Полный текст (2 217 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين وَسلم دخل ذَات يَوْم وعَلى عُنُقه قيدار بن إِسْمَاعِيل صَغِيرا فجَاء إِلَيْهِ يَعْقُوب وعيص ابْنا ابْنه إِسْحَاق فَأَخذهُمَا إِلَى صَدره فَنزلت رجل قيدار الْيُمْنَى على رَأس يَعْقُوب وَرجله الْيُسْرَى على رَأس عيص فَغضِبت أمهما فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيم ﵊ لَا تغضبي فَإِن أرجل أَوْلَاد هَذَا الَّذِي على عنقِي على رُؤُوس هَؤُلَاءِ بِمُحَمد
انْتهى وَخبر ابْن عَبَّاس هَذَا يدل على أَن نسب عدنان يرجع إِلَى قيدار بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ الَّذِي رَجحه السُّهيْلي وجماعات لَا إِلَى نابت بن إِسْمَاعِيل وعاش إِسْمَاعِيل مائَة وَثَلَاثِينَ عَاما وَمَات وَدفن بِالْحجرِ مَعَ أمه وعمود النّسَب المحمدي قيدار وَكَانَ هُوَ الْملك فِي زَمَانه بعد إِسْمَاعِيل وَكَانَ هُوَ صَاحب إبل إِسْمَاعِيل وَهُوَ معنى قيدار ثمَّ ولد لقيدار زيد وَهُوَ الهميسع ثمَّ ولد للهميسع أدد ثمَّ ولد لأدد أد ثمَّ ولد لأد عدنان قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي فِي شَرحه لسيرة ابْن هِشَام الْمُسَمّى بالروض الْأنف قَالَ القتيبي وَمَا فَوق عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل من الْأَسْمَاء مُضْطَرب فِيهِ فَالَّذِي صَحَّ عَن رَسُول الله
أَنه انتسب إِلَى عدنان لم يتجاوزه بل قد روى من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَنه لما بلغ عدنان قَالَ كذب النسابون مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وروى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ إِنَّمَا ننسب إِلَى عدنان وَمَا فَوق ذَلِك لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَأَصَح شَيْء يرْوى فِيمَا فَوق عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل مَا ذكره الدولابي أَبُو بشر من طَرِيق مُوسَى بن يَعْقُوب عَن عبد الله بن وهب بن زَمعَة الزمعِي عَن عتمه عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي
عَن النَّبِي
أَنه قَالَ معد بن عدنان بن أدد بن زند بالنُّون بن اليرى بن أعراق الثرى قَالَت أم سَلمَة فزند هُوَ الهميسع واليرى هُوَ نبت وأعراق الثرى هُوَ إِسْمَاعِيل لِأَنَّهُ ابْن إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ
стр. 142
السَّلَام لم تَأْكُله النَّار كَمَا أَن النَّار لَا تَأْكُل الثرى وَأَصْحَاب الْأَخْبَار لَا يَخْتَلِفُونَ فِي بعد الْمدَّة بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل ويستحيل فِي الْعَادة أَن يكون بَينهمَا أَرْبَعَة آبَاء أَو سَبْعَة كَا ذكره ابْن إِسْحَاق أَو عشرَة أَو عشرُون فَإِن الْمدَّة أطول من ذَلِك كُله وَذَلِكَ أَن معد بن عدنان كَانَ فِي مُدَّة بخت نصر ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَذكر أَن الله تَعَالَى أوحى فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَى إرميا بن حلقيا أَن اذْهَبْ إِلَى بخت نصر فَأعلمهُ أَنِّي قد سلطته على الْعَرَب واحمل معداً على الْبراق كَيْلا تصيبه النقمَة فيهم فَإِنِّي مستخرج من صلبه نَبيا كَرِيمًا أختم بِهِ الرُّسُل
فَاحْتمل معداً على الْبراق إِلَى أَرض الشَّام فَنَشَأَ فِي بن إِسْرَائِيل وَتزَوج امْرَأَة هُنَاكَ اسْمهَا معانة بنت جوشن من بني ريث بن جرهم وَيُقَال إِن اسْمهَا ناعمة وَبَينه وَبَين إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك النّسَب نَحْو من أَرْبَعِينَ جدا وَقد ذكرهم كلهم أَبُو الْحسن المَسْعُودِيّ على اضْطِرَاب فِي الْأَسْمَاء وتغيير فِي الْأَلْفَاظ وَلذَلِك وَالله أعلم اعْرِض النَّبِي
عَن رفع نسب عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل لما فِيهِ من التَّخْلِيط والتغيير للألفاظ وعواصة تِلْكَ الْأَسْمَاء مَعَ قلَّة الْفَائِدَة فِي تَحْصِيلهَا ثمَّ ولد لعدنان ابْنَانِ معد وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وعك وَكَانَ رُجُوع معد إِلَى أَرض الْحجاز بعد مَا رفع الله بأسه عَن الْعَرَب وَرجعت بقاياهم الَّتِي كَانَت فِي الشواهق إِلَى محالهم ومياههم بعد أَن دوخ بِلَادهمْ بخت نصر وَخرب الْمَعْمُور واستأصل أهل حُضُور وهم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ الْآيَة الْأَنْبِيَاء ١١ وَذَلِكَ لقتلهم شُعَيْب بن ذِي مهدم أرْسلهُ الله إِلَيْهِم وقبره بصر جبل بِالْيمن وَلَيْسَ بشعيب الأول صَاحب مَدين وَكَذَلِكَ أهل عدن قتلوا نَبيا لَهُم اسْمه حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَكَانَ سطوة الله بالعرب لذَلِك نَعُوذ بِاللَّه من غَضَبه وأليم عِقَابه واشتقاق عدنان من عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ ولعدنان ابْنَانِ آخرَانِ عكك وَعَمْرو واشتقاق معد فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أقربها من الْمعد بِسُكُون الْعين وَهُوَ الْقُوَّة ثمَّ ولد لمعد نزار وقضاعة وقنص وإياد لَكِن الْمَشْهُور فِي قضاعة أَنه من
стр. 143
القحطانية لَا العدنانية شَاهد ذَلِك قَول الشَّاعِر // (من الرجز) //
(نَحن بَنو الشّيخ الهجان الْأَزْهَر ... قُضاعة بن مَالك بن حِمير)
إِلَّا أَن يكون كَذَلِك سمى ونزار هُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وَهُوَ اسْم نقل من النزر وَهُوَ الْقَلِيل وَكَانَ معد حِين ولد لَهُ نذال وَنظر إِلَى نور النُّبُوَّة الَّذِي كَانَ ينْتَقل فِي الأصلاب إِلَى عبد الله فَرح فَرحا شَدِيدا وَنحر جزائر كَثِيرَة وَأطْعم وَقَالَ إِن هَذَا كُله نزر لحق هَذَا الْمَوْلُود وَقيل سَبَب التَّسْمِيَة قَول كسْرَى الأول حِين وَفد إِلَيْهِ أَي ابْن كسى فَضَائِل بيسار وجسم نزار فَالله أعلم أيا كَانَ ذَلِك ثمَّ ولد لنزار أَرْبَعَة مُضر وَهُوَ عَمُود النّسَب المحمدي وَرَبِيعَة وإياد وأنمار وَمُضر هُوَ أول من سنّ للْعَرَب حداء الْإِبِل وَكَانَ أحسن النَّاس صَوتا وَفِي الحَدِيث لَا تسبوا مُضر وَلَا ربيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُؤمنين ذكره الزبير بن أبي بكر قَالَ صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس توفى نزار عَن بنيه الْأَرْبَعَة وهم مُضر وَرَبِيعَة وإياد وأنمار تخالفوا فِي قسْمَة مخلفه وَكَانَ قد قَالَ لَهُم إِن اختلفتم فِي ذَلِك فَعَلَيْكُم بالأفعى الجرهمي وَكَانَ بِنَجْرَان فَذَهَبُوا إِلَيْهِ وَكَانَ ذَا رَأْي وحنكة فَلَمَّا كَانُوا بأثناء الطَّرِيق إِذا هم بأثر بعير فَقَالَ مُضر هَذَا الْبَعِير أَزور وَقَالَ ربيعَة وأعور وَقَالَ إياد وأبتر وَقَالَ أَنْمَار وشرود ثمَّ سَارُوا فوجدوا صَاحب الْبَعِير يَطْلُبهُ فِي الشعاب والدحال فَقَالُوا لَهُ بعيرك أَزور فَقَالَ نعم قَالُوا فأبتر قَالَ نعم قَالُوا وأعور قَالَ نعم قَالُوا وشرود قَالَ نعم فَلم يشك الرجل أَنهم غرماؤه فلازمهم إِلَى أَن وصلوا إِلَى الأفعى الجرهمي فَقَالَ صَاحب الْبَعِير لَا ادعك أَيهَا الشَّيْخ أَو تحكم بَين وَبَين هَؤُلَاءِ اللُّصُوص ذهب بعير لي فالتمسته فَإِذا وَصفه عِنْد هَؤُلَاءِ الرِّجَال فهم الفعلة فَسَأَلَهُمْ الأفعى عَن الْبَعِير فَأَقْسَمُوا أَنهم لم يرَوا الْبَعِير وَلَا علم لَهُم بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَاهُ بالذكاء والفطنة وفقال مُضر أما أَنا فَرَأَيْت إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَة الْوَطْأَة صَحِيحَة الْأَثر وَرَأَيْت الْأُخْرَى غير ثَابِتَة الْوَطْأَة فَاسِدَة الْأَثر فَعمِلت أَنه أَزور لاعتماده على إِحْدَى يَدَيْهِ بِشدَّة فأثرت
стр. 144
فِي الأَرْض تَأْثِيرا ظَاهرا وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا وَقَالَ ربيعَة علمت أَنه اعور لِأَنِّي رَأَيْت رعيه فِي الفلاة لجِهَة وَاحِدَة وَقَالَ إياد رَأَيْت مبركه فَنَظَرت إِلَى روثه مجتمعاً تَحت الْمخْرج فَعلمت أَنه أَبتر وَلَو كَانَ ذيالاً لمصع بِهِ يمنة ويسرة وَقَالَ أَنْمَار رَأَيْته بَيْنَمَا هُوَ فِي قطعه مخصبة إِذْ تَركهَا وتجاوزها إِلَى قِطْعَة أُخْرَى دونهَا فَعلمت أَنه شرود يذكر الطّلب فيدع المرعى الخصيب حذاراً فَقَالَ الأفعى للرجل التمس بعيرك فليسوا بِأَصْحَابِهِ ثمَّ ذكرُوا للأفعى مخلف أَبِيهِم نزار وَأَخْبرُوهُ بأَمْره إيَّاهُم بِالرِّضَا بقسمته بَينهم فَقَالَ الْقبَّة الْحَمْرَاء وَمَا اشببهها فَهُوَ لمضر فَقيل لأولاده مُضر الْحَمْرَاء وَالْفرس الخضراء وَمَا اشبهها من سلَاح واثاث فَهُوَ لِرَبِيعَة فَقيل ربيعَة الْفرس والناقة الصَّفْرَاء وَمَا أشبههَا من الْبَقر وَالْغنم لإياد فَقيل لأولاده إياد النعم وَمَا فضل من نقد وأثاث وَسلَاح لأنمار فَقيل لأولاده أَنْمَار الْفضل وَكَانَ الأفعى قد أضافهم ثَلَاثَة أَيَّام ذبح لَهُم الذَّبَائِح وسقاهم الْخمر وَقد دس إِلَيْهِم من يُوصل إِلَيْهِ خبرهم غير عَالمين بِهِ فمما سمع مِنْهُم قَول مُضر مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ لَحْمًا قطّ إِلَّا أَنه غذى بِلَبن كلبة وَقَالَ ربيعَة مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خمرًا قطّ إِلَّا أَن كرمتها نَبتَت على قبر وَقَالَ إياد مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خبْزًا قطّ إِلَّا أَن الَّتِي عجنته حَائِض وَقَالَ أَنْمَار مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا سرياً قطّ لَوْلَا أَنه ينْسب إِلَى غير أَبِيه فَذهب الرجل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بقَوْلهمْ فَكلم خدمه عَن الشَّاة الَّتِي ذبحوها لَهُم فَقَالُوا كَانَت تدجن عندنَا فَولدت كلبة لنا فارتضعت هَذِه الشَّاة مِنْهَا فَجَاءَت اسمن الْغنم فاختزناها لفرط سمنها ثمَّ سَأَلَ صَاحب حانته عَن الْخمر فَقَالَ هِيَ من كرمة على قبر أَبِيك أغذى الْكَرم عنباً ثمَّ سَأَلَ العاجنة فَوَجَدَهَا حَائِضًا ثمَّ دخل على أمه فَسَأَلَهَا وتهددها على الْجحْد وأمنها على الصدْق فَقَالَت إِن أَبَاك الْملك المطاع فِي قومه لم يرْزق ولدا فَخَشِيت ضيَاع الْملك فمكنت الخباز من نَفسِي فَوَقع عَليّ فَأتيت بك فَخرج إِلَى الْقَوْم وسألهم بِمَ علمْتُم ذَلِك فَقَالَ مُضر رَأَيْت اللَّحْم فَوق الشَّحْم فَعلمت أَنه غذى بِلَبن كلبة فَكَذَلِك لُحُوم الْكلاب فَوق شحومها وَقَالَ ربيعَة إِن الْخمر تحدث أنسا فَرَأَيْت من هَذِه حزنا فَعلمت أَنَّهَا اكْتسبت من ثرى الْقَبْر حزنا وَقَالَ إياد علمت أَن العاجنة حَائِض لِأَنِّي رَأَيْت الخبزة غير مسغسغ بَاطِنهَا فِي الثَّرِيد بل ظَاهرهَا وَقَالَ أَنْمَار
стр. 145
رَأَيْتُك قدمت لنا الطَّعَام وَلم تحضر مَعنا عَلَيْهِ لغير شاغل فَعلمت أَن هَذَا من لؤم الْآبَاء وَمن أنتسب إِلَيْهِ كريم لَا لئيم فَقضيت بذلك عَلَيْك فَقَالَ الأفعى ارحلوا فَمَا أَنْتُم إِلَّا شياطين فَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَمَّا ضوت الرُّعَاة بإبلهم وتعشوا قَامَ مُضر يوصى رُعَاة الْإِبِل وَفِي يَد أَنْمَار عظم يتعرقه فدحى بِهِ فِي ظلمَة اللَّيْل وَهُوَ لَا يبصر فَأصَاب عين أَخِيه مُضر ففقأها وَصَاح مُضر عَيْني عَيْني وَاضِعا يَده عَلَيْهَا وتشاغل بِهِ أَخَوَاهُ فَركب أَنْمَار بَعِيرًا من كرائم الْإِبِل فلحق بديار الْيمن وَولد لَهُ بجيلة وخثعم فَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَب لسكناه الْيمن وتدير بنيه إِيَّاهَا والمنشأ للِاخْتِلَاف فِي نِسْبَة أَنْمَار وإدخاله فِي نسب الْيمن وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا وَثمّ ولد لمضر ابْنَانِ إلْيَاس وَقيس غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ وَقيل إِن قيسا ابْن إلْيَاس لَا أَخ لَهُ وَفِي اشتقاق إلْيَاس أَقْوَال مِنْهَا أَنه من الألس وَهُوَ اخْتِلَاط الْعقل وَمِنْهَا أَنه من الألس وَهُوَ الخديعة وَثَالِثهَا وَهُوَ الأرحج أَنه من قَوْلهم رجل أَلَيْسَ إِذا كَانَ شجاعاً لَا يفتر قَالَ العجاج // (من الرجز) //
(أليسَ عنْ حوبائِه سَخيّ ... )
وإلياس عَمُود النّسَب المحمدي ثمَّ تزوج بخندف وَاسْمهَا ليلى أَو سلمى بنت حلوان بن الحاف بن قاضعة فولد لَهُ مِنْهَا ثَلَاثَة أَوْلَاد عَمْرو وعامر وَعُمَيْر فنشبوا وشبوا فِي حَيَاة والديهم فاعترضت ذَات يَوْم أرنب فِي إبل إلْيَاس فنفرت فَخرج عَمْرو وعامر وأبوهما إلْيَاس فَأدْرك عَمْرو الْإِبِل فَردهَا فلقب مدركة وَلحق عَامر الأرنب فذبحها وطبخها فلقب طابخة وَأما عُمَيْر فَلم يخرج من الْبَيْت وانقمع فِيهِ أَي أَقَامَ فلقب قمعة فَلَمَّا أقبل هُوَ وابناه عَمْرو وعامر إِذا بأمهما سملى تمشي فَقَالَ لَهَا إِلَى أَيْن تخندفين فَقَالَت مازلت أخندف فِي أثركم فلقبت خندفاً ثمَّ أطْلقُوا هَذَا اللَّفْظ على الْقَبِيلَة كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد فِي إِطْلَاق اسْم جد الْقَبِيلَة عَلَيْهَا نَفسهَا قَالَت هِنْد ابْنة عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد
стр. 146
منَاف بن قصي ترثي أَبَاهَا حِين قتل يَوْم بدر // (من التقارب) //
(أيا عين بكّى بدمع سرِب ... على خير خندف لم ينقلبِ)
(تداعى لَهُ رهطه غدْوَة ... بَنو هاشمٍ وبهو المطلبِ)
(يُذيقونه حدَّ أسيافهم ... يجرّونه عَارِيا قد سُلب)
ذكره ابْن هِشَام فِي سيرته والخندف مشْيَة فِيهَا تممد وَتعطف بِنَوْع بطر وإسراع ثمَّ ولد لمدركة خُزَيْمَة تَصْغِير وَاحِدَة الخزم وَهُوَ مثل الدوم يتَّخذ من سعفه الحبال وتصنع من أسافله خلايا للنحل وَله ثَمَر لَا يَأْكُلهُ النَّاس وَلَكِن تتأنفه الْغرْبَان وتستطيبه ثمَّ ولد لخزينة كنَانَة ثمَّ تزوج كنَانَة برة بنة مر أُخْت تَمِيم بن مر ذكره ابْن قتية فِي كتاب المعارف فأولدها النَّضر ثمَّ تزوج النَّضر هنداً بنت عدوان بن عَمْرو بن قيس عيلان فأولدها مَالِكًا ثمَّ تزوج مَالك جندلة بنت الْحَارِث الجرهمي فأولدها فهرا وَهَذَا قيل هُوَ لقب لَهُ والفهر من الْحِجَارَة الطَّوِيلَة وَمَا يمْلَأ الْكَفّ وَأما اسْمه فقريش وَقيل بل اسْمه فهر ولقبه قُرَيْش أَقُول قَالَ فِي بَحر الْأَنْسَاب فَمَا فَوق فهر إِلَى النَّضر لَا يكون قرشياً وَمَا دونه قرشي وَقيل إِن قُريْشًا لقب للنضر فعلى هَذَا مَا فَوق فهر إِلَى النَّضر قرشي وَهُوَ الَّذِي رَجحه النَّوَوِيّ تبعا لكثيرين واشتقاق قُرَيْش من التقرش وَهُوَ التكسب لأَنهم أَرْبَاب تِجَارَة واكتساب وَقيل من التقريش وَهُوَ التجميع لتجمعهم وتحيزهم بِمَكَّة ونواحيها وَيُقَال مِنْهُ اشتاق القرش للمعاملة الْمَعْرُوفَة لِأَنَّهُ قِطْعَة من الْفضة مجتمعة هَذَا إِن كَانَ اللَّفْظ فِيهِ بِالْقَافِ فَإِن كَانَ بالغين كَمَا قد يسمع فَلَا اشتقاق وَقيل من القرش اسْم دَابَّة شَدِيدَة بالبحر قَالَ أَبُو أُميَّة الجُمَحِي // (من الْخَفِيف) //
(وقُريشٌ هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... بهَا سُميت قريشٌ قريشنا)
(تأكلُ الغث والسمين وَلَا تتركُ ... مِنْهَا لذِي الجناحين ريشا)
стр. 147
(هَكَذَا فِي الْوُجُود حيّ قريشٌ ... يَأْكُلُون الْأَنَام أكلا كريشا)
(سلطت بالعلو فِي لجة الْبَحْر ... على سَائِر البحور جيوشا)
(وَلَهُم آخر الزماني نبيٌ ... يكثر الْقَتْل فيهم والخموشا)
ثمَّ ولد لفهر غَالب ثمَّ ولد لغالب لؤَي قَالَ السُّهيْلي فِي روضه وَهُوَ تَصْغِير اللأي وَهُوَ الثور الوحشي وَأنْشد // (من الْكَامِل) //
(يعتادُ أُدحيةً بَقينَ بقفرةٍ ... مَيثاءَ يسكنهَا اللأّي والفرقد)
وَقَالَ بَعضهم اللأي الْبَقَرَة الوحشية قَالَ وَسمعت أَعْرَابِيًا يَقُول لآك هَذِه بكم وَأنْشد فِي وصف فلاة // (من الطَّوِيل) //
(كَظهر الّلأي لَو تبتغي ريّةً بهَا ... نَهَارا لأعيت فِي بطُون الشّواجن)
والشواجن شعب الْجبَال والرية مقلوب ورية من روى الزند وَهِي الحراق الَّذِي يشعل بِهِ الشرر من الزِّنَاد ثمَّ ولد للؤي كَعْب أمه سلمى بنت محَارب وَهَذَا كَعْب أول من سمى يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ يُسمى يَوْم الْعرُوبَة فَكَانَت قُرَيْش تَجْتَمِع إِلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْم فيخطبهم وَيذكرهُمْ بمبعث النَّبِي
وَيُعلمهُم أَنه من وَلَده وَيَأْمُرهُمْ باتباعه وَالْإِيمَان بِهِ وينشد قَوْله // (من الْبَسِيط) //
(يَا لَيْتَني شاهدٌ فحواء دَعوته ... إِذا قريشٌ تبغّى الحقّ خذلانا)
وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ هَذَا الْخَبَر عَن كَعْب فِي كتاب الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وَكَعب إِمَّا مَنْقُول من الكعب الَّذِي هُوَ قِطْعَة من السّمن أَو من كَعْب الْقدَم وَهُوَ عِنْدِي أشبه لقَولهم فِي وصف الشجاع ثَبت ثُبُوت الكعب وَجَاء فِي خبر عبد الله بن الزبير ﵁ أَنه كَانَ يُصَلِّي عِنْد الْحجر وحجارة المنجنيق تمر بَين أُذُنَيْهِ وَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَيْهَا كَأَنَّهُ كَعْب راتب أَي ثَابت
стр. 148
ثمَّ ولد لكعب مرّة وعدية وَمرَّة عَمُود النّسَب وَهُوَ مَنْقُول من وصف الحنظلة والعلقمة وَكَثِيرًا مَا يسمون حَنْظَلَة وعلقمة وَعِكْرِمَة وَهِي شدَّة ظلمَة اللَّيْل وَمرَّة قَالَ بَعضهم أَحْسبهُ مَنْقُولًا من النَّبَات لِأَن أَبَا حنيفَة ذكر أَن الْمرة بقلة تقلع فتؤكل بالخل وَالزَّيْت يشبه وَرقهَا ورق الهندباء أمه وحشية بنت شَيبَان بن محَارب بن فهر ثمَّ ولد لمرة كلاب بن مرّة وتيم بن مرّة ويقظة بن مرّة عَمُود النّسَب المحمدي كلاب بن مرّة أمه نعم بنت ثَعْلَبَة بن مَالك بن كنَانَة من أَزْد الشراة وَهُوَ إِمَّا مَنْقُول من الْمصدر الَّذِي هُوَ معنى المكالبة نَحْو كالبت الْعَدو مُكَالَبَة وكلاباً وَإِمَّا من الْكلاب جمع كلب لأَنهم يُرِيدُونَ الْكَثْرَة كَمَا سموا سِبَاع وأنمار وَقد قيل لأبي الدقيس الْأَعرَابِي لم تسمون أبناءكم بشر الْأَسْمَاء نَحْو كلب وذئب وَسنَان وعبيدكم بِأَحْسَن الْأَسْمَاء نَحْو مَرْزُوق ورباح فَقَالَ إِنَّا نسمي أبناءنا لعدونا وعبيدنا لأنفسنا يُرِيد أَن الْأَبْنَاء عدَّة للأعداء وسهام فِي نحورهم فَاخْتَارُوا لَهُم هَذِه الْأَسْمَاء ثمَّ ولد لكلاب قصي واسْمه زيد وَهُوَ تَصْغِير قصى وَهُوَ الْبعيد لِأَنَّهُ بعد عَن قومه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَهُوَ وَأَخُوهُ زهرَة بن كلاب من فَاطِمَة بنت عَمْرو بن سعد بن سبل الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر وَكَانَ أَشْجَع أهل زَمَانه // (من الرمل) //
(لَا أرى فِي النّاس شخصا وَاحِدًا ... فاعلموا ذَاك كسعد بن سَبل)
(فارسٌ أضبط فِيهِ عسرة ... فَإِذا مَا عاين الْقرن نزل)
(فارسٌ يستدرج الْخَيل كَمَا ... يدرج الحرّ الْقطَامِي الحجل)
قَالَ الْأَزْرَقِيّ وزهرة أكبرهما فَتزَوج ربيعَة بن حرَام أمهما الْمَذْكُورَة وزهرة رجل بَالغ وقصي فطيم أَو فِي سنّ الفطيم فاحتملهما ربيعَة إِلَى بِلَاده من أَرض عذرة من مشارف الشَّام وتخلف زهرَة فِي قومه فَولدت فَاطِمَة لِرَبِيعَة رزاح بن ربيعَة وَكَانَ أَخا قصي من أمه ولربيعة بن حرَام من امْرَأَة أُخْرَى ثَلَاثَة بَنِينَ حسن ومحمود وجلهمة بَنو ربيعَة فَبَيْنَمَا قصى بن كلاب فِي أَرض قضاعة لَا ينتمي إِلَّا إِلَى ربيعَة بن حرَام إِذْ وَقع بَينه وَبَين رجل من قضاعة شَيْء وَكَانَ قصي قد بلغ فَقَالَ لَهُ
стр. 149
الْقُضَاعِي بعد أَن عيره بالغربة أَلا تلْحق بنسبك وقومك فَإنَّك لست منا فَمضى إِلَى أمه وَقد وجد فِي نَفسه مِمَّا قَالَ لَهُ الْقُضَاعِي فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَت لَهُ أَنْت وَالله يَا بني خير مِنْهُ وَأكْرم أَنْت ابْن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي وقومك عِنْد الْبَيْت الْحَرَام وَمَا حوله فأجمع قصي الْخُرُوج إِلَى قومه واللحاق بهم وَكره الغربة فِي أَرض قضاعة فَقَالَت لَهُ أمه يَا بني لَا تعجل بِالْخرُوجِ حَتَّى يدْخل علينا الشَّهْر الْحَرَام فَتخرج فِي حَاج الْعَرَب فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك فَأَقَامَ قصي حَتَّى دخل الشَّهْر الْحَرَام وَخرج فِي حَاج قضاعة حَتَّى قدم مَكَّة فَعرف قومه فَضله وقدموه واكرموه وَكَانَت خُزَاعَة متسولية على الْبَيْت وعَلى مَكَّة وقريش حُلُول وصرم وبيوتات مُتَفَرِّقَة فِي قَومهمْ من بني كنَانَة فَكَانَت خُزَاعَة تتوارث ذَلِك بَينهم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى كَانَ آخِرهم حليل بن حبشية فَخَطب قصي إِلَى حليل بن حبشية الْخُزَاعِيّ ابْنَته حبى فَعرف حليل نسبه فَزَوجهُ فَأتى مِنْهَا بأَرْبعَة بَنِينَ عبد الدَّار وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد قصي فَكثر أَوْلَاد قصي وَأَوْلَاد أَوْلَاده وَكَثُرت أَمْوَالهم وَعظم شرفهم وَكَانَ حليل يَلِي أَمر الْبَيْت وَمَكَّة فَأَقَامَ قصي حَتَّى ولدت لَهُ حبى عبد الدَّار وَهُوَ أكبر أَوْلَاده وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد قصي وَكَانَ حليل يفتح الْبَيْت فَإِذا اعتل أعْطى ابْنَته حبى الْمِفْتَاح ففتحته فَإِذا اعتلت أَعْطَتْ الْمِفْتَاح زَوجهَا قصياً أَو بعض أَوْلَادهَا وَكَانَ قصي يعْمل فِي حيازته إِلَيْهِ وَقطع ذكر خُزَاعَة مَعَه فَلَمَّا حضرت حليلاً الْوَفَاة نظر إِلَى قصي وَإِلَى مَا انْتَشَر لَهُ من الْوَلَد من ابْنَته حبى فَرَأى أَن يَجْعَلهَا فِي ولد ابْنَته فَدَعَا قصياً فَجعل لَهُ ولَايَة الْبَيْت وَسلم إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَقَالَ يكون عِنْد حبى فَلَمَّا هلك حليل أَبَت خُزَاعَة أَن تَدعه وَذَاكَ وَأخذُوا الْمِفْتَاح من حبى فَمشى قصي إِلَى رجال من قومه من قُرَيْش وَبني كنَانَة فَدَعَاهُمْ إِلَى الْقيام فِي ذَلِك مَعَه وَأَن ينصروه ويعضدوه فَأَجَابُوهُ إِلَى النُّصْرَة وَأرْسل قصي إِلَى أَخِيه لأمه رزاح بن ربيعَة وَهُوَ بِبِلَاد قومه من قضاعة يَدعُوهُ إِلَى نصرته ويعمله مَا حَالَتْ خُزَاعَة بَينه وَبَين ولَايَة الْبَيْت الْمُوصى لَهُ من حليل بن حبشية الْخُزَاعِيّ الْمَذْكُور ويسأله الْخُرُوج فَقَامَ رزاح فِي قومه فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فَخرج رزاح بن ربيعَة وَمَعَهُ إخْوَته من أَبِيه حسن ومحمود وجلهمة بَنو ربيعَة بن حرَام فِيمَن مَعَهم من قضاعة مُجْتَمعين لنصر قصي وَالْقِيَام مَعَه
стр. 150
فَلَمَّا اجْتمع النَّاس بِمَكَّة خَرجُوا إِلَى الْحَج فوقفوا بِعَرَفَة وبجمع مَعَ أَخِيه رزاح من قضاعة وفلما كَانَ آخر أَيَّام منى أرْسلت قضاعة إِلَى خُزَاعَة يَسْأَلُونَهُمْ أَن يسلمُوا إِلَى قصي مَا جعله لَهُ حليل وعظموا عَلَيْهِم الْقِتَال فِي الْحرم وذكروهم عَاقِبَة الظُّلم وَالْبَغي بِمَكَّة وذكروهم بِمَا كَانَت فِيهِ جرهم وَمَا آلت إِلَيْهِ فَأَبت خُزَاعَة أَن يسلمُوا ذَلِك فَاقْتَتلُوا بمفضى مأزمي منى من قبليها فَسمى ذَلِك الْمَكَان بالمفجر لما فجر وَسَفك فِيهِ من الدِّمَاء واقتتلوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى كثرت الْقَتْلَى بَين الْفَرِيقَيْنِ وفشت فيهم الْجِرَاحَات وحاج الْعَرَب من مُضر واليمن مستكفون ينظرُونَ إِلَى قِتَالهمْ ثمَّ تداعوا إِلَى الصُّلْح فَدخلت قبائل الْعَرَب بَينهم وعظموا على الْفَرِيقَيْنِ سفك الدِّمَاء والفجور فِي الْحرم فَاصْطَلَحُوا على أَن يحكموا بَينهم عَمْرو بن عَوْف بن كَعْب وَكَانَ رجلا شريفاً فَقَالَ لَهُم مَوْعدكُمْ فنَاء الْكَعْبَة غَدا فَاجْتمع النَّاس وعدوا الْقَتْلَى فَكَانَت فِي خُزَاعَة أَكثر مِنْهَا فِي قُرَيْش وكنانة فَلَمَّا اجْتمع النَّاس بِفنَاء الْكَعْبَة قَامَ عَمْرو بن عَوْف فَقَالَ أَلا إِنِّي قد شدخت مَا بَيْنكُم من دم تَحت قدمي هَاتين فَلَا تباعة لأحد على أحد فِي دم وَإِنِّي قد حكمت لقصي بحجابة الْبَيْت وَولَايَة أَمر مَكَّة دون خُزَاعَة لما كَانَ جعل لَهُ حليل وَأَن يخلي بَينه وَبَين ذَلِك وَألا تخرج خُزَاعَة من مساكنها من مَكَّة وأطرافها فَسلمت خُزَاعَة لقصي ذَلِك وَمن ذَلِك الْيَوْم سمى عَمْرو الشداخ وَجمع قصي قُريْشًا بِمَكَّة فَسمى مجمعا قَالَ الشَّاعِر // (من الطَّوِيل) //
(أَبوكم قصيٌّ كَانَ يدعى مجمّعاً ... بِهِ جمّع الله الْقَبَائِل من فِهِر)
(وَأَنْتُم بَنو زيدٍ وزيدٌ أبوكم ... بِهِ زيدت الْبَطْحَاء فخراً على فَخر)
(هم نزلوها والمياه قليلةٌ ... وَلَيْسَ بهَا إلاّ كهول بني عَمْرو)
يَعْنِي كهول خُزَاعَة واستمرت خُزَاعَة مقيمى بِمَكَّة على رباعهم وسكناهم لم يحركوا وَلم يخرجُوا مِنْهَا فَلم يزَالُوا على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فهم الْآن على قريب مِنْهَا وَقَالَ قصي يكشر أَخَاهُ رزاح بن ربيعَة // (من الوافر) //
(أَنا ابْن العاصمين بني لؤيٍّ ... بمكّة مولدِي وَبهَا ربيتُ)
(لي الْبَطْحَاء قد علمتْ معدٌّ ... ومروتها رضيت بهَا رضيت)
стр. 151
(وفيهَا كَانَت الْآبَاء قبلي ... فَمَا سويت أُخيّ وَمَا سويت)
(رزاحٌ ناصري وَبِه أُسامي ... فلست أَخَاف ضيماً مَا حييت)
وَفِي قَول إِن حليلاً أوصى بمفتاح الْكَعْبَة لابنته حبى فَقَالَت لَا أقدر على السدَانَة فَجعل ذَلِك إِلَى ابْن غبشان رجل من خُزَاعَة وَكَانَ سكيراً فأعوزه فِي بعض الْأَيَّام مَا يَأْخُذ بِهِ الْخمر فَبَاعَ مِفْتَاح الْبَيْت بزق خمرٍ فَاشْتَرَاهُ قصي فَصَارَ فِي الْمثل أخسر من صَفْقَة أبي غبشان وَقَالَ الشَّاعِر // (من الوافر) //
(أَبُو غبشان أظلم من قصيٍّ ... وأظلم من بني فهر خُزَاعَة)
(فَلَا تحلوا قصيّاً فِي شراه ... ولوموا شيخكم إِذْ كَانَ بَاعه)
وَقَالَ الآخر يهجو خُزَاعَة // (من الوافر) //
(إِذا افتخرتْ خزاعةُ من قديم ... وجدنَا فخرها شرب الْخُمُور)
(وباعت كعبة الرّحمن جَهرا ... بزقِّ بئس مفتخر الْفُجُور)
فَلَمَّا صَار الْمِفْتَاح إِلَى قصي تناكرت لَهُ خُزَاعَة وَكثر كَلَامهَا عَلَيْهِ وَمنعُوا من إِمْضَاء ذَلِك فأجمع على حربهم فحاربهم وأخرجهم من مَكَّة هَكَذَا فِي بعض الرويات لَكِن الرِّوَايَة الأولى أَكثر طرقاً وأتقن رُوَاة فولى قصي أَمر الْبَيْت وَمَكَّة وَجمع قومه فملكوه على أنفسهم وَكَانُوا يحترمون أَن يسكنوا مَكَّة ويعظمونها أَن يبنوا فِيهَا بَيْتا مَعَ بَيت الله تَعَالَى وَكَانُوا يكونُونَ بِمَكَّة نَهَارا فَإِذا أَمْسوا خَرجُوا مِنْهَا إِلَى الْحل وَلَا يسْتَحلُّونَ الْجَنَابَة بِمَكَّة فَلَمَّا جمع قصي على قومه الْيَد بنى الْكَعْبَة ثمَّ أذن لَهُم أَن يبنوا بُيُوتًا بهَا وَأَن يسكنوا وَقَالَ لَهُم إِن سكنتم الْحرم حول الْبَيْت هابتكم الْعَرَب وَلم تستحل قتالكم وَلَا يَسْتَطِيع أحد إخراجكم فَقَالُوا لَهُ أَنْت سيدنَا ورأينا لرأيك تبع فَجَمعهُمْ حول الْبَيْت وَفِي ذَلِك يَقُول الْقَائِل // (من الطَّوِيل) //
(أبوكم قصيٌّ كَانَ يدعى مجمّعاً ... بِهِ جمّع الله الْقَبَائِل من فهر)
(وَأَنْتُم بَنو زيدٍ وزيدٌ أبوكم ... بِهِ زيدت الْبَطْحَاء فخراً على فَخر)
وَابْتِدَاء هُوَ فَبنى دَار الندوة والندوة فِي اللُّغَة الِاجْتِمَاع وَمِنْه النادي للمكان الْمُجْتَمع فِيهِ وَكَانُوا يَجْتَمعُونَ فِيهَا للمشورة وَغَيرهَا من الْمُهِمَّات فَلَا تنْكح امْرَأَة
стр. 152
وَلَا يتَزَوَّج زوج من قُرَيْش إِلَّا فِيهَا وَلَا تدرع جَارِيَة إِذا بلغت أَن تدرع من قُرَيْش إِلَّا فِي دَاره ليشق عَلَيْهَا فِيهَا درعها ثمَّ تدرعه فتنطلق إِلَى أَهلهَا ويدخلها كل قُرَيْش وَمن غير قُرَيْش لَا يدخلهَا إِلَّا من بلغ الْأَرْبَعين فَمَا فَوق وَبنى الْكَعْبَة وَقسم جهاتها بَين طوائف قُرَيْش فبنوا دُورهمْ حولهَا من جهاتها الْأَرْبَع وَتركُوا للطَّواف مِقْدَارًا يُقَال إِنَّه المفروش الْآن حول الْبَيْت بِالْحجرِ والرخام الْمُسَمّى بالمطاف الشريف وشرعوا أَبْوَاب بُيُوتهم إِلَى نَحْو الْبَيْت الشريف وَتركُوا بَين كل بَيْتَيْنِ طَرِيقا ينفذ مِنْهَا إِلَى المطاف إِلَى أَن زَاد عمر ﵁ فِي الْمَسْجِد وَتَبعهُ عُثْمَان وتبعهما غَيرهمَا ورتب قُريْشًا على منازلها فِي النّسَب بِمَكَّة فَجعل الأبطحي من قُرَيْش هُوَ من كَانَ من قُرَيْش الأباطح وَجعل الظَّاهِرِيّ مِنْهُم من كَانَ من قُرَيْش الظَّوَاهِر فقريش البطاح قبائل بني عبد منَاف بَنو عبد الدَّار بَنو أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بَنو زهرَة بن كلاب بَنو مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بَنو تيم بن مرّة بَنو جمع بَنو سهم بَنو عدي بن كَعْب وَهَؤُلَاء الثَّلَاث الْقَبَائِل مَعَ بني مَخْزُوم يسمون لعقة الدَّم بَنو حسل بن عَامر بن لؤَي فَهَؤُلَاءِ قُرَيْش الأباطح أحد عشر قَبيلَة وَأما قُرَيْش الظَّوَاهِر فهم أَربع قبائل بَنو محَارب بن فهر بَنو الْحَارِث بن فهر بَنو الأدرم بن غَالب بن فهر بَنو معيص بن عَامر بن لؤَي وَفِي ذَلِك يَقُول ذكران مولى بني عبد الدَّار مُخَاطبا للضحاك بن فهر بن عَامر بن قيس الفِهري الظَّاهِرِيّ // (من الطَّوِيل) //
(تطاولت للضّحّاك حتّى رددتّه ... إِلَى حسبٍ فِي قومه متقاصر)
(فَلَو شهدتني من قريشٍ عصابةٌ ... قُرَيْش البطاح لَا قُرَيْش الظّواهر)
(ولكنّهم غَابُوا وأصبحت شَاهدا ... فقبّحت من حامي ذمار وناصر)
(فريقان مِنْهُم ساكنٌ بطن يثربٍ ... وَمِنْهُم فريقٌ ساكنٌ بالمشاعر)
وَأما الأحلاف من قُرَيْش فَخمس قبائل بَنو عبد الدَّار بَنو سهم بَنو جمح بَنو عدي بَنو مَخْزُوم وَأما المطيبون الَّذين تحالفوا وغمسوا أَيْديهم فِي الطّيب فَسمى حلف المطيبين
стр. 153
بَنو عبد منَاف بَنو أَسد بَنو عبد الْعُزَّى بَنو تيم بَنو الْحَارِث بن لؤَي خمس قبائل أَيْضا قَالَ عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي من قصيدة // (من الْخَفِيف) //
(وَلها فِي المطيّبين جدودٌ ... ثمّ نَالَتْ ذوائب الأحلاف)
(انها بَين عَامر بن لؤَي ... حِين تَدعهُمْ وَبَين عبد منَاف)
وروى الْحسن الْأَثْرَم عَن هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ قَالَ كَانَت قُرَيْش الظَّوَاهِر يغيرون على بني كنَانَة يغيرهم عَمْرو بن ود العامري إِلَّا أَن بني الْحَارِث بن فَهُوَ دخلت بعد ذَلِك مَكَّة فهم من البطاح وهم يَد مَعَ المطيبين فِي حلفهم الَّذِي كَانُوا عقدوه قَالَ وَأما قُرَيْش العازبة فَإِنَّهُم ولد سامة بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَقد ذكر الفاكهي سَبَب تسميتهم بذلك فَقَالَ حَدثنَا الزبير بن أبي بكر قَالَ وَأما ولد سامة بن لؤَي وهم قُرَيْش العازبة وَإِنَّمَا سموهم العازبة لأَنهم عزبوا عَن قَومهمْ فنسبوا إِلَى أمّهم نَاجِية بنت حزم بن زبان وَهُوَ علاف وَكَانَ أول من اتخذ الرّحال العلافية فنسبت إِلَيْهِ وَاسم نَاجِية ليلى وَإِنَّمَا سميت ليلى نَاجِية لِأَنَّهَا صَارَت فِي مفازة فعطشت فاستسقت سامة بن لؤَي فَقَالَ لَهَا بَين يَديك وَهُوَ يريها السراب حَتَّى جَاءَت المَاء فَشَرِبت فنجت فَسَمت نَاجِية قَالَ وَأما قُرَيْش العائذة فهم بَنو خُزَيْمَة بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر وَسبب تسميتهم بذلك ذكرهَا الزبير أَيْضا فَقَالَ وَإِنَّمَا قيل لخزيمة بن لؤَي عائذة لِأَن عبيد بن خُزَيْمَة تزوج عائذة بنت الْخمس بن قُحَافَة بن خثعم فَولدت لَهُ مَالِكًا وتيماً فسموا عائذة باسم أمهما قَالَ الزبير وَكَانَت الْعَرَب تنفس قُريْشًا وَتعير أهل الْحرم مِنْهَا بالْمقَام بِالْحرم فأسموها العصب وَفِي قُرَيْش رَهْط يُقَال لَهُم الأجربان وهم بنوا بغيض بن عَامر بن لؤَي وَبَنُو محاب بن فهر وَكَانَ هَذَانِ الرهطان متحالفين وَكَانَا يدعيان الأجربين لبأسهما وقهرهما من ناوأهما فهما الأجربان من أهل تهَامَة وَمن أهل نجد رهطان كَذَلِك يُقَال لَهما الأجربان هما عبس وذبيان
стр. 154
وَلما ذكرت بِنَاء قصي الْكَعْبَة الشَّرِيفَة أَحْبَبْت ذكر بِنَاء قُرَيْش وَابْن الزبير وَالْحجاج اياهما متمماً للفائدة فَقلت ثمَّ بنت قُرَيْش الْكَعْبَة قَالَ خَاتِمَة الْحفاظ والمحدثين مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد الصَّالِحِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى سبل الرشاد فِي سيرة خير الْعباد سَببه أَن امْرَأَة جمرت الْكَعْبَة فعلقت شرارة من مجمرها فِي ثِيَاب الْكَعْبَة فَأحرق الشرار أخشابها وأحرق قَرْني كَبْش إِسْمَاعِيل وَكَانَا معلقين بهَا ظَاهِرين ودخلها سيل عَظِيم فصدع جدرانها بعد توهنها بالنَّار فَأَجْمعُوا على هدمها وبنائها فَلَمَّا غدوا على هدمها خرجت لَهُم تِلْكَ الْحَيَّة الَّتِي كَانَت تحرس الْجب سَوْدَاء الظّهْر بَيْضَاء الْبَطن رَأسهَا كرأس الجدي فمنعتهم فَلَمَّا رأو ذَلِك اعتزلوا عِنْد مقَام الْخَلِيل فَقَالَ لَهُم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة يَا قوم ألستم تُرِيدُونَ بهدمها الْإِصْلَاح قَالُوا بلَى قَالَ فَإِن الله لَا يهْلك المصلحين وَلَكِن لَا تدْخلُوا فِي بنائها إِلَّا طيب أَمْوَالكُم لَا تدْخلُوا فِيهِ مَال رَبًّا وَلَا ميسر وَلَا مهر بغي فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا طيبا فَفَعَلُوا ثمَّ وقفُوا عِنْد الْمقَام سَاعَة يدعونَ فَقَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ لَك فِي هدمها رضَا فاشغل عَنَّا هَذَا الثعبان فَأقبل طَائِر من جو السَّمَاء كَهَيئَةِ الْعقَاب أسود الظّهْر أَبيض الْبَطن أصفر الرجلَيْن والحية على الْجِدَار فاغرة فاها فَأخذ برأسها وطار بهها إِلَى أجياد الصَّغِير فَقَالُوا نرجوا أَن يكون رَبنَا قد رَضِي عَمَلكُمْ فاهدموا فهابت قُرَيْش الْهدم فَقَالَ الْوَلِيد أَنا ابدأؤكم فَإِنِّي شيخ فَإِن أصابني أَمر كَانَ قد دنا أَجلي فعلاه بالعتلة يهدم فتزعزع تَحت رجلَيْهِ حجر فَقَالَ اللَّهُمَّ لم نرع إِنَّمَا أردنَا الْإِصْلَاح فهدم يَوْمه أجمع وَقَالَت قُرَيْش نَخَاف أَن ينزل بِهِ إِذا أَمْسَى شَيْء فَلَمَّا أَمْسَى لم ير بَأْسا فَأصْبح غادياً على عمله فهدمت قُرَيْش مَعَه حَتَّى بلغُوا الأساس الَّذِي وَضعته الْمَلَائِكَة وَهُوَ مَا رفع عَلَيْهِ الْخَلِيل الْقَوَاعِد فَأدْخل الْوَلِيد العتلة فانفلقت فلقَة فَأَخذهَا وهب بن عُمَيْر ففرت من يَده وعادت لمحلها وَبَرقَتْ من تحتهَا برقة كَادَت تخطف الْأَبْصَار ورجفت مَكَّة بأسرها فَعِنْدَ ذَلِك أَمْسكُوا ثمَّ لما عمروا وَقلت عَلَيْهِم النَّفَقَة أَجمعُوا على أَن يقصروا عَن الْقَوَاعِد ويحجروا على مَا قصروا من بِنَاء الْبَيْت بجدار يُطَاف من وَرَائه وَقدر مَا أَبقوا فِيهِ من الْبَيْت سِتَّة أَذْرع وشبر وَقَالَ ارْفَعُوا بَابهَا حَتَّى لَا
стр. 155
تدْخلهَا السُّيُول وَلَا يرقى إِلَيْهَا إِلَّا بسلم وَلَا يدخلهَا إِلَّا من أردتم فبنوا أَرْبَعَة أَذْرع ثمَّ كسوها وبنوها حَتَّى بلغ ارتفاعها ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا زادوا تِسْعَة أَذْرع على بِنَاء الْخَلِيل وبنوها مدماكاً من حجر ومدماكاً من خشب وَجعلُوا سقفها مسطحًا وأقاموه على سِتّ دعائم فِي صفّين وبنوا دَرَجَة من بَطنهَا من خشب فِي الرُّكْن الشَّامي وزوقوها وصوروا الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَالشَّجر وَجعلُوا لَهَا بَابا وَاحِدًا وكسوها الحبرات اليمانية قَالَ ابْن هِشَام لما اقتسمت قُرَيْش جَوَانِب الْبَيْت للعمارة كَانَ شقّ الْبَيْت لبني زهرَة وَبني عبد منَاف وَمَا بَين الرُّكْن الْأسود واليماني لبني مَخْزُوم وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من قُرَيْش وَظهر الْكَعْبَة لبني جمح وَبني سهم وشق الْحجر لبني عبد الْعُزَّى وَبني عدي وَبني كَعْب وأحضروا الْحِجَارَة وَكَانَ رَسُول الله
ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة على الصَّحِيح حَتَّى انْتهى الْهدم إِلَى حِجَارَة خضر كأسنمة الْإِبِل فضربوها بِالْمِعْوَلِ فَخرج برق كَاد أَن يخطف الْأَبْصَار فَانْتَهوا عِنْد ذَلِك الأساس ثمَّ بنوها حَتَّى بلغ الْبُنيان مَوضِع الرُّكْن فاختصم الْقَبَائِل كل قَبيلَة تُرِيدُ أَن ترفعه إِلَى مَوْضِعه وكادوا يقتتلون على ذَلِك فَقَالَ لَهُم أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم وَكَانَ شريفاً مُطَاعًا اجعلوا الحكم بَيْنكُم لأوّل من يدْخل من بَاب الصَّفَا فقبلوا ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ أول دَاخل رَسُول الله
فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا هَذَا الْأمين أقبل وَكَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة الْأمين لأمانته وَصدقه فَقَالُوا جَمِيعًا رَضِينَا بِحكمِهِ ثمَّ قصوا عَلَيْهِ قصتهم فَقَالَ
هَلُمَّ إِلَيّ ثوبا فَأتى بِهِ فَوضع الرُّكْن فِيهِ ثمَّ قَالَ لتأْخذ كل قَبيلَة بِطرف من هَذَا الثَّوْب فَحَمله من أَرْبَعَة أَطْرَاف الثَّوْب أَرْبَعَة من وُجُوه الْقَبَائِل وأشرافها وزعمائها ورفعوه إِلَى محاذاة مَوْضِعه فتناوله رَسُول الله
من الثَّوْب وَوَضعه بِيَدِهِ الشَّرِيفَة فِي مَحَله فَكَانَ الْأَشْرَاف والزعماء خدما لَهُ
وَفِي ذَلِك يَقُول هُبَيْرَة بن أبي وهب المَخْزُومِي // (من الطَّوِيل) //
стр. 156
(تشاجرت الْأَحْيَاء فِي فصل خطّةٍ ... جرت طيرهم بالنّحس من بعد أسعد)
(تراموا بهَا بالبغض بعد مودّةٍ ... وأوقد نَارا بَينهم شرّ موقد)
(فلمّا رَأينَا الْأَمر قد حَان جدّه ... وَلم يبْق شيءٌ غير سلّ المهنّد)
(رَضِينَا وَقُلْنَا الْعدْل أَو طالعٍ ... يَجِيء من الْبَطْحَاء من غير موعد)
(ففاجأنا هَذَا الْأمين محمّدٌ ... فَقُلْنَا رَضِينَا بالأمين محمّد)
(بِخَير قريشٍ كلّها أَمر دِيمَة ... وفى الْيَوْم مَعَ مَا يحدث الله فِي غَد)
(فجَاء بأمرٍ لم ير النّاس مثله ... أعمّ وأرضى فِي العواقب والبدي)
(أَخذنَا بأطراف الرّداء وكلّنا ... لَهُ حصّةٌ من رَفعه قَبْضَة الْيَد)
(فَقَالَ ارْفَعُوا حتّى إِذا مَا علت بِهِ ... أكفّهم والى بِهِ خير مُسْند)
(وكلٌّ رَضِينَا فعله وصنيعه ... فأعظم بِهِ من رأى هادٍ ومهتد)
(وَتلك يدٌ مِنْهُ علينا عظيمةٌ ... يروح بهَا هَذَا الزّمان وَيَغْتَدِي)
انْتَهَت أَقُول طالما بحثت عَن أهل الزعامة والرياسة من الْأَرْبَعَة الآخذين بِطرف الرِّدَاء حَتَّى ظَفرت بِأَسْمَائِهِمْ على التَّعْيِين فِي مروج الذَّهَب للمسعودي وهم عتبَة بن ربيعَة بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي وَالْأسود بن عبد الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَأَبُو حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عَمْرو بن مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب وَقيس بن عدي السَّهْمِي وَأما بِنَاء عبد الله بن الزبير لَهَا قَالَ فِي المسامرة روينَا من حَدِيث الْأَزْرَقِيّ قَالَ
стр. 157
جلس رجال من قُرَيْش بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام حويطب بن عبد الْعُزَّى ومخرمة بن نَوْفَل فتذاكروا بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة وَمَا هاجهم إِلَى ذَلِك فَذكرُوا مَا تقدم ذكره آنِفا وَذكروا كَيفَ كَانَ بناؤها قبل ذَلِك فَقَالُوا كَانَت الْكَعْبَة مَبْنِيَّة برضم يَابِس لَيْسَ بمدر وَكَانَ بَابهَا بِالْأَرْضِ وَلم يكن لَهَا سقف وَالْكِسْوَة إِنَّمَا تدلى على الْجِدَار من خَارج ترْبط من أَعلَى الْجِدَار من بَاطِنهَا بصخور عِظَام وَكَانَ عَن يَمِين الدَّاخِل لَهَا جب يوضع فِيهِ مَا يهدى إِلَيْهَا من مَال وَغَيره وَلما سرقت جرهم مِنْهُ بعث الله تَعَالَى حَيَّة تحرسه فَلم تزل حارسة لما فِيهِ خَمْسمِائَة سنة حَتَّى أَخذهَا الْعقَاب حِين أَرَادَت قُرَيْش تجديدها فَمَنعهُمْ كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَذكروا بِنَاء عبد الله بن الزبير فَقَالُوا لما أَبْطَأَ عبد الله بن الزبير عَن بيعَة يزِيد وتخلف وخشي مِنْهُ لحق بِالْحرم ليمتنع بِهِ وَجَمِيع موَالِيه وَجعل يظْهر عيب يزِيد وَعدم صلاحيته للخلافة لما هُوَ عَلَيْهِ من الفسوق ويثبط النَّاس عَنهُ فَبلغ يزِيد ذَلِك فآلى أَلا يُؤْتى بِهِ إِلَّا مغلولاً وَأرْسل إِلَيْهِ رجلا من أهل الشَّام فِي خيل يعظم عَلَيْهِ الْفِتْنَة فَقَالَ لَا يسْتَحل الْحرم بسببك فَإِنَّهُ غير تاكك وَلَا تقوى عَلَيْهِ وَقد أقسم أَلا يُؤْتى بك إِلَّا مغلولاً وَقد صنع لَك غلاً من فضَّة وتلبس فَوْقه الثِّيَاب وتبر قسم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَالصُّلْح خير عاقبته وأجمل بك وَبِه فاستمهله أَيَّامًا وشاور أمه أَسمَاء فَأَبت أَن يذهب مغلولاً وَقَالَت يَا بني عش كَرِيمًا أَو مت كَرِيمًا وَلَا تمكن صبيان بني أُميَّة فتلعب بك فالموت أجمل بك من هَذَا فَامْتنعَ فِي موَالِيه وَمن يألف من أهل بَيته وَأهل مَكَّة وَغَيرهم فَكَانَ يُقَال لَهُم الزبيرية فَبَيْنَمَا يزِيد على تعبئة الجيوش إِلَيْهِ إِذْ أَتَى يزِيد الْخَبَر بِمَا فعل أهل الْمَدِينَة بعماله وبمن بِالْمَدِينَةِ من بني أُميَّة وإخراجهم إيَّاهُم مِنْهَا مَا عدا من كَانَ من ولد عُثْمَان بن عَفَّان فَجهز إِلَيْهِم مُسلم بن عقبَة المري وَكَانَ مَرِيضا فِي بَطْنه بِالْمَاءِ الْأَصْفَر فأباح الْمَدِينَة وَفعل مَا سَيذكرُهُ عَنهُ فِي وقْعَة الْحرَّة ثمَّ سَار إِلَى مَكَّة يُرِيد ابْن الزبير فَمَاتَ بالمشلل وَولي الْحصين بن نمير بِوَصِيَّة إِلَيْهِ من يزِيد فوصل إِلَى مَكَّة وَقَاتل بهَا ابْن الزبير أَيَّامًا وَنصب المنجنيق على جبل أبي قبيس وَمُقَابِله وَجمع ابْن الزبير من مَعَه وتحصن بهم فِي الْمَسْجِد وَضربت خيام يَسْتَظِلُّونَ بهَا من الشَّمْس فَكَانَ يرميهم بالنفط والمنجنيق فتصيب الْحِجَارَة الْكَعْبَة حَتَّى تخرقت كسوتها عَلَيْهَا وَصَارَت
стр. 158
كَأَنَّهَا جُيُوب النِّسَاء وأوهن رمي المنجنيق الْكَعْبَة واحترقت من رمي النفط وَهِي مَبْنِيَّة بِنَاء قُرَيْش السَّابِق مدماك حجر وَآخر من خشب الساج وَقيل كَانَ احتراقها من نَار اوقدها رجل من جمَاعَة ابْن الزبير فِي بعض تِلْكَ الْخيام مِمَّا يَلِي الصَّفَا بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر الْأسود وَالْمَسْجِد يَوْمئِذٍ ضيق خُصُوصا من تِلْكَ الْجِهَة فطارت شرارة إِلَى خيمة مِنْهَا فاحترقت كسْوَة الْكَعْبَة ثمَّ مِنْهَا إِلَى الْخشب الَّذِي بَين الْبناء وَكَانَ احتراقها يَوْم السب ثَالِث ربيع الأول من سنة ٦٤ وتصدع الْحجر الْأسود فعضفت جدران الْكَعْبَة حَتَّى إِنَّهَا يَقع عَلَيْهَا الْحمام فتتناثر حجارتها فَفَزعَ لذَلِك أهل مَكَّة وَالشَّام جَمِيعًا فورد الْخَبَر بنعي يزِيد هِلَال ربيع الآخر وَأَنه توفّي لأَرْبَع خلت من ربيع الآخر مِنْهَا فَأرْسل ابْن الزبير إِلَى الْحصين بن نمير رجَالًا من قُرَيْش فكلموه وأعظموا عَلَيْهِ مَا أصَاب الْكَعْبَة مِنْهُم وَقَالُوا لَهُ قد توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ فعلى مَاذَا تقَاتل ارْجع إِلَى الشَّام حَتَّى تنظر مَاذَا يجْتَمع عَلَيْهِ أَمر صَاحبك يعنون مُعَاوِيَة بن يزِيد فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الشَّام وَكَانَ رُجُوعه لخمس من ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ شاور ابْن الزبير النَّاس فِي هدم الْكَعْبَة فَأَشَارَ عَلَيْهِ نَاس غير كثير بهدمها وَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس دعها على مَا اقرها عَلَيْهِ رَسُول الله
فَإِنِّي أخْشَى أَن يَأْتِي بعْدك من يَهْدِمهَا فَلَا تزَال كَذَلِك فيتهاون بحرمتها وَلَكِن ارممها فَقَالَ ابْن الزبير مَا يرضى أحدكُم أَن يرقع بَيت أَبِيه وَأمه كَيفَ أرقع بَيت الله وَأَنا أنظر إِلَيْهِ على مَا ترَوْنَ من الوهن وَكَانَ مِمَّن أَشَارَ عَلَيْهِ بالهدم جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبيد بن عُمَيْر وَعبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة وَكَانَ يحب أَن يكون هُوَ الَّذِي يردهَا كَمَا قَالَ ﵊ على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم فَلَمَّا أَرَادَ الْهدم خرج أهل مَكَّة إِلَى منى خوفًا من نزُول عَذَاب فَأمر بالهدم فَمَا اجترأ أحد على ذَلِك أحد فَلَمَّا رأى خوفهم علاها وَأخذ بِالْمِعْوَلِ وَجعل يَهْدِمهَا وَيَرْمِي أحجارها فَلَمَّا رَأَوْا أَن لَا بَأْس عَلَيْهِ اجترءوا فهدموا مَعَه وأصعد ابْن الزبير فَوْقهَا عبيدا من الْحَبَش يهدمون رَجَاء إِن يكون فيهم الْحَبَش الَّذِي قَالَ فِيهِ ﵊ إِنَّه يخرب الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة فَهَدمهَا وَالنَّاس
стр. 159
مَعَه حَتَّى ألصقها بِالْأَرْضِ من جوانبها الْأَرْبَعَة وَكَانَ ابْتِدَاء الْهدم النّصْف من جمادي الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة أَربع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة وَلم يقرب ابْن عَبَّاس من حِين هدمت حَتَّى فرغ مِنْهَا وَأرْسل لِأَبْنِ الزبير يَقُول لَا تدع النَّاس تغير الْقبْلَة انصب لَهُم حول الْكَعْبَة الْخشب وَاجعَل عَلَيْهِ السّتْر يطوف النَّاس من وَرَائه وَيصلونَ إِلَيْهِ فَفعل وَقَالَ ابْن الزبير سَمِعت عَائِشَة ﵂ تَقول قَالَ رَسُول الله
لي إِن قَوْمك استقصروا فِي بِنَاء الْبَيْت لما عجزت عَنْهُم النَّفَقَة فتركوا مِنْهَا أذرعاً وَلَوْلَا حَدَاثَة قَوْمك بجاهلية لهدمت الْكَعْبَة وَأخذت مَا تركُوا مِنْهَا وَجعلت لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ شرقياً يدْخل مِنْهُ وغربياً يخرج مِنْهُ وَهل تدرين لم كَانَ قَوْمك رفعوا الْبَاب قلت لَا قَالَ تعززاً لِئَلَّا يدخلهَا إِلَّا من أَرَادوا فَكَانَ الرجل إِذا كَرهُوا أَن يدخلهَا يَدعُونَهُ يرتقي حَتَّى إِذا كَاد أَن يدخلهَا دفعوه فَسقط فَإِن بدا لقَوْمك فَهَلُمَّ أريك مَا تركُوا فِي الْحجر مِنْهَا فأراها قَرِيبا من سبع أَذْرع ثمَّ نزل بِالْحفرِ إِلَى أَن انْتهى إِلَى أساس إِبْرَاهِيم فَوَجَدَهُ دَاخِلا فِي الْحجر نَحوا من سِتَّة أَذْرع وشبر فَإِذا أحجاره دَاخل بَعْضهَا فِي بعض فَأدْخل عبد الله بن مُطِيع العتلة فِي ركن فتحركت الْأَركان كلهَا ورجفت مَكَّة وَخَافَ النَّاس وَنَدم من أَشَارَ بالهدم فَقَالَ ابْن الزبير اشْهَدُوا وَأَرَادَ أَن يبنيها بالورس فَقيل لَهُ إِن الورس يذهب لَكِن ابْنهَا بالقصة فوصفت لَهُ قصَّة صنعاء فَبعث بأربعمائة دِينَار فَأخذت لَهُ وَسَأَلَ عَن مَحل أَخذ قُرَيْش الْحِجَارَة فَأخْبر فَنقل لَهُ قدر مَا يحْتَاج ثمَّ وضع الْبناء على ذَلِك الأساس وَوضع حذاء بَاب الْكَعْبَة على مدماك على الشاذروان وَجعل الْبَاب الآخر بإزائه فِي ظهرهَا وَكَانَ قد جعل الْحجر فِي ديباجة وَأدْخلهُ فِي تَابُوت وقفل عَلَيْهِ وَوَضعه عِنْده فِي دَار الندوة وَجعل مَا كَانَ من حلية فِي خزانَة الْكَعْبَة فِي دَار شيبَة بن عُثْمَان فَلَمَّا بلغ الْبُنيان مَوضِع الْحجر نقر فِي حجرين من المدماك الْأَعْلَى وطوق بَينهمَا وَأمر ابْنه عباداً وَجبير بن شيبَة بن عُثْمَان أَن يجْعَلُوا الرُّكْن فِي ثوب وَقَالَ إِذا دخلت الصَّلَاة فاحملوه وضعوه فِي مَحَله
стр. 160
وَأَنا أطيل الصَّلَاة فَإِذا فَرَغْتُمْ فكبروا حَتَّى أخفف وَكَانَ ذَلِك فِي صَلَاة الظّهْر فِي حر الشَّمْس فَلَمَّا أُقِيمَت الصَّلَاة خرجا بِهِ من دَار الندوة وشقا الصُّفُوف حَتَّى دخلا بِهِ السّتْر الَّذِي دون الْبناء فَوَضعه عباد بن عبد الله بن الزبير وأعانه جُبَير بن شيبَة فَلَمَّا أقراه مَوْضِعه وطوقا عَلَيْهِ كبرا فَخفف الصَّلَاة وتسامع النَّاس فَغضِبت رجال من قُرَيْش فَقَالُوا قد وَقع هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة حِين فتنت قُرَيْش فحكموا فِيهِ أول من يدْخل فَلَمَّا بلغ الْبناء ثَمَانِيَة عشر قصر طولهَا لموجب مَا أدخلهُ مِمَّا كَانَ فِي الْحجر فاستسمج ذَلِك لِأَنَّهَا صَارَت عريضة لَا طول لَهَا فَقَالَ كَانَ طولهَا قبل قُرَيْش تِسْعَة فزادت قُرَيْش تِسْعَة فبناها سَبْعَة وَعشْرين بِزِيَادَة تِسْعَة أُخْرَى وَجعل فِيهَا ثَلَاث دعائم وأتى برخام من صنعاء يُقَال إِنَّه من الْحصن الأبلق فَجعله من الروازن الَّتِي فِي سقفها للضوء جعل لكل بَاب مصراعين وَكَانَ فِي بِنَاء قُرَيْش مصراعاً وَاحِدًا وَجعل الْمِيزَاب فِي الْحجر فَلَمَّا فرغ مِنْهَا خلقهَا أَعْلَاهَا وأسفلها ظَاهرا وَبَاطنا وَكَسَاهَا الْقبَاطِي وَقَالَ من كَانَت لنا عَلَيْهِ طَاعَة فَليخْرجْ وليأت بِعُمْرَة من التَّنْعِيم ولينحر مَا قدر عَلَيْهِ وَمن لم يقدر فليتصدق بقدرته وَنحر هُوَ مائَة بَدَنَة وَخرج مَاشِيا وَالنَّاس مشَاة وَلم ير أَكثر نحراً وَصدقَة من ذَلِك الْيَوْم فَهَذِهِ هِيَ الْعمرَة الَّتِي يَفْعَلهَا النَّاس يَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب الْمُسَمَّاة عمْرَة الأكمة وَأما بِنَاء الْحجَّاج إِيَّاهَا فَكَانَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَذَلِكَ أَنه لم يزل الْبَيْت على حَاله إِلَى أَن قتل الْحجَّاج ابْن الزبير فِي السّنة الْمَذْكُورَة فَبعد قَتله اسْتَأْذن عبد الْملك بن مَرْوَان فِيمَا أحدثه ابْن الزبير فِي الْكَعْبَة فَكتب إِلَيْهِ عبد الْملك أَن يهدم الْجَانِب الَّذِي يَلِي الْحجر بِكَسْر الْحَاء خَاصَّة وَأَن يكبس بِهِ الْبَيْت وَيرْفَع الْبَاب الشَّرْقِي إِلَى حَده الأول ويغلق الْبَاب الغربي ففلعل ذَلِك ثمَّ بلغ عبد الْملك أَن مَا فعله ابْن الزبير على حَدِيث عَائِشَة صَحِيح حدث بن الْحَارِث بن عبد الله بن ربيعَة المَخْزُومِي وانه سَمعه من رَسُول الله
فَقَالَ عبد الْملك وددت وَالله أَنِّي كنت تركت ابْن الزبير وَمَا عمل وَلَو بلغنَا هَذَا مَا أمرنَا بِخِلَافِهِ انْتهى قلت قد ظهر مِمَّا ذكر أَن الْحجَّاج لم يعمر الْكَعْبَة جَمِيعهَا وَإِنَّمَا هدم الْجَانِب الشمالي وَأخرج مَا اخرجته قُرَيْش وكبش بنقضه جَوف الْكَعْبَة وَرفع الْبَاب
стр. 161
الشَّرْقِي وسد الغربي فعده فِي بناة الْكَعْبَة تسَامح ثمَّ لم يزل الْبَيْت الشريف قَائِما مُنْذُ بناه الْحجَّاج فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَسبعين إِلَى يَوْم الْخَمِيس عشري شعْبَان من سنة ١٠٤٩ فَكَانَ سُقُوطه فِيهِ فعمره السُّلْطَان المرحوم مُرَاد بن أَحْمد خَان وتمت الْعِمَارَة فِي سنة الْأَرْبَعين بعد الْألف وَقدر تِلْكَ الْمدَّة ألف سنة إِلَّا أَرْبعا وَعشْرين سنة ونرجوا أَلا ينقضها إِلَّا أَشْرَاط السَّاعَة الْمَوْعُود بهَا فِي الحَدِيث الشريف وَكَانَ قصي أول من ملك بني كَعْب بن لؤَي أصَاب ملكا فأطاعه قومه وَله كَلِمَات تُؤثر عَنهُ مِنْهَا من أكْرم لئيماً أشركه فِي لؤمه وَمن اسْتحْسنَ قبيحاً نزل إِلَى قبحه وَمن لم تصلحه الْكَرَامَة أصلحه الهوان وَمن طلب فَوق قدره اسْتحق الحرمان وَكَانَ قد اجْتمع لقصي مالم يجْتَمع لغيره من المناصب فَكَانَ بِيَدِهِ الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والقيادة فالحجابة هِيَ سدانة الْبَيْت الشريف أَي تَوْلِيَة مفتاحه وَالْقِيَام بخدمته وَأما السِّقَايَة فاسقاء الحجيج كلهم المَاء الْعَذَاب وَكَانَ عَزِيزًا بِمَكَّة يجلب إِلَيْهَا من خَارِجهَا فيسقيه الْحجَّاج وينبذ لَهُم فِيهِ التَّمْر وَالزَّبِيب وَأما الرفادة وَذَلِكَ إطْعَام الطَّعَام لسَائِر الْحجَّاج تمد لَهُم الأسمطة فِي أَيَّام الْحَج وَكَانَت السِّقَايَة والرفادة مستمرين إِلَى أَيَّام الحلفاء وَمن بعدهمْ من الْمُلُوك والسلاطين قَالَ التقي الفاسي ﵀ إِن الرفادة كَانَت فِي زمن الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام واستمرت إِلَى أيامنا قَالَ وَالطَّعَام يصنع بِأَمْر السُّلْطَان كل عَام للنَّاس بمنى حَتَّى يَنْقَضِي الْحَج قَالَ الْعَلامَة قطب الدّين وَأما فِي زَمَاننَا فَلَا يفعل شَيْء من ذَلِك
стр. 162
قَالَ فِي الأرج المسكي فِي التَّارِيخ الْمَكِّيّ وَكَانَت الْخُلَفَاء قَائِمين بالرفادة إِلَى أَن كَانَ زمن مُعَاوِيَة فَجعل لَهَا محلا معينا بِمَكَّة يطْبخ فِيهِ الطَّعَام للقادمين علينا جَمِيع السّنة وَأما السِّقَايَة فَكَانَت إِلَى الْعَهْد الْقَرِيب لَكِن لَا يبنذ فِيهَا إِلَّا نَادرا ثمَّ انْقَطَعت من قرب لعدم الْحَاجة إِلَيْهَا لِكَثْرَة وجود المَاء بِمَكَّة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَلم تزل هَذِه المناصب فِي أَيدي أَوْلَاد قصي إِلَى أَن جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَدخل رَسُول الله
مَكَّة عَام الْفَتْح عَام ثَمَان من الْهِجْرَة وَقد صَارَت الحجابة إِلَى عُثْمَان بن أبي طَلْحَة من بني عبد الدَّار وَصَارَت السِّقَايَة إِلَى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فبقض النَّبِي
على السِّقَايَة والحجابة فَقَامَ الْعَبَّاس فَبسط يَده وَقَالَ يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي اجْمَعْ لي الحجابة إِلَى الساقية فَقَالَ
أُعْطِيكُم مَا ترزءون فِيهِ وَلَا ترزءون بِهِ فَقَامَ بَين عضادتي بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ أَلا إِن كل دم أَو مَال أَو مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْكَعْبَة فَإِنِّي قد أمضيتهما لأهلهما على مَا كَانَتَا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ جلس رَسُول الله
فِي الْمَسْجِد فَقَامَ إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ ومفتاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ يَا رَسُول الله اجْمَعْ لنا الحجابة والسقاية صلى الله عَلَيْك فَقَالَ رَسُول الله
أَيْن عُثْمَان بن طَلْحَة فدعى لَهُ فَقَالَ هاك مفتاحك يَا عُثْمَان إِن الْيَوْم يَوْم بر ووفاد وَقد أنزلت تِلْكَ الْآيَة الْمَشْهُورَة فِي سُورَة النِّسَاء وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأَمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلِهَا﴾ النِّسَاء ٥٨ فَقَالَ خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم مَا اسْتَقَمْتُمْ إِلَّا ضال أَو ظَالِم قَالَ فِي الأرج المسكي كَانَ لمَكَّة وُلَاة من أهل الْجَاهِلِيَّة وعدة مُلُوك تفَرقُوا فِي ممالك مُتَّصِلَة ومنفصلة فَمنهمْ المسمون بِأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وَهُوَ الْأَعْظَم وسعفص وقريشات وهم بَنو الْمَحْض بن جندل فأبجد كَانَ ملك مَكَّة
стр. 163
وَمَا يَليهَا من الْحجاز وهوز وحطي ملكَيْنِ بِبِلَاد وَج وَهِي أَرض الطَّائِف وَمَا اتَّصل بِهِ من أَرض نجد وكلمن وسعفص وقريشات كَانُوا ملوكا بمدين وَقيل بِبِلَاد مصر وَكَانَ كلمن وَحده على بِلَاد مَدين وروى عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعُرْوَة بن الزبير أَنَّهُمَا قَالَا أول من وضع الْكتاب الْعَرَبِيّ قوم من الْأَوَائِل نزلُوا فِي عدنان بن أد بن أدد أَسمَاؤُهُم أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت فوضعوا الْكتاب الْعَرَبِيّ على أسمائهم ووجدوا أحرفاً لَيست من أسمائهم وَهِي الثَّاء وَالْخَاء والذال وَالضَّاد والظاء والغين فسموها الروادف يُرِيد ثخذ ضظغ وروى أَن هَذِه الْكَلِمَات من أَسمَاء الشَّيَاطِين وروى أَنَّهَا أَسمَاء لملوك مَدين فَقَط وَأَن رئيسهم كلمن وَأَنَّهُمْ هَلَكُوا يَوْم الظلة الْمَذْكُور فِي الْكتاب الْعَزِيز وهم قوم شُعَيْب على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَت أُخْت كلمن ترثيه // (من مجزوء الرمل) //
(كَلمن هدّم ركنى ... هلكه وسط المحلّه)
(سيد الْقَوْم اتاه الحتف ... نَارا وسط ظلّه)
وَقَالَ رجل من أهل مَدين يرثيهم كَذَلِك // (من الطَّوِيل) // ل
(أَلا يَا شُعَيْب قد نطقت مقَالَة ... سبقت بهَا عمرا وحيّ بني عَمْرو)
(مُلُوك بني حطّي وهوّز مِنْهُم ... وسعفص أهلٌ فِي المكارم ذِي الْغمر)
(هم صبّحوا أهل الْحجاز بغارةٍ ... كَمثل شُعَاع الشّمس أَو مطلع الْفجْر)
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي المضحكات أَن عمر بن الْخطاب ﵁ لقى اعرابيا فَقَالَ لَهُ هَل تحسن أَن تقْرَأ الْقُرْآن قَالَ نعم قَالَ لَهُ فاقرأ أم الْقُرْآن فَقَالَ الْأَعرَابِي وَالله مَا أحسن الْبَنَات فَكيف الْأُم قَالَ فَضَربهُ ثمَّ سلمه إِلَى معلم فَمَكثَ فِيهِ حينا ثمَّ هرب وَأَنْشَأَ يَقُول // (من الوافر) //
(أتيت مُهَاجِرين فعلّموني ... ثَلَاثَة أسطر مُتَتَابِعَات)
(كتاب الله فِي رقٍّ صَحِيح ... وآيات الْقُرْآن مفصّلات)
(وخطّوا لي أَبَا جادٍ بَيَانا ... وَقَالُوا سعفص وقريشات)
стр. 164
(وَمَا أَنا وَالْكِتَابَة والتّهجي ... وَمَا حظّ الْبَنِينَ من الْبَنَات)
ثمَّ ولي أَمر الْبَيْت بعدهمْ الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأَقَامَ دعائمه فَكَانَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة ثمَّ وليه ابْن ابْنه نابث بن اسمعاعيل ثمَّ العماليق هم أَوْلَاد عمليق أَو عملاق بن لاوذ بن سَام بن نوح فضيعوا حُرْمَة الْبَيْت وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ أموراً عظائم فَأخْرجهُمْ الله من الْحرم سلط الله عَلَيْهِم النَّمْل فَخَرجُوا إِلَى عدن وَإِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ثمَّ وَليهَا بعدهمْ أَبنَاء جرهم بن قحطان بن عَابِر وَهُوَ هود النَّبِي كَمَا تقدم ذكر ذَلِك ابْن شالغ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ وَقيل إِن جرهماً لَيْسَ هُوَ ابْن قحطان بل إِنَّمَا هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة أذْنب ذَنبا فأهبط إِلَى أَرض مَكَّة فَتزَوج امْرَأَة من العماليق فَولدت لَهُ جرهماً فَلذَلِك يَقُول الْحَارِث بن مضاض الجرهمي // (من الرجز) //
(لَا همّ إنّ جرهماً عِبَادك ... ألنّاس طرفٌ وهم تلادك)
(وهم قَدِيما عمّروا بلادك ... )
قلت كَأَن الْإِشَارَة بقوله تلادك إِلَى أَن هَذَا القَوْل دَلِيل لكَون أبي جرهم من الْمَلَائِكَة يستنتج ذَلِك من كَون معنى الطريف المَال المستجد والتلاد المَال الْقَدِيم المستأصل وَلَا شكّ أَن جنس الْملك أقدم وجودا من جنس بني آدم وَلكنه كَمَا ترى دَلِيل لَا يلمس إِلَّا بالأكف الرُّخْصَة الناعمة وَأول من ملك من جرهم مضاض بن عَمْرو بن سعد بن الرَّقِيب بن هني بن نبت بن جرهم بن قحطان قَالَ الأرزقي حَدثنِي جدي قَالَ حَدثنِي سعيد بن سَالم بن عُثْمَان بن سَاج قَالَ أَخْبرنِي ابْن إِسْحَاق فَذكر شَيْئا من خبر إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا وعَلى نَبينَا وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وشيئاً من خبر بني إِسْمَاعِيل ثمَّ قَالَ ثمَّ توفّي نابت بن إِسْمَاعِيل فولى بعده مضاض بن عَمْرو الجرهمي وَهُوَ جد نابت بن إِسْمَاعِيل أَبُو أمه وَضم بني نابت وَبني إِسْمَاعِيل إِلَيْهِ وصاروا إِلَى
стр. 165
جدهم أبي أمّهم مضاض بن عَمْرو الْمَذْكُور وَمَعَ أخوالهم من جرهم وجرهم وقطورا يَوْمئِذٍ أهل مَكَّة وعَلى جرهم مضاض بن عَمْرو ملكا عَلَيْهِم وعَلى قطورا رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ السميدع ملكا عَلَيْهِم وَكَانَا حِين ظعنا من الْيمن أَقبلَا سيارة فَلَمَّا نزلا مَكَّة رَأيا بَلَدا طيبا وآجاماً وشجراً فأعجبهما وَنزلا بِهِ فَنزل مضاض بن عَمْرو بِمن مَعَه من جرهم أَعلَى مَكَّة وقعيقعان فَجَاز ذَلِك وَنزل السميدع يعشر من دخل من أَسْفَلهَا وَمن كدى وكل فِي قومه على حَاله لَا يدْخل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه فِي ملكه ثمَّ إِن جرهماً وقطورا بغى بَعضهم على بعض وتنافسوا الْملك بهَا فَاقْتَتلُوا وشبت الْحَرْب بَينهم على الْملك وَولَايَة الْأَمر مَعَ مضاض وَبني نابت بن إِسْمَاعِيل وَبني إِسْمَاعِيل وَإِلَيْهِ ولَايَة الْبَيْت دون السميدع فَلم يزل الْبَغي حَتَّى سَار بَعضهم إِلَى بعض فَخرج مضاض بن عَمْرو من قعيقعان فِي كتبية سائرا إِلَى السميدع وَمَعَ كتبيته عدَّة من الرماح والدرق وَالسُّيُوف والجعاب فيقعقع ذَلِك مَعَه فَسمى ذَلِك الْجَبَل بقعيقعان لذَلِك وَخرج السميدع بقطورا من أجياد مَعَه الْخَيل والرماح فَيُقَال مَا سمى ذَلِك الْموضع أجياداً إِلَّا بِخُرُوج الْخَيل الْجِيَاد مَعَ السميدع مِنْهُ حَتَّى الْتَقَوْا بفاضح فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل السميدع وفضحت قطوراً فَيُقَال مَا سمى فاضح فاضحاً إِلَّا بذلك ثمَّ إِن الْقَوْم تداعوا إِلَى الصُّلْح فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا المطابخ شعبًا بِأَعْلَى مَكَّة يُقَال لَهُ شعب عبد الله بن عَامر بن كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس فأصطلحوا بذلك الشّعب واسملوا الْأَمر إِلَى مضاض بن عَمْرو فَلَمَّا جمع أَمر مَكَّة وَصَارَ ملكهَا لَهُ دون السميدع نحر للنَّاس وطبخ فأطعمهم فَيُقَال مَا سمى المطابخ مطابخ إِلَّا بذلك قَالَ وَكَانَ الَّذِي بَين مضاض بن عمروا والسميدع أول بغي كَانَ بِمَكَّة فِيمَا يَزْعمُونَ فَقَالَ مضاض بن عَمْرو الجرهمي فِي تِلْكَ الْحَرْب يذكر السميدع وَفعله وبغيه والتماسه مَا لَيْسَ لَهُ // (من الطَّوِيل) //
(وَنحن قتلنَا سيّد الحيّ عنْوَة ... فَأصْبح فِيهَا وَهُوَ حيران موجع)
(وَمَا كَانَ يَبْغِي أَن يكون سواؤنا ... بهَا ملكا حتّى أَتَانَا السّميدع)
(فذاق وبالاً حِين حاول ملكنا ... وعالج منّا غصّةً تتجرّع)
стр. 166
(فَنحْن عمرنا الْبَيْت كنّا ولاته ... ندافع عَنهُ من أَتَانَا وندفع)
(وَمَا كَانَ يَبْغِي أَن يَلِي ذَاك غَيرنَا ... وَلم يَك حيٌّ قبلنَا ثمّ يمْنَع)
(وكنّا ملوكاً فِي الدّهور الّتي مَضَت ... ورثنا ملوكاً لَا ترام فتوضع)
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَقد زعم بعض أهل الْعلم أَنه إِنَّمَا سميت المطابخ لما كَانَ تبع نحر بهَا وَأطْعم وَكَانَت منهلاً لَهُ وَذكر المَسْعُودِيّ ﵀ وَقدم السميدع على وَجه يُخَالف مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ وَأفَاد فِي ذَلِك مَا بعده فَاقْتضى ذَلِك ذكر مَا فِيهِ مِمَّا يلائم خبر الْمشَار إِلَيْهِم مِمَّا لَا بُد من ذكره لارتباط الْكَلَام بِهِ قَالَ المَسْعُودِيّ وَلما اسكن الله إِبْرَاهِيم وَولده مَكَّة مَعَ أمه هَاجر ثمَّ قَالَ وَكَانَ من خبر إِسْمَاعِيل وَخبر هَاجر مَا كَانَ إِلَى أَن أنبع الله زَمْزَم أقحط الشحر واليمن فتفرقت العماليق وجرهم وَمن هُنَالك من عَاد فيممت العماليق نَحْو تهَامَة يطْلبُونَ المرعى المخصبة وَعَلَيْهِم السميدع بن هوثر بن قيطور بن كركر بن عملاق فَلَمَّا أمعنت بَنو كركر فِي السّير وَقد عدمت المَاء والمرعى وَاشْتَدَّ بهم الْجهد أقبل السميدع بن هوثر يرتجز بِشعر لَهُم يحثهم على الْمسير ويشجعهم فِيمَا نزل بهم // (من الرجز) //
(سِيرُوا بني كركر فِي الْبِلَاد ... إنّي أرى ذَا الدّهر فِي فَسَاد)
(قد سَاد من قحطان ذُو الرّشاد ... )
فَأَشْرَف روادهم على وَادي مَكَّة فنظروا إِلَى الطير ترفع وتخفض فاستنبطوا الْوَادي فنظروا إِلَى الْعَريش على الربوة الْحَمْرَاء يَعْنِي عَرِيش هَاجر الَّذِي صَنعته فِي مَوضِع الْبَيْت الشريف لِأَنَّهُ ذكر أَنه كَانَ ربوة حَمْرَاء وَفِي الْعَريش هَاجر وَإِسْمَاعِيل ثمَّ قَالَ فَسلم الرواد عَلَيْهَا واستأذنوها فِي نزولهم وشربهم من المَاء فأنست إِلَيْهِم وأذنت لَهُم فِي النُّزُول فتلقوا من عداهم من أهلهم وأخبروهم خبر المَاء فنزلوا الْوَادي مُطْمَئِنين مستبشرين بِالْمَاءِ وَلما أَضَاء لَهُم الْوَادي من نور النُّبُوَّة وَمَوْضِع الْبَيْت الْحَرَام ثمَّ قَالَ تسامعت جرهم ببني كركر ونزولهم الْوَادي وَمَا فِيهِ من الخصب ودرور الضروع وهم فِي حَال قحط فَسَارُوا نَحْو مَكَّة وَعَلَيْهِم الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو بن سعد بن رَقِيب بن ظَالِم بن نبت بن جرهم حَتَّى أَتَوا الْوَادي ونزلوا
стр. 167
على مَكَّة واستوطنوا الدَّار مَعَ إِسْمَاعِيل وَمن تقدمهم من العماليق من بني كركر وَقد قيل فِي بني كركر إِنَّهُم من جرهم فَإِن السُّهيْلي ذكر مَا يَقْتَضِي أَن قطورا الَّذين مِنْهُم السميدع هَذَا من جرهم وَالْأَشْهر أَنهم من العماليق وَالله أعلم وَذكر الشَّيْخ فتح الله بن مُوسَى بن حَمَّاد الأندلسي فِي كتاب لَهُ نظم فِيهِ السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق خَبرا طَويلا فِيهِ مَا يُخَالف مَا ذكره المَسْعُودِيّ والسهيلي فِي نسب جدهم جرهم وَفِيه مَا يُخَالف مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي سَبَب تَسْمِيَة قعيقعان وأجياد وفاضح والمطابخ فَاقْتضى ذكره لإِفَادَة ذَلِك وَغَيره من الْفَوَائِد وَهُوَ أَن إلْيَاس بن مُضر قَالَ سَأَلت عمي إياد بن نزار عَن أصل مَاله وَكَانَ متمولاً فَذكر أَنه مرت عَلَيْهِ سنُون وَلم تبْق لَهُ سوى عشرَة أبعر يعود بكراها على أَهله وَذكر أَنه كَانَ ابكر اخوته الثَّلَاثَة مُضر وَرَبِيعَة وإنمار ثمَّ قَالَ فَخرج إياد إِلَى الشَّام بجماله فَلم يجد من يكتري مِنْهُ فَسمع صَوتا كالرعد يُنَادي من يحملني إِلَى الْحرم وَله وقر جمله درا وياقوتاً وعقياناً وَلَا يجِيبه أحد فتتبع الصَّوْت إِلَى ان وجد رجلا أعمى كالنخلة السحوق ولحيته تناطح رُكْبَتَيْهِ فهمه ذَلِك فَقَالَ يَا شيخ عِنْدِي حَاجَتك فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ أَنْت اياد بن نزار فَقَالَ نعم قَالَ فَمن عرفك باسمي قَالَ علم عِنْدِي من جدي إِن إياد بن نزار يرد الْحَارِث بن مضاض إِلَى مَكَّة من طول غربته فَقَالَ كم جملا عنْدك قَالَ عشرَة قَالَ تكفيني قلت هَل مَعَك غَيْرك قَالَ لَا وَلَكِنِّي إِنَّمَا أركب الْجمل يَوْمًا ويختل فَقلت قد لفظت لَهُ بِحمْلِهِ فَلَا أَعُود وبيننا وَبَين مَكَّة عشر مراحل فَحَملته وَكلما خر جمل قطرته إِلَى آخر وأبدلت غَيره إِلَى أَن عَارَضنَا مَكَّة فَقَالَ يَا بني إِنِّي أحس الْجمل يجمزني جمزاً وَأَظنهُ وَاقعا حول جبل المطابخ قلت نعم قَالَ اسْمَع آخر كَلَامي قلت لَهُ نعم قَالَ أَنا الْحَارِث بن مضاض بن عبد الْمَسِيح بن نَضْلَة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود ﵇ كنت ملك مَكَّة وَمَا والاها إِلَى هجر ومدين وَثَمُود وَكَانَ أخي عَمْرو بن مضاض ملكا قبلي وَكُنَّا نعلق التيجان على رءوسنا يَوْمًا وَيَوْما نعلقها بِبَاب الْحرم فَحَضَرَ يَهُودِيّ بدر وَيَاقُوت فَاشْترى مِنْهُ أخي مَا شَاءَ الله وأنصفه فِي الثّمن وأوفاه فَبَاعَ أفخره على السوقة فَسمع أخي فَانْتزع جَمِيع مَا كَانَ مَعَه فاغتال الْيَهُودِيّ حارس
стр. 168
التَّاج بِبَاب الْحرم فَقتله وَحمل التَّاج فَلم يعرف الْخَبَر إِلَّا من رَآهُ بِبَيْت الْمُقَدّس فَأرْسل أخي إِلَى ملكهم قاران من سبط بنيامين بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم أَن يردهُ وَيَأْخُذ حق الْيَهُودِيّ فَلم يفعل فَخرج إِلَيْهِم أخي فِي مِائَتي ألف وَخمسين ألفا من اجناده وَمن العمالقة وقضاعة واستنصر قاران ياسيف هِرقل فَخرج إِلَيْنَا فِي مِائَتي ألف وَجَمَاعَة من أهل الشَّام فَسَارُوا إِلَيْنَا ونزلوا شَرْقي هَذَا الْجَبَل ونزلنا غَرِيبه وأوقد كلنا النيرَان وطبخوا وطبخنا فَسمى هَذَا جبل المطابخ ثمَّ نزلنَا قعيقعان فتقعقعنا نَحن وهم بالحجن وَالسِّلَاح فَسمى الْجَبَل قعيقعان ثمَّ لما اصطففنا خرج أخي وَقَالَ أَنا الْملك عَمْرو بن مضاض فابرز إِلَى ياسيف فَمن ظفره الله كَانَ الْملك لَهُ فَقتله أخي على ربوة فاضح فَنزل إِلَيْهِ فجره بِرجلِهِ وفضحه بذلك فسميت تِلْكَ الربوة ربوة فاضح وَامْتنع قاران من الْوَفَاء بِمَا الْتَزمهُ سيف فقاتلناهم فَقتل أخي قاران فَانْهَزَمُوا وتبعناهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس فأذعنوا للطاعة فَتزَوج أخي مِنْهُم برة بنت شَمْعُون وَلم يكن فِي زمانها أجمل مِنْهَا فشفعت عِنْده أَن يرحل عَن قَومهَا فَرَحل فَلَمَّا بلغ مَكَّة وَكَانَ عِنْدهَا مائَة رجل من أَعْيَان بني إِسْرَائِيل رهائن على الطَّاعَة فَلَمَّا كَانُوا بأجياد سمت زَوجته حسكة من حَدِيد وألقتها فِي فرَاشه فَلَمَّا نَام عَلَيْهِ شيك بِتِلْكَ الحديدة فَمَاتَ وهربت الزَّوْجَة فِي الرهائن الْمِائَة على نجب أعدوها فلحقناهم وأحضرناهم فَأمرت بِقَتْلِهِم فَقَالَ أَوَّلهمْ للسياف لَا تخْفض وَلَا ترفع وَانْزِلْ بسيفك على الأجياد فَسمى مَوضِع قَتلهمْ بأجياد وملكت وَتَزَوَّجت بعده وقصدتني بَنو إِسْرَائِيل بِجُنُود عَظِيمَة وَمَعَهُمْ تَابُوت آدم ﵇ الَّذِي فِيهِ السكينَة وَالزَّبُور فهزمتهم وَأخذت جرهم التابوت فدفنته فِي مزبلة فنهيتهم فعصوني فَأَخْرَجته لَيْلًا وَوضعت مَكَانَهُ تابوتا يُشبههُ ونهاهم عَنهُ الهميع بن نبت بن قيدار بن إِسْمَاعِيل فَأَبَوا فاعطيته التابوب فَسلط الله عَلَيْهِم هم والعمالقة عللاً كَثِيرَة فماتوا إِلَّا من كره فعهلم فملكت ابْني عمرا وَخرجت أجول فِي الأَرْض فَضربت الْأَمْثَال بغربتي ثمَّ سَار بِهِ إياد إِلَى شعب الأثل عِنْد غيضة زيتون فَقَالَ يَا بني قد خلونا وثالثنا الشَّاهِد الْعَالم الْوَاحِد وَإِذا
стр. 169
أسديت إِلَى الْمَرْء نعْمَة وَجب عَلَيْهِ شكرها وَقد أسديت إِلَيّ نعْمَة وَجب عَليّ شكرها فعلي لَك النَّصِيحَة أَو أقع فِي الفضيحة أنبئك بِمَا ينجيك وَالَّذِي بِهِ أهديك أحب إِلَيّ مِمَّا يُغْنِيك يَا بني هَل ولد فِي آل مُضر مَوْلُود اسْمه مُحَمَّد قلت لَا قَالَ إِنَّه سيولد وَيَأْتِي حِينه ويعلو دينه وَيقبل أَوَانه ويشرف زَمَانه فَإِن أَدْرَكته فَصدق وحقق وَقبل الشامة الَّتِي بَين كَتفيهِ
وَقل لَهُ يَا خير مَوْلُود دَعَوْت إِلَى خير معبود فأجب وَلَا تجب ثمَّ أَتَى إِلَى صَخْرَة مطبقة على صَخْرَة فقلعها وَدخل مِنْهَا سرباً إِلَى أَن دخل بَيْتا فِيهِ أَرْبَعَة أسرة سَرِير خَال وَثَلَاثَة عَلَيْهَا ثَلَاثَة رجال وَفِي الْبَيْت كرْسِي در وَيَاقُوت وعقيان ولجين فَقَالَ لي خُذ وقر جملك لَا غير وَقَالَ لي هَذَا الَّذِي على يسَار سَرِيرِي الْخَالِي مضاض أبي وَالَّذِي على يسَاره ابْنه عبد الْمَسِيح وَالَّذِي على يسَاره ابْنَته نفيلة وعَلى رَأس نفيلة لوح من رُخَام فِيهِ مَكْتُوب أَنا نفيلة بنت عبد المدان عِشْت خَمْسمِائَة سنة فِي ظلّ الْملك فَلم يُنجنِي من الْمَوْت وعَلى رَأس عبد الْمَسِيح أَنا عبد الْمَسِيح بن مضاض عِشْت مائَة سنة وَركبت مائَة فرس وافتضضت مائَة بكر وَقتلت مائَة مبارز وهزمت الرّوم بالروزب لَعَلَّه اسْم مَكَان وَلم يكن لي بُد من الْمَوْت ثمَّ اسْتَوَى على سَرِيره الْخَالِي وَذَا على رَأسه لوح مَكْتُوب فِيهِ أَنا الْحَارِث بن مضاض عِشْت أَرْبَعمِائَة سنة ملكت مائَة سنة وطفت فِي الأَرْض ثَلَاثمِائَة سنة متغرباً بعد هَلَاك قومِي جرهم ثمَّ قَالَ يَا بني ناولني القارورة الَّتِي فِي تِلْكَ الكوة فناولته إِيَّاهَا فَشرب نصفهَا وادهن بِنِصْفِهَا وَقَالَ إِذا أتيت إخْوَتك وقومك وَقَالُوا لَك من أَيْن هَذَا المَال قل لَهُم إِن الشَّيْخ الَّذِي حَملته هُوَ الْحَارِث بن مضاض الجرهمي فهم يكذبُونَك فَقل لَهُم إِن آيتي الْحجر المدفون بجوار زَمْزَم وَفِيه مقَام إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَفِي الْحجر الَّذِي يَلِيهِ شعر الْحَارِث وَهُوَ قَوْله كَأَن لم يكن الأبيات الْآتِي ذكرهَا ثمَّ قَالَ ناولني القارورة الْأُخْرَى فناولته فَشربهَا فصاح صَيْحَة فَمَاتَ لحينه فَخرجت بِمَا معي من المَال انْتهى قَالَ الفاسي بعد ذكره لهَذَا الْخَبَر الغربيب فَانْظُر إِلَى مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْحِكَايَة من الْمُخَالفَة لما نَقله صَاحب السِّيرَة من أَن هَذَا الشّعْر لعَمْرو بن الْحَارِث بن
стр. 170
مضاض وَهُوَ هُنَا لوالده قَالَ وَيُمكن الْجمع بِأَن يكون وَلَده تمثل بِمَا قَالَه وَالِده لما فارقوا مَكَّة ثَانِيًا وَالله أعلم بالحقائق فأقامت جرهم فِي ولَايَة الْبَيْت ثَلَاثمِائَة سنة ثمَّ أخرجهم مِنْهَا بَنو بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة لأَنهم رَأَوْا استحلال جرهم لحُرْمَة الْبَيْت حَتَّى إِنَّه فسق رجل مِنْهُم بِامْرَأَة فِي جَوف الْكَعْبَة فمسخا حجرين فوضعتهما خُزَاعَة بعد ذَلِك أَحدهمَا على الصَّفَا وَالْآخر على الْمَرْوَة بعد أَن كَانَا فِي جَوف الْكَعْبَة وهما اساف ونائلة فَقَامَ فهيم مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو خَطِيبًا فَقَالَ يَا قوم احْذَرُوا الْبَغي فقد رَأَيْتُمْ من كَانَ قبلكُمْ من العمالقة حِين استخفوا بِالْبَيْتِ فَلم يعظموه أخرجُوا وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وتمزقوا كل ممزق فَلَا تستخفوا بِحَق بَيت الله يخرجكم الله تَعَالَى مِنْهَا فَتَهْلكُوا فَلم يطيعوه ودلاهم الشَّيْطَان بغرور وَقَالُوا من يخرجنا وَنحن اغر الْعَرَب وأكثرها رجَالًا وسلاحا فَقَالَ لَهُم جَاءَ إِذا جداء أَمر الله بَطل مَا تَقولُونَ فَلَمَّا رأى مضاض بن عَمْرو ذَلِك عمد إِلَى غزالين من ذهب كَانَا فِي الْكَعْبَة فِي جبها الْكَائِن بجوفها المجعول لحفظ مَا يهدي إِلَيْهَا من الْأَمْوَال والذخائر والنفائس وَإِلَى مَا فِيهِ من الْأَمْوَال والأسياف المهداة للكعبة فدفنها فِي بِئْر زَمْزَم وَكَانَ قد نضب مَاؤُهَا فحفرها بِاللَّيْلِ وأعمق وَدفن فِيهَا الغزالين وَتلك الْأَمْوَال وطمس الْبِئْر إِلَى أَن أَخذ جَمِيع ذَلِك عبد الْمطلب حِين أرشد إِلَى حفرهَا فِي النّوم بعد ذَلِك وضربها صَفَائِح وَجعلهَا بَابا للكعبة وَاعْتَزل جرهماً وَأخذ مَعَه بني إِسْمَاعِيل وَخرج من مَكَّة فَجَاءَت بَنو بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة وغسان بن خُزَاعَة وأخرجت جرهماً من الْبِلَاد وَوليت بَنو بكر أَمر الْبَيْت وصاروا أَهله وجاءهم بَنو إِسْمَاعِيل فَكَانُوا قد اعتزلوا الْحَرْب بَين جرهم وَبَين بني بكر وَلم يدخلُوا بَينهمَا فَسَأَلَ بَنو إِسْمَاعِيل من بني بكر السكني بِمَكَّة فانهم كَانُوا قد اخْرُجُوا مِنْهَا لما كَثُرُوا وانتشروا ونموا وَضَاقَتْ عَلَيْهِم مَكَّة وخئولتهم جرهم هم وُلَاة الْبَيْت وإليهم أمره لَا تنازعهم بَنو إِسْمَاعِيل فِي ذَلِك لخئولتهم وقرابتهم فَلَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْهِم مَكَّة انتشروا فِي الْآفَاق فَلَا يأْتونَ قوما وَلَا ينزلون منزلا وَلَا يدْخلُونَ بَلَدا إِلَّا أظهرهم الله عَلَيْهِم بدينهم وهم يَوْمئِذٍ على دين إِبْرَاهِيم ﵊ فَأَذنت بَنو بكر لبني إِسْمَاعِيل فِي السُّكْنَى
стр. 171
واستأذنهم مضاض بن عَمْرو وَكَانَ قد اعتزل الْحَرْب أَيْضا بَين الْفَرِيقَيْنِ بجرهم وَبني بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة فَأَبَوا ذَلِك وَقَالُوا من قَارب الْحرم من جرهم فِي السُّكْنَى مَعَهم بِمَكَّة فدمه هدر فَدخلت إبل لمضاض بن عَمْرو مَكَّة فأخذتها بَنو بكر وصاروا ينحورن مِنْهَا ويأكلون فتبع مضاض بن عَمْرو أَثَرهَا فَوَجَدَهَا دخلت مَكَّة فسلك الْجبَال حَتَّى علا على أبي قبيس يبصر إبِله بِبَطن الْوَادي فأبصر الْإِبِل تنحر وتؤكل وَلَا سَبِيل إِلَى استنقاذها وَرَأى إِن هَبَط الْوَادي قتل فولى منصرفاً إِلَى أَهله وَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصّفا ... أنيسٌ وَلم يسمر بمكّة سامر)
(وَلم يتربّع واسطاً فجنوبه ... إِلَى المنحنى من ذِي الأراكة حَاضر)
(بلَى نَحن كنّا أَهلهَا فأبادنا ... صروف اللَّيَالِي والجدود العواثر)
(وأبدلنا عَنْهَا الأسى دَار غربةٍ ... بهَا الذّئب يعوي والعدوّ محاصر)
(وكنّا وُلَاة الْبَيْت من عهد نابتٍ ... نطوف بِهَذَا الْبَيْت وَالْخَيْر حَاضر)
(وكنّا لإسماعيل صهراً وجيرةً ... وأبناؤه منّا وَنحن الأصاهر)
(فأخرجنا مِنْهَا المليك بقدرةٍ ... كَذَا قبلنَا بالنّاس تجْرِي المقادر)
(وصرنا أحاديثاً وكنّا بغبطةٍ ... كَذَلِك عضّتنا السّنون الغوابر)
(وسحّت دموع الْعين تجْرِي ببلدةٍ ... بهَا حرمٌ أمنٌ وفيهَا المشاعر)
(بوادٍ أنيسٍ لَا يطار حمامه ... وَلَا بَرحت تأوي إِلَيْهِ العصافر)
(وفيهَا وحوشٌ لَا ترام أنيسةٌ ... إِذا خرجت مِنْهَا فَلَيْسَتْ تغادر)
(فيا لَيْت شعري هَل يعمّر بَعدنَا ... جِيَاد ومفضى سَبيله والظواهر)
(وَهل فرجٌ يَأْتِي بشيءٍ نريده ... وَهل جزعٌ ينجيك ممّا تحاذر)
وَانْطَلق مضاض بن عَمْرو وَمن تبعه من الْيمن وهم محزونون على مُفَارقَة مَكَّة ثمَّ ولي أَمر مَكَّة وَالْبَيْت بَنو إياد بن نزار كَانَ أَمر الْبَيْت إِلَى رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ وَكِيع بن سَلمَة بن زهر بن إياد بن نزار فَبنى صرحاً بِأَسْفَل مَكَّة عِنْد سوق الخياطين وَجعل فِيهِ محلا يُقَال لَهُ الْحَزْوَرَة وَبهَا سمى ذَلِك الْمحل حزورة إِلَى الْآن وَجعل فِيهَا سلما يرقاه وَكَانَ يزْعم أَنه يُنَاجِي الله تَعَالَى وَكَانَ يَقُول ربكُم ليجزين بِالْخَيرِ ثَوابًا وبالشر عقَابا وَكَانَ يَقُول من فِي الأَرْض عبيد لمن فِي
стр. 172
السَّمَاء وَلما حَضرته الْوَفَاة جمع قومه فَقَالَ اسمعوا وصيتي الْكَلَام كلمتان وَالْأَمر بعد الْبَيَان من رشد فَاتَّبعُوهُ وَمن غوى فَارْفُضُوهُ وكل شَاة معلقَة برجلها وَلما مَاتَ رثاه بشر الحَجبي فَقَالَ // (من المتقارب) //
(وَنحن إيادٌ عباد الْإِلَه ... ورهط مناجيه فِي السّلّم)
(وَنحن وُلَاة حجاب الْعَتِيق ... زمَان النّخاع على جرهم)
ثمَّ ولي مَكَّة مُضر وَسبب ولايتهم بهَا أَن رجلا من إياد ورجلاً من مُضر خرجا يتصيدان فمرت بهم أرنب فاكتنفاها يرميانها فَرَمَاهَا الْإِيَادِي فزل سَهْمه فنظم قلب المضري فَقتله فَبلغ الْخَبَر مُضر فاستغاثت بفهم وعدوان يطْلبُونَ بهم قَود صَاحبهمْ فَقَالَت اياد إِنَّمَا اخطأه السهْم فَأَبت فهم وعدوان إِلَّا قَتله وَرَأَتْ إياد من مُضر عَلامَة الظفر عَلَيْهِم فطلبوا أجل ثَلَاثَة أَيَّام فوافقهم مُضر على ذَلِك وأجابوهم إِلَيْهِ فَخرجت إياد بعد الْمدَّة إِلَى جِهَة الْمشرق فتبعتهم فهم وعدوان فَقَالُوا ردوا نسَاء مُضر المتزوجات فِيكُم فَقَالُوا لَا تقطعوا قرابتنا اعرضوا على النِّسَاء فأية امْرَأَة اخْتَارَتْ قَومهَا رددتموها وَإِن أحبت الذّهاب مَعَ زَوجهَا أعرضتم عَنْهَا قَالُوا فَكَانَ أول من اخْتَار أَهله امْرَأَة من إياد وَمِمَّنْ ولي مَكَّة من مُضر أَسد بن خُزَيْمَة وضبة وَهُوَ الَّذِي ولي الْحجاز واليمن لِسُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِيه يَقُول الشَّاعِر // (من المتقارب) //
(وَقد كَانَ ضبة رب الْحجاز ... تجبى إِلَيْهِ إتاواتها)
(فَمن كلّ ذِي إبلٍ ناقةٌ ... وَمن كلّ ذِي غنمٍ شَاتِهَا)
وَهَذَا ضبة هُوَ وَأَخُوهُ أد ابْنَانِ لطابخة بن إلْيَاس بن مُضر ثمَّ ولي أَمر الْبَيْت وَمَكَّة خُزَاعَة وَسبب ولايتهم لَهَا أَنه لما وَقع لإياد مَا وَقع وَكَانَت إياد اقتلعوا الْحجر الْأسود ليسافروا بِهِ فَحَمَلُوهُ على بعير فبرك وَلم يقم ثمَّ على بعير آخر فَكَذَلِك فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك دفنوه تَحت شَجَرَة وَكَانَت تراهم امْرَأَة من النِّسَاء اللَّاتِي مَعَهم من خُزَاعَة فَلَمَّا أَن رجعت إِلَى مُضر ورأتهم يجتهدون فِي تَحْصِيل الْحجر مظهرين من التَّعَب لعدم وجدانه قَالَت لقومها إِنِّي أعلم مَحَله فَخُذُوا عَلَيْهِم الْعَهْد أَن يولوكم حجابة الْبَيْت إِن دللتموهم عَلَيْهِ فَأخذ خُزَاعَة من مُضر ذَلِك فدلتهم الْمَرْأَة عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ وأعادوه مَكَانَهُ فَصَارَ لَهُم حكم ولَايَته بِهَذَا
стр. 173
السَّبَب وَكَانَت مُدَّة ولايتهم ثلاثمئائة سنة وَسَار بعض التبابعة لإِرَادَة هدم الْبَيْت وتخريبه فَقَامَتْ دونه خُزَاعَة وقاتلت عَلَيْهِ أَشد الْقِتَال وَأول من ملك مِنْهُم عَمْرو بن لحي بن ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر بن مزيقيا بن مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة ابْن مَازِن بن الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابْن يعرب بن قحطان هَكَذَا نسبه ابْن هِشَام وَابْن حزم وَابْن الْكَلْبِيّ وَقد اخْتلف فِي سَبَب ملك خُزَاعَة لمَكَّة فَذكر صَاحب الأرج المسكي فِيمَا تقدم قَرِيبا أَن سَبَب ذَلِك دلَالَة تِلْكَ الْمَرْأَة الْخُزَاعِيَّة مُضر على مَوضِع الْحجر لما دَفَنته إياد حَال خُرُوجهمْ وَاشْتِرَاط خُزَاعَة على مُضر توليتهم حجابة الْبَيْت وَأَخذهم الْعَهْد عَلَيْهِم فِي ذَلِك فولوه وَذكر الزبير بن بكار عَن أبي عُبَيْدَة شَيْئا من خبر خُزَاعَة وجرهم فَقَالَ فاجتمعت خزاعية ليحلوا من بَقِي من جرهم وَرَأس خُزَاعَة عَمْرو بن لحي وَاسم لحي ربيعَة فَاقْتَتلُوا وَوَقعت بَينهم حروب شَدِيدَة طَوِيلَة ثمَّ إِن خُزَاعَة غلبت جرهماً على الْبَيْت وَخرجت جرهم حَتَّى نزلت وَادي إضم فَجَاءَهُمْ سيل بِاللَّيْلِ فهلكوا جَمِيعًا قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت من شعر لَهُ
(وجرهمٌ دمثوا تهَامَة فِي الدَّهْر ... فسالت بِجَمْعِهِمْ إضم)
وَكَانَ عَمْرو بن لحي أول من غير دين إِبْرَاهِيم ﵊ فَإِنَّهُ خرج إِلَى الشَّام واستخلف على الْبَيْت وَمَكَّة رجلا من بني ضخم يُقَال لَهُ آكل الْمَرْوَة وَعَمْرو بن لحي يَوْمئِذٍ وَأهل مَكَّة على دين إِبْرَاهِيم على نَبينَا وَعَلِيهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَمَّا قدم الشَّام نزل بالبلقاء فَوجدَ قوما يعْبدُونَ اوثاثنا فَقَالَ مَا هَذِه الأنصاب الَّتِي أَرَاكُم تعبدونها فَقَالُوا أَرْبَاب نتخذها نستنصر بهَا على عدونا فننصر ونستشفى بهَا من الْمَرَض فنشفى فَوَقع قَوْلهم فِي نَفسه فَقَالَ هبوا لي مِنْهَا وَاحِدًا أتخذه ببلدي فَإِنِّي صَاحب بَيت الله الْحَرَام وإلي وَفد الْعَرَب من كل أَوب فَأَعْطوهُ صنماً يُقَال لَهُ هُبل فَحَمله حَتَّى نَصبه للنَّاس فتابعته الْعَرَب على ذَلِك
стр. 174
وروى الأرزقي خَبرا طَويلا فِي ولَايَة خُزَاعَة بعد جرهم فَتزَوج لحي أَبُو عَمْرو فهرة ابْنة عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض الجرهمي ملك جرهم فَولدت لَهُ عَمْرو بن لحي هَذَا وَبلغ بِمَكَّة وَفِي الْعَرَب من الشّرف مَا لم يبلغع عَرَبِيّ قبله وَلَا بعده فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ الَّذِي قسم بَين الْعَرَب فِي حطمة حطموها عشرَة آلَاف نَاقَة وَقد كَانَ أَعور عشْرين فحلاً وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ملك ألف نَاقَة فَقَأَ عين فَحل إبِله فَكَانَ قد فَقَأَ عشْرين فحلاً وَكَانَ أول من أطْعم الْحَاج بِمَكَّة سديف الْإِبِل ولحمها على الثَّرِيد وَعم فِي تِلْكَ السّنة جَمِيع حَاج الْعَرَب بِثَلَاثَة أَثوَاب من برود الْيمن وَكَانَ قد ذهب شرفه كل مَذْهَب فَكَانَ قَوْله فيهم دينا مُتبعا لَا يُخَالف وَهُوَ الَّذِي بَحر الْبحيرَة وَوصل الوصيلة وَحمى الحامي وسيب السوائب وَنصب الْأَصْنَام حول الْكَعْبَة وَجَاء بهبل فنصبه فِي جَوف الْكَعْبَة فَكَانَت قُرَيْش وَالْعرب تستقسم عِنْده بالأزلام وَهُوَ أول من غير الحنيفية دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ أمره بِمَكَّة مُطَاعًا لَا يعْصى وَكَانَ بِمَكَّة رجل من جرهم على دين إِبْرَاهِيم وَكَانَ شَاعِرًا فَقَالَ لعَمْرو بن لحي حِين غير دين إِبْرَاهِيم ﵊ // (من مجزوء الْكَامِل) //
(يَا عَمْرو لَا تظلم بِمَكَّة ... إنّها بلدٌ حرَام)
(سَائل بعادٍ أَيْن هم ... وكذاك تخترم الْأَنَام)
(وَبنى العماليق الَّذين ... لَهُم بهَا كَانَ السّوام)
فَلَمَّا سمع عَمْرو بن لحي هَذَا الشّعْر أخرجه من مَكَّة فَنزل باضم من اعراض مَدِينَة النَّبِي
نَحْو الشَّام فَقَالَ الجرهمي يتشوق إِلَى مَكَّة // (من الطَّوِيل) //
(أَلا لَيْت شعري هَل أبيتنّ لَيْلَة ... وَأَهلي مَعًا بالمأزمين حُلُول)
(وَهل أرينّ العيس تنفخ فِي البرى ... لَهَا بمنى والمأزمين زميل)
(منَازِل كنّا أَهلهَا لم يحل بِنَا ... زمانٌ بهَا فِيمَا أرَاهُ يحول)
(مضى أوّلونا قانعين بشأنهم ... جَمِيعًا وغالتنا بمكّة غول)
وَاسْتمرّ ملكهم لَهَا ثَلَاثمِائَة سنة حَتَّى كَانَ آخِرهم حليل بن حبشية وَهُوَ الْقَائِل // (من الرجز) //
(وادٍ حرامٌ طيرهُ ووحشه ... نَحن ولاته فَلَا نفشه)
стр. 175
(وَابْن مضاضٍ قائمٌ يهشّه ... يَأْخُذ مَا يهدي لَهُ يمشّه)
وحليل هَذَا هُوَ آخر من ولي الْبَيْت من خُزَاعَة أَقُول وَرَأَيْت فِي تَارِيخ الفاسي خَمْسَة أَقْوَال فِي سَبَب خُرُوج جرهم من مَكَّة مِنْهَا هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَثَلَاثَة لم أذكرها تركا للتطويل من غير كَبِير فَائِدَة وَالله أعلم أَيهَا كَانَ هُوَ ثمَّ ولي أَمر مَكَّة قُرَيْش وهم ولد فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة وَقيل ولد النَّضر بن كنَانَة وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا وَأول من ولي مِنْهُم قضى بن كلاب تقدم ذكر ذَلِك ثمَّ تزوج قصي بعاتكة بنت فالح بن مَالك بن ذكْوَان من بني سليم فَأتى مِنْهَا بِعَبْد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد الدَّار وَعبد قصي قَالَ السُّهيْلي فِي شرح سيرة ابْن هِشَام عبد منَاف اسْمه الْمُغيرَة وَهُوَ مَنْقُول من الْوَصْف وَالْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة أَي أَنه مغير على الْأَعْدَاء أَو مغير من أغار الْحَبل إِذا أحكمه فَتلا وَعبد منَاف كَانَ يلقب قمر الْبَطْحَاء كَمَا ذكره المؤرخون وَكَانَت أمه حبى بنت حليل قد أخدمته مَنَاة وَهُوَ صنم عَظِيم كَانَ لَهُم فَكَانَ يُسمى بِهِ فَكَانَ يُقَال لَهُ عبد مَنَاة ثمَّ نظر أَبوهُ قصي فَوجدَ اسْمه يُوَافق عبد مَنَاة بن كنَانَة فحوله إِلَى عبد منَاف ذكره البرقي انْتهى قَالَ الْعَلامَة التقي الفاسي روينَا عَن الزبير بن بكار حَدثنِي أَبُو الْحسن الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة حَدثنَا خَالِد بن أبي عُثْمَان قَالَ كَانَ قصي أول من ثرد الثَّرِيد فأطعم بِمَكَّة وَسَقَى اللَّبن بعد نابت بن إِسْمَاعِيل فَقَالَ قَائِل وَلم يسموه هاشماً
(أشبعهم زيد قصي لَحْمًا ... ولبنا مَحْضا وخبزاً هشمياً)
وَقَالَ الزبير حَدثنِي عَمْرو بن أبي بكر المؤئلي عَن عبد الحكم بن سُفْيَان بن أبي نمر قَالَ لما ولد لقصي أول ولد سمته أمه عبد الدَّار فَذكر مَا ذكره السُّهيْلي
стр. 176
آنِفا فِيهِ قَالَ وَإِنَّمَا سمى عبد الدَّار لِأَنَّهُ حِين هدم الْكَعْبَة وَأَرَادَ بناءها حضر الْحَج قبل بنائها وَهِي مهدومة فأحاط عَلَيْهَا دَارا من خشب وربطها بالحبال لتدور النَّاس من وَرَاء الدَّار فولد لَهُ إِذا ذَاك فَسَماهُ عبد الدَّار وَأما عبد بن قصي فانه إِنَّمَا اسماه فِي الأول عبد قصي فَكَانَ بذلك يدعى ثمَّ أمال اسْمه فَقيل عبد بن قصي وَقَالَ غير الموئلي قَالَ قصي ولد لي فسميت اثْنَيْنِ بإلهيّ يَعْنِي مَنَاة والعزى وَسميت الثَّالِث بداري وَسميت الرَّابِع بنفسي يَعْنِي عبد الدَّار وَعبد قصي انْتهى وَقَوْلِي ثمَّ تزوج قصي بعاتكة إِلَى آخِره هَكَذَا فِي الْمَوَاهِب وسيرة الْيَعْمرِي ابْن سيد النَّاس وَغَيرهمَا أَن أم عبد منَاف وَإِخْوَته هِيَ عَاتِكَة بنت فالح وَهُوَ مُخَالف لما ذكره السُّهيْلي والفاسي والأزرقي أَنَّهَا حبى بنت حليل بن حبشية وَنَصّ عبارَة الْأَزْرَقِيّ فَأَقَامَ قصي مَعهَا وَولدت لَهُ عبد الدَّار وَهُوَ أكبر وَلَده وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد قصي وَقد تقدّمت فَلَعَلَّ أَن يكون أكبر أَوْلَاده عبد الدَّار من حبى وَعبد منَاف من عَاتِكَة لَكِن عِبَارَته صَرِيحَة فِي أَن الْجَمِيع من حبى فَلْينْظر وَجه التَّوْفِيق وَكَانَ عبد منَاف قد شرف فِي زمَان أَبِيه هُوَ وَإِخْوَته فَلَمَّا مرض قصي قَالَ لِابْنِهِ عبد الدَّار لألحقنك بالقوم يَا بني وَإِن كَانُوا شرفوا عَلَيْك فَأعْطَاهُ الحجابة وَسلم إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَقَالَ لَا يدْخل رجل مِنْهُم الْكَعْبَة حَتَّى تكون أَنْت تفتحها لَهُ وَأَعْطَاهُ السِّقَايَة واللواء وَقَالَ لَا يشرب أحد بِمَكَّة إِلَّا من سقايتك وَلَا يعْقد لِوَاء لقريش لحربها إِلَّا أَنْت بِيَدِك وَجعل لَهُ الرفادة وَقَالَ لَا يَأْكُل أحد من أهل الْمَوْسِم إِلَّا من طَعَامك والرفادة خراج تخرجه قُرَيْش من أموالها فِي كل موسم فتدفعه إِلَى قصي فيصنع بِهِ طَعَاما للْحَاج فيأكله من لم يكن لَهُ سَعَة وَلَا زَاد وَكَانَ قصي فرض ذَلِك على قُرَيْش حِين جمعهم وَقَالَ لَهُم يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم جيران الله وَأهل بَيته وَحرمه وَإِن الْحَاج ضيف الله وزوار بَيته وهم أَحَق الأضياف بالكرامة فاجعلوا
стр. 177
لَهُم طهاما وَشَرَابًا أَيَّام الحجيج حَتَّى يصدروا عَنْكُم فَجعل قصي كل مَا كَانَ بِيَدِهِ من المناصب إِلَى وَلَده عبد الدَّار بن قصي وَكَانَ قصي لَا يُخَالف وَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء من صنعه فَكَانَ أمره فِي قومه من قُرَيْش حَيَاته ومماته كَالدّين المتبع لَا يعْمل بِغَيْرِهِ لعظم شَأْنه ونفوذ سُلْطَانه قَالَ ابْن إِسْحَاق ثمَّ إِن قصياً هلك فَقَامَ بِهَذِهِ المناصب وَلَده عبد الدَّار بعده ثمَّ إِن عبد منَاف تزوج بعاتكة بنت مرّة بن هِلَال بن فالح بن ذكْوَان من بني سليم فَأتى مِنْهَا بهاشم وَعبد شمس وَالْمطلب وَلَهُم اخ رَابِع يُسمى نوفلاً من امْرَأَة أُخْرَى يُقَال لَهَا واقدة بنت عَمْرو المازنية فَهُوَ فذ وَالثَّلَاثَة اشقاء والأولان من أُخْرَى يُقَال لَهَا واقدة بنت عَمْرو المازنية فَهُوَ فذ وَالثَّلَاثَة أشقاء والأولان من الثَّلَاثَة توءمان يُقَال خرجا وجبهة أَحدهمَا مُتَّصِلَة بجبهة الآخر ففصلا بِالْحَدِّ فتقطر الدَّم فَقَالَ بعض الْكُهَّان إِنَّه سيقع بَين ذريتهما دم إِلَى آخر الْأَبَد فَأَنت ترى مَا جرى بَين بني أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف وَبَين بني هَاشم بن عبد منَاف من الدِّمَاء قَدِيما وحديثاً وَالْأَمر لله سُبْحَانَهُ وَقد أَشَارَ إِلَى ذكر الْإِخْوَة طَالب بن أبي طَالب فِي قصيدة يرثي بهَا الْقَتْلَى من قُرَيْش يَوْم بدر // (من الطَّوِيل) //
(أَلا إنّ عَيْني أنفدت دمعها سكبا ... تُبكّي على كَعْب وَمَا إِن ترى كَعْبًا)
(أَلا إنّ كَعْبًا فِي الحروب تخاذلوا ... وأرداهم ذَا الدّهر واجترحوا ذَنبا)
(وعامر تبْكي للملمات غدْوَة ... فياليت شعر هَل أرى لَهما قربا)
(هما أخواي لن يعدّا لغيّةٍ ... تعدّ وَلنْ يستام جارهما غصبا)
(فيا أخوينا عبد شمسٍ ونوفلاً ... فدى لَكمَا لَا تبعثوا بَيْننَا حَربًا)
(وَلَا تصبحوا من بعد ودٍّ وأُلفةٍ ... أَحَادِيث فِيهَا كلّكم يشتكي النّكبا)
(ألم تعلمُوا مَا كَانَ فِي حَرْب داحسٍ ... وجيش أبي يكسوم إِذْ ملئوا الشّعبا)
(فَلَولَا دِفَاعُ الله لَا شَيْء غَيرُهُ ... لأَصبَحتمُ لَا تَمنَعُونَ لَكُم سِربَا)
(فَمَا إِن جَنَينَا فِي قريشٍ عَظِيمَة ... سوى أَن حمينا خير من وطيء التّربا)
(أَخا ثقةٍ فِي النّائبات مرزأ ... كَرِيمًا نثاهُ لَا بَخِيلًا وَلَا ذربا)
(يطِيف بِهِ الْعَافُونَ يغشونَ دارهُ ... يؤمّون نهراّ لَا نزوراً وَلَا صربا)
стр. 178
ثمَّ إِن بني عبد منَاف هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هشاما وَعبد شمس وَبِه كَانَ يكنى عبد منَاف يُقَال أَبَا عبد شمس وَالْمطلب ونوفلاً أَجمعُوا على أَن يَأْخُذُوا مَا بيَدي بني عبد الدَّار من الحجابة والسقاية واللواء والرفادة وَرَأَوا أَنهم أَحَق بذلك مِنْهُم لشرفهم وفضلهم وَتَفَرَّقَتْ قُرَيْش بَينهم مِنْهُم من يرى أَن عبد منَاف أَحَق بِهَذِهِ المآثر من بني عبد الدَّار وَمِنْهُم من يرى ابقاء بني عبد الدَّار على مَا جعله جدهم قصي لأبيهم عبد الدَّار فاجمعوا على الْحَرْب فتفرقت عِنْد ذَلِك قُرَيْش فَكَانَت طَائِفَة مَعَ بني عبد منَاف على رَأْيهمْ يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِهِ من بني عبد الدَّار لِمَكَانِهِمْ وشرفهم فِي قَومهمْ وَكَانَت طَائِفَة من بني عبد الدَّار يرَوْنَ أَنه لَا ينْزع مِنْهُم مَا كَانَ قصي جعله إِلَى أَبِيهِم عبد الدَّار وَكَانَ صَاحب أَمر بني عبد منَاف عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي وَذَلِكَ أَنه كَانَ أسن بني عبد منَاف وَكَانَ صَاحب أَمر عبد الدَّار عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي وَكَانَ بَنو أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَبَنُو زهرَة بن كلاب وَبَنُو تيم بن مرّة بن كَعْب وَبَنُو الْحَارِث بن فهر بن مَالك بن النَّضر مَعَ بني عبد منَاف وَكَانَ بَنو مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة وَبَنُو سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي وَبَنُو جمح بن عَمْرو بن هصيص وَبَنُو عدي بن كَعْب مَعَ بني عبد الدَّار وَخرجت عَامر بن لؤَي ومحارب بن فهر فَلم يَكُونُوا مَعَ أحد من الْفَرِيقَيْنِ فعقد كل قوم على أَمرهم حلفا مؤكداً على أَلا يتخاذلوا وَلَا يسلم بَعضهم بَعْضًا مَا أرسى ثبير وَمَا بل بَحر صوفه فَأخْرج بَنو عبد منَاف جَفْنَة مَمْلُوءَة طيبا أخرجتها لَهُم عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب وَقيل الْبَيْضَاء أم حَكِيم بنت عبد الْمطلب فَوَضَعُوهَا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ثمَّ مسحوا الْكَعْبَة توكيداً على أنفسهم فَسمى هَذَا الْحلف حلف المطيبين فتطيب بذلك بَنو عبد منَاف وَبَنُو أَسد وَبَنُو زهرَة وَبَنُو تيم وَبَنُو الْحَارِث بن فهر فسموا المطيبين وتعاقد بَنو عبد الدَّار وَبَنُو سهم وَبَنُو جمح وَبَنُو عدي وَبَنُو مَخْزُوم ونحروا جزوراً وَقَالُوا من أَدخل يَده فِي دَمهَا فلعق مِنْهَا فَهُوَ منا فَفَعَلُوا ذَلِك هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل يسمون لعقة الدَّم وتحالفوا على التناصر وَألا يسلم بَعضهم بَعْضًا مَا أرسى ثبير فسموا الأحلاف لذَلِك
стр. 179
ثمَّ سوند بَين الْقَبَائِل وألزم بَعضهم بَعْضًا فعينت بَنو عبد منَاف لبني سهم وعينت بَنو أَسد لبني عبد الدَّار وعينت بَنو زهرَة لبني جمح وعينت بَنو الْحَارِث ابْن فهر لبني عدي بن كَعْب ثمَّ قَالَ لتكف كل قَبيلَة مَا أسْند إِلَيْهَا فَبَيْنَمَا النَّاس على ذَلِك قد أَجمعُوا للحرب إِذْ تداعوا للصلح فَاصْطَلَحُوا على أَن تكون السِّقَايَة والرفادة والقيادة لبني عبد منَاف واللواء والحجابة وَدَار الندوة لبني عبد الدَّار فتراضوا على ذَلِك وتحاجز النَّاس عَن الْحَرْب وَثَبت كل قوم على حلفهم فَلم يزَالُوا عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَقَالَ ﵊ مَا كَانَ من حلف فِي الجالهية فَإِن الْإِسْلَام لم يزده إِلَّا شدَّة وَحَيْثُ انجر الْكَلَام إِلَى ذكر حلف المطيبين وَحلف الفضول وَحلف الْأَحَابِيش وَحرب الْفجار الأول والفجار الثَّانِي روينَا فِي السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق تَهْذِيب ابْن هِشَام رِوَايَته عَن زِيَاد البكائي شَيْئا من خَبره وَنَصّ ذَلِك على مَا فِي السِّيرَة قَالَ ابْن هَاشم وَأما حلف الفضول فَحَدثني زِيَاد بن عبد الله عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ تداعت قبائل من قُرَيْش إِلَى حلف فَاجْتمعُوا لَهُ فِي دَار عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي لشرفه وسنه فَكَانَ حلفهم عِنْده وهم بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب وَبَنُو أَسد بن عبد الْعُزَّى وَبَنُو زهرَة بن كلاب وَبَنُو تيم بن مرّة فتعاقدوا وتعاهدوا على أَلا يَجدوا بِمَكَّة مَظْلُوما من أَهلهَا أَو غَيرهم مِمَّن دَخلهَا من سَائِر النَّاس إِلَّا قَامُوا وَكَانُوا على من ظلمه حَتَّى ترد عَلَيْهِ مظلمته فَسَمت قُرَيْش ذَلِك حلف الفضول
стр. 180
قَالَ ابْن هِشَام قَالَ ابْن إِسْحَاق فَحَدثني مُحَمَّد بن زيد بن المُهَاجر بن قنفذ التَّيْمِيّ أَنه سمع طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف الزُّهْرِيّ يَقُول قَالَ رَسُول الله
لقد شهِدت فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا مَا أحب أَن لي بِهِ حمر النعم وَلَو أدعى بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت انْتهى
следующие страницы →