَا وَبَينهَا مفازة أَرْبَعَة أشهر وَإِن كَانَ لَا حِيلَة فِيهَا لِأَنَّهَا مطبقة لَا يعرف لَهَا بَاب فَسَار وَمَعَهُ بطارقة من جماعته وَعبيد نَحْو مائَة فِي مفازة غير مسكونة وَلَا معمورة حَتَّى انتهينا إِلَى قبَّة عالية من الرصاص على مِقْدَار نصف جريب فطفنا بهَا فَإِذا هِيَ قبَّة لَا بَاب لَهَا فَقَالَ الْملك أَرَأَيْت فَقلت نعم قَالَ إِنَّه كَانَ على قلبِي مِنْهَا أَمر عَظِيم وَلم أزل حَتَّى وصلت إِلَيْهَا فَكيف الاستعلام بِمَا فِي بَاطِنهَا فَقلت أَيهَا الْملك إِنَّهَا من الرصاص وَلَو أردْت حرقها وَكسرهَا لفَعَلت فِي أقل مُدَّة فَتَبَسَّمَ وَقَالَ هَذَا غير خَافَ عَليّ غير أَنه فِي أم الْكتاب الَّذِي قَرَأت فِيهِ حَدِيثهَا أَنه من أرادها بِسوء هلك من سَاعَته وَقد تعرض لَهَا جمَاعَة فماتوا فإياك أَن تنطق بِمثل هَذَا فتهلك السَّاعَة فتعجبت من كَلَامه ثمَّ ألهمني الله أَن قلت للْملك إِن أَنْت أَذِنت لي أَيهَا الْملك أَن أستفتح فأقرأ الْقُرْآن الَّذِي أنزل على نَبينَا مُحَمَّد
فَإِن يَك مَانع من الْجِنّ دونهَا فَإِنَّهُ يدحض ويهرب وَإِن يَك غير ذَلِك عَرفْنَاهُ فَقَالَ وَالله مَا جِئْت بك لغير هَذَا فَبَدَأت الْقِرَاءَة واستفتحت مُعْلنا صوتي وَأَنا أَطُوف حولهَا وَالْملك معي وَكنت قد بدأت بِأول الْقُرْآن فَلم أزل أَقرَأ سُورَة بعد سُورَة حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى سُورَة الرَّعْد قَرَأت هَذِه الْآيَة ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الْآيَة الرَّعْد ٣١ فَظهر لنا بَابهَا فسر الْملك بذلك فَدخلت وَأَنا أَقرَأ وَدخل الْملك معي وَإِذا فِي وَسطهَا قبر عَظِيم عَلَيْهِ رخامة مزبور فِيهَا خطّ فَلم أعرف أقرؤه فنقلته حَتَّى رَجعْنَا فَطلب الْملك من يَقْرَؤُهُ فَأتى بِرَجُل فقرأه لنا فَإِذا فِيهِ مَكْتُوب أَنا أرغو بن فالغ ابْن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح وَتَحْت هَذَا مَكْتُوب أَبْيَات شعر وَهِي // (من الْخَفِيف) //
(أَنا أرغو بن فَالِغ المُعتاص ... من ظلام الْإِشْرَاك بالإخلاص)
стр. 126
(كنت بِاللَّه مُؤمنا رب إِدْرِيس ... ونوحٍ ومؤمناً بِالْقصاصِ)
(قَائِلا لَا إِلَه إلاّ الله ... إلهي وَمن إِلَيْهِ مناصي)
(فَأَرَادَ الضّحّاك ذُو الْكفْر منى ... أَن أضاهيه بالعميى والحِياص)
(فَتركت الْبِلَاد طرا واخليت ... لَهُ عَن محلّتي وعراصي)
(وسكنت الكهوف دهراً طَويلا ... خَائفًا هَارِبا من أهل الْمعاصِي)
(لأنال الْخَلَاص فِي دَار ملكٍ ... يَوْم تعنو إِلَى إلهي النواصي)
(وبنيت الَّذِي ترَوْنَ بعون الله ... ذِي المنّ من صفاح الرصاص)
(وَأمرت الْبَنِينَ أَن يقبروني ... جوفها فِي ملاحفي وقماصي)
(سَوف يَأْتِي بعدِي بدهرٍ رسولٌ ... من بني هَاشم الذُرى والأقاصي)
(عابدٌ قانتٌ رءوفٌ رحيمٌ ... باليتامى والبائسين الخماص)
(لَيْتَني عمّرت حتّى أرَاهُ ... لأنال الحبا وَفضل الْخَواص)
وَإِنَّمَا سقنا هَذَا دَلِيلا على صِحَة الرِّوَايَة فِي هرب أرغو بن فالغ صَاحب نور رَسُول الله
من الضَّحَّاك لَعنه الله وَأَنه بَقِي فِي ذَلِك الْموضع مَا شَاءَ الله تَعَالَى وَمَعَهُ جمَاعَة مِمَّن آمن بِاللَّه وَزَوجته ملكة بنت براكيل وَولد لَهُ ساروع بن أرغوا هُنَالك وَعَمله جَمِيع مَا علمه من أَب بعد أَب من لدن آدم ﵇ ثمَّ مَاتَ أرغو وَدفن بالقبة الْمَذْكُورَة وَكَانَ قد وصّى وَلَده ساروع أَن يدفنه بهَا فَفعل وَلم يزل ساروع هُنَالك بعد موت أَبِيه أرغو حَتَّى هلك الضَّحَّاك بن علوان لَعنه الله أَخذه أفريدون فأوثقه وصيره بجبال دنباوند والعجم تزْعم أَنه موثوق بالحديد إِلَى الْيَوْم يعذب هُنَاكَ قد أَطَالَ الله عمره وَلما هلك رَجَعَ ساروع بن أرغو فِي زمَان أفريدون وَكَانَ فِي ديار بكر وَمَا والاها مَحْفُوظًا مكرما بِنور رَسُول الله
هَكَذَا قَرَّرَهُ صَاحب كتاب المبتدا وساروع بسين مَفْتُوحَة مُهْملَة وَألف بعْدهَا وَرَاء مُهْملَة وَعين مُهْملَة سمى بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُسَارع للحرب وَكَانَ ملكا كَبِيرا مَعَ النُّبُوَّة أمه عُرْوَة بنت كوعل وَله أعقاب وعشائر وَأَوْلَاد وذرية جبابرة وَكلهمْ هَلَكُوا وَكَانَ عمره مائَة وَثَلَاثِينَ سنة وَلما حَضرته الْوَفَاة أوحى الله إِلَيْهِ أَن استودع الِاسْم الْأَعْظَم والنور ابْنك ناحور فَفعل وَأوصى إِلَيْهِ
стр. 127
فَقَامَ بعده ناحور وَابْنه نعْمَان أولد سارة زوج الْخَلِيل إِبْرَاهِيم وَأم إِسْحَاق وَقيل إِنَّهَا بنت ناحور وناحور بالنُّون والحاء غير الْمُعْجَمَة تَفْسِيره النَّهَار الْقَائِم بِأَمْر الله بعد أَبِيه قَالَ فِي كتاب الْوَصِيَّة فَمن آمن بِهِ كَانَ مُؤمنا وَمن جحد بولايتهم كَانَ كَافِرًا وَمن جهل أَمرهم كَانَ ضَالًّا ثمَّ أوحى الله إِلَى ناحور استودع الِاسْم الْأَعْظَم تارحاً ابْنك فَفعل وَتوفى ناحور وَهُوَ ابْن مائَة وَأَرْبَعين سنة وَقَامَ بعده وَلَده تارح بتاء مثناة فَوق وَألف وَرَاء مُهْملَة وحاء كَذَلِك مُهْملَة وَهُوَ أزر فِي قَول وَقيل أزر عَمه وَهُوَ الْملك ابْن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح وَمن غير عَمُود النّسَب هاران وَكَانَ عمره مِائَتي سنة وَكَانَ حجاراً يصنع أصنام قومه الَّتِي كَانُوا يعبدونها وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيم وَفِي كتاب الْوَصِيَّة عَن الْعَالم أَنه قَالَ كَانَ آزر جدا لإِبْرَاهِيم لأمه وَكَانَ منجماً للنمرود وَهُوَ ابْن طهماسفان وَفِي منهاج الطالبين كَانَ فِي زمن إِبْرَاهِيم نمْرُود بن كوش بن كنعان بن شَدَّاد وَقيل نمْرُود بن كنعان ملك الْمَشَارِق والمغارب وَهُوَ الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه وَكَانَ فِي ارْض بابل اخره منجموه أَن مولودا يُولد فِي قريتك هَذِه يُفَارق دينكُمْ وَيكسر أصنامكم فِي شهر كَذَا من سنة كَذَا فَلَمَّا دخلت السّنة الْمَذْكُورَة بعث نمْرُود إِلَى كل امْرَأَة حُبْلَى فِي قريته فحبسها إِلَّا امْرَأَة آزر ازما بنت شمر فَإِنَّهُ لم يعلم بحملها فَكَانَ لَا يُولد غُلَام فِي ذَلِك الشَّهْر من تِلْكَ السّنة إِلَّا أَمر بذَبْحه فَلَمَّا وجدت أم إِبْرَاهِيم الطلق خرجت إِلَى مغارة كَانَت قَرِيبا مِنْهَا فَولدت فِيهَا إِبْرَاهِيم وأصلحت من شَأْنه مَا جرت بِهِ الْعَادة ثمَّ سدت عَلَيْهِ فَم المغارة وعادت إِلَى بَيتهَا وَكَانَت تطالعه فِي المغارة لتنظر مَا يفعل فتجده حَيا يمص إبهامه وَقيل إِنَّه كَانَ يغتذى من ابهاهه وَقيل إِن الله جعل رزق إِبْرَاهِيم فِي أَطْرَافه وَكَانَ كلما مص من أَصَابِعه جعل الله لَهُ فِيهَا رزقا
стр. 128
وَكَانَ آزر سَأَلَ أم إِبْرَاهِيم عَن حملهَا فَقَالَت ولدت غُلَاما وَمَات وصدقها وتربى إِبْرَاهِيم فِي المغارة وَكَانَ الْيَوْم على إِبْرَاهِيم كالشهر والشهر كالسنة على غَيره فَلم يلبث إِبْرَاهِيم فِيمَا ذكر إِلَّا خَمْسَة عشرَة شهرا إِلَّا قَالَ لأمه أخرجيني أنظر فَأَخْرَجته فتفكر فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ نظر فِي السَّمَاء فَرَأى كوكباً كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَسَيَأْتِي الْكَلَام على تَمام قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الثَّعْلَبِيّ فِي كتاب العرائس لما نجى الله خَلِيله من نَار النمرود وَمن آمن بِهِ خرج مُهَاجرا إِلَى ربه وَتزَوج ابْنة عَمه سارة ابْنة هاران وَبِه سميت الْبَلدة الْمَشْهُورَة الَّتِي يُقَال لَهَا حران بقلب الْهَاء حاء فَخرج يلْتَمس الْفِرَار بِدِينِهِ والأمان على نَفسه وَمن آمن مَعَه فَقدم إِلَى مصر وَبهَا فِرْعَوْن من الفراعنة الأول وَكَانَت سارة من أحسن النِّسَاء وَكَانَت لَا تعصى إِبْرَاهِيم وَبِذَلِك أكرمها الله تَعَالَى فَأتى إِبْلِيس إِلَى فِرْعَوْن وَقَالَ إِن هَهُنَا رجلا مَعَه امْرَأَة من أحسن النِّسَاء فَأرْسل الْجَبَّار إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ وَقَالَ مَا هَذِه الْمَرْأَة مِنْك فَقَالَ هِيَ أُخْتِي وَخَافَ إِن قَالَ امْرَأَتي أَن يقْتله فَقَالَ زينها وأرسلها إِلَيّ فَرجع إِبْرَاهِيم إِلَى سارة وَقَالَ لَهَا إِن هَذَا الْجَبَّار قد سَأَلَني عَنْك فَأَخْبَرته أَنَّك أُخْتِي فَلَا تكذبِينِي عِنْده فَإنَّك أُخْتِي فِي كتاب الله فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسلم فِي هَذِه الأَرْض غَيْرِي وَغَيْرك ثمَّ أَقبلت سارة إِلَى الْجَبَّار وَقَامَ إِبْرَاهِيم يُصَلِّي وَقد رفع الله الْحجاب بَينه وَبَين سارة ينظر إِلَيْهَا مُنْذُ فارقته إِلَى أَن عَادَتْ إِكْرَاما لَهُ وتطييباً لِقَلْبِهِ فَلَمَّا دخلت سارة على الْجَبَّار وَرَآهَا دهش من حسنا وَلم يملك نَفسه أَن مده يَده إِلَيْهَا فيبست يَده على صدرها فَلَمَّا رأى ذَلِك عظم أمره وَقَالَ لَهَا سَلِي رَبك أَن يُطلق يَدي فَإِنِّي وَالله لَا أوذيك فَقَالَت سارة اللَّهُمَّ إِن كَانَ صَادِقا فِيمَا يَقُول فَأطلق يَده فَأطلق الله يَده فوهب لَهَا هَاجر وَهِي امْرَأَة قبطية جميلَة وردهَا إِلَى إِبْرَاهِيم فَأَقْبَلت إِلَيْهِ فَلَمَّا أحس بهَا انْفَتَلَ من صلَاته فَقَالَت كفى الله كيد الْفَاجِر ووهبني هَاجر وَقد وهبتها لَك لَعَلَّ الله يرزقك مِنْهَا ولدا وَكَانَت سارة قد منعت الْوَلَد حِين أَيِست فَوَقع إِبْرَاهِيم على هَاجر فَحملت بِإِسْمَاعِيل عَلَيْهِ
стр. 129
السَّلَام وَأقَام إِبْرَاهِيم بِنَاحِيَة من أَرض فلسطين بَين الرملة وايليا وَهُوَ يضيف من يَأْته وَقد أوسع الله عَلَيْهِ وَبسط لَهُ فِي الرزق وَكَانَ لوط بن هاران بن تارح ابْن أخي إِبْرَاهِيم ﵊ وَفِي الْكَشَّاف وَكَانَ لوط ابْن أُخْت إِبْرَاهِيم ﵊ وَهُوَ أول من آمن لَهُ يَوْم النَّار وَكَانَ مَعَه فِي هجرته وَهُوَ النَّبِي الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن الْمَبْعُوث إِلَى سدوم وَسَائِر الْقرى الْخمس المؤتفكة وَهِي سدوم وعمورا وَحَصُورًا وصابورا وَفِي الْكَشَّاف صيعة وصبور وعمواء ومي وسدوم وَهِي الْعُظْمَى وَذكر أَن سدوم جَمِيع مَا أَقَامَت عامرة إِحْدَى وَخمسين سنة قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قرى قوم لوط كَانَت خمْسا أهلك الله أَرْبعا بِأَهْلِهَا وَبقيت وَاحِدَة وَهِي بِلَاد بَين تخوم الْحجاز مِمَّا يَلِي الْأُرْدُن وبلاد فلسطين إِلَّا أَن ذَلِك فِي حيّز الشَّام خراب لَا أنيس بِهِ وَلَا حسيس قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي العرائس وَإِنَّمَا سمى لوط لِأَن حبه ليط بقلب إِبْرَاهِيم أَي تعلق ولصق فَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ يُحِبهُ حبا شَدِيدا وَهَاجَر مَعَه إِلَى مصر وَعَاد إِلَى الشَّام فَأرْسلهُ الله إِلَى أهل سدوم الْقرْيَة الَّتِي قيل فِيهَا أجور من قَاضِي سدوم وَكَانُوا أهل كفر وفاحشة فَقَالَ لَهُم لوط أتقطعون السَّبِيل وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر وَكَانَ قطعهم السَّبِيل إتْيَان الْفَاحِشَة بِمن ورد عَلَيْهِم إِذا مر عَلَيْهِم الْمَار أمسكوه وفعلوا بِهِ اللواط وَفِي ناديهم الْمُنكر نِكَاح بَعضهم بَعْضًا وَعَن عَائِشَة كَانُوا يتحابقون فِي الْمجَالِس وَعَن ابْن عَبَّاس الْمُنكر هُوَ الْحَذف بالعصى وَالرَّمْي بالبنادق والفرقعة
стр. 130
للأصابع ومضغ العلك والسواك بَين النَّاس وَحل الْإِزَار والسباب وَالْفُحْش فِي المزاح وَقيل السخرية بِمن مر بهم وَقيل المجاهرة فِي ناديهم بذلك الْعَمَل يرتكبونها معالنين بهَا لَا يسْتَتر بَعضهم من بعض خلاعةً ومجانةً وانهماكاً فِي الْمعْصِيَة وَقَالُوا لم يثر ذكر على ذكر قبل قوم لوط فَقَالَ لوط ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ من الْعَالمين وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم﴾ الشُّعَرَاء ١٦٥ ١٦٦ يَعْنِي وجدكم تختصون بِهَذِهِ الْفَاحِشَة والعالمون على هَذَا القَوْل كل مَا ينْكح من الْحَيَوَان قَالَ فِي الْكَشَّاف وَمن أزواجكم يصلح أَن يكون بَيَانا لما خلق وَأَن يكون للتَّبْعِيض وَيُرَاد بِمَا خلق الْعُضْو الْمُبَاح مِنْهُنَّ وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود مَا أصلح لكم ربكُم من أزواجكم وَكَانُوا يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك بنسائهم فَكَذبُوهُ فَلم يزدهم وعظه إِلَّا تمادياً فَسَأَلَ الله فيهم فَأرْسل الله الْمَلَائِكَة بقلب سدوم والمؤتفكات فَجعلُوا طريقهم على إِبْرَاهِيم ﵇ فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ فَلم يَأْكُلُوا فأوجس مِنْهُم خيفة فَقَالَت لَهُم زَوجته سارة مالكم تمتنعون من طَعَام نَبِي الله فبشروها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب وَكَانَت سارة يَوْمئِذٍ ابْنة تسعين سنة وَإِبْرَاهِيم ابْن مائَة وَعشْرين سنة فَقَالَت (ءَأَلِدُ وَأَناْ عَجُوزٌ﴾ إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ هود ٧٢ ﴿فَلَمَّا ذهب عَن إِبْرَاهِيم الْوَرع﴾ هود ٧٤ قَالَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَي الْكبر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ إِبْرَاهِيم ٣٩ وسألهم فِيمَا أَتَوا فَقَالُوا أَتَيْنَا بِهَلَاك قوم لوط قَالَ إِبْرَاهِيم يَا جِبْرِيل إِن كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ بَيْتا من الْمُسلمين أتهلكهم فَقَالَ لَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم وَأَرْبَعُونَ قَالَ لَا قَالَ وَثَلَاثُونَ قَالَ لَا قَالَ وَعشرَة قَالَ لَا قَالَ وَوَاحِد قَالَ لَا ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لننجينه واهله إِلَّا امراته كَانَت من الغابرين﴾ العنكبوت ٣٢ فَلَمَّا وصلت الْمَلَائِكَة إِلَى لوط وهم فِي صُورَة مرد حسان الْوُجُوه رَأَوْهُ تَحت الْبَلَد يسْقِي زرعا لَهُ وَكَانَ زارعاً فَقَالُوا لَهُ هَل من قرى عنْدك اللَّيْلَة فَقَالَ إِن أهل هَذِه الْقرْيَة لعنهم الله قوم سوء ينْكحُونَ الرِّجَال
стр. 131
وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَال فَمَا أَنْتُم قَالُوا نَحن عبيد وَكَانَ آخر النَّهَار فتركهم وَذهب إِلَى الْبَلَد وَقَالَ لامْرَأَته إِن كتمت عَليّ اللَّيْلَة فِي ضيوف عِنْدِي عَفَوْت عَمَّا مضى مِنْك وَكَانَت إِذا جَاءَهُ ضيف لَيْلًا توقد فَوق السَّطْح وَإِن جَاءَهُ نَهَارا تدخن عَلامَة بَينهَا وَبَين قَومهَا فوعدته الكتمان فغدا بهم وَقَالَ لَا تَمْشُوا إِلَّا فِي ظلّ الْحَائِط فَقَالُوا أمرنَا سيدنَا أَلا نسلك إِلَّا وسط الجادة فَلَمَّا وصلوا أوقدت النَّار على السَّطْح فَجَاءُوا إِلَيْهِ يهرعون كَمَا حكى الله تَعَالَى عَنْهُم ذَلِك وَقَالُوا لَهُ يَا لوط ﴿أولم ننهك عَن الْعَالمين﴾ الْحجر ٧٠ فَقَالَ ﴿يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ هود ٧٨ يَعْنِي بِالتَّزْوِيجِ لأكابركم ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ هود ٧٨ فَكَانَ من جوابهم قَوْلهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَناتِكَ﴾ إِلَى آخِره هود ٧٩ فناشدهم الرَّحِم وهم على العناد فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل افْتَحْ لَهُم فَقَالَ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ هود ٨٠ وَقَول من أَنْت قَالَ جِبْرِيل قَالَ بِمَاذَا أتيت قَالَ بهلاكهم قَالَ مَتى قَالَ ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ هود ٨١ فاستبطأ لوط ذَلِك فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هود ٨١ فَضرب جِبْرِيل بجناحه فَأعمى كل من فِي الْمَدِينَة وَكَانَ فيهم عَابِد وعالم فَكَانَ العابد يَقُول لَهُم نَدْعُو عَلَيْهِ والعالم يُحَذرهُمْ وينهاهم عَن مُخَالفَته فَذَهَبُوا إِلَى العابد ليدعو فَدَعَا فَلم يستجب لَهُ فَذَهَبُوا إِلَى الْعَالم فَقَالَ لَهُم احْفَظُوا لوطا فَإِنَّهُ مادام فِيكُم لم ينزل عَلَيْكُم الْعَذَاب فأحاطوا بداره جَمِيعًا وَكَانَ جِبْرِيل أمره أَن يطالع لَيْلًا فَلَمَّا جَاءَ عِنْده الصُّبْح رَآهُ بَاقِيا فِي مَكَانَهُ فَقَالَ لم لَا تطلع فَاعْتَذر بِشدَّة اجْتِمَاعهم على دَاره وَأَنه لَا يُمكنهُ ذَلِك فَضرب جِبْرِيل الأَرْض بقضيب فانفتح سردات فِيهِ قضيب من نور إِلَى ظَاهر الْبَلَد فَقَالَ اتبعهُ ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصَابَهُمْ﴾ هود ٨١ فَخَرجُوا مُسْرِعين فتبعتهم امْرَأَته فَسمِعت من خلفهَا هدة فالتفتت فَسَقَطت عَلَيْهَا صَخْرَة فأهلكتها وَفِي الْكَشَّاف قيل إِنَّهَا هَلَكت مَعَ من خرج من الْقرْيَة بِمَا أَمر عَلَيْهِم من الْحِجَارَة لكَونهَا راضية ومحرشة والراضي بالمعصية فِي حكم العَاصِي
стр. 132
وَأما الأمطار فَعَن قَتَادَة أمطر الله على شَدَّاد الْقَوْم حِجَارَة من السَّمَاء فأهلكتهم قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الحاصب لقوم لوط وَهِي ريح عاصف فِيهَا حَصْبَاء وَقيل ملك كَانَ يرميهم قَالَ الشريف أَبُو مُحَمَّد هَارُون المأموني لما سَمِعت الصَّوْت امْرَأَة لوط قَالَت واقوماه فأدركها حجر فَقَتلهَا لأَنهم كَانُوا قد أمطر الله عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل فَهَلَكت مَعَ الْقَوْم فَلَمَّا كَانَ الصُّبْح اقتلع جِبْرَائِيل أَرضهم سدوم وقراها بِمن فِيهَا وَكَانَ فِيهَا أَرْبَعَة الْألف ألف فَرَفعهَا من سبع أَرضين حَتَّى بلغ بهَا السَّمَاء وَسمع أهل السَّمَاء بنبح كلابهم وصياح ديكتهم وَلم يكفأ لَهُم إِنَاء وَلم ينتبه لَهُم نَائِم ثمَّ قَلبهَا فَعجل عاليها سافلها وأمطر الله الْحِجَارَة على من لم يكن بالقرى فأهلكهم وَكَانَ ذَلِك بعد مُضِيّ تسع وَتِسْعين سنة من عمر إِبْرَاهِيم ﵇ وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر ﵃ أَن قوم لوط كَانُوا من أفضل قوم خلقهمْ الله تَعَالَى وَكَانَ من فَضلهمْ أَنهم إِذا خَرجُوا للْعَمَل خَرجُوا بأجمعهم وَبَقِي النِّسَاء خَلفهم فحسدهم إِبْلِيس على عِبَادَتهم فَكَانُوا إِذا رجعُوا خرب إِبْلِيس مَا يعْملُونَ فرصدوه فَإِذا الَّذِي يخرب مَتَاعهمْ غُلَام حسن فَاجْتمع رَأْيهمْ على قَتله وبيتوه عِنْد رجل مِنْهُم فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل صَاح فَقَالَ لَهُ الرجل مَالك فَقَالَ كَانَ أبي ينومني على بَطْني فَلم يزل بذلك الرجل حَتَّى علمه يعْمل بِنَفسِهِ فأولاً علمه إِبْلِيس وَالثَّانيَِة علمه هُوَ ثمَّ انْسَلَّ اللعين ففر مِنْهُم فَجعل الرجل يحدث بِمَا فعل لغلام فَأَعْجَبَهُمْ فوضعوا أَيْديهم فِيهِ حَتَّى اكْتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ فَجعلُوا يرصدون مار الطَّرِيق يَفْعَلُونَ بِهِ حَتَّى تنكب النَّاس مدينتهم ثمَّ تركُوا نِسَاءَهُمْ وَأَقْبلُوا على الغلمان فَلَمَّا رأى إِبْلِيس أَنه قد أحكم أمره فِي الرِّجَال أَتَى إِلَى النِّسَاء وصير نَفسه امْرَأَة وَقَالَ إِن رجالكم يفعل بَعضهم بِبَعْض قَالُوا نعم وَلُوط بَعضهم حَتَّى اسْتغنى النِّسَاء بِالنسَاء فَلَمَّا كملت عَلَيْهِم الْحجَّة أرسل الله جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل فِي زِيّ غلْمَان
стр. 133
عَلَيْهِم أقبية فَمروا بلوط وَهُوَ يحدث إِلَى آخر مَا تقدم وَأما قبر لوط فَهُوَ فِي قَرْيَة تسمى كفر بريك عِنْد مَسْجِد الْخَلِيل ﵇ بِنَحْوِ فَرسَخ وَنقل أَن فِي المغارة الغريبة تَحت الْمَسْجِد الْعَتِيق سِتِّينَ نَبيا مِنْهُم عشرُون مُرْسلا وَهَذَا الْمَكَان مَشْهُور بِالْفَضْلِ ويزار على فَرسَخ من حرا جبل صَغِير مشرف على بحيرة زغر وبموضع قريات لوط مَسْجِد بناه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الصاحي فِيهِ مرقد إِبْرَاهِيم ﵇ قد غاص فِي الصخر بِنَحْوِ ذِرَاع يُقَال إِن إِبْرَاهِيم ﵇ لما رأى قريات قوم لوط فِي الْهَوَاء وقف أَو رقد ثمَّ قَالَ أشهد أَن هَذَا هُوَ الْحق الْيَقِين فَلذَلِك سمى مَسْجِد الْيَقِين وَكَانَ بِنَاء هَذَا الْمَسْجِد فِي شهر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة وبظاهر الْمَسْجِد مغارة بهَا قبر فَاطِمَة بنت الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَعند قبرها رخامة مَكْتُوب عَلَيْهَا بالكوفي // (من الْبَسِيط) //
(أسكنت من كَانَ بالأحشاء مسكنهُ ... بالرّغم منّي بَين التّرب وَالْحجر)
(أفديك فاطمةٌ ممّا رُميت بِهِ ... بنت الأئمّة بنت الأنجم الزّهر)
ولنعد إِلَى تَمام قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ إِذْ قصَّة لوط وَقعت فِي الْبَين لاتصالها بهَا اتِّصَال السّمع بِالْعينِ لما أوجس إِبْرَاهِيم ﵇ من الْمَلَائِكَة خيفة حِين لم يأكولا مَا قدمه لَهُم ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ﴾ أَي وَالْحَال أَن امْرَأَته أَي إِبْرَاهِيم ابْنة عَمه سارة ﴿قَائِمَةٌ﴾ تخدمهم ﴿فَضَحِكَتْ﴾ هود ٧١ تَعَجبا أَن يكون لَهَا ولد بعد بُلُوغ تسعين عَاما فالضحك على حَقِيقَته الْمَعْرُوفَة وَقَالَ مُجَاهِد وَيُمكن ضحِكت حَاضَت تَقول الْعَرَب ضحِكت الأرنب إِذا حَاضَت قَالَ السّديّ فَحملت سارة بِإسْحَاق وَكَانَت هَاجر قد وَقع عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم ﵇ بعد أَن وهبتها لَهُ سارة فَحملت بِإِسْمَاعِيل فَوَضَعَتَا فشب الغلامان فتسابقا فَسبق إِسْمَاعِيل فَأَخذه إِبْرَاهِيم وَأَجْلسهُ فِي حجره وأجلس إِسْحَاق إِلَى
стр. 134
جَانِبه فَغضِبت سارة وَقَالَت عَمَدت إِلَى ابْن الْأمة فأجلسته إِلَى حجرك وعمدت إِلَى ابْني فأجلسته إِلَى جَانِبك وَأَخذهَا مَا يَأْخُذ النِّسَاء من الْغيرَة فَحَلَفت لتقطعن مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء أَو تغيرن خلقتها ثمَّ ثاب إِلَيْهَا عقلهَا فتحيرت فِي يَمِينهَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم اخفضيها واثقبي أذنيها فَفعلت وحلت من يَمِينهَا فَصَارَ ذَلِك سنة فِي النِّسَاء والخفاض للنِّسَاء كالختان للرِّجَال ثمَّ إِنَّه تهارش إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق كَمَا يتهارش الصّبيان فَغضِبت سارة على هَاجر وَحلفت أَلا تساكنها فِي بلد وَاحِد وَطلبت من إِبْرَاهِيم على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء أَن يعزلها عَنْهَا فَأوحى إِلَى إِبْرَاهِيم أَن يَأْتِي بهاجر وَابْنهَا إِلَى مَكَّة فَذهب بهَا حَتَّى قدم مَكَّة وَهِي إِذْ ذَاك عضاه وَسلم وَمَوْضِع الْبَيْت ربوة حَمْرَاء فَعمد بهَا إِلَى الْحجر بِكَسْر الْحَاء فأنزلها فِيهِ وأمرها أَن تتَّخذ فِيهِ عَرِيشًا ثمَّ انْصَرف فتبعته هَاجر فَقَالَت الله أَمرك بِهَذَا قَالَ نعم قَالَت إِذن لَا يضيعنا فَرَجَعت عَنهُ وَكَانَ مَعهَا مَاء فِي شن فنفد فعطشت وعطش ابْنهَا فَنَظَرت إِلَى الْجَبَل فَلم تَرَ دَاعيا وَلَا مجيباً فَصَعدت على الصَّفَا ثمَّ هَبَطت إِلَى الْمَرْوَة وعينها من وَلَدهَا حَتَّى نزلت فِي الْوَادي فغابت عَنهُ فهرولت حَتَّى صعدت الْجَانِب الآخر فرأته فاستمرت إِلَى أَن صعدت الْمَرْوَة فَمَا رَأَتْ أحدا فترددت كَذَلِك سبعا فَعَادَت إِلَى وَلَدهَا وَقد نزل جِبْرِيل ﵇ فَضرب بجناحه الأَرْض فنبع المَاء فَرَجَعت هَاجر إِلَيْهِ وحسبته عَن السيلان وَهِي تَقول زم زم تكررها فسميت زَمْزَم لذَلِك وَفِي لفظ النُّبُوَّة لَوْلَا انها اعجلت لكَانَتْ عينا معنيا فَشَرِبت وأرضعت ابْنهَا وَقَالَ لَهَا جِبْرِيل لَا تخافي الضَّيْعَة فَإِن هَهُنَا بَيْتا لله يبنيه هَذَا الْغُلَام وَأَبوهُ وَركب إِبْرَاهِيم منصرفاً من يَوْمه وَكَانَ ذَلِك بِوَحْي الله تَعَالَى قَالُوا ثمَّ مرت رفْقَة من جرهم تُرِيدُ الشَّام فَرَأَوْا طيراً تحوم على جبل أبي قبيس فَقَالُوا إِن هَذَا الطير يحوم على مَاء فتبعوه فأشرفوا على بِئْر زَمْزَم فَقَالُوا لهاجر إِن شِئْت نزلنَا مَعَك وَالْمَاء ماؤك فَأَذنت لَهُم فنزلوا مَعهَا فهم أول من سكن مَكَّة على هَذِه الرِّوَايَة لَكِن الْأَصَح أَن العمالقة أول من سكنها كَمَا ذكر ذَلِك
стр. 135
فِي تَرْتِيب من بني الْبَيْت عبد اللَّطِيف بن أبي كثير بقوله // (من الطَّوِيل) //
(بنى الْكَعْبَة الغرّاء عشرٌ ذكرتهم ... ورتّبتهم حسب الّذي أخر الثّقه)
(ملائكةُ الرّحمن آدم وَابْنه ... كَذَاك خَلِيل الله ثمّ العمالقة)
(وجُرْهُمُ يتلوهم قصيٌّ قريشُهم ... كَذَا ابْن زبيرٍ ثمّ حجاجُ لاحقه)
وَزَاد بَعضهم فَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(وَمن بعد عَام الْأَرْبَعين لقد بنى ... مرادٌ حماه اللهُ من كل طارقه)
وَقد ذكر الأرزقي من خبر العمالقة مَا يَقْتَضِي سبقهمْ فِي سُكْنى مَكَّة لجرهم فَإِنَّهُ روى بِسَنَدِهِ إِلَى سيدنَا عبد الله بن الْعَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ كَانَ بِمَكَّة حَتَّى يُقَال لَهُم العماليق من نسل عمليق بن لاوذ بن سَام بن نوح وَكَانُوا فِي عز وثروة كَانَت لَهُم خيل وإبل وماشية تسْعَى حول مَكَّة وَكَانَت العضاه ملتفة وَالْأَرْض مبقلة وَكَانُوا فِي عَيْش رخيٍّ فبغوا فِي الأَرْض وأسرفوا على أنفسهم وأظهروا الظُّلم والإلحاد وَتركُوا شكر الله تَعَالَى وَكَانُوا يكرون الظل ويبيعون المَاء فسلبوا النِّعْمَة وأخرجهم الله من مَكَّة بِأَن سلط الله عَلَيْهِم النَّمْل حَتَّى خَرجُوا من الْحرم ثمَّ ساقهم الجدب حَتَّى الحقهم بمساقط رُءُوس ابئهم بِبِلَاد الْيمن فَتَفَرَّقُوا وهلكوا انْتهى وَلما نزلُوا على زَمْزَم أهدوا إِلَيْهَا عشرا من الْغنم فَيُقَال إِن جَمِيع أَغْنَام بني إِسْمَاعِيل من نسل تِلْكَ الْعشْرَة وَتوفيت هَاجر أم إِسْمَاعِيل وقبرها فِي الْحجر فَتزَوج إِسْمَاعِيل من جرهم فَتكلم بلسانهم فَيُقَال لبني إِسْمَاعِيل الْعَرَب المستعربة وَيُقَال لجرهم وقحطان الْعَرَب العاربة وَيُقَال لطسم وجديس وعبيل الْعَرَب البائدة لأَنهم بادوا وهلكوا جَمِيعًا قَالَ الْعَلامَة المَسْعُودِيّ فِي مروجه بَنو نزار تنكر تعلم إِسْمَاعِيل الْعَرَبيَّة من جرهم وتدعي أَن الله تَعَالَى علمه ههذ اللُّغَة قَالُوا ولغة جرهم غير هَذِه اللُّغَة وَنحن نؤيد ذَلِك فقد وجدنَا لُغَة بني قحطان تخَالف لُغَة بني نزار وَذَلِكَ يَقْتَضِي إبِْطَال قَول من قَالَ إِن إِسْمَاعِيل أعرب بلغَة جرهم انْتهى مَا قَالَه المَسْعُودِيّ قَالَ التقي الفاسي ﵀ قَالَ ابْن هِشَام بعد أَن ذكر أَن قبرها وقبر ابْنهَا جعلا فِي الْحجر عِنْد الْكَعْبَة مَا نَصه تَقول الْعَرَب هَاجر وآجر فيبدلوا الْألف
стр. 136
من الْهَاء كَمَا قَالُوا فِي هراق المَاء وأراق المَاء وَهَاجَر من أهل مصر وَقَالَ حَدثنَا عبد الله بن وهب عَن عبد الله بن لَهِيعَة عَن عمر مولى غفرة أَن رَسُول الله
قَالَ الله الله فِي أهل الذِّمَّة أهل الدرة السود السحم الجعاد فَإِن لَهُم نسبا وصهراً قَالَ عمر مولى غفرة نسبهم لِأَن أم إِسْمَاعِيل مِنْهُم وصهرهم أَن رَسُول الله
تسرى فيهم قَالَ ابْن لَهِيعَة أم إِسْمَاعِيل هَاجر من قَرْيَة كَانَت أَمَام الفرما من مصر والفرما مَدِينَة تنْسب إِلَى صَاحبهَا الَّذِي بناها وَهُوَ الفرما بن فيلفوس وَقيل ابْن فيلبس وَمَعْنَاهُ محب الْفرس انْتهى وَقَالَ الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف كَانَت هَاجر لملك الْأُرْدُن واسْمه صارون فِيمَا ذكره القتيبي دَفعهَا إِلَى سارة حِين أَخذ سارة من إِبْرَاهِيم إعجاباً مِنْهُ بجمالها فصرع مَكَانَهُ لما أَرَادَ الدنو إِلَيْهَا فَقَالَ ادعِي الله أَن يُطلقنِي الحَدِيث كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور فِي الصِّحَاح فأرسلها وأخدمها بهاجر فوهبتها سارة لإِبْرَاهِيم وَكَانَت هَاجر قبل ذَلِك بنت ملك من مُلُوك القبط بِمصْر والقبط أَوْلَاد قبط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وَذكر من حَدِيث سيف بن عمر أَن عَمْرو بن الْعَاصِ حِين حاصر مصر قَالَ لأَهْلهَا إِن نَبينَا ﵊ قد وعدنا بِفَتْحِهَا وَقد أمرنَا أَن نستوصي بِأَهْلِهَا خيرا فَإِن لَهُم نسبا وصهرا فَقَالُوا هَذَا انسب لَا يحفظ حَقه إِلَّا نَبِي لِأَنَّهُ نسب بعيد وَصدق كَانَت أمكُم امْرَأَة لملك من مُلُوكنَا فحاربنا أهل عين الشَّمْس فَكَانَت لَهُم علينا دولة فَقتلُوا الْملك واحتملوها فَمن هُنَالك تصيرت إِلَى أبيكم إِبْرَاهِيم
стр. 137
قلت وَقَول السدى فِيمَا تقدم إِن سَبَب إِخْرَاج إِبْرَاهِيم هَاجر إِلَى الْحرم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب غضب سارة على هَاجر حِين تسابق الغلامان وَسبق إِسْمَاعِيل إِسْحَاق ولإقعاد إِبْرَاهِيم ﵇ إِسْمَاعِيل فِي حجره وإقعاد إِسْحَاق إِلَى جَانِبه وَقَول سارة عَمَدت إِلَى ابْن الْأمة فأجلسته فِي حجرك إِلَى آخِره لَيْسَ بِصَحِيح وَكَذَا قَوْله تهارش إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق كَمَا يتهارش الصّبيان فَغضِبت لَيْسَ بِصَحِيح بل الصَّحِيح أَن سَبَب إخْرَاجهَا مَحْض الْغيرَة كَمَا رَأَيْته فِي غَالب كتب السّير ثمَّ إِنَّه ذكر أَن إِسْمَاعِيل كَانَ طفْلا إِذا ذَاك لَا يهارش وَلَا يسابق انْتهى وَذكر النَّوَوِيّ والسهيلي أَنَّهَا مَاتَت وَسن وَلَدهَا إِسْمَاعِيل عشرُون سنة وروى الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن إِسْحَاق أَن إِبْرَاهِيم لما أَمر بِبِنَاء الْبَيْت أقبل من أرمينية على الْبراق حَتَّى انْتهى إِلَى مَكَّة وَبهَا إِسْمَاعِيل وعمره يَوْمئِذٍ عشرُون سنة وَقد توفيت أمه قبل ذَلِك وَهَذَا يَقْتَضِي أَن أمه توفيت وسنه دون عشْرين لِأَنَّهَا مَاتَت قبل قدوم إِبْرَاهِيم وَقدم إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ابْن عشْرين سنة ثمَّ إِن إِبْرَاهِيم ﵇ اسْتَأْذن سارة فِي زِيَارَة ابْنه وَأمه فَأَذنت لَهُ واشترطت أَلا ينزل عِنْدهَا فَقدم إِبْرَاهِيم ﵇ وَقد مَاتَت هَاجر فَأتى بِبَيْت إِسْمَاعِيل فَوجدَ امْرَأَته فَقَالَ لَهَا أَيْن صَاحبك فَقَالَت ذهب يتصيد وَكَانَ إِسْمَاعِيل يخرج من الْحرم إِلَى الْحل فيصيد مَا يتعيش بِهِ فَقَالَ لَهَا هَل عنْدك ضِيَافَة من طَعَام أَو شراب قَالَت لَيْسَ عِنْدِي شَيْء فَقَالَ لَهَا إِذا جَاءَ زَوجك فَأَقْرئِيهِ مني السَّلَام وَقَوْلِي لَهُ غير عتبَة بَيْتك وَذهب إِبْرَاهِيم ﵇ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل ﵇ قَالَت لَهُ جَاءَنِي رجل شيخ صفة كَذَا وَكَذَا أَقْرَأَك السَّلَام وَقَالَ غير عتبَة بَيْتك فَقَالَ لَهَا الحقي بأهلك وَتزَوج غَيرهَا فَمَكثَ إِبْرَاهِيم مُدَّة ثمَّ اسْتَأْذن فِي الزِّيَارَة فجَاء إِلَى مَكَّة وَقدم على منزل إِسْمَاعِيل فَوَجَدَهُ غَائِبا فِي الصَّيْد كَذَلِك فَقَالَ لامْرَأَته أَيْن ذهب صَاحبك قَالَت ذهب يتصيد ورحبت بِهِ وَقَالَت لَهُ اجْلِسْ يَرْحَمك الله وجاءته بِلَحْم وَلبن وَمَاء فَأكل وَشرب وَقَالَت لَهُ يَا عَم هَلُمَّ حَتَّى أغسل رَأسك وأزيل شعثك وَجَاءَت بِحجر قيل هُوَ حجر الْمقَام الَّذِي بنى عَلَيْهِ الْكَعْبَة بعد فَجَلَسَ عَلَيْهِ فغاصت رِجْلَاهُ فِي الْحجر فغسلت شقَّه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أفاضت المَاء على رَأسه وبدنه إِلَى أَن فرغت فَتوجه من
стр. 138
عِنْدهَا وَقَالَ لَهَا إِذا جَاءَ صَاحبك فَأَقْرئِيهِ مني السَّلَام وَقَوْلِي لَهُ قد استقامت عتبَة بَيْتك فالزمها فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل وجد رَائِحَة أَبِيه فَقَالَ لَهَا هَل جَاءَك أحد قَالَت نعم جَاءَنِي شيخ من أحسن النَّاس وَجها وأطيبهم ريحًا فأضفته وسقيته وغسلته وَهَذَا مَوضِع قَدَمَيْهِ وَحين توجه قَالَ لي أقرئي صَاحبك مني السَّلَام وَقَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيل نعم أَمرنِي أَن أثبت مَعَك وَقبل مَوضِع قدمي أَبِيه من الْحجر وَحفظه يتبرك بِهِ إِلَى أَن بنى فِيمَا بعد إِبْرَاهِيم ﵇ الْكَعْبَة ثمَّ بعد ذَلِك قدم إِبْرَاهِيم ﵊ إِلَى مَكَّة وَبنى الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فَلَمَّا فرغ من بنائها أمره الله أَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ فَقَالَ يَا رب وَمَا عَسى أَن يبلغ مدى صوتي فَقَالَ تَعَالَى عَلَيْك النداء وعلينا الْبَلَاغ فَصَعدَ على جبل ثبير وَقيل فِي الْحجُون وَقيل على ظهر الْكَعْبَة ونادى يَا عباد الله إِن ربكُم قد بنى بَيْتا وأمركم أَن تحجوه فحجوا وأجيبوا دَاعِي الله فَأَسْمع صَوته جَمِيع من فِي الدُّنْيَا سيول مِمَّن وَمن هُوَ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام الْأُمَّهَات فَأَجَابَهُ من سبق فِي علم الله أَنه سيحج لبيْك ليبك وَكَانَ حج من حج بِعَدَد تلبيته السَّابِقَة إِن خمْسا فَخمس أَو عشرا فعشر أَو أقل أَو أَكثر فبحسبه فسبحان الْقَدِير على كل شَيْء لَا إِلَه إِلَّا غَيره قَالَ فِي الْأَعْلَام روى كَعْب الْأَحْبَار عَن رجال قَالُوا لما رأى إِبْرَاهِيم فِي الْمَنَام أَنه يذبح ابْنه وَتحقّق أَنه أَمر ربه قَالَ لِابْنِهِ يَا بني خُذ المدية وَالْحَبل وَانْطَلق بِنَا إِلَى هَذَا الشّعب لنحتطب لأهلنا فَأخذ الْمَدِينَة وَالْحَبل وَتبع وَالِده فتمثل الشَّيْطَان رجلا فَأتى أم الْغُلَام فَقَالَ أَتَدْرِينَ أَيْن ذهب إِبْرَاهِيم بابنك قَالَت ذهب ليحتطب لنا من هَذَا الشّعب فَقَالَ لَهَا الشَّيْطَان لَا وَالله مَا ذهب إِلَّا ليذبحه قَالَت كلا هُوَ أشْفق مني عَلَيْهِ وَأَشد حبا قَالَ إِنَّه يزْعم أَن الله أمره بذلك قَالَت فَإِن كَانَ الله أمره بذلك فليطع أمره فَخرج الشَّيْطَان حَتَّى أدْرك الابْن على أثر أَبِيه وَهُوَ يمشي فَقَالَ يَا غُلَام أَتَدْرِي أَيْن يذهب بك أَبوك قَالَ نحتطب
стр. 139
لأهلنا من هَذَا الشّعب قَالَ كلا زعم أَن الله أمره بذبحك فَقَالَ الْغُلَام فَلْيفْعَل مَا أمره الله بِهِ وسمعاً وَطَاعَة لأمر الله تَعَالَى فَأقبل الشَّيْطَان على إِبْرَاهِيم فَقَالَ أَيْن تُرِيدُ أَيهَا الشَّيْخ بِهَذَا الْغُلَام قَالَ أُرِيد هَذَا الشّعب لحَاجَة لي فِيهِ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أرى الشَّيْطَان خدعك بِهَذَا الْمَنَام الَّذِي رَأَيْته وَأَنَّك تذبح ولدك وفلذة كبدك فتندم بعد حَيْثُ لَا ينفعك النَّدَم فَعرفهُ إِبْرَاهِيم ﵊ وَقَالَ إِلَيْك عني يَا مَلْعُون وَالله لأمضين لأمر رَبِّي فنكص إِبْلِيس على عَقِبَيْهِ بخزيه وغيظه وَلم ينل من إِبْرَاهِيم شَيْئا وَيُقَال إِن مَوَاضِع الْجمار الثَّلَاث هِيَ مَوَاقِف الشَّيْطَان الَّتِي رجمه إِسْمَاعِيل فِيهَا لما اعْتَرَضَهُ للغواية بَقِي الرَّجْم إِلَيْهَا سنة فِي شرعنا دحضاً للشَّيْطَان فَلَمَّا خلا بِهِ إِبْرَاهِيم فِي الشّعب وَيُقَال كَانَ ذَلِك فِي ثبير قلت الْمَشْهُور فِي ثبير أَنه المطل على مَسْجِد الْخيف والمنحر الْمَشْهُور فِي سفحه وَتَصِح الرِّوَايَة فَإِن الْمُقَابل يُقَال لَهُ ثبير رم نَص عَلَيْهِ الْعَلامَة الفاسي وَغَيره وعدها سَبْعَة أثبرة وَبَينهَا انْتهى وَلما خلا بِهِ فِي الشّعب قَالَ لَهُ ﴿يَا بني إِنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ الْآيَة الصافات ١٠٢ فَحدثت أَن إِسْمَاعِيل قَالَ لَهُ عِنْد ذَلِك يَا أبتاه إِذا أردْت ذبحي فاشدد وثاقي لَا يصيبك من دمي فينقص أجري فَإِن الْمَوْت شَدِيد وَلَا آمن أَن أَضْطَرِب عِنْده إِذا وجدت مَسّه واستحد شفرتك حَتَّى تجهز عَليّ فَإِن أَنْت أضجعتني فَاكْفِنِي على وَجْهي وَلَا تضجعني لشقي فَإِنِّي أخْشَى إِن نظرت إِلَى وَجْهي أَن تدركك الرأفة فتحول بَيْنك وَبَين أَمر رَبك وَأَن ترد قَمِيصِي إِلَى أُمِّي فَعَسَى أَن يكون إسلاء لَهَا مَا بَقِي فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم نعم العون أَنْت يَا بني على أَمر الله فَيُقَال إِنَّه ربطه بالحبل كَمَا أمره فأوثقه ثمَّ حد شفرته ثمَّ تله للجبين أَي صرعه إِلَى الأَرْض وَاتَّقَى النّظر إِلَى وَجهه ثمَّ أَدخل الشَّفْرَة حلقه فقبلها جِبْرِيل ﵇ فِي يَده ثمَّ اجتذبها إِلَيْهِ ﴿وناديته أَن يَا إِبْرَاهِيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ الْآيَة الصافات ١٠٥ فَهَذِهِ ذبيحتك فدَاء لابنك فاذبحها دونه وَأَتَاهُ بكبش من الْجنَّة قَالَ العاكهي ذكر أهل الْكتاب وَكثير من الْعلمَاء أَن الْكَبْش الَّذِي فدى بِهِ
стр. 140
إِسْمَاعِيل هُوَ الْكَبْش المقتبل من قرْبَان ابْني آدم قابيل وهابيل حِين قربا قرباناً وَهُوَ الَّذِي قربه هابيل كَمَا فِي الْآيَة الشَّرِيفَة روى ذَلِك بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى طَاعَة هَذَا الْوَالِد لأمر الله تَعَالَى من ذبح قُرَّة عينه وَقطعَة كبده وَإِلَى طَاعَة هَذَا الْوَلَد لأمر وَالِده وانقياده لذَلِك رَاضِيا مستسلماً باذلاً روحه لله تَعَالَى وَانْظُر إِلَى هَذِه الوالدة الشفيقة الرحمية وإطاعتها لأمر الله تَعَالَى وَأمر زَوجهَا انْتهى ثمَّ ولد لإسماعيل ﵇ من زَوجته آسِيَة بنت مضاض بن عَمْرو الجرهمي اثْنَا عشر رجلا مِنْهُم نابت أَو نبت وقيدار ويطور قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ولد لإسماعيل بن إِبْرَاهِيم اثْنَا عشر رجلا نابت وقيدار وأدبيل ومبسام ومسمع وماشي ودوما وأذر وتيماء ويطور ونبش وقيذما كلهم من آسِيَة وَقيل رعلة بنت مضاض بن عَمْرو الجرهمي وَكَانَ أكبرهم نابت وَقَالَ السُّهيْلي أكبرهم قيدار وَرَأَيْت للبكرى مَا هُوَ صِيحَ أَن دومة الجندل الْبَلَد الْمَعْرُوفَة بلد أكيدر الَّتِي غَزَاهَا خَالِد بن الْوَلِيد عرفت بدوما بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ نزلها فَلَعَلَّ ذَلِك مغير مِنْهُ وَذكر أَن الطّور سمى بيطور بن إِسْمَاعِيل النَّبِي ﵊ وَلَعَلَّه مَحْذُوف الْيَاء إِن كَانَ يَصح مَا قَالَه وَأما الَّذِي قَالَه أهل التَّفْسِير فِي الطّور فَهُوَ كل جبل ينْبت الشّجر فَإِن لم ينْبت شَيْئا فَلَيْسَ بطور وَفِي كتاب التيجان قَالَ وهب حَدثنِي ابْن عَبَّاس ﵄ أَن
стр. 141
إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين وَسلم دخل ذَات يَوْم وعَلى عُنُقه قيدار بن إِسْمَاعِيل صَغِيرا فجَاء إِلَيْهِ يَعْقُوب وعيص ابْنا ابْنه إِسْحَاق فَأَخذهُمَا إِلَى صَدره فَنزلت رجل قيدار الْيُمْنَى على رَأس يَعْقُوب وَرجله الْيُسْرَى على رَأس عيص فَغضِبت أمهما فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيم ﵊ لَا تغضبي فَإِن أرجل أَوْلَاد هَذَا الَّذِي على عنقِي على رُؤُوس هَؤُلَاءِ بِمُحَمد
انْتهى وَخبر ابْن عَبَّاس هَذَا يدل على أَن نسب عدنان يرجع إِلَى قيدار بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ الَّذِي رَجحه السُّهيْلي وجماعات لَا إِلَى نابت بن إِسْمَاعِيل وعاش إِسْمَاعِيل مائَة وَثَلَاثِينَ عَاما وَمَات وَدفن بِالْحجرِ مَعَ أمه وعمود النّسَب المحمدي قيدار وَكَانَ هُوَ الْملك فِي زَمَانه بعد إِسْمَاعِيل وَكَانَ هُوَ صَاحب إبل إِسْمَاعِيل وَهُوَ معنى قيدار ثمَّ ولد لقيدار زيد وَهُوَ الهميسع ثمَّ ولد للهميسع أدد ثمَّ ولد لأدد أد ثمَّ ولد لأد عدنان قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي فِي شَرحه لسيرة ابْن هِشَام الْمُسَمّى بالروض الْأنف قَالَ القتيبي وَمَا فَوق عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل من الْأَسْمَاء مُضْطَرب فِيهِ فَالَّذِي صَحَّ عَن رَسُول الله
أَنه انتسب إِلَى عدنان لم يتجاوزه بل قد روى من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَنه لما بلغ عدنان قَالَ كذب النسابون مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وروى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ إِنَّمَا ننسب إِلَى عدنان وَمَا فَوق ذَلِك لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَأَصَح شَيْء يرْوى فِيمَا فَوق عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل مَا ذكره الدولابي أَبُو بشر من طَرِيق مُوسَى بن يَعْقُوب عَن عبد الله بن وهب بن زَمعَة الزمعِي عَن عتمه عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي
عَن النَّبِي
أَنه قَالَ معد بن عدنان بن أدد بن زند بالنُّون بن اليرى بن أعراق الثرى قَالَت أم سَلمَة فزند هُوَ الهميسع واليرى هُوَ نبت وأعراق الثرى هُوَ إِسْمَاعِيل لِأَنَّهُ ابْن إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ
стр. 142
السَّلَام لم تَأْكُله النَّار كَمَا أَن النَّار لَا تَأْكُل الثرى وَأَصْحَاب الْأَخْبَار لَا يَخْتَلِفُونَ فِي بعد الْمدَّة بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل ويستحيل فِي الْعَادة أَن يكون بَينهمَا أَرْبَعَة آبَاء أَو سَبْعَة كَا ذكره ابْن إِسْحَاق أَو عشرَة أَو عشرُون فَإِن الْمدَّة أطول من ذَلِك كُله وَذَلِكَ أَن معد بن عدنان كَانَ فِي مُدَّة بخت نصر ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَذكر أَن الله تَعَالَى أوحى فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَى إرميا بن حلقيا أَن اذْهَبْ إِلَى بخت نصر فَأعلمهُ أَنِّي قد سلطته على الْعَرَب واحمل معداً على الْبراق كَيْلا تصيبه النقمَة فيهم فَإِنِّي مستخرج من صلبه نَبيا كَرِيمًا أختم بِهِ الرُّسُل
فَاحْتمل معداً على الْبراق إِلَى أَرض الشَّام فَنَشَأَ فِي بن إِسْرَائِيل وَتزَوج امْرَأَة هُنَاكَ اسْمهَا معانة بنت جوشن من بني ريث بن جرهم وَيُقَال إِن اسْمهَا ناعمة وَبَينه وَبَين إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك النّسَب نَحْو من أَرْبَعِينَ جدا وَقد ذكرهم كلهم أَبُو الْحسن المَسْعُودِيّ على اضْطِرَاب فِي الْأَسْمَاء وتغيير فِي الْأَلْفَاظ وَلذَلِك وَالله أعلم اعْرِض النَّبِي
عَن رفع نسب عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل لما فِيهِ من التَّخْلِيط والتغيير للألفاظ وعواصة تِلْكَ الْأَسْمَاء مَعَ قلَّة الْفَائِدَة فِي تَحْصِيلهَا ثمَّ ولد لعدنان ابْنَانِ معد وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وعك وَكَانَ رُجُوع معد إِلَى أَرض الْحجاز بعد مَا رفع الله بأسه عَن الْعَرَب وَرجعت بقاياهم الَّتِي كَانَت فِي الشواهق إِلَى محالهم ومياههم بعد أَن دوخ بِلَادهمْ بخت نصر وَخرب الْمَعْمُور واستأصل أهل حُضُور وهم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ الْآيَة الْأَنْبِيَاء ١١ وَذَلِكَ لقتلهم شُعَيْب بن ذِي مهدم أرْسلهُ الله إِلَيْهِم وقبره بصر جبل بِالْيمن وَلَيْسَ بشعيب الأول صَاحب مَدين وَكَذَلِكَ أهل عدن قتلوا نَبيا لَهُم اسْمه حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَكَانَ سطوة الله بالعرب لذَلِك نَعُوذ بِاللَّه من غَضَبه وأليم عِقَابه واشتقاق عدنان من عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ ولعدنان ابْنَانِ آخرَانِ عكك وَعَمْرو واشتقاق معد فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أقربها من الْمعد بِسُكُون الْعين وَهُوَ الْقُوَّة ثمَّ ولد لمعد نزار وقضاعة وقنص وإياد لَكِن الْمَشْهُور فِي قضاعة أَنه من
стр. 143
القحطانية لَا العدنانية شَاهد ذَلِك قَول الشَّاعِر // (من الرجز) //
(نَحن بَنو الشّيخ الهجان الْأَزْهَر ... قُضاعة بن مَالك بن حِمير)
إِلَّا أَن يكون كَذَلِك سمى ونزار هُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وَهُوَ اسْم نقل من النزر وَهُوَ الْقَلِيل وَكَانَ معد حِين ولد لَهُ نذال وَنظر إِلَى نور النُّبُوَّة الَّذِي كَانَ ينْتَقل فِي الأصلاب إِلَى عبد الله فَرح فَرحا شَدِيدا وَنحر جزائر كَثِيرَة وَأطْعم وَقَالَ إِن هَذَا كُله نزر لحق هَذَا الْمَوْلُود وَقيل سَبَب التَّسْمِيَة قَول كسْرَى الأول حِين وَفد إِلَيْهِ أَي ابْن كسى فَضَائِل بيسار وجسم نزار فَالله أعلم أيا كَانَ ذَلِك ثمَّ ولد لنزار أَرْبَعَة مُضر وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وَرَبِيعَة وإياد وأنمار وَمُضر هُوَ أول من سنّ للْعَرَب حداء الْإِبِل وَكَانَ أحسن النَّاس صَوتا وَفِي الحَدِيث لَا تسبوا مُضر وَلَا ربيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُؤمنين ذكره الزبير بن أبي بكر قَالَ صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس توفى نزار عَن بنيه الْأَرْبَعَة وهم مُضر وَرَبِيعَة وإياد وأنمار تخالفوا فِي قسْمَة مخلفه وَكَانَ قد قَالَ لَهُم إِن اختلفتم فِي ذَلِك فَعَلَيْكُم بالأفعى الجرهمي وَكَانَ بِنَجْرَان فَذَهَبُوا إِلَيْهِ وَكَانَ ذَا رَأْي وحنكة فَلَمَّا كَانُوا بأثناء الطَّرِيق إِذا هم بأثر بعير فَقَالَ مُضر هَذَا الْبَعِير أَزور وَقَالَ ربيعَة وأعور وَقَالَ إياد وأبتر وَقَالَ أَنْمَار وشرود ثمَّ سَارُوا فوجدوا صَاحب الْبَعِير يَطْلُبهُ فِي الشعاب والدحال فَقَالُوا لَهُ بعيرك أَزور فَقَالَ نعم قَالُوا فأبتر قَالَ نعم قَالُوا وأعور قَالَ نعم قَالُوا وشرود قَالَ نعم فَلم يشك الرجل أَنهم غرماؤه فلازمهم إِلَى أَن وصلوا إِلَى الأفعى الجرهمي فَقَالَ صَاحب الْبَعِير لَا ادعك أَيهَا الشَّيْخ أَو تحكم بَين وَبَين هَؤُلَاءِ اللُّصُوص ذهب بعير لي فالتمسته فَإِذا وَصفه عِنْد هَؤُلَاءِ الرِّجَال فهم الفعلة فَسَأَلَهُمْ الأفعى عَن الْبَعِير فَأَقْسَمُوا أَنهم لم يرَوا الْبَعِير وَلَا علم لَهُم بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَاهُ بالذكاء والفطنة وفقال مُضر أما أَنا فَرَأَيْت إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَة الْوَطْأَة صَحِيحَة الْأَثر وَرَأَيْت الْأُخْرَى غير ثَابِتَة الْوَطْأَة فَاسِدَة الْأَثر فَعمِلت أَنه أَزور لاعتماده على إِحْدَى يَدَيْهِ بِشدَّة فأثرت
стр. 144
فِي الأَرْض تَأْثِيرا ظَاهرا وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا وَقَالَ ربيعَة علمت أَنه اعور لِأَنِّي رَأَيْت رعيه فِي الفلاة لجِهَة وَاحِدَة وَقَالَ إياد رَأَيْت مبركه فَنَظَرت إِلَى روثه مجتمعاً تَحت الْمخْرج فَعلمت أَنه أَبتر وَلَو كَانَ ذيالاً لمصع بِهِ يمنة ويسرة وَقَالَ أَنْمَار رَأَيْته بَيْنَمَا هُوَ فِي قطعه مخصبة إِذْ تَركهَا وتجاوزها إِلَى قِطْعَة أُخْرَى دونهَا فَعلمت أَنه شرود يذكر الطّلب فيدع المرعى الخصيب حذاراً فَقَالَ الأفعى للرجل التمس بعيرك فليسوا بِأَصْحَابِهِ ثمَّ ذكرُوا للأفعى مخلف أَبِيهِم نزار وَأَخْبرُوهُ بأَمْره إيَّاهُم بِالرِّضَا بقسمته بَينهم فَقَالَ الْقبَّة الْحَمْرَاء وَمَا اشببهها فَهُوَ لمضر فَقيل لأولاده مُضر الْحَمْرَاء وَالْفرس الخضراء وَمَا اشبهها من سلَاح واثاث فَهُوَ لِرَبِيعَة فَقيل ربيعَة الْفرس والناقة الصَّفْرَاء وَمَا أشبههَا من الْبَقر وَالْغنم لإياد فَقيل لأولاده إياد النعم وَمَا فضل من نقد وأثاث وَسلَاح لأنمار فَقيل لأولاده أَنْمَار الْفضل وَكَانَ الأفعى قد أضافهم ثَلَاثَة أَيَّام ذبح لَهُم الذَّبَائِح وسقاهم الْخمر وَقد دس إِلَيْهِم من يُوصل إِلَيْهِ خبرهم غير عَالمين بِهِ فمما سمع مِنْهُم قَول مُضر مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ لَحْمًا قطّ إِلَّا أَنه غذى بِلَبن كلبة وَقَالَ ربيعَة مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خمرًا قطّ إِلَّا أَن كرمتها نَبتَت على قبر وَقَالَ إياد مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خبْزًا قطّ إِلَّا أَن الَّتِي عجنته حَائِض وَقَالَ أَنْمَار مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا سرياً قطّ لَوْلَا أَنه ينْسب إِلَى غير أَبِيه فَذهب الرجل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بقَوْلهمْ فَكلم خدمه عَن الشَّاة الَّتِي ذبحوها لَهُم فَقَالُوا كَانَت تدجن عندنَا فَولدت كلبة لنا فارتضعت هَذِه الشَّاة مِنْهَا فَجَاءَت اسمن الْغنم فاختزناها لفرط سمنها ثمَّ سَأَلَ صَاحب حانته عَن الْخمر فَقَالَ هِيَ من كرمة على قبر أَبِيك أغذى الْكَرم عنباً ثمَّ سَأَلَ العاجنة فَوَجَدَهَا حَائِضًا ثمَّ دخل على أمه فَسَأَلَهَا وتهددها على الْجحْد وأمنها على الصدْق فَقَالَت إِن أَبَاك الْملك المطاع فِي قومه لم يرْزق ولدا فَخَشِيت ضيَاع الْملك فمكنت الخباز من نَفسِي فَوَقع عَليّ فَأتيت بك فَخرج إِلَى الْقَوْم وسألهم بِمَ علمْتُم ذَلِك فَقَالَ مُضر رَأَيْت اللَّحْم فَوق الشَّحْم فَعلمت أَنه غذى بِلَبن كلبة فَكَذَلِك لُحُوم الْكلاب فَوق شحومها وَقَالَ ربيعَة إِن الْخمر تحدث أنسا فَرَأَيْت من هَذِه حزنا فَعلمت أَنَّهَا اكْتسبت من ثرى الْقَبْر حزنا وَقَالَ إياد علمت أَن العاجنة حَائِض لِأَنِّي رَأَيْت الخبزة غير مسغسغ بَاطِنهَا فِي الثَّرِيد بل ظَاهرهَا وَقَالَ أَنْمَار
стр. 145
رَأَيْتُك قدمت لنا الطَّعَام وَلم تحضر مَعنا عَلَيْهِ لغير شاغل فَعلمت أَن هَذَا من لؤم الْآبَاء وَمن أنتسب إِلَيْهِ كريم لَا لئيم فَقضيت بذلك عَلَيْك فَقَالَ الأفعى ارحلوا فَمَا أَنْتُم إِلَّا شياطين فَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَمَّا ضوت الرُّعَاة بإبلهم وتعشوا قَامَ مُضر يوصى رُعَاة الْإِبِل وَفِي يَد أَنْمَار عظم يتعرقه فدحى بِهِ فِي ظلمَة اللَّيْل وَهُوَ لَا يبصر فَأصَاب عين أَخِيه مُضر ففقأها وَصَاح مُضر عَيْني عَيْني وَاضِعا يَده عَلَيْهَا وتشاغل بِهِ أَخَوَاهُ فَركب أَنْمَار بَعِيرًا من كرائم الْإِبِل فلحق بديار الْيمن وَولد لَهُ بجيلة وخثعم فَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَب لسكناه الْيمن وتدير بنيه إِيَّاهَا والمنشأ للِاخْتِلَاف فِي نِسْبَة أَنْمَار وإدخاله فِي نسب الْيمن وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا وَثمّ ولد لمضر ابْنَانِ إلْيَاس وَقيس غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ وَقيل إِن قيسا ابْن إلْيَاس لَا أَخ لَهُ وَفِي اشتقاق إلْيَاس أَقْوَال مِنْهَا أَنه من الألس وَهُوَ اخْتِلَاط الْعقل وَمِنْهَا أَنه من الألس وَهُوَ الخديعة وَثَالِثهَا وَهُوَ الأرحج أَنه من قَوْلهم رجل أَلَيْسَ إِذا كَانَ شجاعاً لَا يفتر قَالَ العجاج // (من الرجز) //
(أليسَ عنْ حوبائِه سَخيّ ... )
وإلياس عَمُود النّسَب المحمدي ثمَّ تزوج بخندف وَاسْمهَا ليلى أَو سلمى بنت حلوان بن الحاف بن قاضعة فولد لَهُ مِنْهَا ثَلَاثَة أَوْلَاد عَمْرو وعامر وَعُمَيْر فنشبوا وشبوا فِي حَيَاة والديهم فاعترضت ذَات يَوْم أرنب فِي إبل إلْيَاس فنفرت فَخرج عَمْرو وعامر وأبوهما إلْيَاس فَأدْرك عَمْرو الْإِبِل فَردهَا فلقب مدركة وَلحق عَامر الأرنب فذبحها وطبخها فلقب طابخة وَأما عُمَيْر فَلم يخرج من الْبَيْت وانقمع فِيهِ أَي أَقَامَ فلقب قمعة فَلَمَّا أقبل هُوَ وابناه عَمْرو وعامر إِذا بأمهما سملى تمشي فَقَالَ لَهَا إِلَى أَيْن تخندفين فَقَالَت مازلت أخندف فِي أثركم فلقبت خندفاً ثمَّ أطْلقُوا هَذَا اللَّفْظ على الْقَبِيلَة كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد فِي إِطْلَاق اسْم جد الْقَبِيلَة عَلَيْهَا نَفسهَا قَالَت هِنْد ابْنة عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد
следующие страницы →